المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : علاج مشكلة الخلل بيـن الأجور والأسعار فى المنهج الاقتصادى الإسلامي


Eng.Jordan
06-20-2012, 12:30 PM
¨ الحقوق الاقتصادية للعمال :

من حقوق العامل الاقتصادية أن توفر له الدولة الحاجات الأصلية للمعيشة من الضروريات والحاجيات مثل الطعام والشراب والملبس والمأوى والعلاج والتعليم والزواج ونحو ذلك، حتى يعيش حياة كريمة، كما يجب على أفراد المجتمع ولاسيما الأغنياء أن يتعاونوا ويتضامنوا ويتكافلوا مع الدولة فى هذا الأمر من خلال الزكاة والصدقات والضرائب ونحو ذلك من الالتزامات المالية، حيث افترض الله فى أموال الأغنياء بما يكفل الحياة الكريمة للفقراء، ولا يشقى الفقراء إذا جاعوا أو عرّوا إلا بصنيع الأغنياء .

ومن واجبات ومسئوليات الدولة أن تسن من القوانين والمراسيم بما تكفل للعامل الحياة الكريمة من خلال تحقيق التوازن بين الحد الأدنى للأجور والأسعار وتكلفة الحاجات الأصلية وعندما يختل هذا التوازن يشقى العمال وتكون حياتهم ضنكاً، ويقود ذلك إلى الرذائل الأخلاقية والاجتماعية والسياسية ونحوها .

وفى هذا الأيام بصفة خاصة ارتفعت الأسعار ارتفاعاً كبيراً، ولم تزد الأجور بنفس النسبة، وظهر الجدل حول قضية ربط الحد الأدنى للأجور بالحد الأدنى لتكلفة الحاجات الأصلية بالأسعار، وصدرت بعض التوجيهات الحكومية بأنه يجب ألا يقل الحد الأدنى للأجور فى الشهر عن مبلغ معين اعتقاداً بأن هذه هى تكلفة المعيشة للفرد.

ويثار العديد من التساؤلات منها : هل هذا التقدير يتفق مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية بصفة عامة والحقوق الاقتصادية للعامل ومن يعول ، وما هي نظرة علماء الاقتصاد الإسلامي إلى هذه المشكلة ، هذا ما سوف نتناوله في هذه الدراسة المركزة .



¨ تقدير تكلفة الحاجات الأصلية للعامل في المنظور الاقتصادي الإسلامي:

تتمثل تكلفة الحاجات الأصلية للإنسان بصفة عامة من الآتي :-

* تكلفة الغذاء والشراب ليقيم صلبه .

* تكلفة الكساد لستر عورته .

* تكلفة المأوى ليسكن .

* تكلفة العلاج لحفظ النفس .

* تكلفة التعليم لحفظ العقل .

* تكلفة الزواج لحفظ العرض .

هذا بخلاف نفقات المناسبات الاجتماعية والدينية ونحوها من الضروريات والحاجيات، وتأسيساً على ذلك لا يجب أن يقل متوسط دخل الفرد العامل عن تكلفة تلك الاحتياجات فإذا كان تقدير الدولة للحد الأدنى للأجور أقل من تكلفة هذه الاحتياجات فإن هذا يقود بالتأكيد إلى خلل سياسى مثل الإضرابات والمظاهرات والسلوك غير المشروع ونحو ذلك، وما يحدث الآن ليس منا ببعيد.

¨ موجبات العدل بربط الأجور بالأسعار :

من المنظور الاقتصادى، لو فرض أن متوسط الارتفاع فى الأسعار كان بنسبة 25% فى حين أن متوسط الإرتفاع فى الأجور كان فى حدود 10% فإن هذا يقود إلى خلل فى الحياة المعيشية للعامل ، وربما يكون ذلك الدافع له إلى إرتكاب بعض السلوكيات غير المشروعة وغير القانونية، ويسبب المزيد من الفساد بكافة صور: العقدى والأخلاقى والاجتماعى والاقتصادى والسياسى.

