المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إرهاصات أولية في العمل المعجمي العربي ..عبد العزيز المقالح


Eng.Jordan
07-01-2012, 11:34 AM
"كتاب الزينة"

إرهاصات أولية في العمل المعجمي العربي

للأستاذ الدكتور عبد العزيز صالح المقالح





مقدمة:

ترتبط أهمية المعجم التاريخي في سعيه إلى رصد ما اكتسبته مفردات اللغة عبر العصور من استعمالات تختلف قليلاً أو كثيرًا في دلالاتها الوظيفية والمعرفية. وغياب هذا المعجم في اللغة العربية يشكل نقصًا واضحًا لا في شأن اللغة ذاتها وحسب، وإنما في شأن مستخدميها أيضًا لما تمتلكه اللغة – أيّ لغة – من قدرات على التطور ولكونها أداة تعبير متجدد عن الفكر والوجدان وما يبحث عنه المتحدثون بها من قدرات إضافية لتفسير النظريات والظواهر المتجددة في الحياة.
ولا أجد – كواحد من أبناء هذه اللغة والمتعاملين معها بصورة يومية – ما يقنعني بأن علماء اللغة العربية الذين درسوا كل صغيرة وكبيرة تتعلق بهذه اللغة، وممن حققوا نجاحًا منقطع النظير في حقول المعرفة اللغوية، قد كانوا يجهلون أهمية تتبع التطور التاريخي للمفردات، والتغيير الذي يطرأ في مجال استخداماتها اللغوية وفي الشعر العربي بخاصة. والتفسير الوحيد الذي يجعل غياب هذا المعجم مقبولاً – من وجهة نظري – أن علماء اللغة العربية قد اكتفوا بما قدموه من دراسات تفصيلية وشروح واسعة حول ما اتسمت به اللغة عمومًا من دلالات تتحدد وتتجدّد بتجدد استعمالاتها المجازية، وما تتعرض له من تحولات عبر تنقلاتها من المحسوس إلى المجرد أو من المجرد إلى المحسوس، وهو باب واسع لم يتم إلحاقه بالدراسات المعجمية حتى لا يدركه الثبات اللغوي ولا تقف التأويلات المجازية عند حدس التوسعات الاستعمارية.
ولو أن الحضارة العربية لم يدركها ما أدرك الحضارات السابقة واللاحقة ممن تعثر وعطب لكان علماء اللغة العربية قد أنجزوا المعجم التاريخي منذ وقت مبكر، ولكانوا قد اهتدوا بحسهم النقدي وبصيرتهم اللغوية النافذة إلى العناية بكل ما تدعو الحاجة إليه. والدليل على ذلك هذا الكتاب الذي جعلته محورًا ومدارًا لبحثي المتواضع لما يقدمه من إرهاصات أولية عن بداية إدراك أهمية تأليف معجم تاريخي لألفاظ اللغة العربية، يقف جنبًا إلى جنبٍ مع القواميس والمعاجم والموسوعات التي اعتنت بجمع هذه الألفاظ واشتقاقاتها ومترادفاتها. وليس من باب التفاخر القول بأن الأيام أثبتت أن أولئك العلماء هم الذين وضعوا الأسس الأولى للنظريات اللغوية التي يأخذ بها الآن المشتغلون بعلم اللغة المعاصر.
تمهيد:
ليس من المبالغة في الشيء القول بأن اللغة العربية حظيت من أبنائها القدامى بجهود مخلصة تضيق عن الحصر، وبعناية صادقة لم تحظ بها لغة من اللغات العريقة والباقية على وجه الأرض. وما المعاجم والقواميس العديدة والمباحث اللغوية المختلفة في فقه اللغة والبلاغة والنقد الأدبي والدراسات النحوية إلاَّ الدليل القاطع على هذه العناية الفائقة غير المسبوقة. وقد شمل الاهتمام اللغوي كل ما يتعلق باللغة من معانٍ وسياقات وتعدد دلالي. كما عُني فقهاء اللغة بالمشترك اللفظي والنحت والتركيب المزجي والاشتقاق والأضداد والمجاز، فضلاً عن دراسة العلاقة بين اللفظ والمعنى. ولم يترك هؤلاء العلماء الأوفياء للغتهم شاردة ولا واردة – على حد تعبيرهم – تتعلق باللغة إلاَّ عالجوها وأقاموا عليها الشواهد والحجج في قدرة على التأصيل والتحليل والتطبيق والتوثيق.
ومما حاولـه اللغويون العرب القدامى ولم يصلوا فيه إلى الغاية التي كانوا يتمنونها البحث عن تطور استخدام المفردات، وهو المعروف في العصر الحديث بالمعجم التاريخي، الذي يتناول تطور الألفاظ العربية عبر العصور، ومدى ما تمثلته من دلالات ومعانٍ جديدة، وما دخل عليها من تغيرات في الاستعمال.
لقد أجهد علماء العربية القدامى أنفسهم في جمع الألفاظ العربية وترتيبها وتحديد معانيها، ونجحوا كذلك في حصرها وكان إمامهم الأول في هذا الجهد الخليل بن أحمد الذي جعله تواضعه يقول بأنه لا يحصر اللغة العربية إلاَّ نبي، وكان عمله الفذ بداية القواميس والمعاجم الموسوعية كالقاموس المحيط، ولسان العرب، وتاج العروس، وهي الأشهر والأوسع في التداول. وفي العصر الحديث "حققت معاجم مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ومعاجم مكتب تنسيق التعريب في المغرب، والمعاجم التي ألفها اللبنانيون المحدثون، حققت كثيرًا من الأماني"(1).
ولعل عناية فقهاء اللغة بالمجاز قد أغناهم عن تتبع التطور الذي لحق بمدلولات الألفاظ، وأن هذا التطور – من وجهة نظرهم – ما هو إلاَّ ضرب من المجاز وليس تطورًا في المعاني تقتضيه طبيعة الحياة، كما أن المحافظ على ألفاظ القرآن الكريم بدلالاتها الثانية قد صرف العلماء عن إيجاد مثل هذا المعجم التاريخي اعتقادًا منهم أن الاعتراف بتطور هذه الدلالات يباعد بين القرآن ومعانيه الثابتة، وهو تصور خاطئ أثبتت القرون المتلاحقة خطأه، ومن هنا فقد تم التركيز على المجاز الذي يجعل المفردة تمتلك درجة من التجدد والغموض الذي يستعصي على التفسير أحيانًا، وكان ذلك الحل واضحًا منذ الخطوة الأولى في تأسيس المعجم الأول. و"إن قراءة متأنية للمعجم الخليلي تبين علاقات الأخذ والتحوير والاستقراض التي تقدم في هذا الطور من حياة اللغة. فما نسميه اليوم "المفهوم" قد لا يكون في هذا الطورسوى "استعارة" وحسب لمعنى اعتباري" (2).

ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) د. حسين نصار: مجلة الفكر العربي، العددان 8، 9 السنة الأولى مارس 1979م.
(2) د. حميد مطيع العواضي: المعاجم اللغوية المعاصرة، ص 182.


لكن هذه الإنجازات تبقى محدودة الشأن إذا ما قيست بما قدمه


الآخرون في حقل الدراسات اللسانية المعاصرة وفي المجال المعجمي، ولم تزل جهات الاختصاصات سواء في الجامعات أو المجامع عاجزة عن الاستفادة من التراكم المعرفي للدراسات اللغوية، الذي حققه العلماء السابقون من جهة، والإضافات المعاصرة من جهة والوقوف على التجارب المتحققة بشأن المعجم التاريخي. ومن سوء الحظ أن مشكلاتنا مع المعاجم لم تعد واقفة عند ترتيب ألفاظها وفق النظام الألفبائي أو انطلاقًا من مخارج الحروف، كما لم تعد في الوقت الحاضر قائمة على خلاف البصريين والكوفيين، ولا في التمييز بين المستويات اللغوية، وتفضيل لهجة على غيرها، وإنما المشكلات الأهم والأخطر في انصراف الأجيال الجديدة عن اللغة العربية واتجاه الآباء المتعلمين والمثقفين إلى تدريس أبنائهم اللغات الأجنبية والإنجليزية على وجه الخصوص؛ لأنها لغة الحياة والعمل بل لغة المستقبل – كما يقولون – والتحدي الأكبر أمامنا جميعًا يتمثل في السؤال الآتي: كيف نعيد الثقة بلغة الضاد، لغة القرآن الكريم، لغة الإبداع العربي؟ وكيف يكون العمل على إعلاء مكانتها لتكون لغة للحياة والفكر والعلوم والفنون والآداب؟ والإجابة على السؤال تستدعي تفكيرًا طويلاً من علماء اللغة، ومن المجامع العربية الموكل إليها طرح حلول للمشكلات التي تواجهها اللغة، بعيدًا عن التفريط والمواقف الانفعالية لأنصار التساهل أو أنصار التشدد. وللغة العربية من ماضيها الإسلامي ما يشكل مرجعية صحيحة للتيسير واستيعاب الجديد وتحقيق المنفعة، فقد استطاعت اللغة في ذلك الحين أن تضع لكل جديد ما يناسبه من الكلمات والتعابير وأن تستعير ما ينقصها دون خوف ولا تردد. والوضع العربي الآن لا يختلف كثيرًا عما كان عليه في بداية النهوض العربي عقب ظهور الإسلام، وستبقى اللغة العربية بقواعدها النحوية، التي لا تخلو من صعوبة، وبتشكيلاتها الإملائية، التي لا تخلو هي الأخرى من بعض الزوائد والنواقص، أحسن حظًّا من غيرها من اللغات التي يراها البعض نموذجًا للتيسير والاستجابة لما تفرضه طبيعة التطور ومعطيات العصر.
يضاف إلى ذلك كله العمل على تلافي القصور الناتج عن غياب المعجم العربي التاريخي الذي من شأن إنجازه على المستوى المطلوب أن يحقق التطور الأمثل في فهم تاريخ اللغة العربية، والتغير الذي طرأ على مفرداتها؛ إذ "ما تزال مفردات اللغة تفتقر إلى مزيد من الإيضاح والتعريف العلمي الأصيل. فالمعنى فيها تعوزه الدقة في تحديد الدلالة. وما يزال المراجع لمعجماتنا يشعر بنقص في المعنى العام الشامل لكل أصل من أصول الألفاظ. ويتحسس الذهن هذه الثغرة الواضحة بين المفهوم الحالي للفظة والمفهوم الذي أطلقت أول مرة من أجله. وعلى ذلك يمكن القول أن التطور التاريخي للمدلول لم يحظ بعرض منهجي علمي شامل، في كل ما
صدر من معجمات جديدة. والمعاجم بين أيدينا لم تقم على دراسة عميقة لمفهوم الألفاظ"(*) ليس ذلك وحسب وإنما لم تقم على دراسة بعضها أو كلها من تطور طفيف أو تام في المعنى، وهو ما تهدف الوصول إليه المعاجم التاريخية في العصر الحديث.
كتاب الزينة إرهاصات أولى:

