المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ابن حذام بين الوهم والحقيقة


Eng.Jordan
07-01-2012, 12:18 PM
- د. عبد الحق حمادي الهواس


ولد ابن حِذام من بيت شعر لامرئ القيس بن حجر وأصبح تاريخاً وقضية في شعرنا الجاهلي. ومنذ أن خرج من قريحة امرئ القيس، والرواة يطاردونه في كل مكان وزمان، فلا يعودون منه بشيء مقنع، وكلما جدّوا في طلبه ابتعد عنهم أكثر، وتشتت في اسمه ونسبه ووجوده وشعره، وعادوا منه خالين الوفاض يدورون حول قول امرئ القيس :


عوجا على الطلل المُحيل لأننا * نبكي الديار كما بكى ابن حِذامِ


فيقفون عند قول ابن سلام الشهير متزيدين فيه : " وهو رجل من طيّئ لم نسمع شعره الذي بكى فيه ولا شعراً غير هذا البيت الذي ذكره امرؤ القيس."([1])

وحتى هذا البيت لم يسلم من الاختلاف في بعض ألفاظه، فقالوا، بل قال:


عوجا على الطلل المُحيل لأننا * نبكي الديار كما بكى ابن خِذامِ

وقال آخرون بل قال:

يا صاحبي قفا النواعج ساعةً * نبكي الديار كما بكى بن حُمامِ

لكن آخرين رووه:

عوجا على الطلل القديم لعلنا * نبك الديار كما بكى ابن حُمامِ

وكبر الاختلاف في اسمه فقالوا: ابن حِذام وابن جَذام، وابن حُذام وابن خذامِ، وابن خِدام، وابن حُمام، وابن الحُمام.

ويروون عن ابن الكلبي أنه قال : " أول من بكى الديار امرؤ القيس بن حارثة بن الحُمام، وإياه عنى امرؤ القيس." ([2])

وفي المعمَّرين يرد اسمه بين الذين تراخى بهم العمر المديد " امرؤ القيس بن حُمام بن عبيدة بن هُبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عُذرة بن زيد الله بن رُفيدة." ([3])

والاختلاف في اسم الشاعر ولقبه ووجوده سمة بارزة في كتب التراث لكنه لا يضيّع شاعراً ووجوده كما نراه في هذه القضية، ففي جمهرة أشعار العرب " قيل لأبي عبيدة: هل قال الشعر أحدٌ قبل امرئ القيس؟ قال: نعم. قدم علينا عشرون رجلاً من بني جعفر بن كلاب من أهل البادية، فكنا نأتيهم ونكتب عنهم ما قالوا، ونسألهم عنه وعن قائليه، فقالوا : من ابن حذام ؟ قلنا ما سمعنا به قالوا: بلى قد سمعنا به ورجونا أن يكون عندكم منه علم، لأنكم أهل أمصار، ولقد بكى قبل امرئ القيس، وهو الذي ذكره امرؤ القيس في شعره الذي يقول فيه:

عوجا خليليَّ الغداةَ لعلنا * نبكي الديار كما بكى ابن حِذامِ"([4])

ويلاحظ أن أهل البادية أضاعوه، وراحوا يلتمسون أخباره عند أهل المدن وليس بين أيديهم أية وثيقة تثبت وجوده سوى قول امرئ القيس مع تغيير آخر في ألفاظ البيت (خليلي والغداة) ويتساءل المرء كيف ضاع هذا الشاعر الذي فرش لامرئ القيس طريق البكاء في الديار بدموعه؟!!

ويرد هذا الخبر في كتاب ما يقع فيه التصحيف والتحريف للعسكري على الوجه الآتي : "قال أبو عبيدة : ورد علينا وفدٌ لبني جعفر بن كلابٍ، فيهم أبو الوثيق أحدُ بني سَلْمى بن مالك بن جعفر بن كلابٍ، فسألناه فقال: قدّرنا أنَ علم ذلك بالحضر، ما نعرفه إلا ابن خِذام. قلنا فمن هو ؟ قال لا أدري! قلنا: متى بكى الديار قال : لا أدري! وما يعلم منه إلاّ كلمة امرئ القيس فهذا ما عند البصريين." ([5])

وعن أبي الحسين محمد بن القاسم التميمي النسابة أنه قال : أن الأصمعي يرويه خِدام، ويرويه أبو عبيدة خِذام.

