المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التنافذ الأدبي بين العربية والإنجليزية


Eng.Jordan
07-01-2012, 11:49 AM
التنافذ الأدبي بين العربية والإنجليزية*
للأستاذ الدكتور يوسف عز الدين




قال الفيروزابادي النفاذ: جواز الشيء عن الشيء والخلوص منه. ونفذ القوم: صار منهم. وفي الوسيط أنفذ القوم: خرقهم ومشى وسطهم.
اخترت تنافذ الأدب في العربية والإنجليزية ولم أقل التنافذ الحضاري لأن الثقافة جزء من الحضارة،والأدب جزء من الثقافة، وابتعدت عن دراسة تنافذ العلم؛ لأنه أسرع في النفاذ من الأدب وأعمق في الفاعلية العلمية طوال عصر الإنسانية وأكثر انتشارًا، فقد أخذ العرب العلوم عن اليونان، فطوروها وأضافوا إليها الكثير، ولكنهم لم يترجموا الأدب. وفعل الغرب الفعل نفسه لما بدأت النهضة الأوربية فاهتمت بالعلوم عند الإسلام كالطب والهندسة والرياضيات والجبر بالدرجة الأولى وهذا ما قام به محمد علي باشا، فقد اعتمد على العلوم في
file:///E:%5CUsers%5Cibtesam%5CAppData%5CLocal%5CTemp%5Cms ohtmlclip1%5C01%5Cclip_image001.gif

إنشاء الدولة بالدرجة الأولى.
وهذا ما نقوم به اليوم، فقد أخذنا المخترعات والعلوم الحديثة دون أخذ آدابها الاجتماعية وخصائصها الفنية فلم نطبقها في الحياة الاجتماعية والإنسانية حسب القواعد العامة، فكثرت المخالفات في السيارات وارتفاع أصوات مكبرات الصوت تقلق الآخرين وهم يفعلون هذا دون الشعور بحرية الآخرين وراحتهم؛ لأنها جاءت مباشرة دون تمهيد اجتماعي سابق.

(*) ألقي هذا البحث في الجلـسة الثامنة من جلسات مؤتمر المجمع في دورته الثامنة والستين يوم الأحد 17
من المحرم سنة 1423هـ الموافق 21 من مارس (آذار) سنة 2002م.

وأخذنا آلات الطباعة والمطابع وتعلمنا الكتابة والقراءة على الأساليب الحديثة، ولكننا ما نزال نؤثر الحديث على الكتابة ونتخلص من الرد المكتوب ولو كان رسالة شكر وتقدير وتهاني مناسبات،بل فقدنا مجاملة الشكر وصدق الله تعالى حيث قال: ] وقليل من عبادي الشكور [ ونسينا ] إذا حييتم بتحية...[ وأخذ الغربي آداب الإسلام بالرد والشكر والهدية والتقـدير لمن يبادله الحديث. أعيش أنا في الغرب منذ أكثر من ربع قرن فما سمعت آلات التنبيه في الشوارع أو أصوات المكبرات من الكنائس في الأعياد والأفراح والمآتم، إلا للضرورة القصوى.
إن الشعور بالمسؤولية الأدبية ضرورة لتقدم الأمة وتطور حضارتها وأهمها الحفاظ على المواعيد، إنها أول سلم الحضارة. والشعور النفسي بالآخرين أهم تنافذ حضاري واجتماعي في الأمم والشعوب المتقدمة.
فقد استفاد الغرب منا أكثر مما استفدنا منه اليوم، وطور ما وصل إليه من علم وفن ثم أدب فكان أكثر إبداعًا منا، وسيطر علينا حتى في طريقة الطعام وأعياد الميلاد واللباس، وكان التنافذ الأدبي أقوى من تنافذنا معه، فقد بدأ من جذور الثقافة العربية واهتم بالآداب العربية والعلوم الإنسانية وظهر ذلك في أدبهم شعرًا ونثرًا.
إن جميع جذور الثقافة في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا لها أسسها المختلفة وجذورها المتباينة ومع كل ذلك فقد أثرت الحضارة الإسلامية فيها لأنهم أخذوا ما يلائم حياتهم المادية وفكرهم الخاص مع أن جذور حياتهم الفكرية جاءت من اللاتينية والفكر اليوناني والروماني والمسيحية والوثنية التي كانت عليها قبل دخول النصرانية، فجاءت المسيحية والوثنية واليهودية تتنافذ مع بعضها في أدب الإنجليز والغرب عامة فهي واضحة في شعراء وكتاب أوربا.
قال الأستاذ E.L.Raneliagh (رانيلا)، لقد وصل إلينا الأدب الإغريقي من خلال الرومان. أي أنه وصل إلينا باللغة اللاتينية، إلا أن الجانب الأكبر من المعارف الإغريقية التي تضمنت العلم والفلسفة، وصلنا عن طريق البيزنطيين من خلال الترجمة العربية عن الإغريقية، وقد نمى العرب هذه المعارف، وانتقلت عنهم في العصور الوسطى إلى اللغة اللاتينية. لقد كانت إسبانيا وصقلية جسرين للمشروعات الضخمة للترجمة في القرن الثاني عشر التي انتقلت عبرها المعارف العلمية من العرب إلى غرب أوربا التي كانت آنذاك في مرحلة بدائية(1).
ومصداق ذلك أن المجمع العلمي العراقي لما احتفل بالكندي ببغداد وجدت كتب الفلسفة اليونانية مكتوبة باللغة العربية وأنها مفقودة من أصلها اليوناني، فقد حافظ العرب على كتب اليونان وهذا دليل اهتمام العرب وعنايتهم العلمية.
وقد اعترف الأستاذ رانيلا بهذا التنافذ في كتابه فقال: "إن ما ورثناه عن العرب غير مألوف لدينا، وليس هذا بالأمر الهين، فالناس الذين سُمَّوْا في العصور الوسطى بالعرب أتوا من مجموعات إثنية مختلفة، من بينهم اليونان والفـرس والهنـود والقبـط والأتراك والأرمن واليهود، وقد تم استيعاب الحضارة الفنية التي يمثلونها في الإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية. ولكن انتشار الإسلام الباهر في القرن السابع، فرض عليهم ثقافة جديدة هي ثقافة الغزاة، وقد عبرت عن نفسها بأسلوب عربي جديد في الحياة(2).
وبالطبع كعادة كتاب الغرب يرون تأثير الحضارة اليونانية في تطور حضارتهم ولا يذكرون أن هذه الحضارة لم تتطور إلا من تنافذ الحضارة في مصر والعراق من فرعونية وآشورية وكلدانية، وجاء العرب والإسلام فبُعثت فيهم حضارة جديدة وخرجوا من حياتهم البدائية الساذجة إلى الحضارة المتقدمة والتطور في الفكر والأدب والعلوم والفنون.



