المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ماذا فعلت التكنولوجيا بالأدب؟


توفيق بن علو
06-10-2012, 06:51 PM
قبل سنوات انتشرت في أميركا قصائد الموبايل التي تميزت بقابليتها للتداول السريع، بغض النظر عن قيمتها التي اختلف حولها. وقبل فترة ظهرت في اليابان رواية الموبايل، وتبين أن خمساً من بين أكثر الروايات توزيعا العام الماضي كانت تلك التي خرجت من رحم الجوال. في المنطقة العربية يعتبر طرح فكرة كهذه ترفاً، يتم التعامل معه كطرفة، لكن هذه التطورات تحدث إرباكاً في العالم أجمع لدرجة أن بعضهم يتحدث عن موت أنواع أدبية لصالح أخرى ناشئة. ماذا فعلت التكنولوجيا بالنصوص الأدبية؟ هذا ما نحاول فهمه في هذا المحور.


* قصائد وروايات طازجة من رحم الهاتف الجوال

* الأجهزة الإلكترونية تلد النصوص الأكثر مبيعاً

* القاهرة: إيهاب الحضري

* في مقالته المنشورة في أسبوعية «أخبار الأدب» في 24 فبراير الماضي، تحدث الناقد صبري حافظ عن روايات الجوال التي تغزو السوق اليابانية، بعد سنوات طويلة من «المانجا» أي الرواية المصورة التي عودت القراء على تقليص اللغة. انها رواية التلفون الجوال التي تتمتع بجماهيرية واسعة، وتبيع الواحدة منها مئات الآلاف النسخ، «تكتبها المرأة اليابانية على تلفونها الجوال أثناء اختلائها بنفسها في المواصلات العامة والقطارات، ثم تطبع بعد ذلك في كتب وتباع للقراء. ويعلل البعض ذلك بدقة أصابع المرأة اليابانية التي تمكنها من الكتابة بسهولة على أزرار الجوال. كما أن المؤسسة الأدبية اليابانية لم تتوقف عن مهاجمة هذه الرواية الجديدة لافقارها للغة، وتدميرها للبنية الروائية». بعيدا عن الاختلاف الياباني هل يمكن أن نتوقع عملا أدبياً عربياً شاركت التكنولوجيا في خلقه؟ سؤال يرى البعض أنه هزلي في أوضاع كالتي نعانيها!

الشاعرة غادة نبيل اكتشفت ان أحد اقربائها يكتب شعراً على الجوال، لكنها تعتقد أن القارئ لن يتقبل ذلك بسهولة، لأن: «ذائقة القارئ لدينا لا تزال تقليدية، وإذا كانت هناك شريحة تتعامل مع التقنية، فهذا لا يعني أنهم حداثيون تطوروا بنفس درجة تطور الأجهزة التي يستخدمونها». هل هي مشكلة قصيدة الجوال وحدها أم مشكلة الشعر مع المتلقي؟ تجيب غادة: «ذائقة القارئ لم تتدرب على الجديد، بدليل أن قصيدة النثر في مصر ما تزال لقيطة. الأمر لا يختلف في المغرب. فعندما كنت هناك كان الشعراء الشباب يلقون في الندوات قصائد موزونة رغم أن منهم من أرسل لي بعد ذلك قصائد نثرية، وكأنهم يختفون بها عن العيون». لغادة تجارب في كتابة قصيدة الجوال، تتحدث عنها قائلة: «عندما بدأت أكتب القصيدة العامية، كنت أفعل ذلك على الورق ثم أبعث بقصائدي لمن ارتبط معهم بصداقات حميمة، وأحيانا كنت أكتفي بإرسال مقاطع، لأن جهازي الموبايل عادي، وليس بالغ التطور. بعد ذلك بدأت أسجل على الجهاز ما يراودني، ثم أقوم بتعديل ما أكتب على الورق. لكنها ليست تجربة مكتملة، لأنها عفوية جدا، وجاءت نتيجة التجاوب الإنساني مع أصدقاء اكتشفت أن منهم من يكتب شعر العامية من دون أن أكون على علم بذلك». هل يمكن للتكنولوجيا أن تفرض شروطها في هذه الحالة؟ تجيب غادة نبيل: «بالتأكيد فإضافة إلى المساحة، يمكن أن يتم استبعاد مفردات والاستعانة بأخرى لمجرد أنها ستصبح أكثر وضوحا في رسائل الموبايل. لكننا عموما نحتاج إلى وقت طويل لكي تتحول التكنولوجيا إلى ثقافة».

