المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الملامح الشرعية والفلسفية في التفكير النحوي عند العرب


Eng.Jordan
07-01-2012, 12:49 PM
الكاتب حسان الزبيدي
الأحد, 09 يناير 2011 07:46

ليس غريبا أن يجد الباحث - وهو يتصفح كتب النحو العربي , ويقرأ آراء النحويّين – ملامح من الفقه الإسلامي وأصوله , والفلسفة اليونانيّة وجدلها , على صفحات تلك الكتب . فقد كان من قوّة هذا الدين أن سطع نوره على كلّ العلوم والمعارف , وصبغها بصبغته الإسلاميّة . فكان تأثيره في الشعر والنثر واضحا , وكذلك في الفلسفة وعلم الكلام , وفي علوم الطبيعة .
ويبدو أنّ تأثير الإسلام في النحو لم يكن بدعا من الأمر , فهو واحد من المعارف التي أفرزها الإسلام في بيئة الثقافة العربية , وهو إلى جانب علوم التفسير والحديث والفقه والأصول والبلاغة والمعجم يعكس خصوصيّة هذه البيئة في ظلّ الإسلام , ويشكل لبنةً في هرم الثقافة الإسلاميّة . وهي قطعا جاءت جميعا خدمة للنصّ القرآني في كلّ مضامينه العقديّة والفقهيّة والأصوليّة والبيانيّة .

ونستطيع أن نتبيّن ملامح هذا التأثير في الدرس النحو من خلال مقولة ابن الأنباريّ في مقدّمة كتابه···· ( الإنصاف ) ؛ إذ يقول : " وبعد فإنّ جماعة من الفقهاء المتأدبين, والأدباء المتفقهين المشتغلين عليّ ... سألوني أن ألخص لهم كتاباً لطيفاً يشتمل على مشاهير المسائل الخلافيّة بين نحوييّ البصرة والكوفة, على ترتيب المسائل الخلافيّة بين الشافعيّ وأبي حنيفة, ليكون أوّل كتاب صنف في علم العربية على هذا الترتيب ..."([1]). وهذا السيوطي يقول في خطبة كتابه ( الاقتراح ) : " هذا كتاب غريب الوضع ... في علم لم أُسبق إلى ترتيبه , ولم أُتقدّم إلى تهذيبه , وهو أصول النحو الذي هو بالنسبة إلى النحو كأصول الفقه بالنسبة إلى الفقه "([2]).

وهذا التأثير ظاهر في منهج التأليف . لكنّ التأثير لم يقف عند هذه الحدود , بل تجاوزها إلى شرح المسائل في ضوء المعطيات الفقهيّة والأصوليّة . وسأعرض في هذه الورقة بعض هذه المعطيات الفقهيّة , التي استأنس بها النحاة في تعليلهم المسائل النحويّة , فمن ذلك :

1-· استعمال مصطلح ( حرمة ) , وهو مصطلح شرعي . قالوا : " إذا دار الاختلال بين أن يكون في اللفظ أو في المعنى كان في اللفظ أولى ؛ لأنّ المعنى أعظم حرمة ؛ إذ اللفظ خدم المعنى , وإنّما أُتي باللفظ من أجله "([3]).

2-· مبحث ( في أنّ الإعراب حركة أم حرف ) :

" فإن قال قائل : فهل يكون الإعراب حرفاً عند سيبويه في شيء من الكلام؟ قلنا :هذا الذي ذكرنا الأصل,وعليه أكثر مدار الكلام العرب , وقد ذكرنا أن الشيء يكون له أصل يلزمه ونحوٌ يطّرد فيه, ثم يعرض لبعضه علة تخرجه عن جمهور الباب, فلا يكون ذلك ناقضاً للباب, وذلك موجود في سائر العلوم حتى في علوم الديانات كما يقال بالإطلاق ( الصلاة واجبة على البالغين ) (من سرق من حرز قطع) , فقد تجد القطع ساقطاً عن بعضهم . ولهذا نظائر كثيرة, فكذلك حكم الإعراب "([4]).

3-· مبحث ( التركيب ) :

" قال ابن يعيش : إنّما قلنا إنّ المفرد أصل ؛ لأنّه الأول والمركّب ثانٍ , فإذا استقلّ المعنى في الاسم المفرد , ثمّ وقع موقع الجملة , فالاسم المفرد هو الأصل , والجملة فرع عليه . قال :

ونظير ذلك في الشريعة شهادة المرأتين فرع على شهادة الرجل "([5]).

