المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الطرق الكمية لتحليل الأداء التنموي


Eng.Jordan
06-20-2012, 11:19 AM
على الرغم من أنه لا توجد نظرية موحدة للتنمية إلا أن هنالك "تقليد علمي" قاد مجتمع علماء التنمية في الأربعينات والخمسينات، تمخض عنه بروز علم فرعي لاقتصاديات التنمية، وترتب عليه مقترحات تختص بإحداث التنمية في الدول الأقل نمواًّ أو الدول النامية. هذا وقد ارتكز "التقليد العلمي" الذي قاد مجتمع علماء التنمية على رفض مقترح عالمية النظرية الاقتصادية النيوكلاسيكية، و قبول مقترح وجود منافع متبادلة بين الدول الأقل نموا والدول المتقدمة ومن ثم أهمية

http://www.arab-api.org/course10/image/develop.jpg


العلاقات التنموية فيما بين الدول من خلال التجارة الدولية أو تدفق المعونات والمساعدات الإنمائية. ركزت المقترحات النظرية التنموية التي ترتبت على علم اقتصاديات التنمية، على الأهمية المحورية التي يلعبها كل من التراكم السريع لرأس المال، و التصنيع ، واستنفار فائض العمالة في الريف، والتخطيط والدولة النشطة، في عملية التنمية كما جاء في نموذج الاقتصاديات الثنائية الذي طوره لويس (1954). وفي تصنيف حديث أطلق على اقتصادي التنمية الذين ساهموا في تطوير هذه المقترحات اسم "الجيل الأول لاقتصادي التنمية" ، جاء بهذا التصنيف (2001) Meier. ويلاحظ في هذا الصدد أن هذا الجيل قد راهن على أن الدولة ستتمكن من كسر "الحلقة المفرغة للفقر" (نيركوسه) بواسطة "الدفعة الكبرى" و"النمو المتوازن" اللتان سيترتب عليهما تكامل الطلب (روزنستاين - رودان) ومن ثم ازدياد الطلب التجميعي مما سيحقق "الجهد الأدنى الحرج" الذي سيمكن القطر من الإنعتاق من "فخ التوازن في المستويات الدنيا للدخل" (ليبينشتاين) ومن ثم تحقيق شروط "الإنطلاق" (روستاو)، (انظر (1952) Nurkse ، و(1943) Rosenstein-Rodan ، و(1957) Leibenstein ، و(1960) Rostow . كذلك انظر (1997) Hayami وBruton (2001) لاستعراض حديث لتحليل التنمية في هدي الجيل الأول).


هذا وقد أوضحت الشواهد التجريبية لأداء الاقتصاديات الأقل نموا خلال الفترة من عام 1960 حتى عام 1973 ، وهي الفترة التي تعرف بالعهد الذهبي للنمو الاقتصادي الحديث ، أن التركيز على هذه القضايا المحورية في عملية التنمية قد كان لـه ما يبرره وأن هذه القضايا لا تزال محورية في عملية التنمية ، (انظر سن (1983) وستيرن (1989)).
وتوضح الشواهد أن العديد من الدول النامية قد شارك في النمو الاقتصادي الذي شهدته هذه الفترة حيث بلغ عدد الدول النامية التي فاق فيها معدل نمو الدخل الحقيقي للفرد معدل 2.5 في المائة سنوياً 43 قطرا ، الأمر الذي يعني أن الدخل الحقيقي للفرد في هذه الدول كان سيتضاعف خلال 28 سنة أو أقل ، (انظر Rodrik (1999) . لاحظ أنه إذا توفر معدل النمو لأي كمية (مثال دخل الفرد) يمكن الحصول على الفترة الزمنية التي ستتضاعف فيها هذه الكمية كحاصل قسمة 70 على معدل النمو، وهو قانون تقريبي يستند على معادلة النمو المتواصل للكمية المعنية : http://www.arab-api.org/course10/image/xt.gif حيث r هي معدل النمو و t هي الزمن. وتضمنت مجموعة الدول النامية هذه دولا عربية اشتملت على كل من عمان (بأعلى معدل للنمو لعينة الدول المعنية بلغ 10.5 في المائة سنويا) وموريتانيا (بمعدل نمو بلغ 2.9 في المائة) ومصر (2.6 في المائة) والعراق (2.6 في المائة) .


