المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدراسات الغـربية وقضايا التغيير والتنمية في البادية الأردنية


Eng.Jordan
08-05-2012, 01:56 PM
د. أحمد عزم حمد

"مشاريع التوطين (للبدو) هي الآن تاريخ، ولكن لنأمل أن الخبرة المتراكمة من العقود الماضية من التنمية ستزود الخبراء ببعض الدروس الهامة في إطار مشاريع التنمية الجديدة. إن أيّ مشروع تنمية هو نتاج مجموعة من التصورات حول الواقع، ونتاج "فلسفة" تسود في وقت ما. من هنا فإن تحليل هذه الفلسفة والحقائق على أرض الواقع بعمق وبعد نظر مهم جداً".
ريكاردو بوكو













مقدمة
لعل هذه الفقرة للباحث ريكاردو بوكو تجمع في سطورها القليلة العديد من القضايا التي تتعلق بمشاريع التنمية، التي مست البادية في الشرق الأوسط عموما، وفي الأردن خصوصا، كما تتضمن نقاطا مهمة تتعلق بمجمل الدراسات والتقارير التي كتبت عن البادية والبدو في الأردن من قبل مؤلفين وخبراء. وتلخص الفقرة ما يحاول هذا البحث فعله، فهذا البحث يجري مراجعة لعدد من الدراسات التي تناولت البادية في الأردن، عبر سنوات عديدة، من زاوية عمليّات التغير والتنمية في البادية الأردنية، وذلك لتحقيق عدة أهداف، أهمها:
1- تتبع العلاقة بين مشاريع التنمية في البادية، والدراسات المختلفة، التي كانت في كثير من الأحيان بمثابة خطط التنمية في البادية وكانت الموجّه لاتجاهات مشاريع التنمية.
2- تتبع الفلسفة العامة والصور التي حملها الخبراء حول البادية والبدو، التي اسهمت في تشكيل توصياتهم حول البادية، وسبل التنمية والتغيير بها، وفي تشكيل الصورة التي قدّموها للبدو والبادية.
3- مراجعة ما تحتويه الدراسات الغربية، وتحديدا المنشورة باللغة الإنجليزية، حول تاريخ البادية الأردنية، بما يتضمنه ذلك من معلومات مهمة للباحثين الساعين لتوثيق تاريخ الأردن عموما، والبادية خصوصا، فهناك كما تكشف هذه الدراسة العديد من المراحل الزمنية، ومن المواضيع والمجالات التي غطّاها باحثون غربيون، ولا توجد دراسات عربية قد غطتها أو وثقتها.
4- تقدم مراجعة الدراسات الغربية حول البادية الأردنية إسهاما مهما في تتبع مناهج البحث، والتغيرات التي مرت بها الدراسات الغربية حول الشرق الأوسط، على مدى القرن العشرين وصولا للمرحلة الراهنة. وهكذا يسهم البحث في تقديم إيضاح، وتوصيات للباحثين الجدد، لتلافي الثغرات التي عانت منها الدراسات السابقة، وللاستفادة من نقاط القوة في تلك الأبحاث.

أولا: أسباب الاهتمام بالبادية الأردنية.
هناك عدة أسباب للاهتمام بدراسة الأردن عموما، والبادية الأردنية خصوصا، فحصّة الأردن من الدراسات الغربية، برأي كثير من المراقبين والمحللين، فاق بكثير العدد المتوقع، وأنتج ذلك خبراء بالشأن الأردني في كثير من الجامعات العالمية، بما يفوق المتوقع مقارنة مع دول أخرى مجاورة للأردن.
ويمكن تلخيص أسباب هذا الاهتمام بالأردن بالأسباب التالية:

1- المجتمع القبلي: يعدّ الأردن للكثيرين "المثال الكلاسيكي للدولة القبلية"[1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn1)، أي إن دراسة المجتمع القبلي، والبدوي الذي يجتذب كثيرا من الباحثين والمؤلفين والرحالة يتجسّد في الأردن. وبكلمات أخرى فإن الاهتمام بالأردن نشأ جزئيا بسبب البادية الأردنية والبدو. ويشير أحد الباحثين إلى أن الأردن يضم أكبر نسبة من السكان البدو مقارنة بالدول المحيطة.[2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn2) ويعد باحث آخر أن "البدو هم أصل العرب"، ولذلك فإن معرفة أصولهم، تعني معرفة أصول العرب، فالمصريون والبربر، وآخرون ممن يتحدثون العربية هم ليسوا عربا أصليين (بحسب مثل هذا المؤلف).[3] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn3) ومن هنا فأحد أسباب الاهتمام بالبدو والأردن، أنه بفهم المجتمع البدوي، وتاريخه، كما يعتقد بعض الباحثين، يمكن التوصل لتاريخ العرب، وتتبع أصولهم.
2- توافر المصادر: لعل توافر المصادر عن الأردن هو أحد أسباب الاستمرار بالاهتمام بالأردن، وتوافر المصادر ناجم بالدرجة الأولى عن ترحيب الشعب، والقيادة في الأردن بالباحثين الأجانب. فمثلا تقول ليندا لين إن زيارتها المتكررة وحياتها بين البدو جعلت الأردن وطنها الثاني.[4] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn4) ويوضّح إدوار ئنيفنز أنه قبل أن يقرر القيام برحلة مطوّلة في البادية الأردنية، لدراسة تاريخ البدو، (منتصف الستينيات من القرن الماضي) حاول أن يقوم بدراسته انطلاقا من السعودية، ولكن السلطات السعودية رفضت منحه تأشيرة الدخول والتصاريح اللازمة. بعكس الأردن الذي كانت أجهزة الأمن فيه تمده بالعون والأمن طوال الوقت، لدرجة أن مخافر ومواقع حرس البادية، كانت محطة تلقائية أينما صادفوها، يستريح فيها وينام ويتناول الطعام ، هو ودليله - أحد أبناء قبيلة بني صخر- والجمال التي معه، وكان جنود حرس البادية، وحتى السجناء في السجون التي زارها في طريقه، كسجن الجفر، في مساعدتهم دائما، وشيوخ القبائل كانوا يرحبون به دوما. وصادف الأمير حسن بن طلال، إبّان زيارة له لجنوب الأردن، وليّا للعهد، في ربيع عام 1967 نيفينز وباحثا أمريكيا آخر، فرحب بهما ترحيبا خاصا، مؤكدا انه "يجب أن نعرف أكثر عن بعضنا"، قائلا: "بهذه الطريقة فقط ممكن للناس في العالم أن يفهموا بعضهم".[5] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn5) وعمليّا كانت طبيعة الحكم في الأردن، التي حافظت على علاقة تعاونية مع الغرب، واستمرار الأردن بصفته استثناءً عن الدول المحيطة -التي لم ينج أي منها من انقلابات وظهور حكم معادٍ للغرب والغربيين - جعل الأردن اختيارا مريحا للباحثين.[6] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn6) ويلاحظ الباحث الأمريكي نيفنز انفتاح الأردنيين الكبير، واستعدادهم لبذل أي جهد لمعاونة الباحث، ولكنه سجّل أنه وفي أكثر من مناسبة لاحظ تغير الجو، وتراجع "أريحية" محاوريه ومضيفيه، عندما يأتي ذكر إسرائيل، إذ يتراجع الاستعداد للتعاون، والحديث فيما يتعلق بإسرائيل، ولا سيما أن الباحث في هذا الموضوع هو غريب وغربي.[7] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn7)
3- مشاريع التنمية الدولية: إن جزءا مهما من الدراسات حول البادية في الأردن تمت على يد خبراء التنمية في المنظمات الدوليّة؛ فالأردن لديه اعتماد خاص على المساعدات الدولية ، يزيد على دول الجوار ، لذا كان طبيعيا أن يكون هناك ترحيب أكبر من قبل الأردن، واهتمام أكبر من المنظمات الدولية بإجراء دراسات حول الأردن.
4- السبب الديني: وهو يتعلق بموقع الأردن من الأراضي المقدّسة، (القدس وفلسطين غربا، والمدينة المنورة ومكة المكرمة جنوبا وشرقا)، فمن جهة فإن للأردن أهمية خاصة فيما يتعلق ببعض الروايات التوراتية حول أحداث جرت على أرضه، التي تشكل جزءا من مصادر التاريخ للكثير من الباحثين الغربيين،[8] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn8) وهكذا يتمتع الأردن بأهمية خاصة في تاريخ الدين اليهودي والمسيحي.
