المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرحلات الجغرافية وثقافة التواصل بين الشعوب " اليعقوبي نموذجاً "


Eng.Jordan
08-05-2012, 01:38 PM
أ . د . كاظم موسى محمد
جامعة لاهاي الدولية
فرع نينوى

















المحتويات
- سيرة اليعقوبي
- أثاره العلمية
- الفكر الجغرافي عند العرب
- اليعقوبي جغرافياً
- الرحلات الجغرافية وثقافة التواصل بين الشعوب
- اليعقوبي وأثره في الجغرافيين من العرب والأجانب



















المقدمة
صاحبت ظاهرة التنقل من مكان إلى أخر الإنسان في حياته منذ القدم يدفعه في ذلك
حبه للاستطلاع وضرورة الحصول على حاجاته المعاشية الأساسية لذلك فان تاريخ الرحلات والأسفار يعود إلى أقدم العصور عندما كان الإنسان يقطع المسافات لإشباع حاجاته .
إن التراث العربي الجغرافي غني بدراساته عن مختلف بلدان العالم ويرجع الفضل في ذلك إلى الرحلات التي قام بها العلماء من العرب المسلمين إذ كرسوا حياتهم لتقصي الحقائق والمعلومات عن سائر البلدان حيث دونوا مشاهداتهم ونظموها تنظيماً علمياً وكان من نتائج ذلك التراث الهائل من المؤلفات التي يستدل بها المسافر وتسترشد بها الدولة لأداء إعمالها الإدارية.
ولم تقتصر فائدة هذه الصلات على تحقيق هذه الإغراض وإنما ظلت إلى يومنا هذا مصدراً لمعرفة الكثير من الحقائق الجغرافية عن البلدان ويتبين أهمية الرحلات الجغرافية من خلال أسلوب ومنهج الرحلة لذا فان الرحلات الجغرافية يمكن اعتبارها قناة من قنوات الاتصال بين الشعوب قديماً وحديثاً.
يهدف هذا البحث إلى تسليط الأضواء على الإسهامات والابتكارات الأصيلة التي قدمها احد العلماء الأجلاء من أسلافنا في مجال علم الجغرافية وكان بذلك احد بناة حضارتنا الإسلامية التي تحتل مساحة كبرى ومكاناً بارزاً في صرح حضارة العالم.
وسيعالج البحث شخصية عربية فذة ذلك هو اليعقوبي (احمد بن أبي يعقوب اسحق بن جعفر بن وهب بن واضح الإخباري العباسي) الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) البغدادي الذي قضى معظم حياته في مصر والمغرب وأرمينيا وخرسان والهند والأندلس فاليعقوبي في عمله هذا حقق أهداف جغرافية تعتبر مادة أساسية لثقافة التواصل بين الشعوب .
لقد أعطى اليعقوبي البحث العلمي المتواصل قيمته العلمية التي يستحقها حيث انبرى العديد من العلماء الغربيين لدراسته منهم (جونبول ديكور) ولقد تجلى أثره في ثقافة التواصل بين الشعوب من خلال نشاطه العلمي ومؤلفاته بحيث أسهم مساهمة فعالة في بناء صرح الحضارة العالمية ببحوثه ودراساته وما جاء به من علوم ومعارف وأراء كان بها اكبر دور في بناء التطور الحضاري.





سيرة اليعقوبي
هو أحمد بن أبي يعقوب إسحاق بن جعفر بن وهب بن واضح الإخباري(1) وقد عرف اليعقوبي بكنى عديدة منها:
1- ابن واضح(2) نسبة إلى جده الأعلى واضح وقد شغل مناصب عالية ومهمة أيام الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور ومن جاء بعده.
2- ابن اليعقوبي(3) نسبة إلى نسبه اليعقوبي.
3- وقد أطلق عليه الكاتب الجغرافي الروسي كراتشكوفسكي بابن يعقوب(4).

ويحمل اليعقوبي نسبه العباسي نسبة إلى البيت العباسي الذي حكم الدولة العربية الإسلامية أيام الخلافة العباسية وجاء هذا النسب عن جده واضح حيث كان من المقربين للخليفة أبو جعفر المنصور وقد تقلد مناصب إدارية مهمة في عهد الخلفاء العباسيين.