4-· مبحث ( الطارئ يزيل حكم الثابت ) :

" وقال أبو البقاء في ( التبيين ) : إذا ثبت الحكم لعلّة اطّرد حكمها في الموضع الذي امتنع فيه وجود العلّة ، ألا ترى أنّك ترفع الفاعل وتنصب المفعول في موضع يقطع بالفرق بينهما من طريق المعنى , كما لو قلت: ضرب الله مثلا , فإنّك ترفع الفاعل وتنصب المفعول مع أنّ الفاعل والمفعول معقول قطعا .

قال : ونظيره من المشروع أنّ الرَّمَل في الطواف شرع في الابتداء لإظهار الجلد ,ثم زالت العلة وبقي الحكم .

ومثل ذلك : العدّة عن النكاح شُرعتْ لبراءة الرحم,ثم ثبتت في مواضع ليس فيها شغل الرحم . قال: وسبب ذلك أنّ النفوس تأنس بثبوت الحكم , فلا ينبغي أن يزول ذلك الأنس "([6]).

ومن مظاهر التفكير الأصولي في الدرس النحويّ قولهم : " إنّ النصّ مقطوع به, والعلة مظنونة, وإحالة الحكم على المقطوع به أولى من إحالته على المظنون .. إلى آخر ماقرروا " , قلنا : الحكم إنّما يثبت بطريق مقطوع به وهو النص , ولكنّ العلة هي التي دعت إلى إثبات الحكم , فنحن نقطع على الحكم بكلام العرب , ونظنّ أنّ العلّة هي التي دعت الواضع إلى الحكم . فالظنّ لم يرجع إلى مايرجع إليه القطع , بل هما متغايران فلا تناقض بينهما "([7]).

أمّا ملامح التفكير الفلسفي في النحو العربي , فهي من الكثرة بمكان ما يجعل استقصاءها في هذا الموضع عسيرا . ولكن سأعرض لبعض السياقات التي تُظهر مدى تأثّر النحاة بالمنهج الفلسفي , ثمّ كيف وُظّفت الأدلّة العقليّة في خدمة التعليلات النحويّة .

والحقّ أنّ التفكير الفلسفيّ تبلور نتيجة الاتصال الثقافيّ بالفلسفة اليونانيّة , وازدهار حركة الترجمة من اليونانيّة إلى العربيّة . وقد بلغ هذا التأثير أوجه في القرنين الرابع والخامس الهجريّين , وهذا ظاهر في مؤلفات ابن السراج والسيرافي الرّماني والأنباري والزجاجي وغيرهم .

تبدو ملامح التفكير الفلسفيّ عند النحاة في استعمال المصطلحات الفلسفيّة كالعَرَض والجوهر والحادث والموجود والعدم والطارئ والجسم..إلخ , وانتهاج طريقة الفلاسفة والمناطقة في عرض القضايا . ومن هذا الملامح :

1-· مبحث ( أسبق الأفعال ) :

" قال الزجاجي في كتاب ( إيضاح علل النحو ) : اعلم أنّ أسبق الأفعال في التقدّم المستقبل ؛ لأنّ الشيء لم يكن ثمّ كان , والعدم سابق , ثمّ يصير في الحال , ثمّ يصير ماضيا , فيخبر عنه بالماضي , فأسبق الأفعال في الرتبة المستقبل , ثمّ فعل الحال , ثمّ فعل الماضي "([8]).·

2-· مبحث القول في الاسم والحرف أيّهما أسبق في المرتبة والتقدّم :

" قال البصريّون والكوفيّون : الأسماء قبل الأفعال , والحروف تابعة للأسماء , وذلك أنّ الأفعال أحداث الأسماء , يعنون بالأسماء أصحاب الأسماء, والاسم قبل الفعل؛ لأنّ الفعل منه , والفاعل سابق لفعل . وأمّا الحروف , فإنّما تدخل على الأسماء والأفعال لمعان تحدث فيها , وإعراب تؤثره ...

سؤال يلزم القائلين بهذه المقالة .

يقال لهم : قد أجمعتم على أنّ العامل قبل المعمول فيه , كما أنّ الفاعل قبل فعله , وكما أنّ المحدث سابق لحدثه . وأنتم مقرّون أنّ الحروف عوامل في الأسماء والأفعال , فقد وجب أن تكون الحروف قبلها جميعا سابقة لها , وهذا لازم على أوضاعكلم ومعانيكم

الجواب , أن يقال : هذه مغالطة ليس شبه هذا الحديث والمحدث , ولا العلّة ولا المعلول , وذلك إنّا نقول : إنّ الفاعل في جسم فعلا ما من حركة وغيرها سابق لفعله ذلك فيه لا للجسم , فنقول : إنّ الضارب سابق لضربه الذي أوقعه بالمضروب , ولا يجب من ذلك أن يكون المضروب أكبر سنّا من الضارب , ونقول أيضا : إنّ النجّار سابق للباب الذي نجره , ولا يجب ذلك أن يكون سابقا للخشب الذي نجر منه الباب ... "([9]).