(1) الماضي المشترك بين العرب والغرب ترجمة الدكتورة نبيلة إبراهيم ص11 طبع في الكويت 1999م.
(2) المصدر نفسه ص 12.


في الأدب الإنجليزي: نحن في الشرق العربي كانت
مصر الرائدة بالاســتفادة من الأدب
الغربي بصورة مباشرة أو بالترجمة بداية من عهد محمد علي باشــا. إذ
انسلت إلينا التيارات الغربية في هدوء منذ وصول البعثات التي أرسلها إلى أوربا وأتت ثمارها في عهد الخديوي إسماعيل، لأن التيارات لا تؤثر بصورة مباشرة، وتحتاج إلى فهم واستيعاب قبل قبولها.
وقد ازدهر التنافذ الأدبي فظهر البارودي وإسماعيل صبري وشوقي دون ضياع الشخصية الأدبية الأصلية، ثم جاء عبد الرحمن شكري ومطران والمازني والعقاد الذين درسوا اللغة الإنجليزية وكان شكري أكثرهم فهمًا ودراية بالإنجليزية وبعده المازني لأنهما درسا معًا. وأراد العقاد السير في هذا المضمار فاتصل بهما وأخذ يدرس اللغـة الإنجـليزية
بصورة عميقة، فقد ذهب مع المازني إلى عبد الرحمن شكري، ولم يجد غضاضة من الاستفادة منه والتدريس على يديه وقد ذكر لنا الدكتور رمزي مفتاح في كتابه عن هذه الفترة بقوله (.. كثيرًا ما جلس الشاعر المجدد الذي لم يزل طالبًا بالمدرسة، إلى دروسه، وجلس صديقاه ناحية يقرءان درسًا في آداب اللغة الإنجليزية، فرضه عليهما، أو يحفظان قصيدة رخيمة رأى في حفظها فائدة لهما، وكان إبراهيم أفندي يترجم الإنجليزية لصاحبه..(1). وقد كان حافظ إبراهيم يزور الجماعة ويأنس إلى لقائهم ويمزح معهم.

(1) رسائل النقد للدكتور رمزي مفتاح ص 11 ط2 القاهرة الطبعة الثانية.
(2) المصدر نفسه ص ج .

ومن شدة إعجاب العقاد بشكري كان يتأثر به ويأخذ منه حتى اتهمه جبران سليم بالسرقة من عبد الرحمن شكري(2). عكف هؤلاء على الأدب الإنجليزي فوجـدنا في أدبهم قصـائد متعددة من شللي الإنجليزي وهايني الشاعر الألماني وهود الإنكليزي وولز الإنجليزي وأدسون الكاتب الإنجليزي وشكسبير وكارلايل(*) وغيرهم،ووجدت آثار الشعر الإنجليزي في أدب هؤلاء حبا نحو التجديد وتطور الأدب وبخاصة الأشعار الإنجليزية المختار في Golden Treasury .
وأُخرجت مطبوعتان باسم الديوان وفي هذا الديوان توجه أقسى النقد إلى شوقي فقد قال الزميل الدكتور القط: "أما الديوان، وقد نشر عام 1921 فإن حملة العقاد فيه على شعر شوقي تتسم بقدر بالغ من الحدة".
إن اتصال الغرب بالعرب سواء كان مباشرًا أو غير مباشر كان سببًا في موجة الرومانسية وكان ترجمة Golden Treasury والاهتمام بالناقد الإنجليزي هازلت من المؤثرات الواضحة في شعر شعراء هذه الفترة. وكان حب التجديد والابتكار أو ما سمي بالعصرية والتي كانت (هوس المتعلم)، حتى قال معروف الرصافي:
وأجود الشعر ما يكسوه قائله * بوشي ذا العصر لا الخالي من العصر
لا يحسن الشعر إلا وهو مبتكر * وإي حَسُــنَ لشـــعر غير مبتكر

(*) رسائل النقد للدكتور رمزي مفتاح ص 26.

وقد تبنى هذا التيار عبد الرحمن شكري وبعده المازني وتابعهما العقاد وقد ضمت جماعة (أبوللو) جماعة الشباب المتجدد وكان زكي أبو شادي من الدعاة بما نشر من الشعر وكتب من النثر، وكان من هذا الرعيل مطران وأبو الوفا والدكتور ناجي ومحمود حسن إسماعيل وحسن كامل الصيرفي وفي لبنان كان الأخطل الصغير وفي تونس أبو القاسم الشابي وفي سوريا عمر أبو ريشة وكان الزهاوي والرصافي والشبيبي من الرواد من العراق وجاء بعدهم جيل درس اللغة الإنجـليزية وتعرف على ت. أس. أيلوت وأديت ستول وعزرا باوند. وقد حمل شعراء الغرب إلينا ما وصل إليهم من الفرنسـية والإيطالية ومن الديانة المسيحية.وأخيرًا تأثر جيلنا الذي وصلته هذه التيارات وكان التجديد وظهور بعض هؤلاء في العراق وفي مصر ثم في جميع الوطن العربي.
وقد كان نقد الديوان ذا أثر في الحياة الأدبية منذ خرج إلى القول الجارح الذي يتجاوز النقد الموضوعي إلى ما يقرب السباب الشخصي في كثير من مواضع الكتاب... وتعود من ناحية أخرى إلى المزاج الشخصي للعقاد، وما عرف عنه طيلة حياته من اعتزاز مسرف لفكره وأدبه وانتقاد يبلغ حد الازدراء أحيانًا...(1).
الرومانتية:
نحن نعرف أن الشاعرين "وردزورث وكولورج"اتفقا على كتابة شعر جديد يقوم على إثارة القارئ عن طريق الإثارة والطرافة ويضيف الألوان إلى الطبيعة، وأن يكون الشعر من الحياة العادية الموجودة في كل مكان، على أن يكون عقلا وذات دراية وحس مرهف، فنظما القصائد الغنائية Lyrical Ballads ونشرت سنة 1798. فتأسس المذهب الرومانتي على ما قام به هذان الشاعران. وبعد مئة سنة وجدنا صدى هذا المذهب في العالم العربي وظهر فيها شعراء المذهب الجديد وجماعة أبوللو. والديوان(2).
أثر الأدب العربي في جوسرGhaucer