نشأته
إن المعلومات المتوفرة عن حياة اليعقوبي تكاد تكون قليلة ونادرة والسبب ذلك يعود لليعقوبي نفسه حيث كان مثالاً للعالم المتجرد الذي يعمل في صمت بعيداً عن الأضواء .
ولد اليعقوبي في بغداد(5) ونشأ وترعرع فيها ثم سافر إلى أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي حيث جاب إلى أقصى الشرق والى أقصى الغرب عن العالم الإسلامي.
وقد توفي سنة 284 هـ(6) إلا أن ما أنجـزه من كتب وخاصة كتاب البلدان الذي اكتمل عام 278 هـ - 891 هـ وهنـاك مؤشرات تـدل علـى أن تاريخ وفاته يقـع في حدود 292 هـ - 905 هـ (7) وبرأي الباحث إن هذا التاريخ هو الأصح .
أما عن وظائفه فاليعقوبي لم يخدم في بغداد لأنه غادرها مبكراً ويفترض انه خدم في الدولة الطاهرية لأنه بقي فيها مدة طويلة.








أثاره العلمية
اثر المكتبة العربية الاسلامية بمؤلفات قيمة لسعة ثقافته وغزارة علمه وقد حصرها الحموي بالمؤلفات الآتية :
1- كتاب التاريخ الكبير.
2- كتاب أسماء البلدان.
3- كتاب أسماء الأمم السالفة صغيره.
4- كتاب مشاكله الناس لزمانهم.
وقد ألف كتباً أخرى غير التي ذكرها الحموي منها كتاب المسالك والممالك وفتوح المغرب وأسماء البلدان .

تطور الفكر الجغرافي عند العرب
لم يكن للعرب قبل الإسلام سوى معلومات جغرافية بسيطة حيث كان عندهم معلومات جغرافية أولية فالبدوا استطاعوا أن يمسحوا سطح الجزيرة العربية جغرافياً وقد تمثل المعرفة الجغرافية في إشعارهم ، أما التجار بارتيادهم مناطق متعددة عن ارض الجزيرة العربية استطاعوا ان ينقلوا ما صادفوه وما لاقوه إلى سكان الجزيرة فحفظة الرواة .
تطورت المعرفة الجغرافية العربية تطورت بعد ظهور الإسلام وظهور الدولة العربية والإسلامية بدأ هذا العلم بالنمو والتطور وخاصة في العهد الأموي حيث تفاعلت مجموعة من العوامل لتطور علم الجغرافية فالمعلومات الجغرافية المتوفرة قبل الإسلام وحركة الجيوش المحاربة في البلاد الأجنبية إضافة إلى حركة التجار العرب ورحلات الحجاج والعلماء الذين كانوا يقصدون الأماكن المقدسة إضافة إلى الفتوحات الجغرافية وخاصة فتح تحرير بلاد الشام والمغرب وفتح الهند أسهمت في إثراء المعرفة الجغرافية إلا ان ثقافة التواصل بين الشعوب وبين الحضارات لم تأت ثمارها إلا في العصر العباسي لذا يعتبر العصر العباسي عصرا ذهبيا للمعرفة الجغرافية فقد لعبت حركة الترجمة دوراً ريادياً في تطور المعرفة الجغرافية وخاصة الكتب التي تتناول عادة الشعوب وتقاليدهم حيث ترجم الكتاب الهندي المعروف بـ(السند الهندي) وهكذا كانت عهد المنصور والرشيد والمأمون فاتحة خير على العلوم الجغرافية. (9)
إضافة إلى الرحلات العلمية حيث كانت مصدراً مهماً لتزويد الجغرافية بالمعارف الجديدة ومن الحوادث التي ساعدت على تزويد الجغرافية بمعلومات جديدة هي تلك التي ترتبط بالأسرى أما الرحلات البحرية فكانت هي الأخرى تسهم في تطور المعرفة الجغرافية عند المسلمين.

من كل ما تقدم نستطيع أن نتوصل إلى ان المعرفة الجغرافية بالعالم المحيط بالأمة الإسلامية قد تجمعت لدى العلماء العرب من قنوات متعددة وأصبحت تلك المعرفة الجغرافية أساساً من أسس الجغرافية وتدوينها لدى الجغرافيين العرب وخاصة اليعقوبي.
وقد تطور الجغرافية عند العرب في شقين: -
1- الجغرافية الرياضية.
2- الجغرافية الوصفية.