وكان بعض الباحثين يجرون دراساتهم في البادية الأردنية، انطلاقا من أن هذه البادية وأماكن الترحل للبدو هي ذاتها منذ فجر التاريخ، وأنّه بالتنقيب واستكشاف هذه المناطق، التي هي منبت العرب، قد يمكن التوصل لبقايا حضارات تعود إلى ما قبل عصر إبراهيم عليه السلام، ومن ثم يمكن استكمال الصورة للتاريخ القديم للإنسانية، وللرواية التوراتية للتاريخ ومدى دقتها وصحتها. بل إن بعض الباحثين قال إن اليهود أنفسهم، "بني إسرائيل" هم أصلا ينقسمون إلى قبائل متعددة، تشترك مع البدو في جذور، وخصائص تاريخية معينة. [9] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn9) بطبيعة الحال فإن التاريخ الإسلامي أيضا يشكل جزءا من حافز دراسات بعض الباحثين، والمستشرقين لتاريخ البادية في الأردن.[10] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn10)

ثانيا: صورة البدو العامّة "السبات الثقافي" والعزلة.
لعل من أهم ما يمكن تتبعه في الدراسات الغربية التي قدِّمت عن البادية الأردنية هي الصورة التي قدِّم بها البدوي، ومكونات هذه الصورة متعددة الأبعاد، تتناول الأبعاد النفسيّة والاجتماعية لشخصية البدوي، وتتناول الرجل والمرأة، وأدوار كل منهما ومكانته، ولكن هناك فكرة محورية، تخص موضوع هذا البحث، وتحتاج للتوقف عندها أكثر من غيرها، لأنها شكلت لفترة جزءا محوريا من أعمال عدد من الدراسات، وبنيت على أساسها عدة مشاريع تنموية برعاية دولية وحكومية أردنية، قبل أن تنهار هذه الفكرة، ويتضح خطأها، كما تثبت الدراسات الحديثة. وهي أن البدوي يعيش حالة من الجمود وعدم التغيّر منذ آلاف السنين، وأنه يقاوم التغير، ويرفض مظاهر الحياة المدنية.
و يعبّر إدوارد نيفينز عن هذه الفكرة، في دراسته المنشورة نهاية الستينات من القرن العشرين، التي يعكس عنوانها فرضية الكاتب بأن حياة البدو لا تتغير عبر الوقت، فقد اختار لكتابه عنوان "عالم بلا وقت: البدوي"، وبدأه بالقول إن رحلاته بين البدو، ولا سيما في مناطق جنوب الأردن، كشفت له خصائص شخصية، فريدة وسط الشعوب "الرحّل"، وهي التعلق بالماضي البعيد. ويقول "طباعهم غير متغيرة كما هي الصحراء ذاتها". ومن هنا طوّر نيفينز نظريّة بأن دراسة عادات البدو (المعاصرين) تصلح لأن تكون المصدر الأفضل للمعلومات حول أصول البدو وتاريخهم، فالحاضر برأيه لا يختلف عن الماضي. وقام نيفينز بدراسة للعثور على أصول البدو، من خلال علامات مثل آبار الماء المهجورة، زاعما أنها تدّل على مسار البدو عبر التاريخ والأماكن التي كانوا يستقرون بها، وطرق ترحالهم، ولا سيما أنه وجد أن لدى شيوخ البدو معلومات حول هذه الآبار، ليستدل على تحدّر البدو في الأردن من حضارات العراق وعمان واليمن القديمة.[11] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn11) ويؤكد نيفينز على فهم تاريخ البدو، وتاريخ طرق المواصلات التي استخدموها بواسطة الجمال بين الجزيرة العربية والعراق، معتبرا أن كشف هذه الرحلات يقدّم صورة مهمة عن تاريخ العرب. ويبدو نيفنز مبالغا في "تشاؤمه" إذ يصر على أن البدوي كائن غير متغير، ويعلّق على عمل مهندس إنجليزي قابله في أثناء بحثه، وكان هذا المهندس يعمل ببعض مشاريع الإنشاءات الصغرى في الجنوب، وعلّق نيفينز بالقول إنه "يشعر بالشفقة عليه لأنه يريد إجراء تغيير في منطقة لم تتغير منذ 5 آلاف عام".[12] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn12)
ويلاحظ ريكاردو بوكو، أن هذه الفكرة عن خاصيّة عدم التغيّر قد أثرت في تقارير ودراسات التنمية حول البدو في الأردن، في الفترة ما بين 1950- 1970، وهي فكرة برأي بوكو جاءت مزيجا لأفكار استشراقية خيالية، وصور نمطية لدى الباحثين، امتزجت في أبحاثهم العلميةّ، وشكلت جزءا من الفلسفة التي وجهت أعمالهم، ويرجع بوك شيوع هذه الفكرة في الدراسات التي تناولت البدو في تلك الحقبة، بشكل كبير، إلى الأنثروبولوجي الأمريكي " كارلتون كونْ "(Carleton. S Coon)، الذي نشر في منتصف القرن العشرين عدّة دراسات تعريفية بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وكانت إحدى مقولاته المحورية إن هذه المنطقة عاشت ما بين القرن الخامس عشر ونهاية القرن التاسع عشر مرحلة "سبات ثقافي"، ويستنتج " كونْ" أن المجتمع البدوي أصبح يعيش حالة "سبات" وأصبح "محصنّا ضد التغيير".
ويقول باحث تونسي، عام 1966، تأثر على ما يبدو بمثل هذه المقولات: " يعيش البدوـ بشكل أو آخرـ معزولين عن المؤثرات الخارجية، ويبدون قدرة من الرفض (لهذه المؤثرات) باللجوء العادات والتقاليد، وذلك ربما، لأنهم غير مهيئين نهائيا لمواجهة آثار وعوامل التحول".[13] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn13) هذه الفكرة، كما سيرد لاحقا، ساهمت في النظر إلى المجتمع البدوي بأنه غير مؤهل لأخذ حقّه كاملا في تحديد خيارات التنمية والتغيير، في سياق مشاريع التنمية والتوطين المختلفة، وفي العمل على فرض مشاريع معينة للتنمية عليه دون أخذ رأيه.
وقد سقطت مقولة "السبات" هذه تحت وطأة عاملين رئيسيين، الأول: ان فكرة مشاريع التنمية الحكومية والدولية أصلا تتناقض مع هذه الفكرة، وكان من الضروري عدم التسليم بها، لأسباب عديدة، منها أن تنفيذ مشاريع التنمية والتطور لا يمكن أن يتم إذا ما افترضنا عدم إمكانية التغيير. كذلك فإن أسبابا أمنية أدت لحفز السلطات لرفض هذه الفكرة، وهو ما برز بالدرجة الأولى في أثناء فترة القيادة العسكرية البريطانية للجيش والأمن في الأردن، ولم تنتهِ كليّا لاحقا.
ومن الأمثلة المبكرة لدراسات رفضت ضمنا مقولة السبات هذه، كتاب فردريك بيك، الضابط الإنجليزي في قيادة الجيش العربي الأردني، الذي لاحظ أن ترك بعض القبائل لتربية الإبل في بداية القرن العشرين، أدى لتبني أنماط حياة حضرية بعد أن بدأت هذه القبائل بالاعتماد على الزراعة والفلاحة وتربية الماشية، لتأمين قوتها، ويضرب "بيك" في كتابه المنشور أواسط الثلاثينيات في القرن العشرين بعشائر بني حسن مثالا على القبائل التي كانت تعيش هذا التغيّر، بينما أشار "بيك" آنذاك الى أن عشائر بني خالد، وبني صخر لم يتبنوا هذا الاتجاه.[14] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn14) وستتم مناقشة العلاقة بين مؤسسات الدولة المدنية والأمنية، والتغيير في المجتمع البدوي في الصفحات المقبلة. أما العامل الثاني الذي أدى لسقوط هذه المقولة فهو التغير الفعلي الذي حصل في حياة المجتمع البدوي، وإذا كانت الدراسات الغربية حول البادية في الأردن حتى سبعينيات القرن الماضي على الأقل تنطلق من فرضية السبات، فإن الدراسات الحديثة بدأت تبدو على النقيض من ذلك، وتدرس "التغير".
