المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القاضي الفاضل


ابراهيم الرفاعي
06-26-2012, 12:38 PM
القاضي الفاضل
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
اسمه:
هو القاضي الفاضل: أبو علي عبد الرحيم بن القاضي الأشرف بهاء الدين( ) أبي المجد علي بن القاضي السعيد أبي محمد( ) الحسن بن الحسين بن أحمد بن الفرج بن أحمد( ) اللخمي البيساني( ) العسقلاني( ) ، الملقب مجير الدين وقيل محيي الدين( ) .( )
ولادته ونشأته:
ولد في بيسان وقيل عسقلان( ) سنة 529هـ، نشأ بمصر وتعلم واشتغل بالدرس والأدب والرسائل، تحدث عن صباه وطلبه للعلم بمصر، فقال: (أرسلني والدي وكان إذ ذاك قاضياً بثغر عسقلان إلى الديار المصرية في أيام الحافظ ـ وهو أحد خلفائها ـ وأمرني بالمسير( ) إلى ديوان المكاتبات، وكان الذي يرأس به في تلك الأيام رجلاً يقال له ابن الخلال، فلما حضرت الديوان ومثلت بين يديه وعرّفته من أنا وما طلبي رحب وسها ثم قال: ما الذي أعددت لفن الكتابة من الآلات، فقلت: ليس عندي شيء سوى أني أحفظ القرآن وكتاب الحماسة، فقال: في هذا بلاغ، ثم أمرني بملازمته)( ) ، فكأن ابن الخلال كان يرى أن أهم الآلات في تعلم الإنشاء والكتابة هي حفظ القرآن وحفظ شعر الحماسة، ثم محاولة الاستعانة بهما بالاقتباس والتقليد وحل المنظوم التي أصبحت فيما بعد أهم عناصر كتابة القاضي( ) .
وإذاً فقد كانت تلمذة القاضي الفاضل في فن الكتابة على ابن الخلال، وكان قد اشتهر في ديوان الرسائل ببلاغته، وعُرفت تلمذة القاضي على ابن الخلال عند الكتَّاب من بعد( ) .
حياته ووظائفه:
تخرج القاضي على يد ابن الخلال، فصار بارعاً قديراً في الكتابة وإنشاء الرسائل، واستطاع بمهارته أن يلي يتولى بعض المناصب الهامة في دواوين الفاطميين، ثم ذهب إلى الإسكندرية وتولى الكتابة بها على باب السدرة، ثم اتصل بالكامل ابن شاور فاستكتبه، وظل بها زمناً ثم استدعاه العادل بن الصالح بن رزيك الوزير الفاطمي إلى القاهرة سنة558هـ وأسند إليه ديوان الجيش( ) .
ثم شارك في الأحداث التي دارت بين شاور وضرغام، وعندما جاء أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين إلى مصر، وهزما شاور والفرنج، واستقل شيركوه بالأمر وولى الوزارة، طلب من القصر طالب إنشاء، فأرسل إليه القاضي الفاضل، فزاحم كتاب القصب وثقل عليهم أمره، وكان موضع حقد من منافسيه من كتاب القصر لطباعه واستقامة أخلاقه وبراعة فنه، فأرادوا التخلص منه وأراد الله له التمكين في دولة غير دولتهم، دولة ناشئة فتية هي دولة صلاح الدين( ) .
وجاء صلاح الدين إلى الوزارة بعد موت عمه، فتولى له الكتابة ثم أعجب صلاح الدين بتقواه وكثرة عبادته، وباستقامته وحسن خلقه، وبفنه وأدبه وعلمه، فاعتمد عليه، وكان له وزيراً لا يستغني عنه ولا يفارقه في سلم أو حرب، وكان صلاح الدين يقول في حقه في الملأ من الناس: (لا تظنوا أني ملكت البلاد بسيوفكم بل بقلم الفاضل)( ) .
