المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أقول لكلا المرشحين‏:‏ لا‏!‏.


يقيني بالله يقيني
06-13-2012, 02:26 AM
http://www.shatharat.net/vb/mwaextraedit4/extra/74.gif

أقول لكلا المرشحين‏:‏ لا‏!‏.
بقلم: أحمد عبد المعطي حجازي (http://www.ahram.org.eg/The-Writers/News/WriterTopics.aspx?WID=47)


أعرف أن المصريين الآن في موقف بالغ الصعوبة‏.. فهم مدعوون للتوجه بعد ثلاثة أيام ليختاروا لرئاسة بلادهم مرشحا من مرشحين اثنين لا ثالث لهما.. مرشح يتلخص برنامجه في إنقاذ النظام العسكري الذي ثرنا عليه وإبقائنا سجناء فيه إلي ما شاء الله.. وآخر تستكمل به جماعته الدينية بناء نظام آخر لن نكون فيه مجرد سجناء, بل سنكون أسري وسبايا.


وأظن أنها المرة الأولي في التاريخ التي يطلب فيها من أمة من الأمم أن تختار مصيرا من هذين المصيرين التعيسين بكامل إرادتها في انتخابات حرة نزيهة!!..

ونحن هنا نتحدث عن نظامين ومصيرين اثنين.. والحقيقة التي يجب ألا تغيب عنا لحظة واحدة هي أنهما نظام واحد.. كانا نظاما واحدا من قبل, وسوف يبقيان نظاما واحدا من بعد.. فالنظام الذي يقوم بانقلاب عسكري يوقف العمل بالدستور, ويحل الأحزاب, ويشنق العمال, ويحرم النشاط الحر, ويراقب الصحف, ويفصل المخالفين من أعمالهم ويلقي بهم في غياهب المعتقلات, ويهيمن علي كل شيء في الدولة والمجتمع, كما فعل نظام يوليو طغيان سافر..

والنظام الذي يزعم أصحابه أن إقامته علي أيديهم فرض ديني وليست اختيارا حرا, فليس أمام المواطنين إلا السمع والطاعة, وإلا فالمعارضون كفار لوطيون, كما قال بعض شيوخهم ـ فضت أفواههم! ـ طغيان لا يستره حجاب أو نقاب.. وإذن فهما نظام واحد. ونحن نعرف أن ضباط يوليو استولوا علي السلطة عام2591 بالتحالف مع الإخوان المسلمين, وأن الرئيس المؤمن أحيا هذا التحالف بعد أن قتله عبدالناصر, أما في أيام مبارك فقد تحول الإخوان إلي دولة داخل الدولة.

وفي السودان, تحالف النميري مع الترابي, والنتيجة انفصال الجنوب عن الشمال, بعد أن أدي انقلاب يوليو إلي انفصال السودان عن مصر.والذي حدث في مصر والسودان حدث في سوريا والعراق, حافظ الأسد استثار النزعات الطائفية في سوريا ليبرر بها طغيانه وطائفيته.. وصدام حسين سلط السنة علي الشيعة, والعرب علي الأكراد, وأضاف إلي العلم العراقي لفظ الجلالة, ليصبح تحته أمير المؤمنين!والحقيقة أن في تاريخنا القديم, وفي تراثنا العربي الإسلامي ما يؤكد هذا الارتباط العضوي بين حكم العسكر وحكم رجال الدين, وصورة السيف الذي يحمل الشهادتين رمز واضح لهذا الارتباط.

وقد رزحنا نحن المصريين بالذات آلاف السنين تحت هذا الطغيان المزدوج.. الإسكندر الأكبر ادعي ـ بعد أن دخل مصر غازيا ـ أنه ابن الإله المصري آمون, الذي هبط علي السيدة الفاضلة والدته وهي نائمة في مقدونيا, ونفخ فيها من روحه.. ونحن نعرف أن الاسكندر توجه إلي واحة سيوة, حيث زار والده الروحي في معبده قبل أن يذهب إلي منف ليتوجه كهنتها ملكا علي المصريين!

وكما استخدم الإسكندر الدين في غزو مصر, استخدمه البيزنطيون والعرب والفاطميون والأيوبيون والمماليك والعثمانيون.

والذي نجده في تاريخنا نجده في تاريخ الأمم الأخري, فأباطرة روما في القرون التي سبقت المسيحية كانوا رجال حرب وكانوا آلهة في الوقت نفسه, وبعد أن أصبحت المسيحية الدين الرسمي للإمبراطورية وصار البابا سلطة إلي جانب سلطة الإمبراطور ظهرت نظرية السيفين: سيف الدولة, وسيف الدين.. والغزوة الصليبية كانت مشروعا مشتركا بين فرسان أوروبا وكنيسة روما التي كانت حاضرة في كل الغزوات الاستعمارية الحديثة.