ومن الأمثلة الحديثة على الكتب التي تعترف، وتدرس التغيّر والتحول الذي حصل بالفعل في المجتمع البدوي، المؤلف الجماعي الصادر عن جامعة كمبردج البريطانية، عام 2000، الذي يشارك به عدد من الأنثربولوجيين، والمؤرخين، وعلماء الآثار والبيئة، بعنوان "التحول في المجتمع البدوي في الشرق العربي". (The Transformation of Nomadic Society in the Arab East).
بالإضافة لفكرة السبات، هناك فكرة أخرى متصّلة بها، وتبناها العديد من المستشرقين والبحاثة، وهي ان الشرق الأوسط عموما يتشكل من "موزاييك"، بمعنى العديد من القطع والجماعات الاجتماعية، المتلاصقة ولكن المنعزلة عن بعضها، وهذه الفكرة محتواها بالنسبة للبدو، أنهم ربما كانوا جزءا من صورة عامّة أوسع، ومن بناء واسع، هو الدولة أو الإمبراطورية العثمانية قبل ذلك، ولكنّهم يعيشون كجماعة ذات هويّة، وثقافة لا تتغير. ويقول ريتشارد نيروب على سبيل المثال في كتاب تعريفي عن الأردن صدر في طبعات متكررة، أنه إذا كان الشرق الأوسط ينظر له على أنه "موزاييك من التمايز والجماعات المتصارعة" فإن شرق الأردن به "حالة تشظي".[15] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn15) وكما حمّل بوكو فكرة السبات للكاتب كارلتون كون، فإن ليندا لين، تحمّل فكرة الموزاييك، هذه لذات الكاتب، وتحديدا لكتابه القافلة (Caravan) الصادر عام 1951، الذي شكل دليل بحث وعمل لعديد من الباحثين بعده، قبل أن يتخلى عدد كبير من باحثي الدراسات الشرق أوسطية عن هذه الفكرة، كما تلاحظ لين.[16] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn16)

ثالثا: الدولة الأمة ومشاريع التوطين
علاقة الدولة والحكومة المركزية مع البدو في الأردن، واحدة من القضايا الخلافية، والخاضعة للجدل على المستويات المختلفة، ولا سيما من حيث العلاقة بين مؤسسات الدولة البيروقراطية والأمنية، والبدو.
فعلى المستوى النظري العام، كانت أغلب الكتابات الغربية عن الحالة الأردنية، محكومة بالنظرية الوظيفية (Functional Theory) في التحليل. ومحور هذه التحليلات أن التغيير الذي مس الحياة البدوية في الأردن ناتج عن عامل خارجي مس أجزاء النسق العام في الحياة البدوية، مما أدى لتغير وظائف أجزاء هذا النسق، وبالتالي لتغير عام في هذا النسق. وكان هناك تركيز كبير في عدد من الكتابات على أن الوظائف التقليدية لوحدات النسق الاجتماعي القرابي البدوي تغيرت بفعل مؤسسات الدولة الحديثة. فكما يشير كتاب جورج هاس، فإن نشوء سلطة الدولة، والجيش قلّص أهمية دور حفظ الأمن، الذي كانت تقدّمه القبائل والعشائر لأبنائها، في ظل غياب السلطة (في العهد العثماني)، وأصبح الحديث عن الأردن ككل بوصفه العشيرة البديلة.[17] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn17) كذلك فإن طبيعة الخدمة العسكرية والانتقال من مكان لآخر بعيدا عن العشيرة، وما رافق الخدمة العسكرية من ازدياد أهمية التعليم، ومن توافر مجالات له، أسهم في تغيير تدريجي لأنماط الزواج، وتقلّص أنماط زواج ابن العم من ابنة العم، فزاد الزواج من خارج المجتمع المحلي، وانتقل أبناء العشائر للحياة ضمن أنماط سكن جديدة قرب قواعدهم العسكرية، وهذا بدوره أدى لنتائج من مثل تراجع نمط الأسر الممتدة لصالح الأسر النووية. جميع هذه القضايا تم تغطيتها في عدد من الدراسات، التي تناولت المجتمع الأردني، أو تناولت الجيش العربي الأردني، ودوره الاجتماعي والسياسي.[18] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn18)
وبعيدا عن هذا التحليل النظري التي قد يكون غائبا عن مجمل رجال الدولة في الأردن، وفي القبائل البدوية، بما في ذلك القيادة العسكرية البريطانية للجيش العربي الأردني في مرحلة ما قبل الخمسينيات من القرن الماضي، فإن الوظيفة الاجتماعية والأمنيّة لمشاريع التنمية التي كانت تقوم بها الدولة في البادية كانت أمرا واضحا في عقل تلك القيادة، كما أنها واضحة لدى خبراء المنظمات الدولية الذين عملوا مع البادية في الأردن والشرق الأوسط عموما كما سيلي لاحقا. وإن كان جزء من التغيرات التي حصلت في حياة البادية والبدو ناتجة عن ظروف موضوعية بعضها يرتبط بنشوء الدولة الأمة، وبعضها بتغيرات عالمية دون أن يكون ذلك مقصودا لذاته. فمن الناحية العمليّة فإن إنشاء الدولة الأمة في الشرق الأوسط كان ذا أثر لا يمكن تجاهله، وتعكس الدراسات الغربية بوضوح هذه الآثار، وأول هذه الآثار هي التنقل، وعمليّا فإن تقييد حركة البدو، وتقليص تنقلهم، بين الأراضي التي أصبحت موزعة بين دول مختلفة كان من أول الآثار التي نشأت عن الدولة الأمة. فرغم أن الدولة العثمانية كانت قد بدأت محاولات للحد من الارتحال عند البدو منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولبدء مشاريع مستوطنات زراعية في مناطق معينة، مثل سوريا، إلا أن فرض مثل هذه القيود لم ينجح، كما يقول نورمان لويس، إلا مع قيام الدول الحديثة في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى ووضع حدود للدول. [19] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn19)
ولكن الحد من ارتحال البدو بين الدول الناشئة في المنطقة كان مهمة تبنتها القيادة البريطانية، داخل الأردن، لأسباب أمنية، متعددة المعاني، يفصّلها ريكاردو بوكو، ففي فترة تأسيس إمارة شرق الأردن كان الخلاف الحدودي بين الحكم الهاشمي في الأردن، وحكم آل سعود (حكام منطقة نجد وما حولها آنذاك)، فكان تنسيق مسألة عبور البدو عبر الحدود بين الطرفين، لأجل الرعي والسكن أمرا ضروريا، ولا سيما أن بعض القبائل انقسمت داخل أكثر من دولة، وتوزعت على أكثر من جنسيّة، فكان التأكد من ولاء القبائل البدوية للحكم الجديد أمرا ضروريا، هذا كلّه زاد من اهتمام الحكم الجديد، وقيادة الجيش . وفي هذا السياق بدأت مأسسة الحياة البدوية في مؤسسات معاصرة، فأنشئت عام 1924 دائرة خاصة للعناية بالشؤون العشائرية، وكان من ضمن مهامها تقديم معونات لهذه القبائل، عبر مشايخها. وفي عام 1929 وفي سياق تصاعد الخلافات الحدودية والغزوات عبر الحدود، أنشئت عام 1929 وحدات خاصة لحراس البادية، كان عناصرها من البدو بشكل حصري، وكان تأسيسها أيضا مدخلا لتولي أبناء البادية مهام إدارية في أقاليم البادية. وقد تم في ذات السياق وضع قوانين، ومحاكم خاصة تطبق القانون العشائري ما بين عامي 1924 و 1936. ورغم أن الدولة بدأت بتطبيق مشاريع زراعية، ومشاريع توطين وتنمية، وتدريب وري كان من شأنها استقطاب أعداد من البدو، فإنه وفي ثلاثينيات القرن الماضي، وبعد أن فقد الجمل جزءا كبيرا من أهميته الاقتصادية وسيلةً للمواصلات، وبسبب تراجع الترحال بين البلدان بفعل الحدود للدول الناشئة، وبسبب بدء استخدام وسائل المواصلات الحديثة، ونتيجة لتراجع الطلب على لحم الجمال، ونتيجة لسنوات من الجفاف- كان الجيش يبرز مصدر رزق بديلا ، وأكثر أمنا واستقرارا من الرعي والزراعة.