تعتبر الشاعرة فاطمة ناعوت، واحدة من أوائل المبدعين الذين تعاملوا مع الحاسب الآلي، من خلال عملها كمهندسة معمارية. في زيارتها الأخيرة لروتردام بهولندا للمشاركة في الدورة 38 لمهرجان الشعر العالمي، فوجئت بإحدى الشركات الخاصة تطلب منها تسجيل قصيدة قصيرة بصوتها في حدود عشرين ثانية. المفاجأة لم يكن منبعها الطلب ذاته، وإنما الهدف منه: «انهم يفعلون ذلك لتسويق قصيدتي كـ«رنغ تون»، مثلها مثل الأغنيات والموسيقى، كانت المفاجأة أنهم يفعلون ذلك مع قصائد اصبح الجمهور يطلبها بلغاتها الأصلية وبصوت مبدعها، بعد أن مل الناس من النغمات التقليدية، لذلك فهم يوفرونها له ومعها ترجمة بالإنجليزية. ولنا أن نتخيل كم التنوع لأنهم يفعلون ذلك مع كثيرين وبلغات مختلفة. وهم يتعاملون مع الأمر بجدية، فقد عملوا معي عقد احتكار ليمنعوني من إعطاء القصيدة لشركة أخرى!! وأعطوني خمسين يورو مقابل ذلك».

ما هي حدود تعاملك مع هاتفك الجوال فيما يتعلق بالإبداع؟ تجيب: «عندما تلح علي قصيدة أثناء قيادتي السيارة، أتوقف وأكتبها على المحمول، حتى أصل إلى المنزل وأنقلها إلى الكمبيوتر». هل تتوقعين أن يكون هاتفك الجوال عنصراً أساسياً في صناعة قصيدة لك مستقبلا؟ ترد فاطمة ناعوت: «ممكن لأني اكتب قصائد على الجوال، لكني لا أتخيل ان اكتب رواية، واتساءل عن السبب وعندي كمبيوتر محمول مثلا». لأن الجوال متاح أكثر من أجهزة الكمبيوتر المحمولة، تعقيب ترد عليه فاطمة قائلة: «هناك أجهزة موبايل أكثر تطورا من الكمبيوتر، مثل هذا الذي أحمله، فأنا أضع عليه كتبا كاملة لأقرأها في أوقات الانتظار، ولا أجد ما يمنع أن أكتب قصيدة على الموبايل، لكنى سأعيد كتابتها على الكمبيوتر، لأنني لا أؤمن بالكتابة غير المنضدة، ولهذا يكون الجوال مجرد خطوة مرحلية». ألا يعني أن الإبداع في هذه الحالة سيكون حكرا على شريحة ثرية وقادرة على التعامل مع تكنولوجيا أكثر تطورا، بينما نحن نتحدث عن الجهاز كوسيلة أكثر انتشارا، تقول: «معك حق، ولكنك تتحدث عن كتابة مادة أدبية على موبايل، وبهذا ينصب الحديث على أجهزة هاتف متطورة. هل تعتقد أن المبدع يمكن أن يتفرغ للبحث عن الحرف في جهاز تقليدي يحوي كل زر منه أكثر من حرف وينسى القصيدة؟».