الجغرافية الرياضية
لقد تطورت معارف العرب الجغرافية فيما يتعلق بعلم الفلك و الأنواء الجوية فقد عرف العرب أسماء الكواكب كما عرفوا البروج من خلال ملاحظة حركة الشمس والقمر في السماء.
وبلغت الجغرافية الرياضية مرحلة متطورة من الازدهار في العصر العباسي وخاصة انجازات العالم العربي الخوارزمي فيما يتعلق بالكرة الأرضية وإيجاد الجداول الرياضية للحسابات الفلكية لإيجاد مواقع المواضع وعروضها وحساب ما يقابل لكل درجة من درجات دائرة الفلك بالأميال (10).

الجغرافية الوصفية
بدأت الجغرافية الوصفية تتخذ منذ القرن التاسع عشر أنماطاً ثابتة كما هو الحال مع الجغرافية الرياضية ويعتبر الكندي من الأوائل الذين كتبوا في الجغرافية وله مؤلفات جغرافية (المعمورة من الأرض)(11) ثم ظهرت المصنفات الجغرافية الإقليمية ومنها دراسة إقليم خاص أو منطقة معينة.
وقد خطا التأليف الجغرافي في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري (التاسع ميلادي) خطوته العالمية فبعد ان كانت مصنفاتهم الجغرافية مكرسه لشبه جزيرة العرب أخذت تشمل أقطاراً أخرى خارج الجزيرة العربية كما هو الحال في كتاب المسعودي (الأمصار وعجائب البلدان)(12)
اليعقوبي جغرافياً
لعبت عوامل كثيرة في بلورة شخصية اليعقوبي الجغرافية منها دور عائلة اليعقوبي القريبة من السلطة الحاكمة والتي أسهمت في نشوء اليعقوبي منذ صغره وفتحت له سبيل العلم والمعرفة يضاف إلى وظيفة والده في البريد التي أسهمت في نقل الأخبار بين مركز الخلافة والولايات الإسلامية وربما حرك هذا الحال شيئا في نفس اليعقوبي الشوق لرؤية الأماكن لذا يمكن القول ان مهمة عائلته ووالده خصوصاً ربما كان من الدوافع الأساسية التي وجهت اليعقوبي إلى هذا العلم الجغرافي.

كما ان ازدهار حركة الترجمة في النصف الثاني من القرن الثالث للهجرة التاسع للميلاد أعطى اليعقوبي فرصة الاطلاع على المعلومات والمعارف الجغرافية لبلدان العالم فترجمة كتاب (السند الهند) واطلاعه على نظريات الفرس في تقسيم الكرة الأرضية وترجمة كتاب بطليموس (المجسطي والجغرافيا) كان من الحوافز والدوافع التي وجهت اليعقوبي إلى الجغرافية.
كما ان حاجات العصر ورغبات الناس حول معرفة أحوال البلدان دفع اليعقوبي إلى ذلك

ساعده على تنمية رغباته نحو علم الجغرافية .
لقد اسهم اليعقوبي في بناء أسس الجغرافية وتوجيهها وجهتها المخطط لها وقد ركز في جانبين
- تنظيم موضوع الكتب الجغرافية
- جمع مادة الكتب الجغرافية

ففي الجانب الأول أخذ يفكر بإيجاد أسس ثابتة للتأليف الجغرافي ففي كتابه البلدان وضع منهاجا شرح فيه خط عمله وطريقته في جمع مادة كتابه ، ثم ادخل طريقة جديدة في التنظيم تقدم على أساس الدراسة الإقليمية حيث قسم موضوعات كتابه على أساس الولايات(13) تقوم في قسم العالم إلى أربعة أقسام حسب جهات الأرض ، من كل ذلك نرى ان اليعقوبي قد وضع لعلم الجغرافية حدوده المعنية والإطار الخاص لما يجب ان يكون عليه التأليف الجغرافي مما دفع البعض إلى تسمية اليعقوبي بابي الجغرافية(14).

