المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التباسات القلب البديل


Eng.Jordan
06-27-2012, 06:23 PM
العربي العلمي العدد الرابع - أبريل 2012


د. هاني حجاج

حتى بداية النصف الثاني من القرن العشرين كان الطبيب يقابل حالات تعد على أصابع اليد الواحدة من أمراض القلب، إذ إنه في النصف الأول من هذا القرن كانت المدنية بتقدمها غير المسبوق تعبّد الطريق لمصطلحات سوف تنتشر في العصر الحالي بين الأطباء والمتخصصين بالفهم نفسه الذي يتحدث به المرض وذويهم، مصطلحات مثل (تصلب الشرايين) وضغط الدم المرتفع وسرعة النبض والخفقان وارتخاء الشرايين، بينما في عصر ما قبل القرن العشرين عندما بدأت كتب الطب تأخذ طابع الجدية (كان هذا في الولايات المتحدة الأمريكية على يد «فلينت» ومن بعده «ويليام أوسلر») كان ذكر أمراض القلب والأوعية الدموية يأتي كتنويه بسيط من باب العلم بالشيء والفصل الذي يتكلم عن باثولوجية القلب في المرجع الذي تربو صفحاته على الخمسمائة ما كانت تتجاوز مساحته الصفحتين، حتى جاءت إحصائيات المواليد والوفيات بالولايات المتحدة لعام 1960، كانت هذه التقارير تحمل مفاجأة غريبة مفادها أن سبعين بالمائة من حالات الوفاة كانت بسبب مشكلات في القلب، ثم جاءت التقارير الأوربية لتحمل نتيجة مماثلة تقريبًا، واقترح العلماء أن المتهم الرئيس في الموضوع هو المدنية الحديثة التي قدمت مع خدماتها العديدة عشرات الموبقات منها عادة التدخين والمخدرات وأساليب الطهي غير الصحية والأماكن المغلقة والزحام وأعباء المدينة التي كانت عاملًا مهما في زيادة التوتر العصبي والنفسي بالإضافة إلى مخاوف عصر الآلة.

مع انحسار موجة الأمراض الميكروبية التي قضي على معظمها تمامًا وأصبح الباقي تحت السيطرة متى ظهر، بدأت أمراض القلب تطفو على السطح وتصبح الهم الرئيسي لأطباء هذا العصر وأصبح من المحتم أن يظهر بينهم مناظرون لـ «كوخ» و«فلمنج» الذين حاربوا البكتيريا بشجاعة.

ووقف علاج ومتابعة متاعب هذا العضو المهم محصور بين الطب السريري والعلاج التشخيصي والفحص الخارجي، فلم يجرؤ أحد من الاقتراب أكثر بمبضعه ليكشف الأمر ولا حتى بمحاولة لمس غشاء التامور المحيط بعضلة القلب، حتى دفعت بعض الحالات الميئوس من شفائها بعض الأطباء إلى الإقدام على خطوة جريئة نوعًا ما تمثلت في رتق القلب الجريح لأن الموت كان حتمي وهو أسوا ما يكون من توابع هذه العملية الخطيرة التي – بما يثير الدهشة والتفاؤل – نجحت بمعظم الحالات ولكن بنسبة نجاح محدودة فيما فشل البعض بسبب مشكلة مهمة تتمثل في كمية الدماء الغزيرة التي تغطي القلب الممزق فتستحيل معه رؤية موضع لعمل البضع إلا في وجود جهاز لشفط وغسيل الدم وآخر للكي وكان هذا غير متاح فيما سبق.

القلب الممزق

ولم تعد المشكلة الوحيدة – ولم تكن كذلك – هي مشكلة القلب الممزق، بل زيادة نسبة أمراض القلب الوراثية؛ الأمر الذي كان حافزًا لجراح أمريكي للقيام بتجربة حاسمة محاولًا سد ثقب بين أذيني طفلة بالاستعانة بالدورة الدموية لوالدتها.