3-· مبحث ( في الإعراب والكلام أيّهما أسبق ) :

" فإن قال : من أين حكمتم على سبق بعضه بعضا , وجعلتم الإعراب الذي لا يعقل أكثر المعاني إلا به ثانيا , وقد علمتم أنّها تكلّمت به هكذا جملة .

قيل له : قد عرّفناك أنّ الأشياء تستحقّ المرتبة والتقديم والتأخير على ضروب , فنحكم لكلّ واحد منها بما تستحقّه , وإن كانت لم توجد إلا مجتمعة , ألا ترى أنّا نقول : إن العرض داخل في الأسود , عرض الأسود والجسم أقدم من العرض بالطبع والاستحقاق , وإنّ العرض قد يجوز أن يتوهم زائلا عن الجسم , والجسم باق , فنقول : إنّ الجسم الأسود قبل السواد , ونحن لم نر الجسم خاليا من السواد الذي هو فيه , ولا رأينا السواد قط عاريا عن الجسم , بل يجوز رؤيته ؛ لانّ المرئيات إنّما هي الأجسام اللونة , ولا تدرك الألوان خالية من الأجسام , ولا الأجسام غير ملونة ... ومنها : أنّا نعلم أنّ الذكر في المرتبة مقدّم على الأنثى , ونحن لم نشاهد العالم خاليا من أحدهما , ثمّ حدث بعده الآخر إلا ما وقفنا عليه بالخبر الصادق من سبق خلق الذكر الأنثى في خلق آدم وحواء ... "([10]).

4-· مبحث· ( الشيئان إذا تضادا تضادّ الحكم الصادر عنهما ) :

قال ابن الدهان :" ولهذا نظائر في المعقولات وسائر المعلومات مشاهدا ومقيسا , ألا ترى أنّ الإعراب لمّا كان ضدّ البناء , وكان الإعراب أصله الحركة والتنقل كان البناء أصله الثبوت والسكون , وكذلك الابتداء لمّا كلن أصله الحركة ضرورة كان الوقف أصله السكون "([11]).

5-· مبحث ( العامل المعنوي ) :

" العامل المعنوي قيل به في مولضع :

أحدها : الابتداء عامل في المبتدأ على الصحيح , واختلف في تفسيره , فقيل : هو التعري من العوامل اللفظيّة , وقيل : هو التعري وإسناد الفعل إليه .

قال ابن يعيش : والقول على ذلك أنّ التعري لا يصلح أن يكون سببا , ولا جزءا من السبب , وذلك أنّ العوامل توجب عملا ؛ إذ لا بدّ للموجب والموجب من اختصاص يوجب ذلك , ونسبة العدم إلى الأشياء كلّها نسبة واحدة .

فإن قيل : العوامل في هذه الصناعة ليست مؤثّرة حسّيا كالإحراق للنار , والبرد للماء , وإنّما هي أمارات ودلالات , والأمارات قد تكون بعدم الشيء , كما تكون بوجوده .

قيل : هذا فاسد ؛ لأنّه ليس الغرض من قولهم إنّ التعري عامل أنّه معرّض للعامل ؛ إذ لو زعم أنّه معرض لكان اعترافا بأنّ العامل غير التعرّي "([12]) .
---------------------------

[1]- الأنباري : الإغراب في جدل لاإعراب , مقدّمة المحقق ص 20

[2]- السيوطي : الاقتراح ص 17

[3]- السيوطي : الأشباه والنظائر ج1 ص 58

[4]- المصدر نفسه ج1 ص 94-95

[5]- السيوطي : الأشباه والنظائر ج1 ص113

[6]- المصدر نفسه ج1 ص278

[7] - الأنباري : لمع الأدلة ص122

[8]- السيوطي : الأشباه والنظائر ج1 ص 59

[9]- السيوطي : الأشباه والنظائر ج1 ص 63-64

[10]- السيوطي : الأشباه والنظائر ج1 ص 91

-[11] السيوطي : الأشباه والنظائر ج1 ص 262

[12]- ·السيوطي : الأشباه والنظائر ج1 ص291