ـــــــــــــــــــــــ
(*) محمد علي الزركان: الجوانب اللغوية عند أحمد فارس الشدياق: ص 112.

العنوان الكامل للكتاب هو: (كتاب الزينة في الكلمات الإسلامية العربية) وهو من تأليف الشيخ العلامة أبي حاتم أحمد بن حمدان الرازي المتوفى 322هـ. وقد تولى تحقيقه والتعليق عليه الأستاذ حسين بن فيض الله الهمداني الحرازي من علماء اليمن. والكتاب من منشورات مركز الدراسات والبحوث اليمنى عام1994م. وقد ظهرت طبعته الأولى بعد وفاة محققه المرحوم الهمداني باثنين وثلاثين عامًا، وللكتاب مقدمتان الأولى بقلم الأستاذ الدكتور إبراهيم أنيس وهو من ألمع المشتغلين بموضوع اللغة العربية والعاملين في مجال اللغويات، وكان عندما كتب هذه المقدمة عميدًا لكلية دار العلوم (1956م)، والمقدمة الثانية للمحقق، وقد أورد الدكتور أنيس في مقدمته ما يشير إلى أهمية الكتاب، وإلى أنه يحقق جزءًا من أمنية لخَّصها بالقول: "ود كثير من الدارسين في العصر الحديث لو أمكن أن نتتبع الألفاظ العربية في العصور المختلفة، لتبيَّن مدى تطورها من حيث الدلالة، ولنقف على ما أصابها كلها أو بعضها من تغير في الاستعمال العلمي والأدبي جيلاً بعد جيل، حتى صارت إلى ما نألفه منها الآن" (1). وتمضي مقدمة الدكتور أنيس إلى الحديث عن مؤلف الكتاب وأنه يبدو لغويًّا أكثر منه فقيهًا "فهو يطنب فيما يتطلبه اللفظ من بحث لغوي ويقتصد فيما يتطلبه من شرح ديني آخذًا بالحيطة، وابتعادًا عن مجال الظن والمسائل الشائكة. وهكذا يعتبر كتابه كتابًا لغويًّا، يمكن أن نتبين منه تطور هذه الألفاظ في دلالالتها، وما عرض لها من تغير أو تحول"(2).
وقبل أن يختم الدكتور أنيس مقدمته التي جاءت من عالم لغوي معروف للتنبيه إلى أهمية الكتاب نجده يقول: "ولعل في نشر كتاب الزينة ما يحفز الهمم بين الدارسين في عصرنا الحاضر على أن يتوفروا على تلك الدراسة الدلالية للألفاظ العربية متخذين من ذلك الكتاب الأسوة الحسنة" (3).

ــــــــــــــــــــــــ
(1) كتاب الزينة: المقدمة: ص7. (2) المرجع نفسه: ص12.
(3) المرجع نفسه: 14.