الطفلة الصغيرة كانت مصابة بـثقب الحاجز الأذيني ATRIAL SEPTAL DEFECT) وترك حالة كهذه سوف يؤدي حتمًا إلى توابع خطيرة تتمثل في تضخم البطين الأيمن وفشله في القيام بوظائفه، والتهاب عضلة القلب الداخلية والرجفان الليفي الأذيني ATRIAL FIBRILLATION) ومتلازمة ايسينمنجر – وغيرها. أوصل الجراح أوردة وشرايين الطفلة بأوردة وشرايين الأم بعد التخدير الكلي لكل منهما، بعد ذلك قام بعزل قلب الطفلة المريض وترك الدورة الدموية للأم وابنتها معتمدة على قلب الأم وحدها، ونجحت الجراحة وبعد سد الثقب الأذيني في قلب الطفلة وإعادته إلى مكانة وفك الربط بين الدورتين الدمويتين، ونجاح هذه العملية كان بداية التفكير في استخدام محرك بديل للدورة الدموية. كان لابد من اختراع جهاز يعمل كبديل للدورة الدموية الطبيعية أو بمعنى أدق كاحتياطي مؤقت للقلب الذي لا يمكن التعامل معه إلا بعشرات المحاذير، وإلا كان تأخر وصول الدم إلى المخ معناه حسم المسألة من دون مناقشة. وتمت تجربة هذه الاختراع الجديد على الدورة الدموية لأحد الكلاب. الكلب ممدد على منضدة التشريح وقلبه على منضدة أخرى للتعامل معه بينما يقوم الجهاز الجديد بآلية ضخ الدم حتى يصبح القلب الحقيقي جاهزًا للاستخدام.

ومع الوقت تم تطوير الجهاز المتواضع ليفتح الباب للمرة الأولى أمام ما نعرفه الآن باسم عمليات القلب المفتوح (OPEN HEART SURGERIES) وصار من الممكن فتح الملفات القديمة التي كانت توضع من قبل على رف (الحالات الميئوس من شفائها) وبحث إمكانية علاجها، حالات مثل: الشريان التالف والثقب البطيني وضيق الصمام وعيوب القلب الوراثية على القائمة التي تضم رباعي «فالوت» وثلاثي «فالوت» وكانت الخطوة التالية هي التفكير في مشكلة القلب الذي يحمل أكثر من مشكلة؛ فهل يمكن إيجاد بديل له؟ الواقع أنه قد تم حل مشكلة الصمام التالف ولكن ماذا عن القلب التالف بالكامل؟، البحث في هذه المشكلة بدأ من التفكير في صنع قلب بديل دائم بدلًا من القلب المؤقت الذي يؤدي عمله فقط على مسرح العمليات، ثم جاءت المرحلة الثانية بالتفكير في استبدال القلب العليل بقلب حيوان لأن فكرة الجهاز بدت مستحيلة، ثم كانت المرحلة الثالثة بفكرة استبدال القلب التالف بقلب إنسان يحتضر. في 23 من يناير عام 1964 حاول جراح القلب الأمريكي جيمس هاردي نقل قلب من شمبانزي إلى أحد مرضاه، وفي أوائل السبعينيات فكر جوشوا ليديربرج ومعه بعض التكنولوجيا المتقدمة في صنع قلب اصطناعي يمكن تركيبه بواسطة عملية جراحية لكن التجربة التي استحقت الاهتمام كانت محاولة كريستيان برناز –Bernard الناجحة – على المستوى النظري على الأقل – عندما نقل قلب فتاة إلى أحد مرضاه الذي عاش لمدة 18 يومًا، وبفضل هذه المحاولة يعيش اليوم 80 في المائة من متلقي القلوب البشرية لحديثي الوفاة لأكثر من عام كامل، ويعيش 60 في المائة لأكثر من خمس سنوات، وبعضهم امتد عمره إلى خمسة عشر عامًا.

تجارب على الحيوان

لقد درس برنار التجارب الجادة التي سبقته ومنها تجربة الكسيس كارل عام 1905 عندما نقل قلب كلب ووضعه في رقبة كلب آخر وفشل التجربة كان يعود إلى عدم قدرة القلب المنقول على ضخ الدم إلى الرئتين، وأعيدت التجربة عام 1949م وامتدت حياة الكلب هذه المرة إلى 32 يومًا والعيب هذه المرة كان في لفظ مناعة الجسم لأنسجة القلب الجديد، وأعتبر نجاح التجربة في المرة الثالثة عام 1964م عندما عاش القلب 141 يومًا. ثم تجربة ريتشارد لور ونورمان شموي المثيرة للاهتمام عندما أوصلا بطيني قلب جديد إلى أذيني القلب الأصلي، وفي 10 نوفمبر 1967م اقترح برنار على مريضه لويس فاشكنسكي -55 عامًا – ونقل له قلب الشابة (دينيس دارفال) التي أصيبت في حادث سيارة وأقر الأطباء باستحالة عودتها إلى الحياة، وبعد وفاة فاشكنسكي أعاد فريق برنار التجربة لطبيب الأسنان فيليب بلابيرج في 1968م وعاش بقلبه الجديد 19 شهرًا و15 يوما، وفي اللحظة التي مات فيها كان قد تم زرع 134 قلبًا في أنحاء متفرقة من العالم بعد أن اجتاحته حمى زرع الأعضاء، وجاءت تجربة فريق برنار الثالثة عام 1968 بنقل قلب الزنجية إيفيلين جاكوب إلى لاعب التنس الشهير بيتر سميث وظلت المشكلة القديمة بلا حل: رفض الجسم لأنسجة القلب الجديد حتى مع العقاقير المكثفة.

