المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مشروع كيرك مناورة جديدة هدفها: حل الوكالة ـ شطب قضية اللاجئين ـ إسقاط حق العودة


Eng.Jordan
06-18-2012, 12:04 PM
بقلم: معتصم حمادة
ليست هي المرة الأولى التي يحاول فيها الكونغرس الأميركي أن يشوش على أعمال وكالة إغاثة اللاجئين الـ(أونروا). إذ. كلما عرضت مسألة تسديد حصة الولايات المتحدة في تمويل الوكالة وبرامجها، توقفت اللجنة المعنية في الكونغرس أمام وظيفة الـ(أونروا)، وأمام ما يسميه الأميركيون "جدوى أعمال الوكالة في توطين اللاجئين الفلسطينيين". وانطلاقاً من هذا المعيار، يتخذ الكونغرس موقفه من الـ(أونروا). أي بقدر ما تتقدم هذه المنظمة الدولية في تقديم برامج وخدمات تهدف إلى توطين اللاجئين في أماكن إقامتهم، أو في مكان آخر، بقدر ما يتقدم الكونغرس في تقدير ضرورة تمويل الوكالة.

وبقدر ما يلاحظ الكونغرس أن هذه الخدمات والبرامج لا تعكس مشروعاً لتوطين اللاجئين، بقدر ما تتصاعد الأصوات، في أورقة الكونغرس، داعية إلى تقليص مساهمة الولايات المتحدة في تمويل "الوكالة"، بل وإلى حجب هذه المساهمة والتوقف عن تسديدها. علماً أن الولايات المتحدة تعتبر المساهم الأكبر في تمويل وكالة الغوث الـ(أونروا).

وسياسة الولايات المتحدة إزاء قضية اللاجئين وإغاثتهم، يعود جذرها إلى الأيام الأولى للتهجير الذي تعرضوا له على يد العصابات الصهيونية. إذ امتلأت شوارع مدن الضفة الفلسطينية (التي بقيت خارج الاحتلال الصهيوني عام 1948) وعمان وبيروت وصيدا وصور وكذلك مدن سورية المختلفة، بأفواج اللاجئين الفلسطينيين القادمين من ديارهم، حفاة، عراة، جياعاً، لا يملكون ما يسترون به عريهم، وما يشترون به لقمة خبز أو قطرة حليب لأطفالهم.