أما فيما يتعلق بجمع مادة الكتب الجغرافية فقد اعتمد اليعقوبي منهج المشاهدة والمعاينة في جمع مادته وفي ذلك يقول (إني عنيت في عنفوان شبابي وعند احتيال سني وحدة ذهني بعلم أخبار البلدان ومسافة بين كل بلد وبلد لأني سافرت حديث السن واتصلت أسفاري ودام تغربي فكنت متى لقيت رجلاً من تلك البلدان سألته عن وطنه ومصره ....) (15).





لذا يعتبر اليعقوبي أول جغرافي بين العرب وصف الممالك معتمداً على ملاحظاته الخاصة.
كما اعتمد اليعقوبي على الكتب والمراجع المتوفرة في عصره لغرض وصف البلدان وخاصة في الموضوعات التاريخية وبذا استطاع ان يكون له مكتبه غنية تحقق له ما كان يطمح إليه في تأليفه(16)
أما أسلوبه الذي طبقه في كتاباته الجغرافية فقد تميز بالعلمية والوضوح حيث اتبع أسلوباً علمياً مبسطاً سهلا يتصف بالإيضاح والإبانة في مقام الوصف العلمي والكتابة العلمية .


الرحلات الجغرافية وثقافة التواصل بين الشعوب

ان الرحلات الجغرافية التي قام بها اليعقوبي كان لها الأثر الأكبر في نشر المعلومات عن البلدان والأقاليم كجزء من ثقافة التواصل بين الشعوب فاليعقوبي خلال رحلاته الجغرافية اعتمد المشاهدة والمعاينة من خلال مؤلفاته الجغرافية.
وقد ركز اليعقوبي خلال تلك الرحلات على وصف البلدان حيث وصف الجبال والسهول والأنهار ومصادر المياه والمناخ والجغرافية الحضرية والصناعة والجغرافية الاقتصادية والجغرافية البشرية وجغرافية المدن وبحث عوامل قيام المدن.
ففي كتاب البلدان ركز اليعقوبي على الجغرافية الطبيعة حيث أولى اهتماما إلى ذكر طبيعة السطح الذي سار عليه في جولته العلمية حيث وصف الجبال لذا فقد أعطى اليعقوبي للجبال كجانب طبيعي من جوانب التي يدخل ضمن نطاق الجغرافية الطبيعة اهتماماً ملحوظاً فقد ذكر عن سطح طير ستان (( لها نهر يقال له الهند مند يأتي من جبال شاهقة))(17) أما عن سهوله فيصف اليعقوبي مدينة بغداد بأنها تقع في وسط العراق في منطقة السهل الرسوبي ذات الأراضي الخصبة الواسعة ذات القابلية على التوسع السكاني .
ان اليعقوبي بإعطائه تلك المعطيات عن الجغرافية الطبيعة مثل الحالة الأولى من بين الذين اهتموا بالجغرافية الطبيعية(18) كما أولى اليعقوبي اهتماماً بالجانب المناخي لما للمناخ أهمية وتأثير على السلوك الإنساني لذا يقول ((وباعتدال الهواء وطيب الثرى وعذوبة الماء حسنت أخلاق أهلها ونضرت وجوههم وانفتقت أذهانهم حتى فظلوا الناس في العلم والفهم والأدب والنظر والتمييز ...)) (19).