صحب الفاضل صلاح الدين في وقعة الرملة، ثم انتقل للإقامة بمصر، وكان يدبر بعض أمورها، ويرتب للسلطان أموره ويجهز العسكر ويعد الأسطول، وفي سنة586هـ غادر القاضي الفاضل مصر إلى صلاح الدين بالشام، وهكذا جمع القاضي بين فن الكتابة والسياسة وتدبير الملك، ونجح في كليهما نجاحاً كبيراً( ) .
استمر به الحال على هذا النحو إلى أن توفي صلاح الدين، فحزن عليه الفاضل ولم يطق الوزارة بعده، وظل زمناً وجيزاً وزيراً لابنه الأفضل ثم استعفى وعاد إلى القاهرة، وعكف على العلم والأدب وتعليم تلاميذه( ) .
وفاته:
توفي سنة 596هـ( ) ، ودفن بسفح المقطم( ) بظاهر القرافة بالقاهرة( ) .
إنتاجه الأدبي:
اهتم الفاضل بالعلم بقدر اهتمامه بالدين والسياسة، فأنشأ مدرسة في القاهرة( ) سميت باسمه، وضم إليها مكتبة زاخرة، قيل أنها حوت ثلاثين ألف مجلد وقيل مائة ألف مجلد( ) .
وقد خلَّف تراثاً كبيراً من الأدب، لكن لم يحفظ منها إلاّ القليل المتناثر في كتب الأدب والإنشاء.( )
كان للفاضل نظم لكنه لم يرق إلى مستوى نثره، وكان ـ أيضاً ـ ناقداً في مجالس صلاح الدين يناقش الشعراء فيقرظهم، وقد تطرق كذلك إلى فن المقامة ولكن يبدو أنه لم يوفق.( )
نماذج من إنتاجه الشعري والنثري:
من رسائله رسالة يصف فيها قلعة حمص: (والشيخ الفقيه قد شهد ما يُشهد به من كونها نجماً في سحاب، وعقاباً في عقاب، وهامةً لها الغمامة عمامة، وأنملة إذا خضَّبها الأصيل كان الهلال منها قلامة)( ) .
ومن رسائله الخاصة لصلاح الدين بعد شفائه من مرض ألمَّ به: (وقد استقبل مولانا السلطان الملك الناصر العافية غضّةً جديدة، والعزمة ماضيةً حديدة والنشاط...وقد انتقضى الحساب وجُزنا الصراط وعُرضنا نحن على الأهوال التي من خوفها كاد الجملُ يلج في سمّ الخياط)( ) .
ومن شعره ما أنشده عند وصوله إلى الشام (العراق) في خدمة صلاح الدين، ويتشوق نيل مصر:
بالله، قل للنـيل عني إنـني لم أشفِ من ماء الفرات غليلاً
وسلِ الفؤاد، فإنه لي شـاهد إن كان جفني بالدموع بخيلاً
ياقلبُ، كم خلَّفتَ ثمَّ بثـينةً! وأعيذ صبرك أن يكون جميلاً( )
خصائصه في الكتابة:
يمتاز الفاضل بخصائص تجعله علماً بارزاً في الكتابة، طاوعته الألوان البديعية، فقد برع في استخدام البديع والسجع والجناس والمقابلة، وحسن تصريفه للألفاظ، فهو يجمع بين التلوين الصوتي والتلوين التشخيصي من خلال الاستعارات والتشبيهات التي يرشح بعضها بعضاً، كذلك تفنن في اقتباسه للآيات عن طريق التضمين أو الإشارة أو التلميح.( )
هذا والله أعلم..وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

******************

المراجع:
1. الأدب في العصر الأيوبي/ محمد زغلول سلام/ دار المعارف المصرية/ القاهرة.
2. تاريخ الأدب العربي/ عمر فروخ/ دار العلم للملايين/ بيروت.
3. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان/ ابن خلكان/ ت: إحسان عباس/ دار صادر/ بيروت.
4. نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء/ الذهبي/ إعداد: محمد بن حسن موسى/ دار الأندلس الخضراء للنشر والتوزيع/ جدة/ ط3/ 1418.