[20] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn20) ويوضّح بوكو نقلا عن الوثائق البريطانية التي تعود لتلك الحقبة كيف كان القائد البريطاني للجيش العربي غلوب باشا، يتعامل مع موضوع التوطين، والتجنيد للبدو بالجيش من منظور أمني، فهو بحسب المذكرات التي كان يرفعها لمسؤوليه في لندن، كان يريد تنويع مصادر دخل البدو، كجزء من تأمين فرص عمل تقلّص من أي اعتداءات البدو على الفلاحين، وقوافل المسافرين، وإلى تشجيع الاستيطان الزراعي، لتأمين مصادر دخل بديلة في مواسم الجفاف، عندما يصبح الرعي مهددا، وبذلك دحض غلوب ضمنيا أسطورة أن البدوي مُعادٍ للزراعة، وضرب غلوب في مراسلاته أمثلة على نجاح عشائر الجبور من بني صخر، في الزراعة في منطقة النقيرة شرقي عمّان، والمطالقة، والتوايهة وآخرين في المنطقة الشرقية من الشراة، وكان غلوب يرى في توزيع الأراضي، والاستقرار بها جزءا من عمليّة توطيد الأمن، فالبدوي بهذه الحالة لن يلجأ إلى أخذ عائلته، والانتقال من مكان لآخر، إذ إن الأرض والزراعة أصبحتا ثروته التي سيفقدها إن انتقل.[21] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn21)
وفي المدة اللاحقة لاستقلال الأردن عدَّ كثير من المراقبين ــ بما في ذلك دراسات غربية ــ أن القبائل البدوية بشكل خاص عاملا حاسما في دعم الجيش، وكان هناك إشارات إلى تمثيل عالٍ للبدو في المناصب الحكومية. على أن طبيعة هذا الوجود وأسبابه، وأسباب العلاقة المميزة- حال وجودها فعلا – يخضع لتحليلات ومراجعات مستمرة حاليا، فعلى سبيل المثال يرى باحثون أردنيون مثل: مصطفى حمارنة، وطارق التل، أن حصول البدو على امتيازات معينة، لا يعود بشكل كبير إلى وضعهم كبدو، بقدر ما يعود لعلاقاتهم القرابية مع مسؤولين إداريين وأمنيين.[22] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn22) بمعنى آخر فإن ظروفا وتغيرات اقتصادية وسياسية وبيئية موضوعية جعلت اقتراب البدو من المؤسسة الأمنية والعسكرية بديلا مناسبا لتراجع مصادر الدخل، ولتوافر فرص تدعو للاستيطان بسبب عمليّات الإصلاح الضريبي، التي قلّصت كثيرا الضرائب المفروضة التي كانت شائعة في الفترة العثمانية على الأراضي الزراعية، وتربية المواشي. ويضاف لهذا أن سكان الريف جذبتهم الظروف الجديدة للزراعة أكثر مما جذبتهم للمؤسسة العسكرية الناشئة.
ومن القضايا التي قد تشكل أجندة بحثية للباحثين في الفترة المقبلة قضية التغير في طبيعة العلاقة بين الأنظمة، والدول وبين رعاياها بشكل عام، بما في ذلك في الأردن، وكما توضّح دراسة الأميرة بسمة بنت طلال فإن برامج التكّيف الاقتصادي في الأردن، ومنذ مطلع تسعينيات القرن الماضي تضمنت ضمن أمور أخرى تخفيض "مساهمة الحكومة المباشرة في الاقتصاد من خلال الخصخصة"،[23] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn23) وبالتالي فقد أصبحت قضايا الرفاه الاجتماعي، ومعالجة الفقر مرتبطة بالاستثمار والخصخصة أكثر منه بالإنفاق الحكومي كما كان عليه الأمر منذ إنشاء الدولة، مما يؤدي لأهمية فرضية استفادة البدو من القطاع العام، والمؤسسة العسكرية، أو العكس، اعتماد المؤسسة العسكرية والأمنية على البدو أكثر من غيرهم، لأن سياسات الدعم والمنح الحكومية عموما في تراجع، لصالح الاستثمار والقطاع الخاص. وفي ذات السياق تزداد أهمية المنظمات غير الحكومية الأجنبية، والأردنية المعتمدة على الدعم الخارجي، والتي تقيم علاقات مباشرة مع المانحين الدوليين، على عكس ما كان عليه الأمر حتى ثمانينيات القرن الماضي عندما كانت هذه الجمعيات والمنظمات تحصل على الدعم الخارجي عبر قنوات حكومية.[24] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn24)

ثالثا- البدوي الحقيقي: قضيّة تحولات الهوية
إن جزءا مهما من الدراسات التي تناولت الأردن ، خاصة في الفترة حتى سبعينيات القرن العشرين، هي ما يمكن تصنيفه في إطار كتب الاستشراق التقليدية، تعكس مرحلة كلاسيكية من الاستشراق، التي قد تكون انتهت حاليا، أو تحولت جذريا. ولكنها وكما انعكست في كتابات تلك الفترة كانت تعنى بالتعرف على المجتمع البدوي، فهي مؤلفات وكتابات عامّة، وتهدف للتعرف على عالم مجهول، وتمتزج في هذه الكتابات الصور النمطية، والخيالات المسبقة، التي دخلت للأدبيات الغربية، عبر كتابات الرحّالة، والسينما، والأدب، لذا فكثير من الباحثين، بدأ بحثه بأفكار، وافتراضات مسبقة عن شخصية البدوي. ومع تقدّم الوقت خضعت صورة البدوي، والعربي، عموما، في الدراسات الغربية التي تناولت الأردن، لتعديل متزايد نحو الإيجابية، وذلك بموازاة تغير إيجابي عام في مجتمع باحثي الدراسات الشرق أوسطية. بكلمات أخرى فإن الصورة العامة للعربي والبدوي، باتت أكثر موضوعية ومصاغة بطريقة علميّة مع الوقت، وهذا يعود في جزء كبير لتطور مناهج البحث وأدواته.
ولعل ما تلاحظه إحدى الكاتبات الغربيات، التي أجرت عدة بحوث عن الأردن، عن "خيالات" الأكاديميين الغربيين عن الأردن يعكس الصورة النمطية السابقة عن الأردن، فقد رافقت هذه الباحثة في إحدى المناسبات عددا من الزوار والأكاديميين الغربيين للأردن، في زيارة كانت الأولى لهم، حيث فوجئوا عندما لم يجدوا لدى وصولهم الأردن نمط الحياة الذي رأوه في أفلام هوليود، فلم يجدوا الجمال والصحراء لدى وصولهم.[25] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn25) وعمليّا فإن الفرق بين الصورة المتخيلة بفعل أدب الاستشراق، والسينما الأمريكية هو احد ما يواجه الكتّاب والباحثين.
يمكن القول دون محاولة تتبع كيف قدّم الباحث الغربي البدوي الأردني بالتفصيل، انه كلّما كان مكوث الباحث الأجنبي في الأردن أطول، و انتقل وتفاعل مع المجتمع البدوي ،كان تفهم الباحث لأنماط الحياة البدوية أفضل، وقدم صورة إيجابية عن البدوي في الأردن، دون أن ينهي ذلك بالضرورة جميع التساؤلات ومشاعر الدهشة، وهي نقاط ولا شك تبقى في سياق الاختلاف "مع الآخر"، التي يتوقع أن يجدها أي شخص يزور، أو يتفاعل مع مجتمع غريب عليه. ويصعب في هذا البحث مناقشة كيف تم تقديم الأردني البدوي، من حيث سماته الشخصية والسلوكية الفردية، من حيث قضايا الكرم، والأمانة، والصدق، وعلاقاته مع الآخر، فمثل هذا الموضوع يحتاج إلى نوع منفصل من الدراسات، وتحليل موسّع يتعدى أهداف هذه الدراسة، ولكن يمكن تقديم بعض الإشارات السريعة، وبعض الأمثلة، مع الإشارة إلى أن أغلب ما تم تقديمه من الكتّاب الغربيين في هذا الصدد، كان أقرب لأعمال الرحالة، والاستشراق، وغالبا ما جاء على شكل ملاحظات، لم يقصد الكتاب جمعها لذاتها، بل برزت على هامش أعمال الباحثين، الذين اعتمدوا الارتحال أو الإقامة بين البدو، أداة بحثية لجمع بياناتهم.