وعلى الرغم من هذه النجاحات لوحظ إنه إذا كان هنالك ثمة قصور في المقترحات النظرية التي طُورت في ظل "التقليد العلمي" الذي قاد مجتمع علماء التنمية في الأربعينات والخمسينات، فإن القصور الأساسي يتمثل في تركيز هذه المقترحات على عملية النمو الإقتصادي على أنها هدف نهائي وغاية في حد ذاتها، دون التنبه الكافي إلى أن النمو الإقتصادي ليس هدفاً في حد ذاته، وإنما هو وسيلة لتحقيق أهداف تنموية أخرى ؛ وأن النمو الإقتصادي، في بعض الأحيان، لا يشكل وسيلة فعالة لتحقيق أهداف مجتمعية حيوية مثل التمتع بحياة صحية طويلة نسبياً، والقدرة على القراءة والكتابة ، والمشاركة في النشاطات الثقافية للمجتمع ، والتعبير عن الآراء والرؤى بـحرية ، والمشاركة في اختيار الحكام ومحاسبتهم للمفهوم العريض للتنمية على أنها عملية لتوسيع الحريات التي يتمتع بها البشر انظر سن (1999) وتقارير التنمية البشرية التي يصدرها برنامج الأمم المتحدة الانمائي منذ عام 1990 وتقارير التنمية الانسانية العربية التي بدأت سلسلتها منذ عام 2002 .
تعرضت نماذج الجيل الأول لاقتصادي التنمية للنقد من جهة ضعف محتواها التطبيقي وهشاشة وعدم دقة أطرها النظرية وتركيزها المفرط على رأس المال العيني وإخفاق العديد من التجارب التنموية وتراكم الشواهد حول إخفاق آلية الدولة والتخطيط وللتشوهات وللإختلالات المالية والتنموية التي ترتبت على مختلف السياسات التجميعية.


بالمقارنة تميز الجيل الثاني من اقتصادي التنمية (1970 - إلى الحاضر) بقدر كبير من الواقعية المستندة على القواعد الأساسية للنظرية الإقتصادية النيوكلاسيكية. وتلخصت النظرة إلى قضايا التنمية المعقدة في ملاحظة أن تفاوت الأداء التنموي للأقطار النامية لا يكمن في التفاوت في الظروف الإبتدائية وإنما في التفاوت في السياسات المتبعة، وأن السبب في فقر قطر ما لا يكمن في "الحلقة المفرغة للفقر" وإنما في "فقر السياسات"، ومن ثم فإن اهتمام صناع القرار لا بد وأن ينصب على الأسواق والأسعار والحوافز. وعلى عكس ما قال به الجيل الأول من أن "اقتصاديات التنمية" تمثل علماً فرعياً خاصاً من علم الاقتصاد، قال معظم أفراد الجيل الثاني بعالمية النظرية الاقتصادية النيوكلاسيكية ومن ثم تصبح دراسة قضايا التنمية فرعاً من "الاقتصاد التطبيقي" للنظرية النيوكلاسيكية ولا تحتاج لعلم فرعي خاص بها، لاستعراض طرق الجيل الثاني أنظر (باردان وأودري (1999) ، وباسو (1997)) .
وعلى عكس منهجية الجيل الأول التي ركزت على النماذج الإقتصادية الكُلية لعملية التنمية، ركزت منهجية الجيل الثاني، وفي اتساق مع هيكل النظرية الإقتصادية النيوكلاسيكية، على الدراسات التطبيقية على المستوى الجزئي لوحدات الإنتاج والأفراد المستهلكين. كذلك حدث تحول واضح من التفكير حول "عملية التنمية" بإطلاقها إلى تناول مظاهر محددة لظاهرة التخلف باستخدام نماذج رياضية وقياسية أكثر حبكاً ودقة اعتماداً على تزايد توفر المعلومات المقطعية على مستوى الأفراد والوحدات الإنتاجية.