المشكلة عند الروائي محمد جبريل تبدو مختلفة، فهو ينقل الحديث عن التكنولوجيا والإبداع إلى شبكة الإنترنت ويقول: «قرات عددا من الروايات الرقمية فوجدت بها صنعة اكثر من الموهبة. أحدهم ذو شأن في اتحاد كتاب الإنترنت، عندما قرأت روايته شعرت أنه يكتب وهو يضع نصب عينيه أنه يستخدم التكنولوجيا، مما يجعل الأخيرة ظاهرة من دون ان يحتاجها العمل الإبداعي. حتى الآن لم يحدث أن قدم لي أحد رواية رقمية مقبولة. المسألة تحتاج الى غربلة. وليرحمنا النقاد، ويحددوا ما يستحق النظر كما يحدث مع الكتابات الورقية».

لكن هل يمكن أن تفرض إمكانيات الهاتف الجوال المحدودة معايير جديدة على العمل الأدبي، بحيث يصبح أقصر مثلا، يرد جبريل: «مسألة طول العمل أو قصره ليست مرتبطة بإمكانيات الجهاز، فبعض أعظم قصص القرن العشرين في اميركا اللاتينية لم تتجاوز كلمات قليلة، قد تسمح إمكانيات الجوال بكتابة قصص عظيمة. المحك الأساسي هل نحن أمام فنان حقيقي ام لا؟».

على بعد خطوات من جبريل تجلس زوجته الناقدة زينب العسال، وعبر شاشة جهاز كمبيوتر، تتابع ما تجود به الشبكة العنكبوتية، وجهة نظرها تبدو مؤيدة لزوجها: «إذا كنا نتحدث عن إبداع يستمد طبيعته من كون التقنية شاركت في خلقه، فنحن لا نزال فى بداية الطريق. أما الإبداع المنشور على «النت» فهو عادي جدا استعاض فيه المبدع عن الورقة بالشاشة». لكن الأمر لا يخلو من محاولات إضافة إلى أن «هناك محاولات لإحداث تفاعل بين الانواع، كأن يدخل الكاتب موسيقى او لوحة في سياق العمل الأدبي، لكني ارى ان معظم ذلك لا يدخل في صميم العمل، ويظل قاصرا على كونه نوعا من المؤثرات من دون أن يمتد لما هو أبعد، ربما لأننا حديثو العهد بالتقنيات، أو لأن مكانة الكتاب المطبوع لا تزال قائمة. أما الجوال فنستخدمه لإرسال النكات لا الإبداع». المقارنة بالخارج تبدو صادمة، تواصل العسال: «قرأت عن تجارب في الخارج تجعل من التقنية شريكاً أساسياً في الإبداع، وشعرت بانبهار، وأعتقد أننا لو فعلنا مثلهم سنقضي على مشكلة النشر. كما أن الكاتب في هذه الحالة سيحلق في آفاق جديدة، لكن المشكلة أننا نعاني خصومة في التعامل مع التكنولوجيا، ومعظم الأدباء الكبار يعتبرونها هدرا للوقت». القاعدة لا تخلو استثناءات: «هناك كاتب عراقي نسيت اسمه نشر فصلا من رواية له على الإنترنت بأسلوب شيق جدا يجعل القارئ يمضي فيما يشبه المتاهة، ليحدد بنفسه مسار الأحداث في العمل، وهو متخصص فى الكتابة على النت».


* «موت الرواية»: إنها تلفظ أنفاسها الأخيرة

* دمشق: ناظم مهنا

* الباحثة الفرنسية «إيزابيل هوسير» قالت في محاضرة بدمشق: «إن القرن الحالي قد يشهد موت الرواية، نتيجة تراجع الجانب المتخيل فيها لصالح العقلي والواقعي». ورأت أن الرواية لن تستمر بالتأقلم مع الحداثة، وقد تختفي كما اختفت الملحمة، والمتخيل قد يأخذ شكلاً جديداً بعيداً عن الرواية الحالية.