وعن عمر بن شبة أن أبا عبيدة قال: وأنشدنا الوثيق لابن خِذام بيتاً واحداً :

كأني غداة البين يوم تحمَّلوا * لدى سَمُراتِ الحيِّ ناقف حنظلِ

وهذا البيت يروى في قصيدة امرئ القيس." ([6])

وفي جهد متميز للدكتور محمد شفيق البيطار في حلِّ هذه الإشكالية العويصة ارتضى نسبه كالآتي :

"هو امرؤ القيس بن حُمام – واسمه حارثة بن عبيدة بنِ هبل الشاعر ابن عبد الله بن كنانة ابن بكر بن عوف بن عُذرة بن زيد اللات بن رُفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة." ([7])

وتتبع الباحث في بعض كتب التراث تلك الاختلافات الواسعة حول اسمه واسم أبيه واسم جده، وأنه ذكر مرةً باسم عمرو بن حِذام، وأخرى أنه ابن حارثة بن الحمام، أو أن حارثة هو نفسه الحُمام وأنه لا يوجد معاوية بعد الحمام الذي ذكره ابن قتيبة في الشعر والشعراء، وجاء اسمه في نهاية الأرب أن اسمه هُمام بيد أنَّ الباحث انتهى أن اسمه (ابن حُمام) ([8]) خلافاً لما تذكره أو تشير إليه معظم المصادر بأنَّ اسمه (ابن حذام) مع اختلاف في التعجيم ويقول الباحث في قول بن سلام بأنه من طيّئ :" وليس بمستبعد أن تكون كلمة طيّئ محرفه عن (كلب)." ([9]) متجاهلاً أن جميع المصادر القديمة التي نقلت نص ابن سلام قد أجمعت على كلمة طيئ، ثم يقف الباحث عند إشارة ابن حزم في جمهرة أنساب العرب أن بعض الناس يقولون: إنه من بكر بن وائل، فيقول: "كما وليس بمستبعد أيضاً أن يكون هذا القول ناتجاً عن تحريف (كلب بن وبرة) إلى (بكر بن وائل)." ([10])

وفي أخبار هذا الشاعر اضطراب شديد؛ فنراه ممن رافقوا امرأ القيس بن حجر مع مجموعة الصعاليك الذين كان ينتقل بهم بين غدران العرب حيث يذبح لهم وتغنيهم قيانه، وأنه أحد من رافقوه في رحلته إلى القيصر، ولم تكن لهم قافلة منه، كما أنه ابن أخي الشاعر زهير بن جناب الكلبي، أو ابن ابن عم زهير، وكان يغير معه، فأغار معه على بني تغلب فقتلوا رجلين منهم : جابراً وصنبلاً وأدركهم المهلهل، فأصاب ابنَ حُمام وهو قوله:

لمَّا توعّر في الكُلابِ هجينُهُمْ * هلهلت أثأر جابراً أو صُنبلا



والهجين هو امرؤ القيس بن حُمام لأنَّ أباه عربي، وأمَّه أمة([11]). ويروى البيت في العمدة([12])، على النحو الآتي:

لما توعر في الكُلاب شريدهم * هلهلت أثأر جابراً أو صنبلا

بينما تذهب رواية أخرى لحمزة الأصفهاني، وأبي أحمد العسكري عن أبي الحسين : أن امرأ القيس بن حُمام كان يغزو مع مهلهل. ([13])

ويذهب ابن الكلبي إلى أنه من المعمرين وأنه عاش مئتي سنة، وقد تنبه الدكتور محمد شفيق البيطار إلى هذه المبالغة المعروفة عن ابن الكلبي، فقال: " ولا يخفى أن في تحديد عمره . بمئتي سنة مبالغة." ([14])

وقد ذكره أبو حاتم في المعمرين([15]) لكنه لم يحدد عمره، وإنما استشهد له بثلاثة أبيات تدل على طول عمره، وهي قوله:

إنّ الكبير إذا طالتْ زمانتهُ * فإنما حَمْلُهُ جِنازةً عارُ
ومن يعش زمناً في أهله خرفاً * كَلاً عليهم إذا حلّوا وإن ساروا
يَذْمُمْ مرارةَ عيشٍ كان أوَّلُهُ *حُلْواً وللدهرِ إحلاءٌ وإمرارُ

ولا ندري كيف رافق امرأ القيس، وهو خرف، أو بهذا العمر المديد؟

ثم إن الاضطراب لحق بشعره، فمنهم من قال بأنه درس، ولم يبق منه شيء، ومنهم من قال بأن امرأ القيس قد نحله لنفسه، فأكثر شعره لابن حُمام وغلب عليه، وآخرون رووا له ستة أبيات، منها الأبيات الثلاثة التي في المعمرين وثلاثة أخرى هي: ([16])