أما مقدمة محقق الكتاب فقد تركز الحديث فيها عن المؤلف وعصره، ومؤلفاته وعن انتمائه المذهبي، وآراء المؤرخين وتعليقاتهم على الكتاب وصاحبه. ومما جاء في هذه المقدمة: "ومهما يكن الأمر، فإن أبا حاتم قد نجح إلى حد كبير في تقديم موضوعات الكتاب تقديمًا لغويًّا واقعيًّا. وقد نجح كذلك في أن يجعل كتابه نافعًا للأديب والفقيه والعامة والخاصة" (1).
ــــــــــــــــــــــ
(1) كتاب الزينة: ص27. (2) المرجع السابق: ص73.

والحقيقة أن فضل كتاب الزينة هو اتخاذ صاحبه نهجًا غير مسبوق في قراءته لقائمة من المفردات والنظر في مستوياتها المتداخلة والمختلفة للكشف عن الدلالات السابقة والراهنة لهذه المفردات، من خلال شروح وافية وقريبة من الأنساق المعجمية الحديثة واستدلاله بشواهد قرآنية وشعرية، وهو ما يمكن اعتباره بداية التفكير في إعداد المعجم التاريخي الذي يتناول التحول في الألفاظ من خلال السياق
أو الانتقال من الدلالات المحسوسة إلى المجردة والعكس، فضلاً عن تتبع المفردات التي تعددت معانيها، والتمييز بين مختلف أنواع التوسعات. ولست أزعم أن كتاب "الزينة" معجم تاريخي في اللغة وتطور مدلولاتها، وقد لا يعدو أن يكون مدخلاً أوليًّا إلى هذا المعجم المنشود. وهو يقدم أشتاتًا من المفردات الدينية التي برزت مع ظهور الإسلام والتي يربطها نظام نسقي وسياقي موحد. وقد استعان مؤلفه بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وبأقوال المفسرين واللغويين مركزًا جهوده على إثبات الثراء المادي والمعنوي الذي تتمتع به اللغة العربية بوصفها أهم اللغات العالمية في عصره: "بما حباها الله به من مكانة وبما نقل إليها من علوم الطب والهندسة والحساب والفلك والفلسفة"(2)، والمؤلف يبدأ كتابه بتصدير يقدم فيه بيانًا لبعض ما اشتمل عليه الكتاب من مفردات أدركها التطور التاريخي وبعد أن كان لها في وقت سابق مدلولات معينة صارت تحمل مدلولات جديدة، وإن ظلت بعض هذه المفردات تحمل مدلولاتها القديمة. ولم يسلبها الاستعمال الجديد وجودها الأول ومعجميتها السابقة. تظهر في السياق كما هو الحال مع مفردة "الرب" التي أصبحت بعد ظهور الإسلام من أسماء الله عز وجل بشرط بقاء الألف واللام التي أصبحت – كما يقول المؤلف – "من سَنْخِ الكلمة. لأن الألف واللام إنما تسقطان عن الاسم الذي يكون في الخصوص مرة كقولك رب الدار، وفي حال العموم مرة كما جاء في صفة الله عز وجل: فقل الرب" (*).
ويمكن اعتبار هذه البداية الفريدة في التأليف المعجمي نموذجًا للاتجاه الذي كان ينبغي أن يتحرك فيه القاموسيون أو بعضهم لتطوير مهمة المعجم، والخروج به من مرحلة جمع المفردات، وجعله أكثر فائدة من خلال سياق تحليله لعملية تطور الدلالات وتمثل الألفاظ للمعاني المختلفة بدلاً من جعل ذلك التطور ينضوي تحت مفهوم التفكير المجازي واللغة المجازية. فقد نجح تطور الحياة في أن يعطي لبعض الألفاظ – من خلال الاستخدام – معاني مستقلة تختلف تمامًا عن تلك التي يعطيها لها القاموس القديم. ومن مقتضيات اللغة أن تساير الكائن الحي في تطوره، وألا تخضع للمعاجم التي تم وضعها في طور تاريخي معين ووفقًا لاجتهادات تتصل بشأن المحافظة على اللغة من التسرب والضياع.
ويلزمنا للتنبيه على تفرد عمل "كتاب الزينة" ومادته اللغوية المعجمية أن ننوه بمنهج صاحبه في تأليف المعجم لاسيما إذا وضعناه في إطاره الزمني. فالمعجم مؤلف في أواخر القرن الثالث الهجري، وذلك تاريخ مبكر قياسًا إلى الجهد المعجمي واللغوي عامة، ونقتبس هنا قول المؤلف في المقدمة: "ثم ذكرنا بعد ذلك معاني أسماء الله عز وجل وصفاته وما يجوز أن يتناول فيها، ثم معاني أسماء تذكر باللغة العربية مما هي في العالم ومما جاءت في الشريعة، مثل الأمر والخلق، والقدر والقضاء، والدنيا والآخرة، واللوح والقلم، والعرش والكرسي والملائكة، وما لها من الأسامي والصفات، والجن والإنس، ومعنى إبليس، والشياطين، وما لها من الصفات مثل: الرجم، والمارد، واللعين، وغير ذلك، والنار وما لها من صفات مثل: لظى، والسعير، والحطمة، والحميم، وجهنم، والهاوية، وسقر، ومعنى الصراط، والأعراف، ومعنى البرزخ، ومعنى الثواب، والعقاب، والإثم، والوزر ...إلخ " (*).
وهنا نكشف أن صاحب الزينة يتدرج منهجيًّا في تعقب دلالات الألفاظ والأسماء كما قال، على الشكل الآتي:
1- الأسماء