ويقدّم كتاب إدوارد نيفينز مثالا جيدا على الكتب التي تناولت السمات الشخصية للبدوي، ومن المقولات التي يقدّمها نيفينز على سبيل المثال ان: "البدوي لا حلول وسط لديه، والألوان لديه أبيض وأسود فقط، بمعنى أنه يتبنى موقفا معينا من شيء يصعب أن يغيره، أو يقبل التشكيك به، وهذا يتعلق بالدين كما يتعلق بعادات العرب الأصلية في الحياة اليومية. وهذا ما لم يتغير منذ قرون، ودليله على ذلك أن رعاية الجمال والماعز هي طريقة الحياة منذ قرون". [26] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn26)
وإذا كان نيفينز يشيد ويبرز الكرم الذي قوبل به من أبناء البادية في أثناء ترحاله، فإن ذلك لا يمنعه من رؤية أن ذلك الكرم يبلغ أحيانا حدودا مبالغا فيها، فمثلا يشكو نيفينز أنه اضطر في بعض الحالات لقبول 4 دعوات لتناول الولائم (المنسف) في يوم واحد، حتى لا يسيء لمضيفيه الذين دعوه للطعام، وحتى لا تبدو قبول دعوة من شخص إساءة لآخر (رُفضت دعوته). ومن الأمثلة الأخرى التي استغربها نيفينز، والتي تشكل بالفعل مدعاة للاستغراب، أن أحد الشيوخ في جنوبي الأردن، أهداه 3 قطع من العملة الأثرية، اتضح بعد فحصها أركيولوجيا، أنها تعود للعصر البيزنطي، وقدّم بدوي آخر سيف والده، الذي شارك به "مع ت. إس. لورانس" في الثورة العربية الكبرى.[27] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn27) والأهم هو ما شكا منه بحّاثة من أن البدوي قد يقوم باختراع، وإعادة صياغة قصص معينة، لإشباع نهم الباحث سوتلبية ، بمعنى أن تقديم رواية ترضي الباحث في كثير من الأحوال جزء من إكرام الباحث/ الضيف.
ولكن نيفينز نفسه يشير بشكل مباشر وصريح الى أن "البحث الميداني" يؤدي إلى تصحيح الكثير من الصور غير الصحيحة المشوهة عن البدو، والعرب عموما، فيقول في تعليقه على أوصاف بعض الكتّاب بأن القبائل العربية "مدمنة على السرقة والتجارة" إن الطريق الوحيدة لفهم هؤلاء الناس (البدو) ــ ما فعله نيفنز وشريكه في البحث د. جون ماك ــ هو امتطاء ظهر جمل عبر الصحراء، والخوض في ذات التلال والسهول، واستيعاب تلك القسوة للرمل القاحل".[28] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn28) والواقع أن الملاحظ عموما، أن دراسات الاستشراق عموما، أو بكلمات أخرى الدراسات التي يقوم بها باحثون غربيون عن المجتمع العربي والإسلامي عموما، شهدت نقلة نوعية في النصف القرن العشرين، بسب سهولة المواصلات، والاعتماد بشكل متزايد على التواصل المباشر مع المجتمع العربي، مما يعالج الكثير من الصور المشوهة. وتقدّم دراسة ليندا لين مثالا آخر على دور مناهج البحث في تفهم عادات وتقاليد الآخر، وتقديم صورة محايدة حول ذلك. ولين نفسها تقارن بين قدرتها على فهم المجتمع الأردني، وتحديدا القبلي مع طول مدة مكوثها في الأردن، وتشير في كتابها الثاني عن المجتمع القبلي في الأردن الى أمور لم تكن تفهمها على نحو كافٍ عندما أعدت كتابها الأول (The Production and Reproduction of Tribal Identity in Jordan)، وهو ما يكشف بوضوح التقدّم في دراسات البادية الأردنية، بتطور أدوات بحث البحاثة. وتشير إلى دور المضيفين من أبناء قبيلة العبّاد في نقاشها في خطط بحثها وأدواتها البحثيّة.[29] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn29)
أما في مسألة زيادة اعتماد الباحث الغربي على الوجود لفترات طويلة في المجتمع الأردني لإجراء بحثه، فإن أكثر من كتاب عن الأردن في مرحلة ما قبل خمسينيات القرن الماضي تشير إلى كيفية الوصول للأردن بواسطة الطائرة، وكان كتّاب يشيدون بأن الوصول للأردن غير صعب، ولكن يبدو أن عدم الصعوبة كانت بمعايير تلك الأيّام، فقد كانت كتب الخمسينيات، والستينيات تشير إلى إمكانية الطيران إلى بيروت، ومن ثم هناك ساعة طيران واحدة للقدس أو عمّان.[30] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn30) ويبدو أن هذا بسبب عدم جاهزية المطارات الأردنية للطائرات الكبيرة، أو لعدم وجود خطوط طيران مباشرة من الغرب إلى الأردن.
ومن التعميمات التي يطلقها إدوارد نيفينز، لتوضيح ميل البدوي للاستقلال، يقول إن هيرودوس قد قال قبل 2500 عام إن :"العرب يلتزمون بتعهداتهم على نحو ديني أكثر من أي أناس آخرين، والعرب لم يخضعوا أبدا للفرس كعبيد، ولكن كأصدقاء مقربين" ويضيف "لم يفقد الأردنيون أبدا روح الاستقلال العميقة لديهم".[31] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn31)
في الكرم يقول نيفينز إن الشيخ سامي مثقال الفايز أبلغه عندما استغرب إكرام الأخير لضيوفه، مهما صغر شأنهم، واستغرب إغاثته للملهوف والدخيل، إذ صدف أن قابل شخصا فقد القدرة على النطق، تونسي الأصل، ممن تقطعت بهم السبل في منطقة الشيخ سامي، وتكفل الشيخ بهذا الشخص، وقال للمؤلف إن عادات البدوي ليست كعادات الأمريكي، ويقول المؤلف إن الشيخ سامي يقول إن "عاداته بالنسبة للغرباء أفضل من عاداتنا في أمريكا"، ويعقّب نيفينز "وهي بلا شك كذلك". ويتوقف نيفينز عند عادة الكرم التي يشترك بها الفقير والغني. كما يستغرب المؤلف درجة الاحترام التي يوليها الصغير للكبير. [32] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn32)
ولكن هناك ظواهر بقيت تمثل للباحثين تناقضا في شخصية البدوي، لم يستطع باحثون فهمها، من مثل التناقض بين الغزو، وبين إكرام الضيف، فحتى في حالات العداوة والغزو إذا ما دخل شخص ضيفا، أو قاصدا بيت عدوه حصل على الأمان والإكرام.[33] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn33) أو حساسية المضيفين إزاء سلوك معيّن للضيف/ الباحث، من مثل أن ليندا لين، بعد أن سكنت مستأجرة جزءا من منزل أسرة معينة في منطقة العارضة، قررت الرحيل للعيش مع عائلة أخرى لأسباب تتعلق ببحثها، ولكنها اكتشفت أن سلوكها لم يلق قبولا لدى تلك العائلة، وفسّر على أنه إشارة الى عدم حمايتها، أو اكرامها بشكل كاف.[34] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn34)
أما بالنسبة للمرأة، يقول نيفينز "من الممكن ملاحظة أنّ مكانة المرأة البدوية في الصحراء مختلفة تماما عن مكانة أولئك اللواتي يعشن في المدن، وهذا الاختلاف في كثير من الجوانب لصالح المرأة"، فقد لمس نيفينز نفسه أن "زوجة البدوي في الصحراء تمتلك حقوقا معينة لا تزيد فقط من مدى احترامها، بل وأيضا من إحساسها بحريتها"، فهي "تتحكم بالمطبخ والشؤون المنزلية، وفي غياب زوجها هي حاكم البيت، تستقبل الضيوف نيابة عنه".[35] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn35)
والواقع أنّ تعريف البدوي الأساسي للكاتب الغربي كانت ترتكز إلى عناصر مادية للتعريف، تتمثل في عنصرين: الجمل والخيمة (الترحال)، و النمط الشائع من ردود الفعل عند اكتشاف أن هذين العنصرين لم يعودا بالضرورة موجودين، أو على الأقل لم يعودا محور الحياة، هو القول إن هذا يعكس وجود بدوي حقيقي وآخر غير حقيقي، ووجود أردني حقيقي وأردني غير حقيقي.[36] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn36) ومثل هذا التصنيف لبدوي حقيقي، وآخر غير حقيقي، أو استخدام مصطلحات مثل "بدوي، شبه بدوي، متوطن، شبه متوطن، ويرى بعض الكتّاب أن البدو عندما يتوطنون فإنّهم يختفون بصفتهم "مجتمعا بدويا" متمايزا، وذهب بعض هؤلاء إلى القول إن "البدوي الحقيقي"، ينظر للنشاط الزراعي نظرة دونية، ويرى الاستقرار إهانة له، وسلبا لحريته بالحركة.[37] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn37) وهكذا أعطي للاستقرار قيمة معنوية، وأخلاقية معينة. مثل هذه المسميات والمصطلحات لا يتبناها، أو يستخدمها أبناء البادية، بينما يستخدمها الباحثون لوصف البدو ، ولا يمكن لأي منهم أن يسمي نفسه بأنه "شبه بدوي" أو "شبه متوطن"، أو شبه أي شيء. فهذه القبائل كما لاحظت ليندا لين إما أن يقدّموا أنفسهم من خلال أسماء قبائلهم وعشائرهم، أو أن يسمون أنفسهم ببساطة "عرب".[38] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn38) ولين نفسها تستخدم مصطلح أبناء القبائل ((tribespersons بدل البدو.