لآل هند بجنبي نفنفٍ دارُ * لم يمحُ جدتها ريحٌ وأمطارُ
إمّا تريني بجنب البيت مضطجعاً * فربَّ نهبٍ تصمُّ القومَ رجَّتُهُ
فربَّ نهبٍ تصمُّ القومَ رجَّتُهُ * أفأتُهُ إنَّ بعض القوم عوَّارُ

ولا شك أنّ القارئ سيقول إنّ هذه الأبيات ليست بكائية، وليست لشاعرٍ بكَّاء وعندئذٍ تجيب الرواية على هذا التساؤل بأنَّ الأبيات التي بكى بها ابن حذام أو خدام أو حُمام أو الحُمام هي الخمسة الأولى من معلقة امرئ القيس (قفا نبك) إلى قوله: وقوفاً بها صحبي.

والرواية عن ابن الكلبي أيضاً "وكان هشام بن محمد بن السائب الكلبي يقول : سمت رواة أعاريب كلب، والعلماء منهم يذكرون أبياتاً من أول (قفا نبك...) لابن خَذام."

وربما يتنبه قارئ نابه إلى قولهم بأنه عُمِّر، ومن ثم يربط ذلك بحياة امرئ القيس الذي قضى شطراً كبيراً منها هارباً متنقلاً بين القبائل حتى انتهى به المطاف هالكاً في بلاد الروم، فيخرج بنتيجة بسيطة هي أنّ الباقي أو الحي هو الذي يغير على شعر الميت وليس العكس، ثم إن حياة امرئ القيس لا تسمح له بالإغارة والانتحال، وإنما تسمح للذي رزق وقتاً كافياً من الراحة، وهل كان امرؤ القيس في حال تسمح له بالتفكير بانتحال شعر غيره طلباً للشهرة، وهو يتوارى من مطاردة طالبيه وعلى رأسهم المنذر بن ماء السماء، ثم هل كانت هذه الأبيات الخمسة هي كل شهرة امرئ القيس وتقدمه؟!!

ولأجل سدِّ هذه الثغرات تأتي الرواية لتجعله مرافقاً لامرئ القيس إلى القسطنطينية ثم تعمد على تغيبه هناك حتى يموت الشاهد وأهله، والمتهم وجريرته ولإعطاء نوع من التأكيد الباهت تذهب الرواية إلى أنه لم يكن وحده في هذه الرحلة، وإنما كان معه أيضاً قِنان بن سلامة بن عبد الله بن عليم بن جناب. ([17])

وقد تنبه الدكتور محمد شفيق إلى أن أحداً لم يصدق ولن يصدق بأن الأبيات الخمسة الأولى من معلقة امرئ القيس هي لابن حمام أو حذام فقال: " وكان ابن حُمام ممن يرافق امرأ القيس بن حجر، وهذا لا يمنح الباحث الدليل القاطع على كون الأبيات الخمسة الأولى من معلقة امرئ القيس لابن حُمام." ([18]) بيد أنه أضاف "ولكنه يؤكد أن له شعراً انتحله امرؤ القيس، أو نحله الناس إياه." ([19])

لكن الثابت عندنا أن العلماء وثقوا شعر امرئ القيس، وهو شعر محدود الكم وأشاروا إلى الشعر المنحول بأنه لا يشاكل شعره لهلهلته وضعفه، يقول ابن رشيق: " وكان امرؤ القيس مقلاً كثير المعاني لا يصح له إلاّ نيف وعشرون شعراً بين طويل وقطعة، ولا ترى شاعراً يكاد يفلت من حبائله وهذه زيادة في فضله وتقديمه." ([20])

ثم إني بحثت في ديوان زهير بن جناب الكلبي فلم أعثر له على ذكر، وإنما وقفت على قوله:([21])

إذا قالت حذامِ فصدقوها * فإن القول ما قالت حذامِ



وحذام بنت جسر، وهي التي تضرب العرب بها المثل في الحكمة، ولهذا يبدو لي أنَّ القصص الشعبي وادعاء السبق في الأشياء كانا وراء تلفيق قصة ابن حذام وأظن أنَّ امرأ القيس لم يرد به شخصاً معيناً، وإنما أراد أن يقول : تعالا نبك الديار بكاء عارف بها أو بكاء ابنها الذي عاشها عامرة وخاوية، أو بكاء حكيم له عبرة في بكائها، وليس كما ذهبت الروايات إلى شخص لم تجد له اسماً محدداً ولا شعراً يطمأن له، ويظهر ذلك من خلال دراسة الأبيات التي ورد فيها هذا الاسم إذْ جاء في البيت الرابع، وكان امرؤ القيس يردُّ فيه على سبيع بن عوف أحد بن طهية الذي هجاه لعدم إعطائه شيئاً، وهو قوله([22]) أعني سبيعاً:

