المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإنسان و إنسان آخر ؟


جاسم داود
06-28-2012, 07:34 AM
الإنسان و إنسان آخر ؟


في واقعنا المعاصر، في ماضينا التليد، في مستقبلنا الزاهر.. هناك الإنسان!


وإلى جانب هذا الإنسان إنسان آخر، والاثنان إلى جانبهما آخران، فتكون مجموعة إلى جانبها مجموعة أخرى، فنصبح جماعاتٍ وأقواماً، قبائل وشعوباً.


والإنسان لم يخلقه الله عز وجل جامداً لا يتحرك كالجبال، لم يخلقه عديم الإحساس، ولم يخلقه على وتيرةٍ واحدة من الطبع، فلا تراه ضاحكاً منذ يوم ولادته إلى يوم مماته، ولا باكياً طول حياته.. ولم يجعله سعيداً أبدياً ولا محكوماً عليه بالحزن النزيل، ولكنه بين هذا وذاك، خلقه متقلباً ومتغيراً في أي لحظة وفي أي ساعة. تؤثّر عليه الأحداث التي تجري حوله، وبقدر قربها منه تكون أشد أثراً عليه. في هذه الحالة بالإمكان تصور حياة الإنسان منّا، أو حياتنا ككل، مسرحاً كبيراً على هذه الحياة، وتحركاتنا وتعاملاتنا أشبه بالفصول والمشاهد لمسرحية طويلة لكل واحد منا فيها دور يؤديه. وبطبيعة الحال لا بد وأن تكون فصولها مختلفة ومتميزة عن بعض.. وكل مشهد يقابله مشهد يناقضه ويخالفه.


وإذا ما تصورنا أنفسنا كمشاهدين ومتابعين سنشاهد المسرحية بكامل فصولها.. نشاهد المشهد المضحك كما نشاهد المبكي، ونشاهد فيها النواحي المرضية وأيضاً المستنكرة..


نعود للبطل الأول للمسرحية وعمادها (الإنسان)، فحياته كلها فصول ومقاطع مليئة بالأحداث.. إلا أن هناك مشاهد وأحداثاً من الصعب جداً على المرء أن يعبر عنها ويقوم بالتعليق عليها.


ومن أبرز وأروع المشاهد التي يقوم بها الإنسان، ذلك المشهد الذي يحمل عنوان (التسامح)!


مجرد النطق بهذا العنوان (التسامح) يملأ النفوس حباً واحتراماً، وينقلها إلى آفاق الإنسان الواسعة، الإنسان بمعناه الحقيقي، الخالي من الذمائم العظام: الكراهية والحقد والحسد والأنانية وما في جملتها.


أمام مشهد كهذا المشهد فقط، نتجرد من حب الذات، ونتنازل عن كل شيء، ولو كان الحق في صفنا، من أجل كسب ودِّ حب الغير وتنقية الأجواء.. دون أن يلحقنا أدنى نقصٍ جرّاء هذه التنازلات، ودون أن يكون لنا هدف خفي آخر سوى المودة فيما بيننا والاحترام المتبادل.


مثل هذا المشهد الأخاذ.. بأي لغةٍ يمكن وصفه؟ وأي تعبير يعطيه حقه كاملاً؟ وأي بلاغة تحلل لنا هذا المشهد؟!


في الحقيقة إن المشهد في غنًى عن الإجابة عن هذه التساؤلات، أيًّا كانت الإجابة. لأنه يحمل في مضمونه أسمى وأجمل المعاني في علاقات الإنسانية.. الإنسانية حينما تصفو النفوس.


نعم.. التسامح، هذه الكلمة لو بحثنا في دواخلها، واكتشفنا مكوناتها الأصلية، لوجدنا الإنسانية في الإنسان.. وجدنا الإنسانية في أسمى معانيها.


التأمل - فقط في السر الذي تخلفه خلف المتسامحين - يثلج الصدور بالسعادة، ويزيد شعوراً بالطمأنينة.. فما هو الحال - إذاً - إذا كنا أحد الأطراف المعلنة لشعار التسامح.. إذا كان مجرد التأمل يفعل ويحدث مثل هذا الشعور؟!