إن الصور النمطيّة المتعلقة بالجمود ورفض التغيير، وبالغزو والعنف، وقطع الطريق، تم دحضها تاريخيا وفلسفيا؛ فقد أبرزت عدّة دراسات تجاهل حقيقة أن البدوي لم يكن يعيش معزولا في الصحراء، وهذا واضح في حالة البدو في الأردن، فحياة البدو المعتمدة على الترحال كانت ترتبط بواقع اقتصادي مهم، وإن كان يبدو غريبا الآن، فإنه كان جزءا طبيعيا في السياق الزمني الذي وجدت فيه. فمثلا أشارت دراسات حديثة بشكل مباشر إلى تجاهل كثير من الباحثين أن الجمال كانت جزءا من وسائل المواصلات، في الصحراء، حتى بداية القرن العشرين، وأن البدو، كأفراد، مستخدمين جمالهم أيضا، كانوا جزءا من النشاط الاقتصادي الديني، القائم على الاتجار، وتقديم الخدمات إلى قوافل الحج والتجارة، إضافة إلى التفاعل المستمر مع المجتمعات المستقرة، سواء بتجارة اللحوم، بما فيها لحوم الجمال، أو من خلال العلاقات السياسية والتجارية، بما فيها حالات التحالف، وحالات الحرب والعداء والغزو.[39] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn39)
وهنا من المهم الإشارة إلى قضية ربما تحتاج لمزيد من البحث والتقصي، تتعلق بالصورة الشائعة حول الصورة التي قدّمها الرحالة والمؤرخون لمسألة الغزو المستمر، وقطع الطريق، من قبل البدو للمجتمعات المدنية، وضد قوافل التجارة والحج، في القرن التاسع وعشر وما قبله، فمن جهة، فكثير من هذه الأحداث ذات طابع سياسي احتجاجي، يتعلق بمطالب للبدو لحكم أنفسهم بانفسهم، ومطالب اقتصادية معينة، كما أن القليل نسبيا ذكر عن علاقات التجارة بين البدو وغير البدو، وفي هذا يقول الباحث عادل منّاع: "من المهم تذكر علاقات التعاون، والتبادل التجاري التي كانت قائمة بين العربان، وسكان المدن فضلا عن الصراعات، والتعديات التي تبرز في كتب الرحالة، والمؤرخين في تلك الفترة".[40] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn40) فردريك بيك بدوره كشف قبل ذلك أن إثارة القبائل البدوية للاضطرابات في العهد العثماني بما في ذلك مهاجمة قوافل الحجاج، هي جزء من حركة فيها قدر من الاحتجاج السياسي والمطلبي، فتلك الهجمات كانت تتضمن مطالب إدارية (تتعلق بسلطة القبائل)، ومطالب مالية تتعلق بعوائد قوافل الحج، أو احتجاج على قتل السلطات التركية لزعماء قبليين كانوا يقودون الحركات المطلبية.[41] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn41) ومن أدلة البعد القومي، والسياسي عند القبائل البدوية مشاركة الكثير من القبائل في مناسبات قومية عامة، من مثل مسارعة الكثير من البدو من شرق الأردن، عام 1799، ولا سيما من قبائل بني صخر، لمواجهة الهجوم الفرنسي الذي قاده نابليون بونابرت. [42] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn42) كذلك يقول كل من مارثا مندي، وباسم مسلم بضرورة رؤية سوى "الترحل" في حياة البدو، وبأنه "يجب أن لا ننظر لسكان الخيام بأنهم رعاة: فكل الدلائل تكشف أنهم مارسوا الزراعة، والتجارة، والعمل العسكري".[43] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn43) وهكذا فإن مقولات اختفاء القبائل، والبداوة ليست بالأمر الطارئ؛ ففي ثمانينيات القرن التاسع عشر، كتب أنثربولوجي بريطاني أن قبيلة العدوان في الأردن في طريقها للاندثار بوفاة شيوخها، وبروز جيل جديد يتبنى نمط حياة جديدا، وتوقّع أن يتجه أبناء القبيلة للزراعة، أو للعمل أدلاء سياحيين. وتوقع أن يحدث الشيء ذاته لاحقا لعشائر بني صخر، وعنزة.[44] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn44)
وبعيدا عن دراسات، أو كتابات الاستشراق فإن الكتابات العلميّة التي تبنت أيضا تصنيفات مثل بدوي حقيقي ، وغير حقيقي، والتي انطلقت من واقع أفكار "السبات"، و"الموزاييك" وقعت في أخطاء، تمت مناقشتها في دراسات حديثة، وقد أشار باحثون جدد إلى أن مثل هذه الدراسات تجاهلت رأي البدو أنفسهم في تصنيف، وتعريف أنفسهم. [45] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn45) وتجاهلت حقيقة أن هناك مصالح معينّة تتأثر بأي تغيير في الواقع الاجتماعي، وأن مقاومة التغيير في السياق البدوي، أمر شائع الظهور، ومشابه لمقاومة التغير، في أي مجتمع. وترفض لين كليّا القواعد التي تنطلق منها التعريفات الغربية، وتعريفات الباحثين لسكّان البادية. ففكرة الربط بين الخيمة والبدوي، تبدو غير ذات معنى، فكما تلاحظ لين فإن إحصاء عام 1961 يشير إلى أن سكان الخيام في ضفتي الأردن الشرقية والغربية القاطنين نحو 95 ألف، ولكن43 ألفاً فقط منهم يسكنون في أقاليم البادية، وفي السبعينيات كان سكان أقاليم البادية 140 ألفاً من أصل 2 مليون سكان الأردن، ولكن 50 ألفاً فقط وصفوا بالبدو، ولكن دون تقديم تعريف للمقصود بالبدو، ويبدو أن المقصود كانوا سكن الخيام.[46] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn46)
إن فرضية رفض التغيير قد سقطت بالفعل في الدراسات الحديثة؛ فقد تم تجاهل السياق التاريخي السياسي لحياة البدو في فترة الحكم العثماني، وهو أمر لم يتجاهله فردريك بيك، الذي يلاحظ أنه في فترة الحكم التركي لشرقي الأردن كان هناك فترات طويلة يقتصر الاهتمام التركي خلالها بمناطق شرقي الأردن لحماية طرق الحج، ولم تكن العلاقة بين الحكومات المحلية التي نشأت في جنوبي الأردن في الكرك، والشوبك على علاقة إيجابية مع الحكم التركي، كما أن الضعف كان يغلب على هذه الحكومات، وكانت كما في أنحاء أخرى من المشرق العربي تحت الحكم التركي، خاضعة للصراعات بين القبائل والعشائر، وكانت التحالفات بين العشائر في تلك الفترة تتخطى الحدود الحالية للأردن، فكانت الصراعات على من يحكم الكرك مثلا، في العقد الأخير من القرن العشرين، تقوم على تحالفات تتوزع بين الكرك والشوبك وبئر السبع، في فلسطين. [47] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn47)
ولهذا فإنه بدلا من مقولات "البدوي غير الحقيقي"، ومقولات أن البدو كجماعة قد اختفوا كجماعة اجتماعية متمايزة، التي تشكل الفرضية الأساسية في العديد من الدراسات، وبخاصة التنموية منها، التي سيتم عرض المزيد عنها في الصفحات التالية، قامت دراسات باقتراح أن ما حدث ليس "اندثار" الهوية، بل هو "تحولات" في الهوية.