إذا ما نزلنا دار آل معزّزٍ * بليلٍ فلا يُخْلِفْ عليها الغمامُ

مغرَّز أبكار اللقاح إذا شتا * وضيفك جارُ البيت لأياً ينامُ


أما أبيات امرئ القيس فإنها تشع بالفخر وذكريات الماضي في الوطن والنسب وكأنما يصور فيها حياة كندة قبل سقوطها، فيقول:

لمن الديار غَشِيتُها بِسُحَامِ * فعمايتينِ فَهَضْبِ ذي أَقدامِ

فصفا الأطيط فصاحَتين فغاضرٍ * تمشي النِّعاجُ بها مع الأرآمِ
دارٌ لهندٍ والربابِ وفرتنى * ولميسَ قبل حوادثِ الأيامِ

ويلاحظ أن الشاعر قد بدأ باستفهام المنكر العارف، وهو ما يعبر عن إنكاره لما أتى به سُبيع ثم راح يتعرف على الأماكن ويفيض في ذكرها ليقول بأنها مهجورة بدليل وجود الحيوانات فيها، وتلك صيغة يحرص الشعراء الجاهليون عليها، وهي بديل الإنسان إذا رحل وعندها يقرر بأنها دار لهند، وهند في دلالات الشعراء رمز للقبيلة أو الاجتماع ثم يضيف الرباب وفرتنى ولميس وهن رموز لجواري القبيلة فيؤكد بها الماضي العامر والحاضر المقفر بقوله: قبل حوادث الأيام، ليكون ذلك سبباً في قوله:

عوجا على الطلل المُحيل لعلنا * نبكي الديار كما بكى ابن حِذامِ


وهو ما يوافق سنةً على اختفائه في جبال طيئ، ومما يؤكد أن القصيدة قيلت بعد سقوط مملكة كندة قوله:

وأنا الذي عرتْ معدٌّ فضلَهُ * ونشدتُ عن حجر بن أمِّ قَطامِ

ورغم وضوح البيت فإن البيت الذي يليه يزيده وضوحاً وأن الشاعر بلا وطن يقطع الأرض فاراً من ملاحقة أعدائه، وهو ما يوافق سيرة حياته بعد سقوط كندة، فيقول:

وإذا أُذيت ببلدةٍ ودَّعتها * ولا أُقيمُ بغيرِ دار مُقامِ

وما تقدم يجعلنا نذهب إلى أن ابن حذام ليس شخصاً بعينه، وفي الأدنى ليس كما تصوره الروايات القلقة، وإذا نظرنا إلى قول ابن الأثير الذي نقله صاحب الخزانة أيضاً أن ابن حذيم شاعر في قديم الدهر يقال إنه كان طبيباً حاذقاً يضرب به المثل في الطب، فيقال : أطب بالكي من ابن حذيم فإننا سنقف على المعنى الذي أراده امرؤ القيس، ثم إن معاني الحذم اللغوية : السيف القاطع، ومن الرجال الحاذق بالشيء والحذيم : من السيوف ونحوها : القاطع وقد استعمل الشعراء هذا اللفظ بتلك المعاني ومنهم أوس بن حجر، وعنترة بن شداد، فقال أوس:

فهل لكمُ فيها إليَّ فإنني * طبيبٌ بما أعيا النِّطاسيُّ حذْيَما

ويريد أنه أعلم بحاله من الآخرين ؛ بصير بها بما أعيا النطاسيَّ ابنَ حذيم.


ويقول يعقوب بن السكيت : حذيم رجل من تيم الرباب وكان متطبباً عالماً."
وقال عنترة في المعنى نفسه:

ولقد كررت المهرَ يدمى نحرُه * حتى اتقتني الخيل بابني حِذْيمِ


وثمة أمر آخر وهو ما قيل حول الأبيات الخمسة من معلقة امرئ القيس فإنَّ أيَّ دارس للأدب أو متذوق للشعر لا يمكن له أن يفصل هذه الأبيات عن المعلقة، وهي في حقيقتها تصور سقوط مملكة كندة، ف****** هو كندة، والمنـزل هو مملكتها، وكما يقول أبو عبيدة: "إن هذه الديار التي ذكرها (يعني امرأ القيس) في شعره ديار بني أسد بن خَزِيمة ." ([23]) أي حيث كان أبوه ملكاً.