وركز اليعقوبي على الأعمال الهندسية (الجغرافية الحضارية) حيث وصف لنا القدرة العقلية لدى المهندس العربي الذي وصل إليه في العصر العباسي حيث تم سحب المياه من نهر دجلة عبر قنوات لإرواء الأراضي الزراعية حيث يقول ((وجر لأهل الكرخ وما تصل به نهراً يقال له نهر الدجاج(20)ثم نهراً أخر يسمى نهر طايق ابن الصمية)) (21)
وكان جزءً من ثقافة التواصل بين الشعوب والتي اهتم بها اليعقوبي هي الجغرافية الاقتصادية وهي التي تبحث في الإمكانيات الاقتصادية لمختلف الدول والأقاليم .
وقد أسدى اليعقوبي للجغرافية الاقتصادية خدمات جليلة عن طريق توضيحة لطرق المواصلات سواء كانت برية أم بحرية فطرق المواصلات تعتبر من مقومات الجغرافية الاقتصادية وإحدى وسائل ثقافة الاتصال بين الشعوب حتى ان بعض طرق المواصلات سميت بأسماء السلع التي كانت تنتقل من خلال هذه الطرق (كطريق الحرير الذي يربط بين سمرقند وتركستان والصين(22)ولازالت آثار طريق الحرير باقياً إلى يومنا هذا).
وتعتبر الحركة التجارية بين الشعوب إحدى وسائل الاتصال بين الشعوب فيما بينها حيث يذكر اليعقوبي بان التجارة ازدهرت في العصر العباسي حيث تنقل السلع التجارية من الهند وارخبيل خلقا ومن أراضي الترك في أواسط آسيا ومن شرق أفريقيا.
كما ان إحدى وسائل الاتصال بين الشعوب (ثقافة التواصل) هي دراسة الجغرافية البشرية فاليعقوبي يعتبر من الأوائل الذين كتبوا في الجغرافية البشرية اذ تناول الأجناس البشرية التي سكنت المدن وكونت حياتها الاجتماعية فيها. فقد ذكر اليعقوبي عن مدينة السيروان (وأهل هذه المدينة أخلاط من العرب والعجم) ومدينة حلوان (وأهلها أخلاط من العرب والعجم من الفرس والأكراد) ثم قزوين (وأهلها أخلاط من العرب والعجم).
لذا فان البحث في الأجناس البشرية من حيث العرق واللغة والدين والعادات والتقاليد ساعدت كثيراً في ثقافة الاتصال بين الشعوب للشعب العربي إلى الهند والصين وباكستان واسيا الوسطى إضافة إلى انتشار اللغة والدين فالفتوحات الإسلامية لعبت دوراً كبيراً في التفاعل الثقافي بين الشعوب الإسلامية في كافة أنحاء العالم.
اسهم اليعقوبي في نشر ثقافة التواصل بين الشعوب من خلال البحث في جغرافية المدن حيث أعطى اليعقوبي لجغرافية المدن محتواها ومواقعها وإمكانياتها بل نوه أيضاً إلى عوامل حربية وسياسية وعوامل تجارية وإدارية.
فحين يذكر مدينة واسط يقول (وإنما سميت واسط لان منه إلى البصرة خمسين والى الكوفة خمسين والى الأهواز خمسين فرسخاً والى بغداد خمسين فرسخا فلذلك سميت واسط) (23)


فكتاب البلدان لليعقوبي يعكس لنا عدة معطيات جغرافية هامة اسهمت في نشر ثقافة التواصل بين الشعوب منها ذكر معطيات عن الجغرافية الطبيعية للبلدان والأقاليم التي شملت رحلاته العلمية والجغرافية وذكر فيها نشاطات الإنسان الحضارية بمعنى وهي نتاج تفاعل الإنسان مع بيئته الطبيعية كأعمال هندسة الري ونشاط الإنسان الصناعي والزراعي إضافة إلى إمكانيات الأقاليم والمناطق التي زارها الاقتصادية علاوة على ذكر الأجناس البشرية والمجتمعات واللغات والأديان والعادات والتقاليد للأقاليم التي شملت رحلاته الجغرافية.
كما ان ذكر الطرق والمسالك ساعد في التفاعل الحضاري بين شعوب العالم من خلال استخدام تلك الطرق للرحلات والأسفار العلمية والتجارية ولغايات أخرى.
وان تقدم الجغرافية الحديثة ما زال قريب العهد نسبيا ولكن ما أبعدها ان تكون نتاجا مفاجئا للقرن التاسع العشر بل ان جذورها لتضرب في سبر أغوار الماضي تتشرب نتاج الجغرافيين القدامى في عهدهم السحيق.

نماذج لرحلات اليعقوبي
استخدم اليعقوبي وصفاً تحليلياً دقيقاً للمناطق والأقاليم التي شملتها رحلاته فهو يقول عن بغداد ((قد ذكرنا بغداد وسر من رأى وبدأنا بهما لأنهما مدينتا الملك ودار الخلافة ووصفنا ابتداء أمر كل منهما فلنذكر الآن سائر البلدان والمسافات فيما بين كل بلدة وبلدة ومدينة على قسمة أربعة حسب ما تقسم عليه الأرض بين المشرق والمغرب ومهب الجنوب وهو القبلة وهو مطلع سهيل ومهب الشمال وهو كرس نبات تعش الذي يسميه الحساب الجدلي ونصف كل بلد إلى الربع الذي هو منه والذي يتصل به وبالله التوفيق)) (24).
ويقول (( وإلا فجزيرة بين دجلة والفرات ، دجلة فشرقيها ، والفرات غربيها ، مشرعة للدنيا كل ما يأتي في دجلة من واسط / البصرة والابلة غربيها والأهواز وفارس وعمان واليمامة والبحرين وما يتصل بذلك فإليها ترفى وبها ترس وكذلك ما يأتي من الموصل وديار ربيعة واذربيجان وارمينه مما يحمل في السفن في دجلة وما يأتي من ديار مصر والرقة والشام والثغر ومصر والمغرب مما يحمل في السفن في الفرات فيها يحط وينزل ومدرجة أهل الجبل اصبهان وكور خراسان فالحمد لله الذي دخر هالي). (25)