ونرى أنه يجب على الأقل كل فترة زمنية قصيرة ( ربع سنوية ) أن يكون هناك تحريكا فى زيادة الأجور بنفس نسبة الزيادة فى الأسعار حتى يحدث التوازن بينهما، وذلك أضعف الإيمان، وهذه المسألة ليست صعبة فى التطبيق العملى ولاسيما فى ظل تطور وتقدم نظم تقنية البيانات والمعلومات السريعة ومن ناحية أخرى فإن ربط الأجور بالأسعار يعالج مشاكل اجتماعية واقتصادية وسياسية كثيرة منها مشكلة ضعف الإنتاج ، ومشكلة السلبية، ومشكلة المظاهرات، ومشكلة الإضرابات ومشكلة الفساد الاجتماعى، ومشكلة الفساد الاقتصادى، ومشكلة الفساد السياسى وما فى حكم ذلك .

¨ مسئولية الدولة في الرقابة على الأسعار وعلى سلوكيات التجارة في الأسواق:

ومن بين أسباب غلاء الأسعار تصرفات وسلوكيات رجال الأعمال الجشعين من تجار ومصنعين ووسطاء من هذه السلوكيات: الاحتكار والتكتلات المغرضة، والغش، والتطفيف، وانخفاض الجودة، والرشوة، والسرقة، والربا ونحو ذلك، ولقد نهى الإسلام عن هذه السلوكيات الاقتصادية السيئة، فعلى سبيل المثال حرم الرسول r الاحتكار، فقال r: (لا يحتكر إلا خاطئ ) " رواه مسلم " وقال r: ( من احتكر طعاماً أربعون يوماً فقد برئ من الله وبرئ الله منه ) " رواه أحمد "، كما حرم الغش وقال r: ( من غش فليس منا ) " رواه أحمد " ، وفى نفس الوقت حث الرسول r الله عليه وسلم على خفض الأسعار للتيسير على الناس لما فى ذلك من مرضاة الله والفوز بثوابه، بل رفع الإسلام الجالب لإرخاص الأسعار إلى مرتبة المجاهد فى سبيل الله، فيقول r:( أبروا فإن الجلب إلى سوقنا كالمجاهد فى سبيل الله .. ) " رواه مسلم " ، وبشر الرسول r الجالب بالبركة وزيادة الكسب، فقال r ( الجالب مرزوق والمحتكر ملعون) "رواه مسلم ".

وخلاصة القول: إن هناك أسباب مفتعلة من سوء سلوكيات بعض التجار وغيرهم لإحداث الغلاء فى الأسعار يجب علاجها وهذا من الواجبات الدينية للحكومة، فإذا أهملت الحكومة أو تواطأت مع بعض التجار الجشعين لسبب من الأسباب ولم تفرض الرقابة الفعالة على الأسواق والمعاملات والأسعار تعتبر مقصرة، ومشاركة فى الجريمة الاقتصادية.

ويوجد في التراث الاقتصادي نظام الحسبة ، والذي يعطي الدولة الحق والسلطة في الرقابة على الأسواق لمنع الغش والاحتكار وكل صور الفساد في الأسواق ، وما زال هذا النظام مطبقاً في بعض الدول العربية والإسلامية .

ومن ناحية أخرى، إذا كانت الحكومة ذاتها هى التى تقوم برفع أسعار بعض السلع والخدمات الضرورية التى تقدمها للشعب ولاسيما ما يحتاجه الفقراء فإنها تعتبر مرتكبة كبيرة من الكبائر، وتعتبر مسئولة أمام الله، ودليل ذلك من السنة قول الرسول r : ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعتيه )" رواه مسلم ".

¨ المنهج الاقتصادى الإسلامى لعلاج مشكلة التوازن بين الأجور والأسعار:

لقد استنبط فقهاء الإسلام وعلماء الاقتصاد الإسلامى مجموعة من الضوابط والسبل لعلاج مشكلة التوازن بين الأجور الأسعار منها على سبيل المثال ما يلى:

- منع الاحتكار بكافة صورة وأشكاله وحيلة ، ويجب على ولى الأمر اتخاذ التدابير لحماية المستهلك، وهذه من الحالات التى يجوز لولى الأمر التدخل للتسعير.