(1) حركة الديوان وأثرها في النقد الأدبي والشعر، بغداد 199 ص 27 الدكتور عبد القادر القط.
(2) من الوجهة النفسية في دراسة الأدب والنقد 70 – 72 .
( حقق وطبع الأستاذ وديع فلسطين أربعة من كتب أحمد زكي أبو شادي هي: "النيروز الحر، والإنسان الجديد، ومن أناشيد الحياة، وإيزيس").

يظهر التنافذ الواضح في أبرز شعراء الإنجليز بل واضع أسس اللغة الإنجليزية، فقد كانت اللغة الفرنسية هي لغة مجلـس الوزراء ومجلـس العموم والوزراء، وكانت اللغة في الجزيرة خليطًا من عدة لغات: كالنورماندية والألمانية والسكسونية والرومـانية بعـد أن رحلـت اللغة الألمانية نحو هولندا وصعدت إلى الجزيرة، وهضمت الجزيرة اللغات التي جاء بها المحتلون لبلادها، ومن هذا الخليط كون "جوسر" اللغة الإنجليزية المعاصرة التي تحوي هذا الخليط اللغوي، لكنه صقل تلك اللغات وكون اللغة الإنجليزية لأن المجتمع كان بعيدًا عن لغة الكنيسة اللاتينية التي يعرفها رجال الدين واستفاد "جوسر" من الخليط ووضع أسس اللغة، وكان لغزوة النورمانديين أثر في مزاحمة الفرنسية للغة اللاتينية، فقد استعملت الدولة الفرنسية لما فيها من شعر وفن أقرب إلى الفهم من اللاتينية، إضافة إلى أن تعلم الفرنسية تقرب الناس من السلطة لفهم عقـيدة وأسلوب الحكم(1). فقد استمرت الفرنسية لغة الجزيرة وكانت تصدر فيها الأنظمة والتزم بها الأشراف والنبلاء، والناس على دين ملوكهم وحكامهم، وفي مجلس النواب كانت المناقشات تتم بها، وقد بقيت هذه اللغة هي الرسمية ولم يخطب بالإنجليزية إلا سنة1341، وكان أول خطاب لرئيس الوزراء بها بعد أن وضع "جوسر" أصولها وقواعدها(2)، وهي واضحة في لغته.
إن تنافذ اللغة الفرنسية وما فيها من ترجمات للأدب العربي من جراء ترجمة ألف ليلة وليلة– ولابد أن هناك مؤثرات سابقة من الأندلس وبخاصة التروبادور– وقد عد (ج أديو) أثر ذلك مساويًا لأثره في الأدب الإنجليزي وكان هذا الأثر سبيلاً إلى سمو المشاعر وترقيق الأحاسيس وصقل الأدب الغربي في الغزل(3).




(1) موجز تاريخ الأدب الإنجليزي ص 5 ، وأثر الأدب العربي ص 42، وأثر رحلة الأدب العربي في أوربا، مفيد الشوباشي ص 86 و 87 .
(2) " الشوباشي وجوسر المفكر" تأليف ج ج كوكتون ص 3 .
(3) 129 – 135 أثر الأدب العربي ص 51 .


وقال "درايدون": "كان "جوسر" أول من هذب لغتنا الفقيرة وأغناها من الاقتراض من مقاطعة البروفانس أنقى الصيغ البيانية بعد أن انتشرت قصص التهذيب العربية على لسان الطير والحيوان(1). وقد عزا فليب حتي قصته The Squire's Tale إلى ألف ليلة وليلة التي أخذها من الأدب العربي فصلاً وتقليدًا(2)، كما وردت في قصص كنتربري(3). أثر الأدب العربي في اللغة الإنجليزية قبل "جوسر" من تنافذ اللغات الأخرى:
قال ج أديو: إن أثر شعر التروبادور في الشعر الإنجليزي لا يختلف عن دوره في أوربا، وكان الأدب العربي عامل ترقيق وسبيلاً إلى صقل لغة الأدب الغربي والحب والوجدان. وقد أكد "درايدون" هذا الأمر بقوله: "وكان جوسر أول من هذب لغتنا الفقيرة وأغناها بتماديه من الاقتراض من مقاطعة بروفانس، أنقى الصيغ البيانية المعروفة في تلك الحقبة(4)، بعد أن انتشرت في جميع أوربا قصص التهذيب العربية على لسان الطير والحيوان، وقد كانت مسرحية "درايدون" The Conquest of Granada واضح أثر التنافذ الأندلسي فيها لذا عزا "فيليب حتي" قصة The Squire's Tale بأنها مأخوذة من ألف ليلة وليلة ويظهر بوضوح أثر الأدب العربي في "جوسر" في الملحمة الإنجليزية The Seven Seers of Rome متى قورنت بالقصة الأولى من ألف ليلة وليلة في الفكرة والخيانة والتهمة نفسها في حكايات كنتربري(5).

(1) أثر الأدب العربي ص 51 . والشوباشي 129 .
(2) تراث الإسلام 281 فيليب حتي ص 663 وهملتن كب تراث الإسلام – أثر الأدب العربي 59 .
(3) أثر الأدب 59.
(4) أثر الأدب العربي ص 52 الشوباشي ص 125 .
(5) تراث الإسلام ص 281 أثر الأدب ص 52 .