ويذكر عن مدينة اصفهان
(لأصفهان مدينتان يقال لإحداهما – جي – والمدينة الأخرى يقال لها اليهودية وأهلها أخلاط من الناس ، وعربها قليل واكثر اهلها عجم من إشراف الدهاقين ، وبها قوم من العرب انتقلوا إليها من الكوفة والبصرة من ثقيف وتميم وبني حنيفة وخزاعة) (26)

أما عن بلاد الشام فيذكر
(الحمص أقاليم منها القمة وأهلها كلب ، والرستن وحماة وهي مدينة على نهر عظيم وأهلها ببراء وتنوخ ... وسلمية وهي مدينة في البرية) (27)
ويتكلم عن مدينة دمشق وقدمها حيث تتسم هذه المدينة بكثرة أنهارها وفن عمارتها ثم يذكر مسجدها العظيم وغوطتها الخضراء . ثم يتجه من دمشق إلى جند الأردن ويحدد المسافة بينها بأربع مراحل ثم يتجول في أرجاء الأردن واصفاً مدنها وتوابعها ومن جند الأردن يتجه إلى جند فلسطين.
وعند وصفه لأحد الأسواق سوق الكرخ العظيم .
(وسوق هذا الجانب العظمى التي يجتمع فيها اصناف التجارات والبياعات والصناعات على رأس الجسر ماراً من رأس الجسر شرقاً ذات اليمين وذات الشمال من أصناف التجارات والصناعات) (28)
لذا يمكن القول بان اليعقوبي ومن خلال رحلاته الجغرافية لأقاليم العالم المتعددة (العراق ، بلاد الشام ، مصر ، المغرب العربي ، الهند السند ، الصين ، ودول أسيا الوسطى) قد سجل مشاهداته الميدانية لتلك الأقاليم اسهم في عملية التواصل الحضاري والثقافي بين شعوب تلك البلدان.











اليعقوبي وأثره في الجغرافيين
استطاع اليعقوبي بعلمه ومعرفته الجغرافية وما ترك لنا من كتب ومخطوطات جغرافية التأثير على مجموعة كبيرة من الجغرافيين سواء كانوا في الوطن العربي أم في أنحاء العالم المختلفة.
ومن أهم الجغرافيين العرب من الجغرافيين الذين تأثروا باليعقوبي هو المسعودي حيث حذا حذو اليعقوبي في سياحته ورحلته وكذلك قلد المسعودي نهج اليعقوبي في جميع رحلاته الجغرافية من حيث وصف البلدان والأماكن وعادات وتقاليد الشعوب.
أما العالم العربي المقدسي فقد تأثر كثيراً باليعقوبي حيث اطلع على كتاب اليعقوبي وحذا حذوه في مؤلفاته الجغرافية والدليل على ذلك ان المقدسي قال للجغرافيين القدامى الانتقادات اللاذعة لكن مع ذلك نراه لم يذكر اليعقوبي بأية كلمة نقد أو لوم مما يدل على انه يكن الاحترام والتقدير والإعجاب لكن طبعه لا يسمح له التعبير عما في نفسه.
أعطى اليعقوبي البحث العلمي المتواصل قيمته العلمية التي يستحقها حيث انبرى العديد من العلماء الغربيين لدراسة اليعقوبي و مصنفاته ومن ابرز هؤلاء :
جونبول: حيث قام بترجمة كتاب البلدان إلى مختلف اللغات وأتم طبعه في ليدن عام1861 م (29)
دي كوى : حيث اهتم كثيراً بكتب ومؤلفات اليعقوبي كما أقام دي كوي بنشر القسم الخاص بالمغرب أخذه عن كتاب البلدان لليعقوبي.
كاردي فو : اهتم كثيراً بتحليل منهج اليعقوبي ومواهبه ونشر ذلك في كتاب.
كما استفاد كثير من المستشرقين من كتاب البلدان منهم ستكوفسكي وريتو وجي لسترانج.
لقد ساهم اليعقوبي مساهمة جادة وفعالة في بناء صرح الحضارة العالمية ببحوثه ودراساته وكان له الدور الأكبر في ثقافة التواصل بين الشعوب وفي بناء التطور الحضاري مستمراً دون انقطاع.