وقد خصصت ليندا لين دراسة منفصلة لموضوع الهوية الوطنيّة لدى البدو في الأردن، هي نتاج إقامتها لشهور طويلة بين أبناء العشائر الأردنية، وتعتبر أن المسؤول عن مقولات وجود بدوي حقيقي، وآخر غير حقيقي، أو أردني حقيقي، وأردني غير حقيقي هم الباحثون، والسياسيون، وذلك لأغراض مختلفة. وترفض رؤية أبناء القبائل باعتبارهم طرفا سلبيا، يتعرض للتغيّر دون أن يسهم فيه، وترى أن أبناء المجتمع القبلي، يشتركون في عملية تفاعل "تفاوض" مع مجموعات وعناصر أخرى، مثل نخب المثقفين، النظام السياسي، وحتى مع الباحثين والمفاهيم الغربية، فالبدو يعيشون التغيّر كما يعيشه غيرهم، ولكن هذا لا يعني ذوبان الهويّة، ولكن ربما التغيّر فيها، في سياق التغير العام للأردن والأردنيين. [48] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn48)
أما ريكاردو بوكو، فيقول إن الخبراء الدوليين كانوا يتوقعون أن تتلاشى التركيبة الاجتماعية القبلية، والعادات المرتبطة بالقبيلة، ويقول بوكو :"في الأردن تحديدا، فإن مصطلح "البدوي" الذي كان مرادفا يوما للرعي المتنقل، يعبّر الآن عن هوية سياسية ذات طابع قبلي".[49] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn49)
والواقع أن استمرارية البدو كمجتمع متمايز نسبيا، يتفاعل في إطار الدولة والمجتمع، دون أن يفقد خصوصيته، خضع لنوعين رئيسيين من الدراسات، الأول" ما يتعلق بجذور الهويّة القبلية: وكيفية تشكلها، أي تلك الدراسات التي تتعلق بإعادة تقديم أبناء القبائل البدوية لماضيهم، والتركيز على الرابطة القبلية الخاصة بكل قبيلة. والنوع الثاني: كان رؤية كيف يقوم المجتمع الأردني، والبدو تحديدا بتعريف أنفسهم في إطار الدولة الحديثة (الدولة الأمة Nation- state).
ومن الأمثلة على النوع الأول من الدراسات تلك التي اعتنت بقراءة كيف تتكون الهوية، والعصبيّة القبلية، الخاصّة بالقبيلة الواحدة، كتاب أندرو شيروك من جامعة نيويورك، وعنوانه: " القوميّة والخيالات حول النسب: التاريخ الشفوي وسلطة النص في الأردن القبلي"، والكتاب يقوم على بحث ميداني للكاتب، قضاه في نقاش، وتسجيل الشعر والروايات التي أخبره إيّاها شعراء ورواة، بعضهم أميوّن، ينقلون الروايات شفاهة، من قبائل منطقة البلقاء، وتحديدا من قبيلتي العدوان والعبّاد، إضافة لمقابلاته مع أكاديميين ومثقفين، وكتّاب من القبيلتين، ممن يعكفون على تسجيل تاريخ القبيلتين، وتاريخ البدو في الأردن، كتابة، ووفق متطلبات الكتابة الحديثة، ويحلل الكاتب النصّين: المنقول شفاهة عن الماضي، والمكتوب حديثا اعتمادا على النص المنقول شفاهة.
وبحث شيروك ــ كما يكشف ــ عن بحث أعدّ ليكون بحثا تاريخيا عن الماضي، وحول كيف تشكلت "عائلات الشيوخ" التي تتكون منها القيادات القبلية، ولكنه خرج بنتيجة أصبحت محور بحثه، المنشور في نهاية تسعينيات القرن الماضي، حول أثر الماضي في الحاضر. أو بمعنى آخر كيف تتم إعادة تقديم الماضي بصور مختلفة من قبل رواة مختلفين، بين القبائل المتنافسة، وبين العائلات والعشائر المتنافسة داخل القبيلة،[50] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn50) وعمليا فإن بحث شيروك يمكن اعتباره مثلا على مدرسة أنثربولوجية شهيرة في دراسة الهوية والقومية، هي مدرسة "المجتمعات المتخيلة" التي يجسّدها الكتاب الشهير "مجتمعات متخيلة" (Imagined Communities) للكاتب بندكت أندرسون، والقائم على فكرة أن الهوية والرابطة القومية، أو الإثنية أو القبلية بها قدر كبير من الخيال للماضي والحاضر. ويمكن اعتبار كتاب شيروك تطبيقا عمليّا لهذه النظرية على حالة القبائل البدوية في الأردن. والواقع أن هناك كتّابا آخرين تناولوا هذا الموضوع (العلاقة بين المتخيل والواقع)، وإن كان ذلك بطريقة عابرة، فمثلا يقول بيك إن بني خالد "يقولون إنهم تحدروا من البطل الإسلامي الكبير خالد بن الوليد، بيد أنه لا توجد وثائق تؤيد هذا الزعم. لكن الأرجح أنهم إما أن يكونوا بطنا من بلى من قضاعة، أو أنهم بطن من غزية من هوزان كما جاء في بلوغ الأرب لشهاب الدين القلقشندي"[51] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn51)، وبالتالي فإن جزءا من دراسات الهوية، يذهب لدراسات كيف تتبلور الهوية القبلية، وما بها من اعتزاز بالقبيلة، وبالعادات والتقاليد، وبالماضي.
أما بالنسبة للنوع الثاني من الدراسات التي تتعلق بالهوية المعاصرة للقبائل البدوية في الأردن، فإن كتابي ليندا لين، من أفضل الأمثلة عليها، وهي تستخدم شأنها شأن شيروك نظريات المجتمعات المتخيلة، ولكنها تحاول تطوير نظرية بندكت أندرسون، لتتلاءم مع الحالة الأردنية، وتقول إنها تستخدم نظريات "ما بعد حداثية" (postmodernist)، لفهم الحالة الأردنية، وكيف توجد كل هوية عند أبناء القبائل الأساس لهوية أخرى. فهي تحاول أن تدرس كيف يتفاعل البدوي فردا وجماعة، مع الهوية في سياقها الوطني، في إطار الدولة الحديثة، وتتم دراسة الهوية على أكثر من مستوى، بدءا من الهوية الثقافية، والاجتماعية، وأنماط السلوك اليومي، في سياقات الأسرة، والمدرسة، والمجتمع المحلي، وصولا للمستوى السياسي الوطني، فتدرس مثلا أثر الانتقال من بيت الشعر إلى البيت الإسمنتي، وتدرس كيف يتم تصميم البيت الجديد الدائم، على نحو مشابه لبيت الشعر، ليوفر وظائف اجتماعية معينة، كانت تتوافر في بيت الشعر، من مثل فصل مكان الضيوف، واستقبال الرجال عن باقي المنزل، وما إلى ذلك من أمور، وتدرس كيف تخدم المعارض التي تقيمها الأندية الشبابية والمدارس باسم الحفاظ على التراث، الحفاظ على الهوية الثقافية والاجتماعية البدوية، ولكن في إطار تفاعلي مع الهوية العامة الوطنية. وتدرس ما يسمى العناصر (الزمكانية)، أي الزمان والمكان، وكيف تنتج الهوية الأردنية، وكيف أن الحقيقة أن الدولة ككل تبدو، وقد تبنت فكرة القبيلة هوية لها، فالملك هو شيخ القبيلة الكبرى. وتنطلق لين من دراسة كيف يتفاعل أبناء المنزل الواحد مع بعضهم، وكيف يجلسون، وكيف يعرفون أنفسهم، وتراتبية السلطة داخل العائلة، وكيف أن الدولة الأردنية، والعائلة الهاشمية، والأردن هي جزء من ثقافة يومية ومن هوية، ومن تعريف الشخص لنفسه.[52] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn52) وعلى صعوبة الفكرة التي تحاول لين شرحها، وتطبيقها من دراسة الهوية الجمعية للوطن، من خلال السلوك اليومي والاجتماعي، ومن خلال تصميم المنزل، وطبيعة الحياة فيه، فإن أهم ما تخلص إليه لين: ان الهوية لدى أبناء القبائل بمستوياتها المختلفة، ديناميكية، قابلة للتحول والتغير، وقادرة على التأثير، وانها جزء من صياغة هويّة الدولة الأردنية، التي ما زالت – على الأقل عند إجراء بحثها- في إطار التشكل.