خرج الطبيب توسون بتقرير مفاده أن بلازما دم بلابيرج الذي تم نقل القلب له، وكان يعاني من تصلب في الشرايين، قد حدثت لها سرعة ترسيب غير عادية على جدران الأورطى والشرايين التاجية فكادت تسدها تمامًا، من ثم كان زرع قلب لمريض تصلب الشرايين Atherosclerosis غير ذي جدوى على الإطلاق، وبهذا يحذف العديد من المرشحين لإجراء نقل القلب لهم، وبدأ عدد الجراحات يتناقص، فوصل إلى 13 جراحة عام 1969 (بعد أن كان 159 عام 1970)، فقد توفي نحو 65% ممن أجريت لهم الجراحة قبل مرور ثلاثة أشهر، بينما توفي 50 في المائة ممن كتبت لهم الحياة قبل مرور ثلاثة أشهر أخرى، ولم يمتد العمر عامًا إلا بثلاثة في المائة، وعامًا ونصف العام إلا بواحد في المائة من إجمالي الحالات. فمع عام 1975 لم يبق على قيد الحياة من 341 حالة سوى 36 شخصًا، وعلى نهاية السبعينيات هجرت عمليات زرع القلب تمامًا. وكانت آخر هذه الجراحات واحدة أجراها برنار بنفسه لأحد أصدقائه، لكن هذه العملية فشلت ومات المريض على منضدة الجراحة، ليستقبله ابن برنار خارج غرفة العمليات – وهو طالب طب – ليسأل أبوه في حنق: «لماذا لم تعيدوا له قلبه القديم؟ لعل هذا كان أفضل بالنسبة له».

سؤال حاسم

ودقت هذه العبارة في رأس برنار بفكرة عجيبة: لماذا لا يزرع للمريض قلبًا جديدًا بالإضافة إلى قلبه الأصلي؟ وبالفعل، في 24 نوفمبر عام 1974م قام برنار بزرع قلب طفلة (10 سنوات) في صدر رجل عمره 58 عامًا، وبعد شهر واحد كان أول رجل يحمل قلبين في جسده. وأعاد برنار التجربة الناجحة في العام التالي مباشرة، لكنه بعدها وجد نفسه في مأزق خطير وهو يحاول تغيير صمام تالف لفتاة (25 سنة) ليكشف تلف قلبها الكامل وضيق شرايينها التاجية، لكنه لم يجد قلبًا بديلًا، فاضطر إلى زرع قلب شمبانزي لحين الحصول على قلب بشري، مع الأسف، لم يجد، وماتت الفتاة بعد خمس ساعات ومع ظهور المشكلة الجديدة: القلب المتاح، تم كبح المشكلة القديمة، إذ أمكن التوصل إلى عقار الـ(سيكلو سبورين – إيه) كبديل للعقاقير التي من شانها كبح مناعة الجسم حتى يتقبّل نسيج القلب الجديد، فكانت بذلك تعرّض الجسم لخطر الأمراض الميكروبية، أما العقار الجديد فكان يعمل على إحباط عمل هرمونات معينة تتحكم في عمل الخلايا التي تحارب الأنسجة الداخلية على الجسم، وبدأ العمل التجريبي للعقار الجديد في الولايات المتحدة عام 1979 م وبدأ يعيش أكثر من 80 في المائة من متلقي القلوب لأكثر من سنة، و50 في المائة أكثر من خمس سنوات وامتد عمر الفرنسي عمانويل فيتريا إلى 18 عامًا، وهنا ظهرت مشكلة ثالثة ربما لا علاقة لها بالتقنية الطبية، وهي الشكل الأخلاقي للموضوع، ففي اليابان اتهمت إحدى المنظمات جراح القلب فادا بقتل اثنين خلال عمليات نقل القلب، وبدأت مناقشة تحديد معنى الموت. كما قاضت أسرة الزنجية إيفيلين جاكوب الطبيب برنار لعدم حصوله على إذن كتابي منها، خاصة وأنهم كانوا ممن يقدسون حرمة جسد المتوفى، وحكمت لهم المحكمة بتعويض مالي قدره 140 ألف دولار، وحتى بعد حل مشكلة الحصول على الإذن الكتابي، بقيت مشكلة السؤال المطروح حتى اليوم: من هو الميت؟ خاصة وأنه في حالتنا تلك يعتبر التبرّع بالقلب يعني الموت الأكيد ما لم يكن المتبرع متوفى بالفعل. وإجابة هذا السؤال لا يزال البحث عنها جاريًا في الدوائر الطبية والقانونية والشرعية حتى هذه اللحظة؛ فالجانب الأكبر يعتمد على دلالات الموت الإكلينيكي: انخفاض ضغط الدم، وتوقف التنفس، والتوقف النهائي للقلب عن الخفقان، ونقصان درجة حرارة الجسم. أما البقية فلا تعترف بالموت إلا في حالة توقف النشاط الكهربي للمخ، كما لا يمكن اعتبار الحالات الميئوس من شفائها في حكم الأموات، فالحالات تبقى على ما هي عليه في انتظار ما يستجد في الطب في كل لحظة.