إن"جوسر" هو أبو اللغة الإنجليزية كان يعرف الفرنسية لأنها لغة الدولة file:///E:%5CUsers%5Cibtesam%5CAppData%5CLocal%5CTemp%5Cms ohtmlclip1%5C01%5Cclip_image002.gifوالقوانين والبرلمان، فوجـدت في شعـره القافـية، وقلد الموشحات الأندلسية مع تصرف حر واضح بقضية استيعاب الكاتب وهو أصلاً من "نورمنديا"، وفي اللاشـعور يرقد المحفوظ اللغوي والأثر الاجتماعي، ولابد أن يظهر في الأدب وبخاصة بعد أن ضاق صدر الإنجليز من تسلط رجال الكنيسة في استعمال اللاتينية. وقد قال "السير هملتن كب": "إن ما وصل إليه الولع بالقصص الشرقية من نشاط أثر في القرن الثامن عشر وغض الطرف عنها مؤرخو (أدبنا بقصد وبعمد)" (1). ويؤكد كب أن قصة الوردة(Roman de la Rose)، التي ترجمها الشاعر من الفرنسية كان محاكيًا العرب في خيالهم وفكرهم وفي قصص "كنتربري" بصورة عامة وفيها العاطفة المرهفة والإحساس العميق في طور الأدب الإنجليزي وإن كـان قد كتبها في أواخر حياته، ومع ذلك فقد نسخت خمسين مرة (2)، مما يدل على أهميتها في الأدب الإنجليزي وأثرها في إبداعه الشعري. فقد كانت الأندلس النافذة الحضارية التي دخل منها إلى أوربا في حياتها الفكرية والفنية والأدبية. وركز ذلك عندما وصلت الحركة الفكرية في صقلية التي ماتزال عادات أهل صقلية وطراز حياتها تختلف عن حياة إيطاليا، وبصورة واضحة في لغتهم ولا يرضى بعض أهل الجزيرة أن نسميهم الإيطاليين، ولم يخل الأدب الديني من آثار الأدب العربي. فقد قال "جوليان" حسب ترجمة الدكتورة سهير القلماوي: "إن الشعر الغنائي الإسباني القديم ربيب أدب الأندلسيين المسلمين، وهو المورد الذي استفاد منه الفرنسيون ومنه تنوعت أنواع الشعر في الغرب، وأثر في التطور والتجديد وبقاء أسس حديثة لهذا الأدب".

(1) تراث الإسلام 292 وأثر الأدب 54.
(2) English Literature Through Ages ص 85 .


وقال السـير همـلتن كـب وقد استقر الرأي العام على وجود تجاذب وثيق بين الشعر العربي والشعر البروفانسـي مؤكـدًا " بأن مسـيحي الأندلس الذين صاروا نصف عرب هم بدورهم نقلوا كثيرًا من بذور الحضارة الإسلامية إلى الممالك الشرقية، وشمل قسمًا شبيهًا بهذا التوسع والنقل، تاريخ الشعر الأندلسي،وكثيرًا من الشعر الإسباني، مما أدى إلى ظهور الزجل"(1).
ومما لاجدال فيه أن الشعر الشعبي الفلانشيكو Vallancio يرتبط بالزجل العربي وتظهر آثار هذه الظاهرة بوضوح في شعر (ابن قزمان) المعاصر لشعر (التروبادورو) في أسلوب النظم والروي والقافية، ونجد التشابه واضحًا عند مقارنة المقطوعات مع شعـر البروفـانـس الأول. وكـان الباحثون والنقاد يشكون في هذا الأثر حتى جاءت المفاجأة عندما عثر الباحثون على شعر غنائي لابن قزمان مكتـوب باللغـة الأندلسـية الدارجة في الأندلس الإسبانية (2). وقد اعتمد الباحث على نصوص وموشحات برهنت على أن أوربا قلدت شعر الوشاحين والزجالين الذين سبقوهم بقرنين وقد أكدها (نيكل) عندما طبع ديوان ابن قزمان بالحروف اللاتينية وتجلت الحقيقة بأبحاث (كارسيه كوميز) و(سيرين) Sterne ، (3). ووضح (السير هملتن كب) مدى أثر العرب على الغرب بمقالته في تراث الإسلام: "ومهما كانت الدرجة التي حددها الباحثون لتأثير الشعر العربي في إثارة روح الإبداع في جو الشعر الرومانسي فإن الدين الذي تديـن فيه أوربا للشـعر




(1) تراث الإسلام مقالة السير هملتن كب 273 ص 56 أثر الأدب .
(2) تراث الإسلام ص 5 أثر الأدب العربي ص 59.
(3) كب : تراث الإسلام ص 272 – 273 و 221 .





العربي في القرون الوسطى لا يماري فيه أحد"(*)،وملاحظة تلفت النظر بأن الوقوف على الأطلال تنافذ إلى الوقوف على البيوت. ففي قصيدة "جوسـر" المتوفى عام 1400م يظل الشاعر يبكي كما يبكي امرؤ القيس، فهو يخاطب فيها بيت ******ة، ويراه بيتًا قفرًا بعد أن كان يزدهي بالأحباب، وقد غدا حزينًا. كما أن المصباح الذي كان ينير ظلمات القصر أصبح مظلمًا حزينًا بعد أن كان مشرقًا نيرًا وقال: "وجدير بك يا قصر أن تسقط وأن تنهار، وتذكر بعد أن رحلت من كانت هدفنا ومن كنا نسير إليها.
“O Poleis desolat,
O house, of houses whilom best y-hight
O paleis empty and disconsolat,
O thou Lanterne of which queynt in the light,
O paleis, whilom day that now art night.
Wel oughtestow to falle, and I to dye,
Sin she is went that wont was us to gye!”
file:///E:%5CUsers%5Cibtesam%5CAppData%5CLocal%5CTemp%5Cms ohtmlclip1%5C01%5Cclip_image003.gifونجد ذلك عند "اللورد بايرون" في مطلع قصيدته (عروس أبيدوس The Bride of Abydos ) يتحدث عن الديار
التي عفت والأشجار التي اندثرت.
- Know ye the land where the cypress and myrtle
- Are emblems of deeds that are done in their clime?
الشاعر تنسون وامرؤ القيس

أما الشاعر الذي نقف عنده هو (تنسون).

