المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفكر الواحد والأمر الواقع‏!‏


يقيني بالله يقيني
07-07-2012, 04:22 PM
http://www.shatharat.net/vb/mwaextraedit4/extra/74.gif

الفكر الواحد والأمر الواقع‏!‏
بقلم: السيد يسين (http://www.ahram.org.eg/The-Writers/News/WriterTopics.aspx?WID=26)


يعاني المجتمع العالمي منذ انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية الصراع الإيديولوجي بين الماركسية والرأسمالية


من ظاهرة بالغة السلبية هي هيمنة الفكر الواحد. ونعني بهذه الهيمنة سيادة الفكر الرأسمالي الليبرالي الذي يزعم دعاته أنهم يملكون الحقيقة المطلقة.
ولم يعد هناك فكر آخر ماركسيا كان أو اشتراكيا يرتكز إلي قطب دولي كالاتحاد السوفيتي السابق, لكي ينقد هذا الفكر الواحد ويكشف عن زيف كثير من مسلماته.

ويبدو أن المزاج الفكري العالمي ـ إن صح التعبير ـ أصبح مضادا لهيمنة فكر واحد أيا كان توجه هذا الفكر. وهذا الاتجاه يمكن فهمه في ضوء خبرة القرن العشرين الذي شهد أكبر جدل أيديولوجي بين الشيوعية التي زعمت أن لديها الحل لكل مشكلات البشر, والرأسمالية التي إدعت أنها تملك الحل *****ي لكل قضايا الإنسان المعاصر.

وقد أحست دوائر متعددة في النخب الفكرية وكذلك الأوساط الجماهيرية في كل أنحاء العالم, أن النظم السياسية والمجتمعات المعاصرة لا ينبغي أبدأ أن تخضع لإرهاب مذهب فكري واحد يزعم أن لديه الحل لكل المشكلات, لأن الخبرة التاريخية أثبتت استحالة انفراد تيار فكري واحد أيا كان بحل كل مشكلات البشر. وأكثر من ذلك فإن انفراد تيار إيديولوجي واحد بالتشريع الفكري إن صح التعبير- معناه عمليا إقصاء باقي التيارات الإيديولوجية من الساحة, وهكذا تحرم المجتمعات من ظاهرة التنوع الفكري التي من شأنها أن تثري الخبرة الإنسانية بحكم إمكانية التأليف الخلاق بين متغيرات كانت تبدو من قبل متناقضة, وأبرزها أهمية صياغة معادلة إنسانية جديدة لا تري تناقضا بين الحرية الإنسانية والعدالة الاجتماعية.

أردت من هذه المقدمة أن أثير المشكلة النظرية والعملية التي تواجه المجتمع المصري في الوقت الراهن. وأعني علي وجه التحديد سيادة فكر التيار الديني وعلي وجه الخصوص فكر جماعة الإخوان المسلمين مؤيدا بالتيار السلفي. وهذه السيادة التي اتخذت شعارا لها منذ سنوات هو الإسلام هو الحل, تبدو مخاطرها في إقصاء باقي التيارات الفكرية وحرمان المجتمع من الحوار الإيجابي الفعال بينها, مما يؤدي إلي نتائج إيجابية بالنسبة للتنمية المستديمة وللتقدم الإنساني بوجه عام.

وزاد من خطورة هذا الصعود للتيارات الدينية أن أحزابها السياسية وفي مقدمتها حزب الحرية والعدالة الإخواني وحزب النور السلفي, استطاعت في انتخابات ديموقراطية نزيهة وشفافة أن تحصل علي الأكثرية في مجلسي الشعب والشوري.

وقد ظهر من الممارسة العملية في مجلس الشعب أن هذه التيارات الدينية استنادا إلي أكثريتها- بدأت في التشريع الفكري وفقا لهيمنة فكرها الواحد الذي تؤمن به, ومن هنا شرعت في تغير بعض النظم والمؤسسات القائمة حتي تصبغها بصبغتها الإيديولوجية.

بعبارة أخري نحن الآن في مصر نواجه خصوصا بعد انتخاب الرئيس محمد مرسي الرئيس السابق لحزب الحرية والعدالة- رئيسا للجمهورية, مخاطر أسلمة الدولة وأسلمة المجتمع, وفقا لتوجهات جماعة الإخوان المسلمين والتيارات السلفية.

