المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قيام الليل أنيس الطائعين وأمل المذنبين


جاسم داود
06-13-2012, 01:40 AM
http://www.hamsa-sadeq-ph.com/hms/upload/domain-a81207f310--.gif



الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّد المرسلين وبعدُ:ـ


فقيام الليل هو دقائق الليل الغالية، وسَمِّه إن شئتَ: مدرسة المُخلصين، كيف لا وهو جنَّة الله في أرضه للمؤمنين؟ الليل هو بداية الدعوات ـ ( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ) [المزمل: 1 - 2]، ومنه يَستمد الدُّعاة وقودَ دعوتهم...

في الليل تُسْكَب العَبَرات، وفي الليل يُتَقَرَّب إلى الله بأحسن الطاعات، الليل للمُذنبين وللذين هم لِما عند ربِّهم طامعين، فهو أنيسُ الطائعين، وأمَلُ المُذنبين، وبالليل يتمُّ لقاء المُحبِّين، الليل يَعشقه الراكعون والساجدون والذاكرون، والذين هم لربِّهم مُستغفرون، الليل فيه آيات للذين هم يَسمعون، الليل للذين هم بالخيرات مُسارعون، وهو خلوة التائبين، في الليل أقربُ ما يكون الله من عباده المؤمنين، بهذا نطَقَ سيِّد المُرسلين، وفي الليل يَغفر الله للمُسيئين، ويُعطي المحتاجين والسائلين من خزائن السموَات والأرَضين، ويُجيب المُضطرين، الليل فقط يَعرفه المُتيقِّظون، ويَغفل عنه أصحاب المُجون اللاهون، ولا يَستطيعه إلاَّ عباد الله المُخلصون، هو كَنز المُدَّخرين إلى يوم الدين، وبالليل يُحصَّل الآمانُ للخائفين، في الليل تَجري العيون، ويَتسابق فيه المُتسابقون؛ ( وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ) [المطففين: 26]ـ


هو للذين عن النار يَبتعدون، وللجنان يتقرَّبون، قيام الليل فَقِهه سلفُنا الأوَّلون، فأين الذين هم من بعدهم للسِّباق يهرعون، وعن الدنيا وزينتها يَبتعدون، ومن الفتن لا يَقتربون، أصحاب الليل جُنوبُهم عن المَضاجع تَجافَت، وقلوبهم عن مطامع الدنيا تناءَت، وهِمَمهم عن سفاسف الأمور ارْتَفَعت، تَراهم باكين مُخبتين


هذا هو الليل، أمَّا عن أصحاب هذا الليل وصفاتهم وأحوالهم، فهي كما قال - تعالى -في سورة الذاريات، وغيرها من السور والآيات، مُبَيِّنًا سببَ دخولهم الجنات، فقال - عزَّ شأنه -: ( إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) [الذاريات: 16 - 18]ـ


فنالُوا بذلك جنات وعيونًا، وما كلُّ هذا إلاَّ لأنهم باتُوا لربِّهم سُجَّدًا يتضرَّعون، فالليل هو من سمات الصالحين؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((عليكم بقيام الليل؛ فإنه دَأْبُ الصالحين قبلكم، وقُربة إلى ربِّكم، ومكفرة للسيِّئات، ومَنهاةٌ عن الإثم))؛ أخرَجه الحاكم وصححه، ووافَقه الذهبي



أصحاب الليل وصَفهم الله بأحسن الأوصاف والسِّمات؛


قال الله تعالى ( إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) [السجدة: 15 - 17]ـ


ووصَفهم في سورة الفرقان، فقال - تعالى -: ( وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ) [الفرقان: 64 - 66]ـ




إنَّ كلَّ هذه النعوت والأوصاف التي استحقُّوها، ما كانت لهم إلاَّ من بعد مَجيئهم بأفضل الأعمال بعد الفرائض، فهم كانوا قليلاً من الليل ما يَهجعون، وباتوا لربِّهم يتضرَّعون، وبالأسحار يَستغفرون، الخوف أقضَّ مَضاجعَهم، ورجاؤُهم بالله أتعبَ أقدامهم .