واستفاضت الناقدة في سرد تاريخ الرواية والانزياحات التي طرأت عليها، ورأت أن القرن السابع عشر شهد تغيراً كبيراً في شكل الرواية ومضمونها، حيث انحسرت الروايات البطولية، لتنشر الروايات الصغيرة ذات الطابع الغرامي، وبدأت قواعد علم الجمال تحل محل الخيال، وأشارت إلى أن الإنسان تصعب عليه الحياة من دون وجود جانب تخيلي في حياته. يشاركها هذا الرأي الروائي الأسباني ادوادو مندوثا الذي قال في حوار له: «إن ما نسميه رواية، لم يعد موجوداً. الرواية كانت تقوم بتفسير العالم، والآن تقوم الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى بذلك».

ورغم أن الحديث عن موت الرواية ليس جديداً في النقد الغربي، ويعود إلى عشرينات الماضي، ثم بلغ أوجه مع نهوض الموجات الجديدة من الفكر التشاؤمي، الذي أطلق سلسلة من النهايات، مثل: موت الايديولوجيا، وموت الشعر، وموت الرواية، وموت المؤلف، وموت التاريخ.. الخ. ولكن كان دوماً ثمة من يعتبر هذه الدعوات غير مقنعة. وتأتي هذه المقولة هنا في دمشق، في الوقت الذي يعتقد فيه الكثيرون أن الرواية العربية تعيش أزهى مراحلها، وطغت على كل الأجناس الأدبية، حتى هجر بعض الشعراء كتابة الشعر، ودخلوا في ركب الروائيين، يتنافسون معهم على نيل الجوائز المجزية التي تتكاثر بشكل لافت. وسبق للروائي الكبير حنا مينه أن قال: إذا كان الشعر ديوان العرب في العصور السالفة، فإن الرواية هي ديوان العرب في العصر الحالي. كثيرون هنا لن يوافقوا على ما ذهبت إليه الباحثة هوسير. لكن بعض الجدليين يرى أنه رأي يستحق التوقف عنده مطولاً.

رأي هوسير ليس صرخة في بيداء، فموت الرواية بشكلها الكلاسيكي، يطرح اليوم بقوة أكثر مما كان عليه. وبما أن الموضوع يأخذ طابعاً عولمياً، قد يكون من المفيد أن نلحظ كيف تمت إثارته والحجج الفكرية التي تؤيده أو تناقضه. الناقدة البريطانية سوزان سونتاغ تقول: «لقد شكلت أطروحات موت الرواية جزءاً من الجدل حول وضع الأدب منذ وقت طويل. لكن تلك الأطروحات بدأت مؤخراً تحدث قدراً أكبر من الضجة. ومنذ أن أصبح الكومبيوتر الأداة الأساسية للكتابة بالنسبة لأغلب الكتاب ازدادت التنبؤات بمستقبل جديد للأدب الروائي. وتقوم التنبؤات على الفكرة التالية: ان الرواية بالشكل الذي اعتدناه وصلت إلى نهايتها، ولكن لا داعي للحزن ـ يقول أصحاب هذه النظرية ـ هناك شيء أفضل وأكثر ديمقراطية سيحل مكانها، إنها الرواية المتفرعة التي تكتب في فضاء غير تتابعي، والتي أصبحت ممكنة بفضل الكومبيوتر.