2- المعاني
3- الصفات

ــــــــــــــــــــــ
(*) كتاب الزينة: ص195.

فهو لا يعد قارئه بالتوقف عند معاني الأسماء، وإلاَّ لكان معجمه كسائر المعاجم السابقة عليه أو اللاحقة له، لكنه يقود قارئه إلى "الصفات" التي تلي المعاني، وهي في رأينا دليل اهتمامه بما نسميه اليوم "التعدد الدلالي" أو "التوسع الدلالي" بعبارة أدق، كي نشير إلى الأصل الذي توسعت المادة اللغوية عنه من الناحية الدلالية، ومما يؤيد رأينا هذا، انصراف المؤلف عند سوق أدلته، إلى الشواهد الشعرية، لما نعلمه في الشعر من قدرة على تمثل مجازات الألفاظ، وقابليته على استيعاب الدلالات المتوسعة عن المفردة ومعناها القاموسي، بسبب ما يمتلكه الشعر من طاقة صورية ومجازية متأنية عن التخيل الذي هو أساس عمل الشاعر، وثمة تأييد آخر لما ذهبنا إليه أن المؤلف عقد فصلاً مطولاً قبل الشروع في تفصيل مادة المعجم، مخصصًا لما أسماه في المقدمة "فضيلة الشعر وما فيه من النفع العظيم" وكأنه في معرض الانحياز إلى القائلين بفضل الشعر على النثر وامتيازه عنه بهذا التوسع الذي يبسطه في معجمه.. وسنورد للقارئ أمثلة مما امتلأت به صفحات الكتاب بجزأيه:
الشعر

(و"الشعر" هو الكلام الموزون على روي واحد، المقوم على حذو واحد. قد حذي البيت بالبيت حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة، حتى لا يخالف

بعضه بعضًا في الوزن والروي: وإنما سموه شعرًا، لأنه الفطنة بالغوامض من الأسباب. وسموا "الشاعر" شاعرًا، لأنه كان يفطن لما لا يفطن له غيره من معاني الكلام وأوزانه وتأليف المعاني وإحكامه وتثقيفه، فكان لا يفوته من هذه الأسباب كلها شيء. قال عنترة:
هل غادر الشعراء من متردم == أم هل عرفت الدار بعد توهم

ــــــــــــــــــــــ
(*) كتاب الزينة: ص67.


يعني أن الشعراء لم يدعوا شيئًا إلاَّ فطنوا له. يقـال شعرت بالشيء إذا فطنت له. قال الكسائي في قول الله عز وجل "ولكن لا تشعرون" شعرت بالشيء شعرًا وشعورًا) (1).
القصيدة

(وسموا الكلمات المنطوقة المؤلَّف بعضها إلى بعض منظومًاموزونًا "قافية" وجمعها قوافٍ.
قال النابغة:
قوافي كالسِّلام إذا استمرت
فليس يرد مذهبها التظني
يعنون بالقوافي أنه الكلام الذي يقفو بعضه بعضًا على مثال واحد، ثم سموا اجتماع القوافي "قصيدة" قال جرير:
في ليلتين إذا حددت قصيدة
بلغت عمان وطيِّ الأجبال

يعني بالقصيدة أنها الكلمة التي ملئت بالمعاني، وكثرت فيها الألفاظ المستحسنة. يقال: ناقة قصيدة، أي ممتلئة كثيرة اللحم سمينة، فكأنهم شبهوا القصيدة بذلك)(2).
باب المصور


ــــــــــــــــــــــ
(1) كتاب الزينة: ص94.
(2) المرجع نفسه: ص95.