أسئلة أخلاقية

وأقرت الهيئة القضائية في الولايات المتحدة عام 1970م باعتبار الموت في حالة توقف المخ عن إرسال إشاراته الكهربية، ونص قانون ولاية كاليفورنيا التي يوجد بها أكبر مركز لزراعة القلب في ستانفورد، على أن تحديد الوفاة يتأكّد بتوقيع اثنين من الأطباء على أن المخ قد توقف نهائيًا عن العمل، حتى لو صاحب هذا استمرار عمل القلب والرئتين وثبوت درجة الحرارة. أجرى الجراح ليونارد بيلي خلال اهتمامه بعمليات نقل القلب بين الأنواع، 150 جراحة نقل قلب بين الماعز وبين الخراف والخراف وبين الماعز والخراف، ثم حصل أخيرًا على موافق المجلس الطبي لمستشفاه التابع لأحكام القانون الفيدرالي على نقل قلب قرد إلى الطفلة فاي المصابة بضمور في الجانب الأيسر من قلبها، وهو عيب خلقي يولد به طفل من كل 12 ألف، وهو بالتالي يعني تلف الصمامين (الأورطى) و(الميترالي) والأورطى ذاته، وغالبًا ما يموت الوليد بهذا المرض خلال أسبوعين على الأكثر، وبدأت العملية في 24 أكتوبر عام 1984 باختبار أقرب أنسجة القرود إلى أنسجة الطفلة، ثم نقل الطفلة إلى جهاز التنفس الاصطناعي وحقنها بما يساعد على استمرار دورتها الدموية، ثم انتزاع قلب أنثي القرد البالغة من العمر سبعة أشهر وزرعه في صدر الطفلة فاي، وبعد أربع ساعات بدأ القلب المزروع في الخفقان، وتفاءل البعض باستمرار الوضع كما هو لفترة لا بأس بها، وتشكك البعض الآخر معترضًا على عملية زرع قلب فقير في أوعيته الدموية وفاقدًا للذاتية البروتينية تقريبًا. وتحدّث البعض عن الجانب النفسي عندما يعرف المريض أنه يعيش بقلب قرد – ما أسموه فيما بعد بـ «عامل فرانكنشتين» – وبعد وفاة الطفلة – بعد أسابيع ثلاثة – ظهر الرأي الأخير: ما الجدوى من إعطاء المرضى وذويهم أملًا زائفًا بينما الموت آتٍ عن قريب لا محالة؟ كما راح أعضاء جمعيات الرفق بالحيوان يتظاهرون معترضين على اعتبار الحيوان احتياطيا للأعضاء، وفي الوقت ذاته اعترضت طائفة على تدنيس جسد الإنسان الراقي بعضو من حيوان درجته أدنى.

