المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مثالية في رموز حرفية؟


جاسم داود
07-28-2012, 10:03 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مثالية في رموز حرفية؟

حينمـا يسكن فِكرُ الكمـال عقولنـا ويُصبح طيف الإلهام رائد سلوكاتنـا فإننـا نغوص في بحر أعماقه الأحلام و سُكـانه ينتمون لأرض الخيال.
تِلك حلقتُنـا اليوم، حيث سنُسافر لبُعد لا ينال منه الزمان لأنـه في الأصل لا حيز لـه في مرآة المكـان.

تَعِبنـا من الدنيـا، فاخترنـا أن نعيشهـا في نمط آخر، غير الذي أُجبرَ أجدادنـا على العيش وِفقه. ذاك حقنـا في اختيار مسار حياتنـا لكـن العيب هو أن نُلغي وجودنـا رغم ضخامة أجسادنـا وفخامة عقولنـا فأصبحنـا أولئك الحاضرين رغم غيابِهم والعظيمين رغم فراغ عطائهم.
أُعجبنـا بما تُنتجه عقولنـا فطردنـا وجودنـا من قلب واقعنـا وأصبحت حروفنـاً بجمـال تخطيطهـا كالأزياءِ نتفاخر بِها. أمـا عن فحواها ، فرفعنـاه شعاراً في امبراطورية أَلقينـا عليها اسم العدالة.

أما نحن فقد زُخرف باسمنـا في مُتحف الكمـال قبل أن يُزجَّ بقصتنـا في سجن الأوفياء.
ذاك واقع أحوالنـَا فقد غيرنـا العالم إلى لوحة ، ألوانهـا مكر الزمـان ورونقهـا صبغة الأفعال.

اخترنـا أن نكون ناقدين لهـا عوض مساهمين في إنجازهـا. فأنى رأينـا عليهـا اللون الأبيض ، قُلنـا أن بياضه أسود وأن العيب في يدك أيهـا الرسام الفاشل.
متناسين أننـا نحن من خلطنـا الألوان . وأنـه لا عيب في فُرشاة أُغمس رأسهـا في حمـام الفشل مادام الفشل كـان هدية من أيدي الكمـال.

ذاك واقع أحوالنـا واقِع إن قُلتُ أنكم من صنعتموه، فلن أختلف عن الناقد البائس.

هو واقع صنعنـاه جميـعاً ، و بنينـا رواسيـه ، و نزيد من شموخه في كـل مرة نختار فيـها أن تكون أقلامنـا سفيرة مسيراتنـا لتَعزف أسطورة الكمـال عن قيَمنـا و تُنشد سمفونية الرضى عن تصرفاتنـا.

فكافنـا خِداعاً لأنفسنـا، تمويهاً عن أحوالنـا، و ظُلمـا للقلم بإعطائه عِطراً كريهاً في زجاجة كُتب عليها اسم النبلاء.


فبالقلم نَغرس أمـل إصلاح أنفسنـا قبل إصلاح أنفس غيرنـا. و نُشيِّد أسطر العظمة علنـا نجعل منها يوم غدِ مُرشدةً لنـاَ.
لمَا نخجل إذن من تعويض ضمائر الـ : هم بـ ضمير: نحن.

فالحقيقة واحدة لن يُغيرهـا القلم مهمـا بُكاؤه اشتدَّ ولا القمر مهمـا ابيَضَّ. وصنيعتهـا هي زهرة الإرادة التي غرسنـاها في تاج عقولنـا وأنبتنـاها في دستور أقلامنـا.

فإلى متـى سنظل جميعاً نرتدي ثوب المثالية ومتى سنستفيق على أن الذئاب ذئاب حتى وإن غردت من وراء الباب؟


*****

للنقاش

لمَ نجعل حروفنـا تصيح بالكمـال ، مُعتبرين أننـا مثاليين وأن ما نعزفه لا ينبني على أحوالنـا؟
هل سنتمكن يوماً من كسر قيود الخجل من الاعتراف بأننـا مُجرد فاشلين، نبحث عن المثالية في رموز حرفية؟

مساحة حرة لأقلامِكم


دمتم برعاية الله وحفظه
منقول بتصرف