"ومن صفاته "المصور" الصورة الغاية والمثال. قال عز وجل "هو الله الخالق الباريء المصور" فابتدأ بالخالق ثم الباريء، ثم بالمصور، لأنه قدر تراكيب الخلائق، ثم برأ لها النسمات، ثم أظهر صورها، فقامت تامة بتدبيره عز وجل. والصورة اشتقاقية من صار يصير، ومعناه التمام والغاية، ومن أجل ذلك قالوا: إلى ماذا صار أمرك؟ أي إلى أين انتهى وما غايته؟ وتكون الصورة معناها المثال. ومنها قيل للتماثيل تصاوير، لأنها مثلت على مثال الصور، فكأن كل أمر إذا انتهى إلى غايته وتمامه ظهرت صورته وبرز مثاله. ويقال: كيف صورة الأمر؟ أي كيف مثاله؟" (1). باب السلام

"والسلام اسم من أسماء الله عز وجل. السلام هو الله، قال الله: "السلام المهيمن". ومنه سمي الرجل عبد السلام، كما يقال عبد الله. وزعم بعض أهل اللغة أن السلام بمعنى السلامة، كما يقال الرضاع والرضاعة، واللذاذ واللذاذة. سمي نفسه عز وجل "سلامًا" لسلامته مما يلحق المخلوقين من العيب والنقص والفناء والموت والزوال والتغيير. قال الله عز وجل: "والله يدعو إلى دار السلام". فالسلام هو الله عز وجل وداره الجنة. ويجوز أن يكون سماها دار السلام، لأن الصائر إليها سلم فيها من كل ما يكون في الدنيا من الآفات كالمرض والموت والهرم
وغير ذلك، فهي دار السلام. ومثله: "لهم دار السلام عند ربهم"(2).
باب الجبار

"ومن صفاته عز وجل "الجبار"
الجبار: النخل الذي طال وفات اليد. والجبار في كلام العرب: النخل الذي طال وفات اليد. يقال نخلة جبارة: إذا طالت فلم يقدر المتناول أن يبلغ أعلاها. قال امرؤ القيس:
سوامقَ جبار أثيث فروعه == وعالين قنوانًا من البسر أحمرا
وقال الجعدي:
بتثليث أو نخل منقوحة == مواقير جبارة المرطب
فالجبار هاهنا: النخل الذي طال وفات اليد. ويقال ناقة جُبّارٌ، إذا عظمت وسمنت، والجمع جبابر، وفرس جبار: إذا كان قويًّا مشرقًا متناهيًّا في الكرم... إلخ"(3).



ــــــــــــــــــــــ
(1) كتاب الزينة: ص227. (2) المرجع نفسه: ص231.
(3) المرجع نفسه: ص250.




باب الحكيم

"الحكيم بمعنى المحكم" قال أبو عبيدة: العرب ربما وضعت فعيلاً في موضع مفعل، وربما وضعته في موضع مفعَِل، بكسر العين وفتحها. وقال: وحكيم في معنى محكِم بكسر عين الفعل. وقال في معنى قوله الكتاب الحكيم قال: المحكَم بفتح الكاف، ومعناه المبين الواضح... قال غيره: فالله سبحانه وتعالى سمى نفسه حكيمًا، لأنه أحكم ما خلف، فلم يفته شيء، ولم يكن فيه خلل، ولم يعجزه شيء من لطيف الخلق وجليله، ولم يدع شيئًا مما ينبغي أن يكون مخلوقًا إلاَّ خلقه بحكمته، ومنع بعضه أن يفسد بعضًا، وقدر على إمساكه كله، وجعله يمسك بعضه بعضًا عن أن يبطل أو يفسد إلاَّ بأمره وذاته، فذلك كان حكيمًا. ويقال في كلام العرب: أحكمت الشيء، أي استوثقت منه ومنعته أن يفسد، وأحكمت البناء، أي بنته بناءً لا يتداعى، ويقال أحكمت الرجل عن الشيء، إذا منعته عنه.
ويقال حكمتُ الغلام أحكمه، أي منعته عن الفساد، وأحكمته أيضًا، لغتان. قال جرير:
أبني حنيفة أحكموا سفاهكم == إني أخاف عليكم أن أغضبا
أي امنعوهم من التعرض لي. ومنه سميت "حكمة اللجام" لأنها تمنع الدابة. والحاكم يحكم بالشيء، فيمنع الناس من الظلم... إلخ" (*).
باب آمين
"قالوا: "آمين" اسم من أسماء الله عز وجل

ــــــــــــــــــــــ
(*) كتاب الزينة: ص273.