كانت الدول العربية حديثة النشأة وبنيانها ضعيف، في ظل استعمار فرنسي وبريطاني، معروف المقاصد والنوايا. وقد تخوفت البعثات الأميركية في الشرق الأوسط من هذا التطور الاجتماعي الدراماتيكي، خاصة وان الأجواء التي سادت سماء المنطقة هي أجواء العداء والكره للغرب عامة، وللولايات المتحدة وبريطانيا خاصة باعتبارهما مسؤولتين بشكل بارز مميز عن النكبة التي حلت بالفلسطينيين خصوصاً وبالعرب عموماً. وقد تخوفت البعثات الأميركية في المنطقة أن تتحول جموع اللاجئين الفلسطينيين، والحركات الشعبية العربية التي أغاثتهم في المدارس والكنائس والمساجد، والمؤسسات الخيرية، إلى ما تسميه الدوائر الأميركية "بؤرة خصبة لتغلغل الأفكار الشيوعية الهدامة". لذلك أوصت تقارير البعثات الأميركية بالإسراع بإغاثة اللاجئين الفلسطينيين بما يحتاجونه من ضرورات حياتية للإيواء والغذاء والعلاج وتوفير حليب الأطفال وغيره. لذلك لا غرابة في القول أن أولى دفعات المساعدات الدولية للاجئين الفلسطينيين كانت من مستودعات الاحتياط التابعة للجيش الأميركي. ثم أخذت الولايات المتحدة وبريطانيا "تتنافسان" في إغاثة اللاجئين، لتنفيس أجواء التوتر التي كانت تخيم عليهم، و"للتكفير" عما اقترفتاه في جريمة إقامة إسرائيل، وللتقرب من الرأي العام الفلسطيني والعربي، ولتخفيف الضغط عن حكومات لبنان وسوريا والأردن، التي كانت موالية للولايات المتحدة وللغرب عموماً.
وعندما أقيمت "الوكالة" الـ(أونروا) إنما أقيمت باقتراح غربي، على أن تكون الأهداف البعيدة لبرامجها العمل على توطين اللاجئين الفلسطينيين، غير أن الإرادة السياسية لدى اللاجئين وتمسكهم بوطنهم، وبحقهم في العودة، كلها عوامل لعبت الدور الرئيسي في إجهاض أهداف الـ(أونروا)، مع الاستفادة في الوقت نفسه من خدماتها. وتطور الفكر السياسي الفلسطيني، للحفاظ على الـ(أونروا) باعتبارها شاهداً دولياً على جريمة العصر، واعترافاً علنياً من المجتمع الدولي (الغربي عموماً) عن مسؤوليته عن النكبة التي لحقت باللاجئين، وعن تشردهم، وخسارتهم لوطنهم، وعن مسؤوليته عن تنفيذ القرارات التي تكفل لهم حقهم في العودة إلى الديار والممتلكات التي هجروا منها، منذ العام 1948، على الأخص القرار 194 الصادر في 11/12/1948.
قدرة اللاجئين على الاستفادة من خدمات الـ(أونروا)، والنجاح في الوقت نفسه في إجهاض مشاريعها للتوطين، هي العوامل التي دفعت إسرائيل إلى المطالبة. بحل الـ(أونروا)، وتدعو الكونغرس، دورياً، لفحص دور هذه المنظمة وقدرتها على أداء الوظيفة التي من أجلها أنشئت. وتلتقي إسرائيل مع الكونغرس في أن حل الـ(أونروا) خطوة من شأنها أن تقود إلى تحلل المجتمع الدولي من واجباته الإغاثية والسياسية والقانونية والأخلاقية نحو اللاجئين وحقهم في العودة. من هنا المحاولات المختلفة للوصول إلى هذا الغرض. فإسرائيل تدعو، دورياً، إلى عدم التجديد الدوري للتفويض لوكالة الغوث في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتصوت ضد قرار تجديد التفويض.
أما الكونغرس، فإنه يدعو إلى حل الوكالة كأمر واقع من خلال تجفيف مواردها المالية، في محاولة منه لتحقيق الهدف دون أن تتحمل الولايات المتحدة المسؤولية المباشرة أمام العرب والفلسطينيين.
غير أن الإدارة الأميركية، ومن موقع الحرص على المصالح الأميركية في المنطقة، لا تتوقف عن تمويل وكالة الغوث (دون أن يصل التمويل إلى المستوى الذي يلبي حاجات اللاجئين بشكل لائق ومقبول) لإدراكها أن وقف التمويل وحل الوكالة دون الوصول إلى حل لقضية اللاجئين من شأنه أن يحول هذه القضية إلى قنبلة متفجرة في المنطقة، ستلحق الضرر الفادح بالمصالح الأميركية، النفطية والاقتصادية والسياسية. لذلك ترهن الإدارة الأميركية حل وكالة الغوث، بوصول الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي (ومعهما الدول العربية المعنية كلبنان وسوريا والأردن ومصر والعراق مثلاً) إلى حل لقضية اللاجئين "متفق عليه".
وفي هذا السياق قدمت الولايات المتحدة العديد من مشاريع الحلول والهادفة كلها إلى توطين اللاجئين، لعلّ أبرزها ما جاء في "معايير كلينتون" التي قدمها إلى المتفاوضين الفلسطينيين والإسرائيليين في طابا في يناير كانون الثاني 2001.
مشروع كيرك.. مناورة جديدة..
مارك كيرك، عضو الكونغرس الأميركي، يحاول هذه المرة أن يدخل على خط قضية اللاجئين بمناورة تقود إلى تحقيق ثلاثة أهداف دفعة واحدة هي حل وكالة الغوث تدريجياً من خلال إلغاء مهماتها خطوة خطوة، ما يقود إلى شطب قصية اللاجئين، وبالتالي إسقاط حق العودة وإغلاق هذا الملف مرة واحدة وإلى الأبد.
فهو يدعو إلى حصر خدمات الوكالة بالجيل الأول للاجئين الفلسطينيين، دون انسالهم، باعتبار أن صفة اللجؤ لا تنطبق إلا على أفراد الجيل الأول، أي الذين غادروا فلسطين حتى العام 1948.
أما أنسالهم، حسب كيرك، فهم ليسوا لاجئين، ولا يستحقون خدمات الوكالة. وبناء عليه، ومنطلقاً من الادعاء بأن عدد اللاجئين كان العام 1948 حوالي 550 ألفاً، فان المتبقي منهم الآن، وحسب معايير كيرك لا يتجاوزون، في أقصى الحالات بضعة عشرات من الألوف. أي أن على الوكالة أن تعيد تحديث سجلاتها، ليهبط عدد اللاجئين من حوالي 3،5 مليون وأكثر، إلى بضعة عشرات من الألوف، وبما يقود إلى تخفيض موازنة الوكالة، وانسحابها من عدد من الخدمات (مثلاً لا داعي بعد الآن للقسم النسائي من الصحة ما دام الجيل الأول قد تجاوز مسألة الولادة ـ وهذا يستتبع كذلك إلغاء قسم رعاية الأطفال، وإغلاق المدارس، ومراكز الشباب، فكل طلاب المدارس هم من أنسال اللاجئين).
من الواضح أن حديث كيرك يدخل في باب الهرطقة السياسية والقانونية. لأن التاريخ والقانون عنده توقفا عند حدود زمنية معينة. وكذلك السياسة.
كيرك يتجاهل أن الجيل الأول من اللاجئين أورث انساله صفته القانونية كلاجئ، وصفته كإنسان عديم الجنسية، كما أورثه معاناته الاجتماعية ومجمل القوانين التي تحرمه حقه في الحياة الإنسانية، كما أورثته بالضرورة حقوقه السياسية.
فالجيل الثاني والثالث من اللاجئين، ولد وعاش في المخيمات، وورث الأوضاع القانونية لهذه المخيمات، وعاش ما عاشته هذه المخيمات من تطورات سياسية واجتماعية وثقافية وغيرها. كما ورث موقعه تحت راية وكالة الغوث باعتباره لاجئاً، لا وطن له، ولا علم، ولا جنسية.