(*)أثر الأدب العربي ص 562 .

لا جدال في أن الذوق الأدبي يختلف باختلاف الحضارة فلكل أمة براعتها الحضارية، والتذوق هو الممارسة الفنية، ولابد لها من قواعد لفهم الذوق بدراسة تاريخ الأمة. فنحن نتذوق الأدب الذي فيه الخيل والناقة والصحراء الصافية والسماء الزرقاء. ولن تجد شاعرًا عربيًّا وصف تساقط الثلوج ونزول الأمطار مع الصقيع ولا يكترث بطلوع الشمس وغروبها لأنه كائن بالرمضاء، والأمة الجائعة لا يطربها صوت العنادل وحفيف الأزهار، إنها تحلم بالطعام والكساء والشبع والرواء.
(1) تراث الإسلام وأثر الأدب ص 216 وأثر الأدب ص 32 الحاشية.
(2) أثر الأدب العربي ص 53 .

فالفنون تطور حضـاري متقدم تتذوقه الشعوب القوية الغنية، وكـان العرب أمة قوية غنية، وكان الغرب أمة فقيرة بدائية تقتات على لحوم الحيوانات وتلبس جلودها من الصيد. هذا التنافذ الحضاري بين الغرب والعرب دعا إلى تقليد الأدب العربي والأخذ منه وكان الإسلام أساس التطور الحضاري؛ لأن الإسلام ساوى بين البشر، وعلا صيته حتى قال (أي أيم كريستي):" فأصبح الصيت الرفيع شبه الخرافي الذي كان يشار به إلى العرب حقيقة واقعة أمام المسيحية الحاشرة المتعجبة. وما لبثت حملات المتطوعين أن وجدت نفسها فجأة وهي على تماس مباشر بالنظام الذي كان يضيق من كل جهة بحدود تجاربهم وبعقيداتهم المحدودة"(1). فلابد إذن من الأخذ من هذه الحضارة ومنها اللغة والأدب، ولما تنافذت الحضـارة الإسـلامية بدأت تدخـل الفنون في القرن التاسع والعاشر وظهر أثرها بعد فتـرة طـويلة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر حتى ألف الغرب هذه الفنون وبدأت الترجمـة، ثم الفهـم، ثم الهضـم، ثم الإعجاب ثم التقليد. وقد امتازت اللغة العربية بأثرها الحضاري. فقد قال الصديق (أدمون بوزورث): (2) "إن الروح الحقيقية لمأثرة الأدب العربي لم يكن لها أن تفهم في الغرب وأن تؤثر تأثيرًا عميقًا في آدابه الوطنية حتى أخذ الشعر الذي هو التعبير الأكبر تميزًا لعبقرية الأدب العربي، طريقه إلى المعرفة، وكانت له مصاعب تحول دون تقبل هذا الشعر وفهمه بتقاليده وتعدد إشاراته". وقد وصف المستشرق الفرنسي (بلاشير) الشعر العربي بحق أنه حديقة سرية يتطلب دخولها لا معرفة
عميقة باللغة العربية نفسها وحسب،إنما كذلك اعتناق عالم الفكر الإسلامي بدينه وثقافته(1).
وكانت الترجـمة التمهـيد لهذا، فترجم (أنطوان كالان)، ألف ليلة وليلة لنشر الثقافة العربية حتى يألفها الغربي واختار ما يلائم الذوق . وقام (وليم جونز) بترجمة المعلقات إلى الإنجليزية(2).
ولابد من القول إنني بحثت عن هذه الترجمة في المكتبات العامة ولم أعثر عليها لولا وجودها في مكتبة خاصة صورت منها الأجزاء التي أردتها.
إن الترجمة والتعريب أحد الأسباب النفسية التي بدأت تؤثر في الأدب الإنجليزي. وزادت الترجمة فوصلت إلى أكثر من مئة كتاب في القرن السابع عشر، وبالطبع ازدادت الكتب المترجمة حتى جاء القرن الثامن عشر فكانت القصص فيها مسحة شرقية، وأثرت الترجمات حتى في الرواد (منهم ديدرو، وفولتير ومونتسكيو). ووصلت ترجمة (كالآن) إلى الأدب الإنجليزي بعنوان
Arabian Nights Entertainment (3).
أما الشاعر الكبير الذي تأثر بالأدب العربي فهـو Tennyson الذي قرأ ترجمة (جونز) معتمدًا على ترجمته للمعلقات السبع وعلى شروح (الزوزني والتبريزي) نثرًا، وكتبت بأسلوب جميل متصرفًا في الترجمة ليلائم الذوق الغربي. لصعوبة فهم (جونز) للمعلقات لما فيها من إشارات حضارية ومواقع اختفى أثرها اليوم، ووجود كلمات يصعب فهمها – وهو العمل الذي قام به (كالان) و(فيتزجيرالد)، عندما نظم رباعيات الخيام التي لم ينشرها باسمه وطبع 250 نسخة فقط في الطبعة الأولى.

(1) مقالة بوزورث في Auzue أثر الأدب العربي ص 38 .
(2) أثر الأدب العربي ص 38 .
(3) أثر الأدب العربي ص 59 و 36 .


كان (تنسون) شاعر البلاط الإنجـليزي، فهـل أحـس الشـاعر الإنجليزي بعمق الشاعر العربي؟ فوجد في امرئ القيس صدى لأحاسيسه المرهفة فكانت قصيدته Locksley Hall (3).
ولا يهمنا فيمن نظم الشاعر قصيدته إنما وجدنا التنافذ الشعري واضحًا وضوحًا جليًّا بيــن معلقـة (امرئ القيس وتنسون). وقد بدل اسم (فاطمة)إلى (Anny) ولاشك بأن هناك اختلافًا بين القصيدتين.أولاً لأن ترجمة (جونز)لم تكن دقيقة للظروف الفكرية عند الأديب الإنجليزي وصعوبة الكلمات اللغوية.وقد اعترف (جونز) بأنه قرأ شرح التبريزي وشرح الزوزني. ولكن لم يقدر على معايشة البيئة التي عاش امرؤ القيس فيها. ولنأخذ خمسة أبيات من القصيدة وهي:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللوى بين الدخول فحومل
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها * لما نسجتها من جنوب وشمأل