فضل القيام


هذه العبادة هي قُربة مُعظَّمة، حثَّت عليها نصوص الكتاب والسُّنة، ورُغِّب فيها وعُظِّم من شأْنها، وأُجْزِل في ثوابها؛ ثبَت في صحيح الإمام مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أفضلُ الصلاة بعد المكتوبة صلاةُ الليل))ـ


وما فُضِّلت صلاةُ الليل على غيرها من العبادات بعد الفرائض، إلاَّ لشرفها ولشَرف وقْتها، فأقرب ما يكون الله من عباده في الليل؛ قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((يَنزل ربُّنا -تبارك وتعالى- كلَّ ليلةٍ إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثُلُث الليل الآخر، فيقول: مَن يدعوني فأستَجِيب له، مَن يَسألني فأُعطيه، مَن يَستغفرني فأَغفِر له))ـ


وهو أيضًا وصيَّة سيِّد المُرسلين


قال: ((عليكم بقيام الليل؛ فإنه دَأْبُ الصالحين قبلكم، وقُربة لكم إلى ربِّكم، ومكْفرة للسيِّئات، ومَنهاةٌ عن الإثم))ـ



هذا هو فضْلها، أمَّا عن أجْرها وما أعدَّه الله لأصحابها، فقد أعدَّ الله لأصحاب القيام ما لا عين رأَتْ، ولا أُذن سَمِعت، ولا خطَر على قلب بشرٍ؛ جاء في المسند عن أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ في الجنة غُرفًا، يُرى ظاهرُها من باطنها، وباطنُها من ظاهرها، أعدَّها الله لِمَن ألانَ الكلام، وأطْعَم الطعام، وتابَع الصيام، وصلَّى بالليل والناس نيامٌ))، وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((قال الله - عز وجل -: أعْدَدتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رَأَتْ، ولا أُذن سَمِعت، ولا خطَرَ على قلب بشرٍ))، قال أبو هريرة: اقْرَؤوا إن شِئْتُم: ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) [السجدة: 17]


وصلاةُ الليل هي سببٌ للوقاية من الفِتَن التي لا يَنجو منها إلاَّ عابدٌ؛ فقيام الليل عِصمة المؤمنين، وعندي على هذا القول دليلٌ؛ ففي صحيح البخاري عن أُمِّ سَلَمَة - رضي الله عنها - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - استَيْقَظ ليلةً، فقال: ((سبحان الله، ماذا أُنْزِل الليلة من الفتنة؟ ماذا أُنْزِل الليلة من الخزائن؟ مَن يُوقِظ صواحبَ الحُجُرات؟))ـ ففي هذا إشارة إلى أنَّ صلاة الليل سببٌ للوقاية من الفتن.ووقتُ الليل أحرى أن يكون وقتًا لإجابة الدعاء - وقد مضَت الأحاديث على ذلك فيما سبَق، فلا داعي لتَكرارها - ولا سيَّما في الثُّلُث الأخير


وصلاة الليل وسيلة مُعينة على تَثبيت القرآن، فبالقيام يَثبُت حِفْظُه، ومَن غَرِق في نومه، نَسِيَه، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((وإذا قام صاحبُ القرآن، فقرَأه بالليل والنهار، ذكَره، وإن لَم يَقُم به، نَسِيَه))ـ


إضاءَة


بالقيام يكون لك خبيئة من العمل الصالح؛ قال صلى الله عليه وسلم -: ((مَن استطاع منكم أن يكون له خبيئة مِن عملٍ صالح، فليَفعل))؛ صحيح الجامع (6018)ـ

كفانا كلامًا الآن، فقد حان وقتُ العمل


بَادِرِ الْفُرْصَةَ وَاحْذَرْ فَوْتَهَا *** فَبُلُوغُ الْعِزِّ فِي نَيْلِ الْفُرَصْ


فَابْتَدِرْ مَسْعَاكَ وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ *** بَادَرَ الصَّيْدَ مَعَ الْفَجْرِ قَنَصْ


دمتم برعاية الرحمن وحفظه