ومن الذين ناقشوا مقولة موت الرواية، الروائي التشيكي ميلان كونديرا، الذي يرى أن «الابتسامة السعيدة والمغتبطة التي يتم بها الإعلان عن موت الرواية ابتسامة تافهة»! وانه شهد موت الرواية واختبره في المجتمعات الكليانية. ففي الاتحاد السوفياتي على مدى خمسين عاماً ظلت الرواية تعيد إنتاج شكلها مفرغاً من الروح. وهو برأيه حدث جسيم لما كانت قد حققته الرواية الروسية قبل النظام الشيوعي. ويطلق كونديرا على الروايات التي كانت تكتب هناك، روايات ما بعد تاريخ الرواية! ولكنه لا يريد الاعتراف بموت الرواية بهذه السهولة، يقول: «لا أريد أن أتنبأ بالمسارات المستقبلية للرواية، التي لا اعرف عنها شيئاً، أريد فقط أن أقول، إذا كان على الرواية فعلاً أن تختفي، فليس لأنها استنفدت قوتها، بل لأنها توجد في عالم ليس هو عالمها». ويرى كونديرا انه في خضم حركة بناء الحداثة التي أسستها أوروبا على العقلانية الديكارتية، تم نسيان الإنسان وكينونته، فأتت الرواية لتهتم به، ويتساءل: إذا كان سبب وجود الرواية هو أولاَ المحافظة على عالم الحياة، مضاء دائماً، وثانياً حمايتنا ضد نسيان الكينونة، أفلا يكون وجود الرواية ضرورياً اليوم أكثر من أي وقت مضى؟!

وإذا كان كتاب ونقاد الروايات اليوم يرون موت الرواية، بشكلها المتعارف عليه، كما كانت عند ديستوفسكي وتولستوي، وذلك بسبب تغير الواقع وتعدد الوسائط التواصلية، فإن كتاباً كانوا قد سبقوهم في الإشارة إلى موت الرواية. فمنذ رواية «يوليسيس» لجيمس جويس رأى إليوت فيها هجراً لشكل الرواية وليس استمراراً لها. وكان إليوت يرى أن الرواية ختمت بفلوبير وهنري جيمس، ويقول: «لا ألتمس فضلاً إذا دعوت يوليسيس رواية، وإن أنت سميتها ملحمة، فلا بأس، فإن لم تكن رواية فذلك ببساطة لأن الرواية شكل لم يعد يفيد». بالنسبة لإليوت، فإن جيمس جويس كتب رواية واحدة: «صورة الفنان في شبابه»، ووندهام لويس كتب أيضاً رواية واحدة: «تار». ويقول إليوت: لا أفترض أن أياً منهما سيكتب رواية أخرى، فقد صارت رواياتهما بلا شكل أكثر من روايات عشرات الكتاب ممن لا يعرفون أن مصيرها إلى الزوال. والنقاد الذين نظروا لموت الرواية منذ ستينات القرن الماضي، يصفون الروايات التي ما زالت تكتب بأنها روايات ما بعد نهاية الرواية. وقيل ذلك عن رواية «نار شاحبة» لفلاديمير نابوكوف، و«الصبي العنزة» لمايلز، إذ علق أحد دعاة موت الرواية عليهما قائلاً: «فكأنما الرواية، وهي تشعر بدنو أجلها، قد صممت على أن تموت وهي تضحك». الناقد الأمريكي ويسلي. أ. فيدلر، يرد على المقالات الشاحبة بمقال بعنوان: «موت الرواية وبعثها» جاء فيه: «إذا كان على الرواية مؤخراً أن تموت لكي تبعث من جديد، وإذا كانت هذه الحقيقة ظلت خفية عن بعضهم حتى الآن، فذلك لأن العديد من كبار كتاب هذا النوع، وفريقاً من النقاد المتنفذين، سعوا منذ قرن أو أكثر إلى نسيان أن الرواية في أكثر حالاتها صحة ضرب من الفن الشعبي».

البعض يرى أن التخييل يتراجع، وبالتالي فإن الرواية تخسر أحد أكبر مكوناتها، إلا أن آخرين يردون قائلين: إن الواقعية هي التي تمسك بالتاريخ والخيال والرمز معاً. والرواية في تعاملها مع الواقع، تقيم جسراً بين عالم الحقائق غير المترابطة (التاريخ) وعالم الفن والخيال المقتصد والمصبوب على نماذج خيالية.