ترى بعر الأرام في عرصاتها * وقيعـانها كأنـه حب فلفـل
كأني غداة البين يوم تحملوا * لدى سمرات الحي ناقف حنظل
وقوفًا بها صحبي على مطيهم * يقولون لا تهلك أسى وتجمل
فقد ترجمها "وليم جونز" بعد جهوده المضنية بما يلي:
1) Stay – Let us weep at the remembrance of our beloved, at the sight of the station where her tent was raised, by the edge of yon bending sands between DAHUL and HAUME.”
2) “TUDAM and MILRA; a station, the marks of which are not wholly effeced, though the south wind and the north have woven the twisted sand.”
3) “Thus I spoke, when my companions stopped their courses: only be patient.”
4) A profusion of tears, answered I, is my sole relief, but what avails it to shed them over the remains of a deserted mansion?
5)
(*),The works of William Jones, Lord Teigmmouth 1807 ، لندن والمصدر السابق. وقد صورها لي الدكتور ديفيد يريدي – جامعة مانجستر مشكورًا .


“Thy condition, they replied, is not more painful than when thou leftest HOWAIRA, before thy present passion, and her neighbour REBABA, on the hills of MASEL.” (1)
وينظم (تنسون) قصيدته فيقول في قصيدة (لوكسلي هول):
- Comrades, leave me here a little, while as yet’tis early morn leave me here, and when you want me, sound upon the bugle-horn.
- Tis the place, and all around it, as of old, the curlews call dreary gleams about the moorland flying over Locksley Hall;
- Locksley Hall, that in the distance over looks the sandy tracts, and the hollow ocean-ridges roaring into cataracts.(2)
إن هناك اختلافًا بين القصيدتين جاء من ترجمة وليم جونز، لأنه قد تصرف في الترجمة. ولكننا لو قرأنا الترجمة لوجدناه قد حافظ على الجو العام وحور الأسماء إلى (تودم ومكرا) (توضح والمقراة) وزاد بعض الكلمات وحذف بعض الكلمات وجعل أم الحويرث (حاويره) وحذف كلمة (أم) من(أم الرباب) و (أم الحويرث).
قال امرؤ القيس:
ويومًا على ظهر الكثيب تعذرت
عليَّ وآلت حلفـة لم تحـلل
فقد جاءت ******ة بالأعذار مع أنها أقسمت بأنها سوف تفي بالعهد وقال تنسون عن Anny :
- I said, My cousin may I speak and
speak, the truth to me. Trust me, cousin, all the event of my being sets to thee.
ويمكن مقارنة القصيدتين بوضوح، لظهور هذا التنافذ من (امرئ القيس) في (تنسون) من ترجمة (جونز) إلى قصيدة (تنسون). وفي كتابي (أثر الأدب العربي في حنايا الأدب الغربي) أكثر من تنافذ أدبي بين الآداب الغربية والآداب العربية.(3)

(1),VOL, VIII p.b 187 The Works of William Jones, London
(2) 92 Tennyson Poems and play
(3) أثر الأدب العربي ص 62 – 69 طبع في جدة في دار الصافي سنة 1990م.

إن تتبع التنافذ الأدبي بين العربية والإنجليزية بل اللغات الغربية في القرن الذي ازدهر فيه الأدب الإنجليزي يحتاج إلى دراسة موسعة، وتتبع للأدباء في العهد الفكتوري. هؤلاء الأدباء الذين شغفوا بالشرق بصـورة عامة الذي كـانت الدولـة العثمانية ممثلة له. لذلك كثرت الترجمات من الأدب العربي وكثر حلم زيارة الشرق كما يحلم الآن أبناء الشرق بالسفر إلى الغرب لما نسمع عنه من تطور وتقدم في العلوم والفنون.
وقد كان وليم ثاكري William Thackeray مـن أولئـك المهتميـن بالشرق الذين يستوحونه في أدبهم، فقد قال الزميل رضا حواري عن (ثاكري): "إن حماس وليم ثاكري الشديد للشرق يبدأ من أيام رجولته المبكرة ومن إطار عقلي رومانطيقي وشاب، أساسًا وبصورة خاصة بحيث نجد كثيرًا من الأبطال الشابة في رواياته تقاسم مؤلفه الحالة الفنية المتسمة بالرومانطيقية بعضها شرقي صرف وبعضها مقلد للشرق على أن ثقافة (ثاكري) الشرقية إنما بالطبع جزء من مطالعاته العامة.
وقد عد زيارته للشرق أعظم ما حققه في حياته مع أنه كان شديد التتبع لأخبار الشرق وحياته، بقراءة الكثير من الكتب(*).
وكان (ثاكري) يتزود زادًا من اللغات الأجنبية سواء كانت ألمانية أو إنجليزية تتحدث عن الشرق. وقد قال
أحد هؤلاء الكتاب – الذين تأثر بهم –

(*) الدكتور رضا حواري: الروائي ثاكري History of the Turtes .

(*) الدكتور رضا حواري: الروائي ثاكري History of the Turtes .