والتحالف بين العسكر ورجال الدين في النظم المستبدة تحالف منطقي مفهوم, لأن الطغاة يحتاجون للعنف ليضربوا النخبة المعارضة, ويحتاجون للدين ليحولوه إلي مهدئ أو مخدر يسكتون به الجماهير, وقد رأينا كيف تحولت الماركسية في بعض البلاد وعند بعض الأحزاب إلي تعصب لا يختلف عن التعصب الديني أو دروشة, كما كان يقول أحمد بهاء الدين, والذي حدث في الماركسية حدث بالطبع في النازية والفاشية, اللتين لعبتا بعواطف الألمان والإيطاليين إلي الحد الذي أصبحتا فيه ديانتين قوميتين.

هكذا يستطيع الطغاة الغوغائيون أن يحولوا الطغيان إلي دين, كما يستطيع المتاجرون بالدين أن يحولوا الدين إلي طغيان.. والنظام العسكري إذن والنظام الديني نظام واحد يقوم علي الطغيان والانفراد بالسلطة, وخداع الجماهير وقهرها, ولا فرق بين النظامين إلا في الزي..

الأول طغيان بالبدلة الكاكي والكاسكيت, خصوصا في بداياته التي يحتاج فيها للتكشير عن الأنياب وإرهاب المعارضين وتخويفهم, ثم يخلع الكاكي ليتخفي وراء الملابس المدنية.. والآخر بالعباءة والطاقية أو بتلفيق يجمع بين بدلة الأفندية وعمامة الشيوخ التي أصبحت في هذه الأيام عمامة مقدرة, كما كان يقول بعض ظرفاء الأجيال السابقة وهم يمازحون أصدقاءهم الذين تخرجوا في الأزهر لكنهم غيروا زيهم التقليدي مسايرة لأصدقائهم الذين تخرجوا في مدارس الحكومة, واكتفوا بذلك, فلم يكتسبوا ثقافة جديدة تساعدهم علي فهم الواقع الجديد وظلوا يفكرون بالطربوش كما كانوا يفكرون بالعمامة, فلا يملك من يسمعهم إلا أن يحس بالمفارقة ويري أنهم لايزالون معممين, وإن كانت العمامة مختفية تحت الطربوش كما تختفي العلامة النحوية كالضمة أو الفتحة من بعض الكلمات لتعذر النطق بها فتصبح عندئذ ضمة مستترة أو مقدرة.

ونحن نستطيع بالمثل أن نري علي الرءوس العارية لبعض المرشحين للرئاسة أغطية الرأس العسكرية والدينية التي كانت تغطي هذه الرءوس ثم رفعها أصحابها ليخدعونا بزيهم المدني المستعار, لكننا نستمع لهم فنجد أقوالهم تناقض أفعالهم ويتناقض بعضها مع بعض, وعندئذ تظهر المفارقة ونري علي الرأس العاري الكاسكيت المقدرة أو العمامة المقدرة, كما حدث لنا مع الإخوان الذين لم يصدق من وعودهم وعد واحد, والذين يتحدثون عن الدولة المدنية, والديمقراطية, والنهضة, فيتناقض الكلام مع الكلام.

الدولة بالنسبة للإخوان يمكن أن تكون مدنية برغم أن مرجعيتها دينية!.. والديمقراطية لا تتعارض عندهم مع الانفراد بالسلطة!.. والنهضة تتحقق بإحياء الخلافة التي انتهي عهدها منذ قرون. وكل هذا تزييف وتضليل وشعارات كاذبة يغطي بها الإخوان طغيانهم المقبل.. دولتهم, وديمقراطيتهم, ونهضتهم طغيان مقدر, يخفون حقيقته بهذه الشعارات التي يرفعها الآن الدكتور محمد مرسي مرشح الإخوان.. وهذا هو أحد الخيارين التعيسين اللذين نواجههما الآن.. فماذا عن الخيار الآخر؟

الخيار الآخر هو الفريق أحمد شفيق.. وهو ينتمي للمؤسسة العسكرية التي ينتمي لها نظام يوليو الذي أنجب عبدالناصر, والسادات, ومبارك, وفرض علينا طغيانه وهزائمه وديونه, وانتهي بالثورة المجيدة التي لم تفلح حتي الآن في تقويضه, وإن أسقطت رأسه, فباستطاعتنا أن نقول إن الفريق شفيق يواصل عمله لإنقاذه, هذا العمل الذي بدأه برئاسه الحكومة في أيام مبارك الأخيرة, ثم رشح نفسه لرئاسة الدولة, لنجد أنفسنا إزاءه في الموقف نفسه الذي نقفه إزاء مرشح الإخوان.

كلا المرشحين يسعي لإنقاذ النظام المتهالك الذي ثرنا عليه.. الأول بسيف الدين, والآخر بسيف الدولة, اللذين يلتقيان ويتقاطعان في كل النظم المستبدة التي تخلط بين السياسة والدين.

وأنا أقول لا لكلا المرشحين وأدعو المصريين ليقولوا لا!, فقد رزحنا قرونا وقرونا تحت هذا الطغيان المزدوج.. وقد آن أن نخرج منه!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دمتم بخير