تناولت العديد من دراسات الجيل الثاني بالنقد ما ترتب على السياسات التنموية المتبعة في الدول النامية من تشوهات للأسعار، ومعدلات مرتفعة للحماية ولأنماط السلوك التي تسعى نحو جَني الريع. وتوصل الجيل الثاني إلى النتيجة القائلة بأن عدم ملائمة السياسات المحلية، وليس الظروف الخارجية السلبية، هي التي تفسر لماذا تفشل الأقطار في الاستفادة من الفرص الاقتصادية الخارجية . كذلك توصل الجيل الثاني إلى أن السياسات التنموية الصائبة تتمثل في التحول من إستراتيجيات التوجه نحو الداخل إلى تحرير نظام التجارة الخارجية وتشجيع الصادرات، والخضوع لبرامج التثبيت، ونقل ملكية الأصول الإنتاجية من القطاع العام إلى القطاع الخاص، وإتباع ما تملية آلية السوق.
إستفاد الجيل الثاني من تطورات نظرية النمو الجواني التي اشتملت مضامينها للدول النامية على أهمية رأس المال البشري، وعملية التعليم والاستفادة من الأفكار في مجال التقنيات الإنتاجية، وعلى المنافع التي تترتب على تبادل الأفكار على المستوى العالمي في إطار إقتصاديات منفتحة على التجارة العالمية. كذلك ترتب على نظرية النمو الجواني إحتمال أن تلحق الدول النامية بالدول المتقدمة وذلك عن طريق عبور فجوة تقنيات الإنتاج التي يمكن تجسيرها من خلال تسارع معدلات إنتشار المعرفة التي تترتب على حرية انتقال رؤوس الأموال عبر الحدود السياسية .
بتمعن تجارب التنمية منذ الإستقلال أدرك الجيل الثاني التفاوت الكبير بين الدول النامية ومن ثم أولى اهتماما أكبر لتفسير اختلاف معدلات الأداء التنموي بين الأقطار في إطار من الدراسات المقارنة ولفهم الظروف التي تؤدي إلى نجاح أو فشل مختلف السياسات . وباستخدام بعض جوانب الإقتصاد السياسي الحديث تم نمذجة سلوك الدولة، ليس كحارسة للصالح العام، وإنما كأحد الفاعلين الإقتصاديين لها دالة هدف تقوم بتعظيمها كما يفعل المستهلك النمطي، وتنطبق عليها مختلف أساليب التحليل الإقتصادي النيوكلاسيكي من تكلفة المبادلات، وحقوق الملكية، والسعي نحو الحصول على الريع. وترتب على مثل هذا التحليل أن الأقطار النامية قد أفرزت حالات للدولة المشتتة، والدولة السلبية والدول النهابة والدولة المستغلة.


على الرغم من الاختلاف الجوهري بين الجيلين، طور بعض أفراد الجيل الثاني فهما أكثر تقدماً لأنواع جديدة من إخفاقات نظام الأسواق. وقد أدى الإدراك بوجود ظواهر "المعلومات غير التامة والمكلفة"، و "الأسواق غير الكاملة" و "تكاليف التبادل" و "انعدام الأسواق المستقبلية لعدد من السلع والخدمات"، أدت كل هذه الظواهر في نظام الأسواق إلى توسع مدى "إخفاق آلية السوق" ليتعدى حالات "السلع العامة" و "التأثيرات الخارجية" التي كانت تتطلب تدخلاً انتقائيا بواسطة الدولة . على هذا الأساس أصبحت قضايا تشوه وعدم كمال المعلومات وارتفاع المخاطر أكثر أهمية في تحليل التنمية ووفرت تبريراً لدور أكبر للدولة لتصحيح التشوهات المترتبة على هذه المظاهر. إلا أنه بسبب من هيمنة المدرسة النيوكلاسيكية الضيقة على مراكز صياغة السياسات التنموية (خصوصاً في صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ووزارة الخزانة الأمريكية) أستمر التركيز في التسعينات على إبراز مظاهر "إخفاق الحكومة".
يتضح من الاستعراض المكثف للتطورات الفكرية في مجال اقتصاديات التنمية أن معايير تقييم الأداء التنموي تشتمل على الدخل الحقيقي للفرد كمؤشر للمرحلة التنموية ومقياس للنمو ، ومؤشرات تعنى بالتعريف العريض للتنمية تشتمل على مؤشرات للحالة الصحية والحالة المعرفية ومؤشرات لمختلف الحريات التي يتمتع بها الناس . هذا وقد ثابر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تطوير مؤشر مركب للأداء التنموي يعرف بمؤشر التنمية البشرية يشتمل على مؤشرات فرعية للحالة الصحية والحالة المعرفية ومستوى المعيشة . وعلى الرغم من أهمية هذا المؤشر لأغراض تصنيف الدول حسب مرحلتها التنموية إلا أن التقييم الكمي للأداء التنموي قد اعتمد على مؤشر الدخل الحقيقي للفرد وذلك حسبما جاءت به نظريات النمو الاقتصادي التي استندت عليها الأدبيات التطبيقية .
على أساس هذا الفهم تركز هذه المذكرات على استعراض منهجيات التقييم الكمي للأداء التنموي التي تستند على نظريات النمو الاقتصادي . تشتمل بقية الأجزاء على ما يلي :



الأساس النظري للتقييم الكمي للأداء التنموي .
منهجية تقدير دوال النمو .
منهجية محاسبية معدلات النمو الاقتصادي .
منهجية التحول الهيكلي ونتائجها التطبيقية .
منهجية تقدير دوال الفقر .
ملاحظات ختامية حول السياسات الاقتصادية والأداء التنموي .