بين النجاح والفشل

في نهاية السبعينيات تدهورت أحوال طبيب الأسنان بارني كلارك الصحية بشكل سيئ، خاصة بعد تضخم قلبه بشكل خطير وارتخاء عضلته بحيث لم تعد قادرة على القيام بدورها في ضخ الدم إلى جميع أنحاء الجسم، وفي زيارته لمستشفي يوتاه UTAH الجامعي شاهد تجربة لبقرة تعيش بقلب اصطناعي، واستيقظ بداخله الحلم الذي تحدث عنه (جوشوا ليديربرج) الحاصل على جائزة نوبل، من إمكانية صنع قلب ينبض في صدر المريض، فقط، هو قلب اصطناعي! وتمكّن الطبيب الجراح دانتون كولي من الاستعانة بأول نموذج للقلب الصناعي عام 1969م.

وفي يونيو عام 1980 م طلب الجراح (وليام ديفريز) إذن إدارة الدواء والتغذية للسماح له بزراعة قلب اصطناعي، وتم تشكيل لجنة لاختيار المرضى الذين يتعين أن تجري لهم هذه العملية تتكون من طبيبين متخصصين في أمراض القلب وإخصائي نفسي وباحثة اجتماعية وممرضة وممثل للجامعة. هذه اللجنة رفضت عشرات الحالات منها طفل لن يتسع صدره للقلب الاصطناعي الجديد وامرأة تتبرع بقلبها لخدمة العلم ورجل يهدد بالانتحار لو رفضته اللجنة ومريض بمرض نفسي عضال وأخيرًا وافقت اللجنة على بارني كلارك لأن حالة قلبه شبه ميئوس من شفائها وفشل معه العلاج الكيميائي، ومن الناحية العملية كان كلارك طبيبا واعيًا لما هو بصدده، ونفسيًا كان في انتظار العملية ويعتبرها أمله الأخير، ومن الوجهة الاجتماعية كان كلارك وحيد أبويه، وسيرته الاجتماعية خالية من الاضطرابات، وبعد الموافقة عليه طلبت منه اللجنة التوقيع على إقرار يزيد على عشر صفحات، وتقرر أن تجرى له الجراحة يوم الخميس الموافق 8 من ديسمبر عام 1982 م، لكنه اقتيد إلى غرفة العمليات في ليلة الأربعاء بعد انخفاض ضغط دمه بشدة وتدهور حالته، وعدا مشكلة في البطين الأيسر التي سرعان ما تم التغلب عليها فقد نجحت العملية، وبالرغم من هذا فقد عانى كلارك من نوبات عصبية وحالة اكتئاب حادة، ورغبة في الموت قادته إلى الشلل الكامل. وبوفاته كان بارني كلارك أول من يعيش بقلب اصطناعي لمدة 112 يومًا، وانتقل الجراح ديفريز من الجامعة التي فقدت اهتمامها بعمليات زرع القلب، ليعمل لدى مؤسسة علاجية خاصة.

محاولة ثانية

المرة الثانية التي يدخل فيها القلب الاصطناعي (جارفيك -7) صدر بشري كانت في حالة المريض وليام شرودر الذي تحسنت حالته كثيرًا – النفسية خصوصًا – إلا أن هذه المقدمة المشجعة لم تستمر طويلًا، فبعد أيام إذ هو يتناول عشاءه مع زوجته فقد النطق وحين عاد وعيه في غرفة العناية المركزة كان قد أصيب بالشلل في نصفه الأيمن، وقيل إن هذا بسبب جلطة وصلت إلى المخ. في الوقت نفسه الذي تحسنت فيه حالة شرودر وبقي يعيش بقلب يعمل بمحرك يحمله على كتفه (11 رطلًا) ومعه محرك القلب (313 رطلًا) تحت رعاية ممرضة وحارس وفني أجهزة، ثم مات بعد 620 يومًا، في الوقت الذي تجري فيه الجراحة الرابعة – الأولى خارج أمريكا – للسويدي لييف ستنبرج)– 53 سنة – الذي وافته المنية بعد ثمانية أشهر بسبب الجلطة الدموية، واضطر ديفريز المتخم بالحماس أن يقدم تقريره الذي أعلن فيه بعد تجربته الرابعة أن الأعراض والتوابع الآتية تصيب كل من حمل قلبًا اصطناعيًا:

1. هبوط كلوي حاد (Acute Renal Failure) يبدأ من الأسبوع الأول ويستمر لمدة أسبوعين.