ولعل هذا الاتجاه يفسر التعنت الشديد لجماعة الإخوان المسلمين في تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور الأولي التي حكم ببطلانها القضاء الإداري, وفي تكوين اللجنة التأسيسية الثانية التي انسحبت منها عديد من الأحزاب السياسية والشخصيات العامة بعد قسمتها قسمة شاذة بين تيارات مدنية وتيارات دينية مع الحرص علي سيطرة جماعة الإخوان المسلمين علي التشكيل, مما يشي بالرغبة العارمة في السيطرة علي عملية صياغة الدستور حتي تتحكم في اتجاهاته الأساسية وفقا للفكر الواحد الذي تؤمن به. ومعني ذلك الإقصاء القسري لباقي التيارات الفكرية لكيلا تشارك في صياغة الدستور, حتي يكون ملبيا لمطالب كل فئات المجتمع المصري ومعبرا عن كل أطيافه السياسية.

وجماعة الإخوان المسلمين التي تؤمن بهيمنة الفكر الواحد, تدخل الآن بعد انتخاب الرئيس محمد مرسي في مواجهة حادة مع سيطرة الأمر الواقع!

والأمر الواقع يتمثل في المشهد السياسي الذي برز بعد ثورة25 يناير, وخصوصا بعد إجبار الرئيس مبارك علي التنحي وتسليم السلطة للمجلس الأعلي للقوات المسلحة.

وقد حاول هذا المجلس العسكري والذي لا تتوافر في أعضائه بالضرورة خبرات سياسية عميقة بحكم التكوين العسكري الاحترافي للضباط, والذين لا يعملون بحسب التعريف- بالسياسة أن يخوض غمار محيط السياسة الانقلابية الثورية بعد25 يناير.

وكان من الطبيعي أن يواجه عقبات وتحديات لا حدود لها, وأهم من ذلك أن يرتكب أخطاء سياسية سواء في مجال التحالفات الخفية التي أقامها مع بعض التيارات السياسية وأبرزها جماعة الإخوان المسلمين, أو في خضوعه ـ في بعض الأحيان ـ لخطوات دستورية غير مدروسة, وأشهرها جميعا الاستفتاء الدستوري حول الدستور أولا أو الانتخابات أولا.

وقد جاءت نتيجة الاستفتاء في صف الانتخابات أولا, بدعم قوي للغاية من جماعة الإخوان المسلمين التي تبنت هذا الخيار السياسي بزعم أن من يقولون نعم هم أقرب إلي الله سبحانه تعالي, وأن من يقولون لا آثمون بالضرورة!

ووصلنا بعد هذا المسار المتعثر إلي انتخابات لا شك في نزاهتها ولكنها نظرا لسمات الثقافة السياسية السائدة المتخلفة ـ أدت عمليا إلي حصول جماعة الإخوان المسلمين والتيارات السلفية إلي الحصول علي الأكثرية في مجلسي الشعب والشوري.

وحين حكمت المحكمة الدستورية ببطلان مجلس الشعب إتجه المجلس الأعلي للقوات المسلحة- سعيا منه إلي التوازن بين السلطات- إلي أن يصدر إعلانا دستوريا مكملا حتي يضمن انتقال سلطة التشريع إليه بعد بطلان مجلس الشعب. وهكذا حين انتخب الدكتور محمد مرسي رئيسا للجمهورية اعتبرت الجماعة وائتلافات ثورية أخري أن الإعلان انتزع منه صلاحيات متعددة, وأنه مقيد عمليا في ممارسة سلطاته كرئيس للجمهورية.

وفي مواجهة ضغوط الشارع السياسي من ناحية, ونصوص الإعلان الدستوري المكمل من ناحية أخري الذي ينص علي أن يحلف رئيس الجمهورية اليمين أمام الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية العليا, اضطر الدكتورمحمد مرسي إلي اتباع عديد من المناورات السياسية.
وأبرز هذه المناورات هي توجهه أولا يوم الجمعة إلي ميدان التحرير ليحلف اليمين أمام الجماهير, ثم يذهب ثانيا يوم السبت ليحلف اليمين أمام المحكمة الدستورية العليا, ويتوجه ثالثا إلي جامعة القاهرة لكي يحلف اليمين مرة ثالثة أمام جماهير واسعة من النخبة, بعد أن دعا أعضاء مجلس الشعب الباطل للحضور وكذلك أعضاء مجلس الشوري.

وهكذا يمكن تلخيص المشهد السياسي الراهن في مصر في كلمة واحدة, وهي بروز مخاطر هيمنة الفكر الواحد للإخوان المسلمين, والمناورات السياسية التي يقوم بها رئيس الجمهورية للتعامل مع الأمر الواقع, والذي يتمثل في سيطرة المجلس الأعلي للقوات المسلحة علي المرحلة الانتقالية الجديدة, التي ستمتد حتي الانتهاء من وضع الدستور والاستفتاء عليه وإجراء الانتخابات التشريعية والانتخابات الرئاسية الجديدة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
دمتم بخير