فهل لنا أن نستنتج أنَّ لبساً قد حصل عند الرواة بأن الشاعر من طيّئ، ذلك أن امرأ القيس كان مختفياً هناك وقد أمضى سنة كما يذكر في بيت الشعر، ثم إن الشاعر اسمه امرؤ القيس بن حذام في خلط واضح بين المكان واسم الشاعر، ومعنى بيت الشعر، وثمة أمرٌ أخير ندعه في ذمه التصحيف والرواة فقد ورد في ديوان امرئ القيس بيت شعر واحد قيل إنه هجا به محمد بن حمران، وألصق به لأول مرة لقب شويعر وهو قوله: ([24])

أبلغا عنيَ الشويعر أني * عَمْدُ عينٍ نكبتهُنَّ حزيما

والبيت يروى على اختلاف في عدد من المصادر، فإذا صح لدينا هذا نكون قد وقفنا على استعمالين أي لعل تصحيفاً أصاب الذال فأصبحت زاياً، رغم أن المعنى لا يختلف بين الحزم والحذم، وبهذا يكون امرؤ القيس قد أتى به مرة بصيغة (ابن حذام) وأخرى بصيغة (حذيم) وهو ما أرجحه .

إن ما يدعو للعجب أن هذا الشاعر الذي لم يتفق الرواة حول اسمه أو نسبه، ولم يعرفوا له شعراً، ثم نراهم يجعلون عمره مئتي سنة، يراد منا أن نصدق أنه ابتدع للشعراء أسلوب البكاء في الديار والدمن، والأكثر عجباً أنهم لم يرووا لنا شيئاً من هذه البكائية.

لقد قيّدت هذه القضية دراستنا لتاريخ الشعر العربي وتطوره من الأبيات إلى القصيدة وقد آن لنا أن نذهب مذهباً آخر في دراستنا نفرق به بين تطوير الشعر وبين تقصيده وأن ننسب فضل إبداع بنية القصيدة العربية إلى مبدعه حقاً ليكون لنا مسارٌ واضح في دراسة شعرنا العربي وأسباب هذا التطور.

وأن ننظر إلى أن البكاء في الأطلال هو بكاء على وطن مفقود وليس قضية حيوية بسيطة تتعلق بتنقل القبائل في مضاربها فهناك كثير من القبائل كانت متوطنة وبكى شعراؤها على الأطلال في تطلعٍ واضح نحو إقامة وطن موحد.

المصادر :
---------------------------------

([1]) طبقات فحول الشعراء : 1/39 ابن سلام الجمحي.

([2]) الشعر والشعراء : 52 لابن قتيبة، دار صادر.

([3]) المعمرون والوصايا: 71 لأبي حاتم السجستاني.

([4]) جمهرة أشعار العرب: 1/185 تحقيق الدكتور محمد علي الهاشمي. وينظر شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف :211 لأبي أحمد الحسن العسكري، ت عبد العزيز أحمد.

([5]) شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف: 212

([6]) المصدر السابق: 212-213

([7]) ديوان شعراء بني كلب بن وبرة : 1/37 صنعة الدكتور محمد شفيق البيطار، دار صادر، الطبعة الأولى.

([8]) المصدر نفسه: 1/74

([9]) المصدر نفسه: 1/74

([10]) المصدر نفسه: 1/73

([11]) المصدر نفسه: 1/78

([12]) العمدة: 1/87 لابن رشيق القيرواني.

([13]) ديوان شعراء بني كلب بن وبرة : 1/78

([14]) المصدر نفسه: 1/78

([15]) المعمرون والوصايا: 71

([16]) ديوان شعراء بني كلب بن وبرة: 1/81

([17]) المصدر نفسه: 1/79

([18]) المصدر نفسه: 1/80

([19]) المصدر نفسه: 1/80

([20]) العمدة: 1/105

([21]) ديوان شعراء بني كلب بن وبرة: 55

([22]) شرح ديوان امرئ القيس : 199 حسن السندوبي.

([23]) جمهرة أشعار العرب: 1/218

([24]) ديوان امرئ القيس : 207 وينظر المزهر: 2/234
================
المصدر / موقع الدكتور عبد الحق الهواس :
http://www.geocities.com/al_hawwas/hotham.htm