2. نوبات عقلية متكررة ومشاكل عصبية ونفسية منها الشلل النصفي (Hemiplegia) وثقل اللسان.

3. تلف المناعة الطبيعية والحاجة الدائمة لمضادات التجلط في كل منهما من متاعب.

4. عدوى الجهازين البولي والتنفسي بما لا يستطيع معه التعامل مع الجسد الواهن.

5. أنيميا (فقر الدم) من نوع التدمير المستمر لكرات الدم الحمراء (Hemolytic Anemia).

وبعد وفاة خامس حالة تلقي قلب اصطناعي في اليوم العاشر للعملية أعلن ديفريز آسفًا: «إننا لا ندري حقًا هل نساعد المريض بزرع قلب اصطناعي له، أم أننا نمنحه العذاب في الأيام القليلة الباقية له». وبدأت مناقشته الأمر اقتصاديًا حيث يرد توماس ستارزل جراح زراعة الأعضاء على من اتهموا زارعي القلوب بالسرقة: بأن تكاليف التقنيات المتقدمة لا تفوق قيمة الأعضاء المفقودة، وقد تصل عملية إعداد المريض لزرع الكلية إلى ربع مليون دولار، فلماذا الاستياء ونحن نتحدث عن القلب؟»، وقرر الكونجرس عام 1972 م تغطية نفقات من هم في حاجة إلى قلب اصطناعي وهم حوالي 50 ألف مريض سنويًا وتصل هذه التكاليف إلى سبعة مليارات ونصف المليار دولار كل عام ما يزيد على مجمل الاعتمادات الخاصة بالرعاية الصحية في أمريكا. وهكذا ظهرت على السطح مشكلة الاعتناء بفئة معينة وإهمال الفئات الأخرى، مما دفع العديد إلى كثير من الآراء المناهضة أمثال ريتا سبنس مديرة مستشفي، وهارفي فاينبرج عميد كلية الصحة في هارفارد وهارمون سميث أستاذ الأخلاق المعروف وأخيرًا بالنسبة لتحديد الأولويات قال واطسون باركر: «لا يبدو أن أمريكيين كثيرين يتقيدون من القلب الاصطناعي في المستقبل القريب، لكن هناك الملايين منهم يودون أن يسمعوا خلال هذا الشتاء عن التوصل إلى عقار قادر على الشفاء من الإنفلونزا» بينما أكد بعض علماء الرياضيات بالحسابات الدقيقة أن نفقات توفير ما يحتاجه المرض من قلوب اصطناعية تعادل تكاليف إنتاج ثلاث غواصات «ترايدنت». وحذّر «لويس توماس» طبيب الأورام الشهير وصاحب كتاب «حياة الخلية» من كون القلب الاصطناعي باهظ الثمن بما يفوق المتاح من الموارد، بينما قال برنار: «أنا مغرم بالحياة، وهذا يجعلني أقول نعم لزرع القلب الإنساني، ولكن لا يدفعني هذا الغرام لقبول العيش بقلب صناعي، فأي إغراء في أن يظل المرء مرتبطًا بـ«آلة» ما بقي له من العمر؟» وكانت هذه بداية للعلماء في التفكير في الاستعانة بعضلات المريض نفسه لحل المشكلة، وهكذا كان يجب الاستعانة بعضله سريعة الانقباض (مثل عضلات الساق) وترويضها على الانقباض البطيء المتزامن مع إيقاع ضخ الدم، وبدأت تواجههم مشكلة تفويت القلب بعض الدقات أو بطء النبض (Bradycardia) وتسارع النبضات (Tachycardia) حتى أمكن التوصل إلى ضابط إيقاع إلكتروني دقيق يرسل نبضات منتظمة بمعدل 72 مرة في الدقيقة، وعن طريق التحكم الكهربي أمكن تحويل العضلة سريعة الانقباض إلى عضلة بطيئة الانقباض، ليستقبل الجميع مفاجأة، أن تتحول العضلة إلى ما يشبه عضلة القلب فعلًا وتتغير شخصيتها التشريحية والمهجرية، وبدأ الأمر ينجح باستخدام بعض عضلات الظهر في لف البطين الأيسر، ثم بصنع «مخروط بطيني» من هذه العضلات تم توصيله بالدورة الدموية لتقوم بالدور الذي تخلي عنه القلب الأصلي. وحتى سبتمبر عام 1995 م كان قد تم تركيب أربعمائة وخمسة وثلاثين قلبًا يعمل بالهواء المضغوط «Pneumdtic heart» وتسعة وأربعين قلبًا يعمل بالتحكّم الكهربي، وعاش أحد المرضى بقلب الهواء المضغوط لأكثر من عشرين شهرًا، وعاش مريض آخر بقلب كهربي لأكثر من 17 شهرًا، لكن استخدام القلب الاصطناعي كان يعتبر مسألة مؤقتة لحين التمكن من زرع قلب طبيعي بديل، ولاحظ الطبيب الأمريكي بود فريزر الجراح بمعهد «تكساس» للقلب في «هيوستن» أن قلوب المرضى الذين يستخدمون القلوب الاصطناعية مؤقتًا تشهد تحسنًا ملحوظًا مع تحمل القلب الاصطناعي العبء الأساسي للدورة الدموية في فترة تعتبر استراحة للقلب الأصلي تعود فيها خلاياه إلى طبيعتها وقدرتها على المعالجة الحيوية للكالسيوم، كما يعود حجمه التشريحي الأصلي بعد تضخمه السابق، إلا أن هذه الملاحظة كانت بلا قيمة عملية وقتها، إذ إن القلوب الاصطناعية – وفقًا للقوانين – لم تكن تزرع إلا لمن فقدوا قلوبهم الأصلية تقريبًا، بما معناه اختصارا، لا يركب القلب الاصطناعي إلا بعد إلقاء القلب الأصلي في سلة المهملات.