- تجنب المغالاة فى فرض الضرائب والرسوم والمكوس على المعاملات حيث يقوم رجل الأعمال بإضافتها ونقل عبئها على المستهلكين فترتفع الأسعار كما تم بالنسبة لضريبة المبيعات.

- تخفيف القيود والحواجز على انتقال السلع والخدمات من دولة إلى دولة ولاسيما بين الدول العربية بعضها البعض لتسهيل عملية الجلب، وهذا بدوره يرخص الأسعار.

- منع المعاملات المنهى عنها شرعاً فى الأسواق والتى تقود إلى ارتفاع الأسعار، ومنها على سبيل المثال: الغش فى الجودة، والتطفيف فى الكيل والميزان، الغرر وإعطاء معلومات غير سليمة، الجهالة والتدليس على المتعاملين ، نقص المعلومات الصادقة الأمينة، الإشاعات المغرضة التى تجعل الناس يتهافتون على الشراء بدون حاجة، المعاملات الوهمية والتى تتضمن صوراً معاصرة من الميسر، وسائل الإعلان والدعاية المنهى عنها شرعاً والتى تعطى معلومات كاذبة وخادعة للمستهلكين.

- تجنب الإسراف والتبذير من الأغنياء ومن الحكومة، كما يجب الاقتصاد فى النفقات ولاسيما وقت الأزمات الاقتصادية، فالاقتصاد نصف المعيشة ، وما عال من اقتصد .

- التركيز على الضروريات والحاجيات ذات العلاقة بالحاجات الأصلية للمعيشة فى مجال الإنتاج والاستهلاك والاستثمار والدعم.

- إعادة النظر فى سلم الأولويات فى النفقات الحكومية حيث يجب التركيز على الضروريات والحاجيات وتجنب الاتفاق الترفى والمظهرى ونفقات الحفلات غير الضرورية.

- الرقابة الفعالة على سلوكيات التجار ومعاقبة الجشعين والمحتكرين منها والاستفادة من نظم الحسبة الذى كان فى صر الدولة الإسلامية.

- الدعوة إلى الاقتصاد والاعتدال والقوامة فى النفقات وتحجيم شهوة الشراء ولاسيما الفئة الغنية المترفة، فليس كل ما يشتهيه الإنسان يشتريه.

- قيام الدولة بدعم السلع والخدمات الضرورية عند الحاجة لتوفير الحاجات الأصلية للفئة الفقيرة .

- قيام الجمعيات الخيرية بدعم الحاجات الأصلية للفقراء من موارد الزكاة والصدقات والكفارات والنذور والوصايا والصدقات الجارية ونحو ذلك.

- إعادة النظر فى الحد الأدنى للأجور فى ضوء تكلفة الحاجات الأصلية والأسعار.

- إعادة النظر فى سياسة الدعم بما يساعد فى تحقيق التوازن بين الأجور والأسعار وذلك على فترات دورية قصيرة.

¨ الخلاصة :

تتلخص وجهة نظر علماء الاقتصاد الإسلامى فى قضية الأجور وتكلفة الحاجات الأصلية والأسعار فى الثوابت اللآتية :

1- لا يجب أن يقل الحد الأدنى للأجور للعمل عن تكلفة الحاجات الأصلية من الضروريات والحاجيات.

2- يجب تحريك الحد الأدنى للأجور كل فترة زمنية قصيرة فى ضوء الارتفاع فى الأسعار .

3- يجب دعم السلع والخدمات الضرورية للحياة المعيشية التى تقدم للطبقة الفقيرة.

4- يجب تحقيق الرقابة الفعالة على التجار الجشعين الذين يرفعون الأسعار بدون حق.

5- توفير التمكين للعامل الفقير للمطالبة بحقوقه فى إطار من الحرية العدل.
المصدر: إعداد دكتور حسين حسين شحاتة الأستاذ بجامعة الأزهر خبير استشاري في المعاملات المالية الشرعية.