"معنى آمين" يقال بعد الدعاء: آمين معناه: يا ألله، قال بعضهم: إنما معنى قول المصلي بعد فراغه من قراءة سورة الحمد "آمين"، معناه يا ألله اشهد، ولكن لا يجوز إظهار قوله: اشهد، لأنه كلام. "آمين بالمد وآمين بالقصر" وآمين، قال قوم من أهل اللغة، هو مقصور، وإنما أدخلوا فيه المدَّة بدلاً من يا النداء، كأنهم أرادوا يا "آمين" ومنهم من يختار القصر فيقول: "أمين" مقصورًا وأنشد:
أمين فزادَ الله ما بيننا بعدا
فيقصر الألف ولا يمدها ويفتحها لانفرادها وانقطاعها عما يضمر فيها من معنى النداء، حتى صارت عندهم معنى "كذلك فعل الله" .... إلخ"(1).
باب القلم
"يروى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأخذ الوحي عن جبرئيل، وجبرئيل عن ميكائيل، وميكائيل عن إسرائيل، وإسرائيل عن اللوح. واللوح عن القلم.
وأما اشتقاقه من اللغة فإنه يقال: قلّمته، أي قطعته وهيأته من جوانبه وسويته. قال: وقيل لأعرابي: ما القلم؟ ففكر ساعة وقلب يديه، ثم قال: لا أدري. فقيل له توهمه فقال: هو عود قُلِّم من جوانبه كتقليم الأظفور فسمي قلمًا. قال المقنع الكندي:
يخفى فينقص من شعيرة أنفه
كقلامةِ الأظفور من مقلامه

ــــــــــــــــــــــ
(1) كتاب الزينة: ص305. (2) المرجع نفسه: ص324.

والقلم في كلام العرب القدح والسهم الذي يتساهم به. والأقلام السهام تجال على الشيء الذي يقسم. قال عز وجل: "إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم". وقال أبو عبيدة: أقلامهم أقداحهم. وقال بعض أهل التفسير: أقلامهم سهامهم. قال: وذلك أن الأنبياء تشاحوا أيهم يكفل مريم، فضربوا عليها بالسهام، فخرج سهم زكريا عليه السلام. قال الله: "وكفلها زكريا". ويقال: إن الإقليم أخذ من ذلك فقال: إن الأرض سبعة أقاليم، أي سبعة أسهم. فإقليم إفعيل من القلم. وقال قوم: سمي السهم قلمًا، لأنهم كانوا يكتبون أسماءهم وإيضاءهم بالقلم فسمى السهم قلمًا لذلك. وقال غيره: سمي قلمًا، لأن القدح على هيئة القلم... إلخ"(2). باب اللوح
"قال الله عز وجل: "بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ".
"ألواح موسى" روى أبو عبيدة بإسناد له عن مجاهد في قول الله عز وجل "كتبا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء" قال كانت الألواح من زمرد أخضر. فلما ألقى موسى عليه السلام الألواح بقي الهدى والرحمة، وذهب التفصيل... ثم قال: "أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة" أي نسخ الهدى والرحمة. وعن ابن عباس قال: لم يبق من الألواح إلاِّ سدسها...
"اللوح العظيم" قال بعض أهل المعرفة: سمي اللوح الذي يكتب فيه لوحًا، لأنهم كانوا يكتبون في العظام، كعظم الكتف وغير ذلك، فكل عظم كتبوا فيها سموه لوحًا، ثم سُمِّي كل ما يكتب فيه من الخشب لوحًا، لأنه نحت على الهيئة. واللوح العظيم. يقال: رجل عظيم الألواح، إذا كان كبير اليدين والرجلين عظيمهما. وكل عظيم يسمى لوحًا. قال الجعدي:
ولوحي ذراعين في بركة
إلى جوجؤٍ رهل المنكب
لوحي ذراعين: يعني عظم الذراعين "ألواح السفينة" وسُمِّيت ألواح السفينة ألواحًا لأنها نحتت على هيئة الألواح التي يكتب فيها. قال الله عز وجل: "وحملناه على ذات ألواح ودسر"....إلخ"(*).

ــــــــــــــــــــــ
(*) كتاب الزينة: ص327.