في حادثة مماثلة بمستشفى برلين، تم تزويد أربعة مرضى بقلوب اصطناعية لحين تحسن وظائفهم الحيوية لاستقبال قلب بديل، إلا أنه تم الاستغناء عن هذه القلوب الاصطناعية بعد تحسن القلب الأساسي بما يشبه المعجزة. ومع التطور الحديث في علم الجينات ودراسة حمض الـ «DNA»، فقد أجريت أول عملية زرع قلب ورئتين ناجحة لامرأة هي كلاري سلفيا -47 سنة في مستشفي يال نيو هيفين في مايو 1988م، وفي المؤتمر الصحفي الذي أقيم بعد ذلك صاحت سيلفيا: «أنا مستعدة لدفع نصف عمري في مقابل كوب من البيرة.» وكانت الدهشة من نصيب معارفها ومن نصيبها، لأن سيلفيا كانت تكره كل أنواع الخمور. ليس هذا فقط، لقد عكست رغبتها في الألوان التي تفضلها والتي تكرهها، ومع البحث تظهر مفاجأة غريبة بعض الشيء، أن قلب الشاب المزروع في صدرها كان لفتي مغرم بشرب البيرة والألوان نفسها ونوع الشطائر نفسها التي اكتشفت – مؤخرًا – أنها تحبها! وهنا بدأ يثار موضوع «الذاكرة الخلوية» مع زراعة الأعضاء، وأكّد بعض العلماء أن الخبرات والذاكرة لا تنطبعان في المخ فقط وإنما في كل خلية حية! لكن أحدًا لم يعتمد هذا الرأي خصوصًا وأن التغيرات النفسية تصاحب كل من يزرع له عضو جديد، دعك من أن الأدوية التي تؤخذ تسبب اشتهاء أطعمة معينة.

وبالنظر إلى عنصر الإيحاء صدر قانون يحذر من تسريب أية معلومات عن صاحب العضو المزروع إلى المريض المتلقي لأسباب نفسية وأخلاقية أوضح من أن تقال.

ومازالت التجارب تجري على قدم وساق لتطوير القلب البديل وجراحاته، فمعهد «أوتاوا» للقلب بكندا يصنع مضخة تقوم بعمل البطين الأيسر دون الحاجة إلى شق دائم في جلد المريض، وتسعى معامل «تكنو بيوميديكا»، روما إلى إنتاج قلب اصطناعي كامل أخف وزنًا! فضلاً عن «جارفيك -2000» الذي يتم تطويره في معهد تكساس للقلب وفي أوكسفورد، بريطانيا، وأخيرًا ثورة الهندسة الوراثية... وانتظر صنع قلب كامل بديل عن قلبك الأصلي من خلية واحدة تؤخذ من أي مكان في جسمك... قلب جديد قادر على النبض من خلية لا يمكن أن تراها بعينك المجردة.