الروائيون والنقاد العرب في معظمهم، يديرون ظهرهم لمقولة موت الرواية، بما أنها فن حديث وواعد في ثقافتنا، فمع الرواية حققوا نجاحات عالمية، ونالوا جائزة نوبل، وثمة روايات عربية ناجحة تترجم وتقرأ على نطاق مقبول.

هذا ما عبر عنه الناقد محمد كامل الخطيب، قائلاً: المقولة ليست جديدة، الرواية فن يتمتع بمرونة تجعله قادراً على التعبير عن الواقع المتجدد والتأقلم معه، والخيال يستمد مادته الأساسية من الواقع. ويقول الخطيب: العودة إلى مقولة موت الرواية، غير موفقة لأنها غير واقعية.

الروائية السورية روزا ياسين حسن، ترى أن الرواية تزدهر اليوم كما لم تزدهر قبلاً، كما طفقت بقدرة برغماتية عالية ومدهشة، تتحول بكليتها، وحتى على مستوى بنيتها الداخلية لتجعل القصّ ينزع عنه إطنابات الوصف المتطاول. وتقول أيضاً: استطاعت الرواية أن توظف بمهارة المرجعيات الحية وغير الحية، ومع تطور التكنولوجيا، صارت أوثق الفنون صلة بها وتأثيراً فيها. وتقول روزا: مستجدات ما بعد الحداثة لن تكون عائقاً أمام الرواية، بل حافزاً للتجدد. ذلك أن الطيف الواسع الذي استفادت الرواية منه وشكل رصيداً للروائي (من الأغاني والوثائق والكشوفات الجغرافية والرحلات والكتب العلمية وحتى الدين والتاريخ والسير والسياسة والفلسفة والميتافيزيقيات...) أعطت الرواية بعدها المفتوح وجعلتها تمارس براغماتيتها الشهيرة للتعامل مع التطورات. وتخلص إلى القول: «لنرى إذاً، ربما كانت الرواية كطائر الفينيق، تموت كي تبعث من جديد، بلغة وتقنيات مبتكرة، تجعلها كما قال هيجل: ملحمة العصر».

إذن، هل الرواية اليوم بأحسن حالاتها؟ أم أننا أمام نوع جديد من الكتابة السردية؟ أم أن الرواية رغم ما تشهده من غزارة في الإنتاج، تعيش موتها غير المعلن؟!


* نصوص المدونات تصبح كتباً في مصر

* نشرت «دار الشروق» مؤخرا ثلاثة كتب، كانت صاحباتها قد نشرن مضمونها في مدوناتهن على مدار السنوات الماضية، مما جعل جمهور النت يقبل على اقتناء الكتب عند صدورها.

الكتب صدرت في سلسلة حملت عنوان «مدونة شروق» وهي: «أرز بلبن لشخصين» لرحاب بسام، «عايزة اتجوز» لغادة عبد العال، و«أما هذه فرقصتي أنا» لغادة محمد محمود. عن هذه التجربة تقول رحاب بسام: «كتابتي لا تقتصر على الكمبيوتر فأنا أكتب بالقلم او لوحة المفاتيح دون تخطيط مسبق.

المهم بالنسبة لي أن يتفاعل قارئي معي، وأعتقد أن لدي جمهورا لا بأس به، خاصة انني أكتب في مدونتي منذ نهايات 2004». تعترض رحاب على ما يقال من أن الإبداع المنشور على النت قليل القيمة، وتؤكد: «إنه تعميم مخل تماما مثل الحديث عن لغة خاصة للمدونات.

لقد تخلصنا بكل بساطة من الازدواجية التي يعاني منها الكثيرون، حيث يتحدثون بلغة ويفكرون بلغة ويكتبون بلغة وانحزنا للغة التي يتعامل بها الشباب، وأنا تحديدا حرصت على أن تكون لغتي بسيطة وبعيدة عن الكلايشيهات».