والتسامح لا يأتي من فراغ، ولا يأتي من لا شيء، ولكن له (سيناريست) من الخلافات والخصام واختلاف الرأي والتوجهات الفكرية.. يسبقه بأيام أو شهور وربما سنوات، حسب مقتضيات ومتطلبات موجه الخلاف.


عودة مرة أخرى إلى بطلنا (الإنسان)..


الإنسان لا يختلف عن الإنسان الآخر في تكوينه الجسماني أو العرقي أو اللون أو ما شابه ذلك فقط، ولكنه يختلف عنه أيضاً في وجهاته وتطلعاته وطريقة تفكيره، وهذه هي النقطة التي تحدث شرارة الاختلاف؛ فينشأ الخلاف.


قد يكون أحدهم عظيم البنية وآخر ضامر الجسم.. لا خلاف بينهما والأمر عادي.. أكون أسود والآخر أبيض، لا خلاف بيننا.. إلخ. لكن أرى الطريق من هنا أسهل ولكنه يرى الطريق من هناك أسهل. هنا نرحب بالخلاف، وتبدأ عملية شرح مستفيضة لوجهات نظر كل واحد منا، وقد نفشل جميعاً في إقناع أحدِنا الآخرَ، هذا كله يحدث رغم أن محطة الوصول واحدة، الهدف واحد، هذا مثال بسيط أو (لَقطة) من مسرحيتنا الطويلة.


وغالباً ما يحدث الخلاف بين الذين تربطهم علاقات مهما كان نوعها، قد يكون بين الإخوان والأصدقاء أو في الأسرة الواحدة أو بين الجيران أو مجال العمل أو التجمعات السكنية، هذا يدلي برأيه، وذاك يقذف بآخر، وربما يرشدنا هذا إلى استخلاص الأصلح والأنفع. ولكن هل يستمر هذا الخلاف حتى يؤدي إلى الخصام والشحناء؟! هذا ما لا ينبغي حدوثه.


ودائماً وأبداً: اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية. وإذا لم يكن هناك قضية في الأصل! لماذا ينشأ الخلاف؟ لا عجب في ذلك. ففي مسرح حياتنا يومياً فصول كثيرة وعديدة من الخلافات التي لا مبرر لها سوى التعنت والتعصب في غياب الإنسان عن إنسانيته. وأقرب وأهم فصل في هذا النوع هو ما يحدث من خلاف بين الجيران، وإذا ما بحثت عن أصل القضية تجد ماذا (!!) قضية وهمية مصطنعة؛ فننسى كل شيء. ننسى المودة، ننسى التعاطف والتكاتف ونتقمص شخصيات سيئة.. علماً بأننا كمسلمين يجب علينا مراعاة حق الجوار أكثر من غيرنا لأن هذا من تعاليم ديننا الحنيف.


ففي الحديث: (ما زالَ جبريل يُوصِيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيورِّثُه).
وفي حديث آخر: (واللِه لا يُؤمِنُ، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن. قيلَ: مَن يا رسولَ الله؟! قال: مَن لا يَأمَنُ جارُه بوائقَه). أي مصائبه.
وحديث آخر: (ما آمنَ بي مَن باتَ شَبعانَ وجارُه جائع).


أحاديث صحيحة وواضحة.. {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}. فلماذا ننسى كل هذا في غمضة عين؟!


وتتتابع فصول المسرحية فصلاً وراء فصل، ومشهداً يتبعه مشهد آخر. وتتكرر المشاهد الجميلة والرائعة كلما تكررت المشاهد المؤثرة.. إنما مشهدٌ رائع كمشهد التسامح من الصعب جداً الحصول عليه إلا في مشهد التسامح نفسه، حيث تصفو فيه النفوس وتتجرد من النواقص التي كانت تعتقد أنها من المكملات لها لحظة انفجار الخلاف، تتجرد من كل الصفات الطاغوتية التي كانت تسيطر عليها.


نتمنى أن نشاهد هذا المشهد في كل فصل من مسرحيتنا.


اللهمَّ، إنا نسألك أن توفقنا إلى ما تحبه وترضاه ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.




دمتم برعاية الرحمن وحفظه