ولو توقفنا قليلاً عند المواد المعجمية المختارة في بحثنا، لتأكد لنا ما ذهبنا إليه من عناية "كتاب الزينة" – كمعجم – بجانبين شديدي الأهمية هما: الدلالة كاتساع ضروري للاستخدام الكلامي والممارسة اللغوية، وعدم التحدد بالمعنى، والوقوف عنده شأن المعجمات السائدة. والجانب الثاني هو تعقب التطور الدلالي للمفردة عبر تاريخية كلامية يستمدها المؤلف من القرآن الكريم والشواهد الشعرية، ففي حديثه عن مفردة (الشعر) ومفردة (القصيدة) يمزج المعنى المحدود للمفردتين بالدلالة المستخدمة ويربط ذلك بالمصطلح والمفهوم الأدبي لهما فيربط الشعر بالفطنة كميزة للشاعر لا يشاركه فيها غيره، وهي التي تجعله يحس الأشياء ويرى فيها مالا يراه سواه. وفي مفردة (القلم) يتتبع صاحب كتاب الزينة اشتقاقاتها وما تحتشد به من معانٍ قبل أن تصبح علمًا على القلم الذي نكتب به. وفي (الصورة) يربط المفردة بالاصطلاح الفني والمفهوم التخييلي للتصور والتمثيل فهو يرينا علة تسمية (التماثيل) تصاوير؛ "لأنها مثلت على مثال الصور" وهكذا في بقية المفردات التي اخترناها نماذج في بحثنا هذا وهي محدودة أو في بقية المفردات التي تناولها الكتاب. وبعد، فتلك نماذج من "كتاب الزينة" تشهد على نجاح المحاولة المبكرة لهذا النوع من العمل المعجمي الهادف إلى رصد التغييرات الدلالية في المفردات العربية ضمن سياق تاريخي يخرج بها – أي بالتغييرات الدلالية – من منطقة المعنى المجازي إلى إعطاء المفردات معنى قائمًا بذاته ويمنحها السمات المعجمية التي للألفاظ المستقلة بمعانيها خارج نطاق النظرية الدلالية القائمة على المفهوم الاستعاري أو المجازي أو على ما صار يسمى بالانزياح وانحراف المعنى وبقية الاجتهادات اللسانية المعاصرة.
وقد يتساءل البعض ممن سيمعنون النظر في هذه النماذج عن الجديد الذي أضافه أبو حاتم في كتابه هذا، فقد قام بجمع موضوعاته من مؤلفات علماء العربية والمفسرين الذين يشير إليهم، وقد أطلق محقق الكتاب ما يشبه هذا التساؤل علمًا بأن أبا حاتم لم يقف عند الجمع ولم يكتفِ بتفسير المعاني والكلمات التي تغيرت مدلولاتها في العصر الإسلامي عما كانت عليه في العصر الجاهلي – كما يقول المحقق – وحسب، وهو جهد يستحق عليه الثناء الجزيل، وإنما لأنه أول من تولى القيام بهذه المهمة المعجمية وتخصيصها بكتاب مستقل. ولا يعيبه أو ينقص من جهده أنه قام بجمع الأسماء والكلمات التي عاشت في بحوث علماء اللغة العربية وأهل التفسير، لأن تلك هي المهمة الأساسية لأصحاب المعاجم، والعمل المعجمي ليس ابتكارًا واختراعًا ولا صياغة على غير مقال، وإنما هو تنظيم وتدوين وجمع وتبويب، وهذا ما أجاده وأحسن فيه صاحب كتاب الزينة. وتكفيه هذه الشهادة المنصفة من علامة لغوي معاصر أنفق عمره في دراسة اللغة العربية وتدريسها وأعني به الأستاذ الدكتور إبراهيم أنيس الذي أشار في نهاية تقديمه للكتاب إلى أنه جدير بتحفيزهِمَم الدارسين في عصرنا الحاضر، على أن يتوفروا على تلك الدراسة الدلالية للألفاظ العربية متخذين من هذا الكتاب الأسوة الحسنة.
خاتمة:
وبعد،
فقد كان الهدف منذ البدء في إعداد هذا البحث المتواضع أن يتضمن شيئًا من الإجابة على سؤال تردد ويتردد كثيرًا في أوساط المعنيين بالعربية ومعاجمها مؤدَّاه: أين موقع المعجم التاريخي بين المعاجم العربية المعروفة التي هدفت إلى رصد فصيح العربية وصحيحها؟ وأن يتضمن – أي هذا البحث – في الوقت ذاته شيئًا من الرد على أولئك الذين لا يفتؤون يجاهرون بعجز التراث العربي وتجاهله التام لأسئلة المعرفة اللغوية المعاصرة، وهو افتئات جائر ومحاولة غير بريئة لإسقاط عجز الحاضر على الماضي. فقد أثبت "كتاب الزينة" أن علماء اللغة العربية لم يغفلوا عن التغييرات الدلالية لمفردات اللغة. ولا يعلم إلاَّ الله وحده عن جهود مماثلة كثيرة لم تر النور وضاعت أو احترقت بين آلاف الكتب التي حكمت عليها عصور من الأمية والتخلف بالضياع والاحتراق.
عبد العزيز صالح المقالح
عضو المجمع من اليمن