معجبًا برسوخ العقيدة عند المسلمين: "إن آلافًا من أتباع محمد – صلى الله عليه وسلم - ينقضون على الموت في حومة الحرب وكأنهم ينقضون على فردوس أكيد". وبالرغم من أن المؤلف كان يكتب عن الإسلام والدولة العثمانية إلا أن الجهاد كان سببًا في بث الرعب في نفوسهم.. وقد رسم المؤرخون خريطة (لثاكري) ذكروا فيها بغداد وأدنة واستنبول وقد كان الأديب لشدة عنايته بالشرق قد أعد رسوم كتاب أديسون المسمى (دمشق وتدمر)، وهو كتاب عن دمشق وسورية أثناء حكم إبراهيم باشا عليها. وقد اهتم بتاريخ محمد علي باشا واستخدم الفترة في رواياته، وكتب مقالتين عنه منها: "محمد علي" و"السلطان التركي"، لأن أعماله هددت أوربا. فقد قرأ وصف الصحراء وحياة البدو وتأثر بقول (Kmylake ) ونقده فقال: "إن مؤلفه يخطئ في افتراضه بأن الصحراء وحياتها البدوية فقط تقع بين الشاطئ الشرقي لبحيرة طبرية وأبواب بغداد. إذ ليس هناك من داعٍ لأن نشير إلى أن الأرض السورية بخضرتها وغنى مراعيها تمتد من جبال الجليل إلى الشرق مسافة طويلة قبل أن تبدأ الصحراء السورية الكبرى"(1). إن تعليق (ثاكري) ونقده برهان على شدة ولوعه بالشرق وفهمه بطبيعة الأرض العربية في سورية ومقدار المساحة التي كانت تتسع لها سورية في عهده.
وقد طالع (نفح الطيب) وجاء في أدبه ذكر الخليفة الواثق. وتحدث عن عادات شرقية وحلق في الخيال، فذكر الجلوس على الأرض، والتدخين في الشرق، وذكر مناظر القاعات المصرية الطراز والغرف المقببة وجلوس الناس حول مواقد النيران. إنه خيال الرومانسية وذكر الواثق لاشك بأنه قرأ (ألف ليلة وليلة) وكان (Beckford) وترجمته أدت إلى زيادة معلومات (ثاكـري) في العــادات والسلوك. لأنه كان ملمًّا بالشرق وعاداته لأنه كان يعرف العربية وترجم بعض المخطوطات العربية المتنوعة. وكان طالع المعلقات وترجمة القرآن الكريم ومن هواة جمع المخطوطات العربية.

(1) الدكتور رضا حواري: الروائي ثاكري History of the Turtes .
(2) المصدر نفسه 15 – 18 .

(3) المصدر نفسه 15 – 18 .
(4)

واستفاد (ثاكري) من ترجمة (نفح الطيب) جعلته يذكر الأندلس ومعركة (العقاب) التي جرت بين النصارى والمسلمين وإن لم يكن شديد العناية بالوقائع إنما كان يساير هواه فيها، وتلك طبيعة العمل الإبداعي، التصرف حسب خيال الكاتب وحسب فكره وعقيدته(2). جيمس تومسون والأدب العربي

James Thomson
إن النص الأدبي الجيد في أي لغة دليل على أصالة المبدع، متى كان عميق المعنى سامي القصد، وهو النص الذي يكون سريع التنافذ بين نصوص الآداب الأخرى. ولا نعجب أن تتخطى النصوص الجيدة من لغة إلى لغة أخرى كما وجدنا تنافذ الأدب الألماني والفرنسي والإيطالي في الأدب الإنجليزي محملاً بالآراء العربية والأفكار الإسلامية. ولعل اللغة الفرنسية بما فيها من تأثيرات عربية وشرقية وإسلامية دخلت في فكر الأديب الإنجليزي أكثر من غيرها.
إن تنافذ لغة إلى لغات أخرى دليل على متانتها وقوتها وسمو حضارتها، فقد بدأ التنافذ الحضاري بين الشرق والغرب واضحًا بما حمله الصليبيون من الشرق من حضارة أدت إلى تقليد الشرق العربي حتى في الأزياء والطعام والأساطير، وقام أبناء الغرب برحلات متعددة إلى الشرق يدفعهم الشوق إلى الجديد. وكتبوا في رحلاتهم ما وجدوه بل إنهم بالغوا في ذلك واختلقوا المعلومات، ولهذه دخلت الثقافة العربية والشرقية والإسلامية في جذور الثقافة الغربية فازدهرت ثقافة الغرب. وقد تتبع المثقف الغربي الثقافة العربية في المخطوطات ودرسها وترجم الكثير منها، فطوَّر أدبه ووسع أفق فكره.
إن الاستفادة من الحضارة لا تكون بالتقليد إنما بفهمها أولاً ثم هضم تطورها واختيار ما يوافق الذوق الفني والأدبي، وإلا أصابته الحيرة الفكرية والمحنة الروحية التي نجدها عند بعض الكتاب والشعراء العرب اليوم.
وإن بناء الجسور وتعبيد الطرق ونشر وسائل المواصلات الحديثة كالسيارات والقطر والاستفادة من المخترعات الغربية العديدة، يجب أن تبني الإنسان وتطور ثقافته. لأن صناع الحضارة هم القادرون على الاختيار والاستيعاب ثم هضم حضـارة الأمم الأخـرى واحـتواء
محاسنها.
ولابد من ذكر كتاب أثر في الغرب وأهملناه هو كتاب (ألف ليلة وليلة) ولم نقدره حق قدره فقد أثر في الغرب وتنافذ في عدة لغات غربية حتى عرفه الأميون فقد ذكر الباحث (رانيلا): "بأن حكايات ألف ليلة وليلة تسربت بين شعوب الغرب حتى عرفها الأميون، ودرسها الكتاب منذ 1704م عندما ترجمها (كالان) إلى الفرنسية وأخذتها الإنجليزية عن الفرنسية وتسربت من خلالها صور الشرق العربي المتعددة وبقي في ذهنهم صور (علي بابا والأربعين حرامي)، وعن (البساط الطائر) وعن (شهر زاد وشهريار) ولشدة إعجاب الإنجليز بها ظهرت في أربع طبعات سنة 1713م وقال (رانيلا) إنها نشرت في جريدة (لندن نيوز) مسلسلة واستغرق ذلك ثلاث سنوات من عام 1713م فأصبح أثرها جزءًا من ثقافة الصغار والكبار"(*).
وفي خلال قرنين طبعت أكثر من (400) مرة بلغات غرب أوربا، وقد أسهمت ألف ليلة وليلة في القرن الثامن عشر بالاهتمام بالدراسات الشرقية كما كانت دافعًا إلى تطور الفلكلور والقصص بوصفهما حقلاً للدراسة.

(*) الماضي المشترك بين العرب والغرب ص 302 .