الاستنتاجات

1- تعتبر الرحلات الجغرافية من القنوات المهمة في ثقافة التواصل بين الشعوب.
2- أعطى اليعقوبي ومن خلال كتاباته ورحلاته منهجاً واضحاً للتفاعل الحضاري بين شعوب العالم.
3- من نتائج الرحلات الجغرافية التفاعل بين شعوب العالم الإسلامي إذ أسهمت في انتشار ونقل العادات والتقاليد بين تلك الشعوب.
4- تأثر الكثير من الجغرافيين العرب والمستشرقين بأسلوب اليعقوبي في الكتابات الجغرافية منهجا وأسلوبا .
5- إن ترجمة مطبوعات ونتاجات اليعقوبي من اللغة العربية إلى اللغات العالمية الأخرى كان له الأثر الأكبر في تنشيط حركة التفاعل الحضاري بين شعوب العالم وكجزء من ثقافة التواصل.
6- لقد خدم اليعقوبي الحضارة العالمية من خلال ما قدمه من نتاجات في حقل الجغرافية وفروعها المختلفة .













الهوامش
(1) ياقوت الحموي / معجم الأدباء ج5 ص153- 154.
(2) كراتشكوفسكي / تاريخ الأدب الجغرافي ج1 ص 158.
(3) المدرس / ريحانة الأدب ج4 ص 339.
(4) كراتشكوفسكي / تاريخ الأدب الجغرافي ج1 ص158.
(5) كراتشكوفسكي / تاريخ الأدب الجغرافي ج1 ص158.
(6) ياقوت الحموي / معجم الأدباء ج5 ص153- 154.
(7) اليعقوبي / مشاكلة الناس لزمانهم / تحقيق وليم ماورد /دار الكتب الجديد / بيروت ، 1962 ص35.
(8) ياقوت الحموي / معجم الأدباء ج5 ص153- 154.
(9) محمد كرد علي / مجلة المقتطف مجلد 26 ، ص43.
(10) حسين مؤشر / تاريخ الجغرافية و الجغرافيين / في الأندلس ، ص 360.
(11) سيد عبد العزيز سالم ، التاريخ والمؤرخون ، ص 186
(12) كراتشكوفسكي / تاريخ الأدب الجغرافي ج1 ص128.
(13) كراتشكوفسكي / تاريخ الأدب الجغرافي ج1 ص160.
(14) نفيس احمد ، جهود المسلمين في الجغرافية ، ص47.
(15) اليعقوبي ، كتاب البلدان ، ط 3 ، النجف 1957.
(16) فرانتز / علم التاريخ عند العرب ، ص184 – 185.
(17) كتاب البلدان / طبعة النجف ص 45
(18) نقولا زيادة / الجغرافية عند العرب ، ص19.
(19) كتاب البلدان / طبعة النجف ، ص3 -4.
(20) كتاب البلدان / طبعة النجف ، ص17.
(21) كتاب البلدان / طبعة النجف ، ص 17-18.
(22) فليب حتى / تاريخ العرب ج2 – ط2 ، ص421.
(23) كتاب البلدان / طبعة النجف ، ص 79.
(24) كتاب البلدان / طبعة النجف ، ص 33 ، ط3.
(25) كتاب البلدان / طبعة النجف ، ط3 ، ص7 ، 1957.
(26) كتاب البلدان / طبعة النجف ط3 ، ص38-39.
(27) كتاب البلدان / طبعة النجف ، ص81.
(28) كتاب البلدان / طبعة النجف، ص49.
(29) الدومييلي / العلم عند العرب / ص152.