وإذا كان اللاجئون قد نجحوا في إعادة ترميم هويتهم الوطنية الجمعية، فإن هذا لم يسقط عنهم لا الصفة القانونية للاجئ ولا تداعياتها السياسية. فقوانين العمل تنطبق على الجيل الأول وانساله. وكذلك قانون منع تملك شقة (لبنان). كما تنطبق عليه قوانين حرمانه من حقه في الضمان الصحي والاجتماعي وغيره. وهو يحمل كأسلافه، وثيقة سفر خاصة باللاجئين، فضلاً عن ذلك، فإن اللجنة القانونية للأمم المتحدة، أكدت في دراساتها حول اللاجئين الفلسطينيين أن حق العودة إلى الديار والممتلكات لا يسقط بالتقادم، يرثه الأبناء عن الآباء والأطفال عن الأجداد. كذلك أكد القرار الاستشاري لمحكمة لاهاي الدولية بشأن جدار الفصل والضم العنصري، أن تطبيق قرارات الشرعية الدولية بشأن القضية الفلسطينية يستلزم إقامة دولة فلسطينية (الشق الثاني للقرار 181) وكذلك إعادة اللاجئين وانسالهم إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها منذ العام 1948 ( القرار 194). ويؤكد القرار المذكور أنه دون تنفيذ هذين القرارين، فان ملف القضية الفلسطينية يبقى مفتوحاً على مصراعيه.
لا ندري فيما إذا كان كيرك قد قرأ قرارات اللجنة القانونية للأمم المتحدة، وقرارات الجمعية العامة خاصة تلك الصادرة في العام 1955، 1982 والتي نصت على ان خدمات الوكالة تشتمل اللاجئين وانسالهم، وان حق العودة ينطبق على اللاجئين وانسالهم. ولا ندري فيما إذا كان كيرك قد زار مرة مخيمات اللاجئين في قطاع غزة، أو في لبنان، أو في أطراف دمشق، أو في الأردن، أو اطلع على مأساة اللاجئين الفلسطينيين في العراق.
لكننا على ثقة أن كيرك اطلع، بالضرورة، على تجارب اللاجئين اليهود وغير اليهود في أوروبا، إبان الحرب العالمية الثانية وما بعدها. فبعد أن وضعت الحرب أوزارها، وفتحت ملفات اللاجئين والمهجرين، بمن فيهم اليهود منهم، أقرت المؤسسات الدولية دفع تعويضات للمتضررين من قرارات التهجير. وأقرت كذلك منح تعويضات اللاجئين الذين توفوا في المعسكرات لأنسالهم. كما أقرت دفع تعويضات شهرية لصف واسع من المهجرين واللاجئين ولانسالهم باعتبارهم هم أيضاً متضررين، بسبب الهجرة إلى جانب آبائهم وأجدادهم. كذلك حسمت مسألة الأموال المودعة في المصارف والتي تعود للاجئين، بحيث تكون من نصيب الورثة. من هنا نسأل من هم الورثة الحقيقيون للجيل الأول من اللاجئين الفلسطينيين، الذين أرغموا على مغادرة بيوتهم وأراضيهم. ومن هم الورثة الحقيقيون للاجئين الفلسطينيين الذين يفترض، إلى جانب إعادتهم إلى ديارهم وبيوتهم وأملاكهم، التعويض لهم على ما عانوه وما خسروه خلال فترة الهجرة واللجؤ. أي، بتعبير آخر، أن اللاجئ الفلسطيني الذي يتوفى خارج فلسطين يورث انساله حقهم في العودة، كما يورثهم حقهم في استعادة تعويضه المستحق والذي لا يتنافى وحق العودة.

الإدارة الأميركية كما هو معروف أدارت ظهرها لاقتراح كيرك، ليس لأنها حريصة على حقوق اللاجئين الفلسطينيين، بل لأنها ترى أن الظروف السياسية مازالت غير ملائمة لتنفيذ مثل هذه الاقتراحات وهذه المشاريع. وهي ما زالت تنتظر الفرصة السائحة لتفعل ذلك. وعلى اللاجئين، وحركتهم السياسية أن تمنع وقوع هذه الفرصة.

* عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين- دمشق. - ---