أما في مجال الخيال فقد أدت إلى نشأة مدرسة كاملة لما سمي بالروايات الشرقية. ويمكننا أن نصف تأثير الليالي على الحركة الرومانسية في القرن التاسع عشر بأنه كان هائلا وقال: "ولم تصبح ألف ليلة وليلة أدبًا فحسب، ولم تصبح أدبنا بل أصبحت في الحقيقة إحدى كلاسيكياتنا. فقد أعيدت طبعاتها وأخذت منها
مسرحيات ورقصات (باليه) وأوبرات وأفلام ومسرح عرائس و(بانتومايم) بصفة خاصة للصغار"(1).
وقد استخدم (كالان) المخطوطة السورية لترجمة ألف ليلة وليلة لأنه كان يجمع المخطـوطات العـربية للمكتبات الفرنسية وقد بقيت ترجمته أساس الطبعات الأوربية لأكثر من قرن. والطريف أن بعض الأجزاء المترجمة من العربية ترجمت إليها، وأول نسخة مخطوطة كانت في مطبعة بولاق التي اعتمد عليها المستشرق (لين)(2).
ويظهر تنافذ الأدب الفرنسي المتأثر بالأدب العربي في الشاعر (تومسون)، وتومسون من الأدباء الإنجليز الذين أعجبوا بالأدب العربي بعد اطلاعه على أدب (ستندال Stendhal) الفرنسي المعجب بالأدب العربي،الذي ترجم كتاب ابن أبي حجلة (ديوان الصبابة) وسماه (De l'Amour) ولم يكن الكتاب مطبوعًا في هذه الفترة إنما اعتمد على نسخ مخطوطة منه وقد كان تومسون في زيارة لستندال عندما قدمت له النسخة المترجمة، فأخذها تومسون عنوة من صديقه، وكانت سببًا في البحث عن نسخ أخرى بعد أن أعجبه ما فيها من قصص. ولشدة إعجابه تمنى أن يتعلم اللغة العربية، حتى يخلق اتجاهات أدبية في الحب ليست موجودة في الأدب الغربي.وأعجب تومسون بالحب العذري أو الجو الأفلاطوني،وكان الحب العذري من أسباب ظهور الأدب الرومانسي في أوربا.فقد اعتمد تومسون على النسخة التي ترجمها(فوربيل) لصديقه (ستندال) والتي اختطفها تومسون منه وكانت ذا أثر في أدبه ومؤلفاته.
الحب العذري:

(1) الماضي المشترك بين العرب والغرب ص 302 .
(2) المصدر السابق ص 302 و 303 و 304 .

وقد أثر الحب العذري في كتاب الغرب، فقد عد أسمى درجة في التضحية من أجل المحبوب، فقد عدّ ( أرنولد Mathew Arnold ) التضحية بالنفس أعلى تضحيات البشر الذي ألهم الشاعر الألماني (Heine ) قصيدته (Der Asra ) وتنافذت إلى أدب تومسون عندما ترجمها إلى اللغة الإنجليزية. وقد اعترف تومسون بهذه الترجمة وذكر بأنه تصرف فيها. وتأثر الأدب الإنجـليزي بقصة
(وضاح اليمن) و(أم البنين)، لما فيها من الجمال الطبيعي والعاطفة الصادقة الحقة وهما ينبعان من معنى ذي قدسية. وهاتان الصفتان من بني عذرة هما اللتان أوحتا بالكثير للشاعر (هايني) الألماني الذي يعتقد اعتقادًا راسخًا بأن الحب الحقيقي الصحيح يحررنا جميعًا من كل المشاعر الوضيعة والأنانية ويدفعنا إلى التضحية بكل نعم الحياة الزائلة.
إن تأثر (تومسون) بآراء (هايني)، خير دليل على تنافذ العربية إلى الفرنسية بترجمة هايني وتأثر تومسون بهذه الترجمة وأوحت له بجميل شعره.
ويجب إفراد جزء من أثر الأدب العربي في تومسون الذي طوره وأبدع أمورًا جديدة محلقًا بعيدًا عن الواقع، يغلفها بصور الرومانسية لإثارة القراء في الأدب الغربي وشغفه.
كما أثر كتاب لـين E.W.Lane
( Manners and Customs of the Modern Egyptians )، في أدب الشاعر عندما وصف النساء العربيات وذكر جمال العيون السوداء الواسعة ذات الرموش الجميلة الطويلة الساحرة.
إن اهتمام تومسون بالأدب العربي، طور أدبه فقد كان شديد الاهتمام به لأنه استفاد من ترجمة ستندال في كتاب De L'Amour وكان شديد الاهتمام والانفعال والتأثر العميقين بما أخذه ستندال من (ديوان الصبابة)، وقال: "لو لم أكن متقدمًا في العمر كثيرًا لتعلمت العربية، ذلك لأنني أجدني مسحورًا لوقوعي آخر الأمر على شيء ليس مجرد نسخة أكاديمية عن الأدب القديم... عندما كان يؤلف كتابه عن الحب وأراد أن تكون في خلال هذه الدراسة نفحات جديدة يدخلها في أدبه".
إن التنافذ الأدبي هو الذي يطور الأدب وينقذه من الجمود . ولهذا وجدنا الأدب الإنجليزي شديد التأثر بالأدب الفرنسي سواء بوب أودرايدون أو سونبرن Swinburne . وتأثر كارليل بالأدب الألماني ولا يمكن أن ننسى تأثر الشاعر جوته Goethe بالأدب الإسلامي وحاول في السبعين من عمره دراسة العربية والفارسية حتى أخرج الديوان الشرقي. وقد بقي الأدب العربي سبعة قرون يؤثر في الغرب، واشتهرت ملحـمة دانـتي بأنها من إبداع الشاعر. فقد أخبرني الأستاذ كبريللي المستشرق الإيطالي بأثر الأدب العربي فيها. وأكد أثر الأدب العربي الأستاذ بلاشيوس، بصورة لا تقبل الشك.
وقد تنافذ أدب الغرب في الأدب العربي في أدب طه حسين وتوفيق الحكيم والعقاد والمازني وظهرت الروايات وأدب المسرح وأثر النقد الغربي في أدبهم. وكما تطور الأدب الغربي من الأدب العربي، ها هو ذا أدبنا يتطور من تنافذ الآداب الأخرى.
ولكن ما أخذوه من أدبنا هو أكثر مما أخذناه منهم.
يوسف عز الدين

عضو المجمع من العراق