ولعل احدى أهم النتائج التي يمكن الوصول لها من الدراسات التي تناولت موضوع الهوية في المجتمع البدوي الأردني ــ في الوقت الراهن على الأقل ـــ فإن مشاريع التوطين، والتنوع في أنماط ومصادر الدخل بالنسبة للمجتمع البدوي، لم تلغ الشق السياسي والاجتماعي في الهوية لدى البدوي، وأن هذه الهوية، لا تذوب، ولكنها تتفاعل مع الهوية الوطنية في سياقها تفاعلها العام. وأنه يجب التمييز بين التعريف السطحي للبداوة القائم على عناصر مادية، كالخيام، والترحال، والرعي،والواقع الفعلي الذي يشمل الكثير من عناصر التغير الايجابي. وعمليّا فإن اتجاهات هذا التفاعل، وآليات انصهار الهوية الثقافية البدوية في إطار ثقافي أردني شامل، وفي مستويات جزئية، وحياتية مختلفة أمر بحاجة لدراسة معمقة ومستفيضة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، على المجالات التي يمكن دراستها، مثلا، التفاعل بين اللهجة البدوية، واللهجات الأخرى في الأردن، وهناك دراسات (قام بها باحثون عرب) تناولت هذا الموضوع تحديدا،[53] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn53) وهناك قضايا أخرى لا شك بحاجة للدراسة.
ومن القضايا التي عالجها كتّاب غربيون، وتمس موضوع الهويّة الوطنية بشكل غير مباشر، هي قضايا تعطي الأردن خصوصية معيّنة في إطار محيطه، أو قضايا تتعلق بالوحدة الوطنية، فمن المعروف أن "التمايز" و "الخصوصية" هي من أهم مقومات تشكيل هويّة وطنية، بمعنى أن الأردني، أو السوري، أو المصري، إلخ، يحب أن يشعر أن لديه خصوصية معينة، عن الدول المجاورة تجمعه مع باقي أبناء دولته، حتى يشعر بتمايزه وهويته، ومن الأساليب الشائعة، في الدولة العربية الحديثة لتحقيق ذلك، الإشارة إلى أشخاص، ورموز معينين لعبوا أدواراً تاريخية في العصر الإسلامي أو غيره، ينحدرون جغرافيا من ذات المنطقة التي تشكل أراضي الدولة الحديثة، وهناك أمثلة عديدة في الكتابات الغربية، قد لا تكون مقصودة لهذا الهدف، ولكنها تخدمه، فمثلا يكتب فردريك بيك: "يقال إن عائلة مسيحية تدعى العزيزات كانت تعيش في مؤتة في تلك الأزمان (فترة الفتح الإسلامي) ، فلما قدم الجيش الإسلامي خرج أخوان من هذه العائلة، وفتحا أبواب القرية (مؤتة) أمامه، وقدما له الطعام والشراب، ثم اعتنق أحدهما الإسلام، وبقي الآخر مسيحيا، ومع ذلك فقد كان لصنيعهما أحسن الأثر في نفس النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر ألا يستوفى منهما، ولا من أعقابهما جزية ولا خراج، وظل أمر النبي نافذاً مدة ألف وثلاثمائة سنة. وبعد ثورة الكرك عام 1911 أخذت الحكومة التركية تحصل منهم أموالا أميرية. والعزيزات اليوم يقطنون مأدبا، وهم من أقوى عشائرها".[54] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn54) مثل هذا النص، لا شك يخدم الهوية الوطنية الأردنية، التي تجعل العائلة موحدة، بغض النظر عن عامل الدين، أو غير ذلك من العوامل.
وفي السياق الذي يعطي البدوي في الأردن خصوصية معينة، يرى نيفينز أن قبول البدو للإسلام لم يكن تغييرا نوعيا في حياتهم، فالإسلام يتماشى برأيه مع عاداتهم وتقاليدهم، ولم يؤد إلى اختلاف رئيسي في حياتهم. ويرى أن الغربيين يخطئون حين يحاولون تفسير كل شيء بحياة البدو، وتاريخهم من خلال الإسلام، كما لا يجوز أن يروا ان الإسلام في جوهره هو تمرد على المسيحية، أو أن يلصقوا صفة التخلف بالعرب والبدو، ويستطرد نيفينز بأن هذا السلوك الغربي مقابل لما يفعله مسلمون، من تفسير الحروب الصليبية بأنها كانت تدخلا بربريا من الغرب في شؤونهم، وأن تلك الحروب كانت ضد أعظم ثقافة، وتقدّم علمي (في ذلك الوقت). [55] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn55) ويرى أن الاختلاف في المفاهيم والمصطلحات، ووجهات النظر أدى لتشويه نظرة كل من المسيحيين والمسلمين لبعضهم بعضا، ويقول إنه في عقل البدوي "تطورت صورة للمسيحيين بأنهم "وثنيون"، بينما المسيحيون يعتبرون المسلمين "كفارا"، ويقول نيفينز أن العلماء الجدد يعملون بالفعل على تصحيح هذه المفاهيم الخاطئة. [56] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn56)

رابعا: دراسات التنمية في المناطق البدوية.
بدأت منذ مطلع خمسينيات القرن العشرين سلسلة من الدراسات تتعلق بتنمية المجتمع البدوي في الشرق الأوسط، ومن أهمها الدراسات التي قامت بها اللجنة الاستشارية الخاصة باليونسكو حول "المناطق الجافة"، وضمن عمل اللجنة الذي استمر 6 أعوام بدءا من العام 1951، حيث كلفت مجموعة باحثين بإجراء دراسات مقارنة بين القبائل البدوية في الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا، ونشرت الدراسات ما بين عامي 1956- 1962. ومنذ العام 1956 بدأت منظمة الصحة العالمية بمجموعة دراسات تتناول التوطين وسيلة لمعالجة الأمراض، وتوفير الرعاية الصحية. وفي عام 1959 بدأت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) أبحاثها الهادفة، لإنشاء مستوطنات زراعية للبدو في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتبنت ذات المنظمة عام 1963 قرارا بتكليف مجموعة من خبرائها لدراسة" أنظمة توزيع الأراضي، بهدف التأكد من اندماج أفضل للبدو في الدولة". وموّلت منظمة العمل الدولية عام 1958 و 1959 دراسات بشأن أوضاع البدو في الشرق الأوسط، وكلّف أكاديميون غالبيتهم من جامعات عربية بهذه الدراسات التي تمحورت حول موضوع التوطين، ودور الحكومة المركزية.[57] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn57)
هذه الدراسات، والدراسات المشابهة لها، التي رعتها حكومات، ومنظمات دولية، وجهت لها مجموعة انتقادات، من أهمها ما يلي:
1- ركزت هذه الدراسات على التوطين، والتحول للنمط الزراعي في حياة البدو، وجاء هذا التركيز على حساب النمط التقليدي البدوي، الذي له قيمته، وأهميته الاقتصادية أيضا، وهو ما يراه بعض الباحثين بمثابة تعصّب للمناطق الريفية،[58] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn58) أو للمناطق القابلة للزراعة أصلا، فقد تم إهمال المراعي والرعي لصالح الاستيطان، مما أدى لتراجع كبير في إنتاج اللحوم، وإلى تراجع خصوبة التربة، والإنتاج الزراعي.[59] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn59) ولاسيّما أن بعض قوانين وأنظمة توزيع الأراضي على أبناء العشائر، لم تؤد إلى انخراطهم بالزراعة بقدر ما أدى لتجارة الأراضي، ولهجرة البدو وأبناء العشائر لاستثمار حاصل بيع الأراضي في مشاريع خدمية في المدن وفي الضواحي المدنية التي نشأت حول المناطق الزراعية والبدوية، وفي السياق ذاته انتهت العديد من أنماط الإنتاج المنزلي لسلع غذائية وملابس، لصالح شرائها مصنّعة.[60] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn60)
2- يلاحظ أن جميع الخبراء العرب ــ تقريبا ــ الذين أجروا دراسات لصالح منظمات دولية حول التنمية في البادية، خلال الفترة ما بين خمسينيات وثمانينيات القرن العشرين لم يكونوا من البدو، وكانوا يؤيدون برامج التوطين على نحو شبه كامل، وكان الإجماع بينهم حول التوطين يفوق الإجماع الذي تولّد بين الباحثين الغربيين أنفسهم.[61] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn61) وهؤلاء الباحثون في كثير من الأحيان كان لديهم موقف سلبي من البداوة والبدو، ولم يكن لديهم فهم، أو تفهم للسياق التاريخي والاقتصادي للبداوة، ولعل من الأمثلة على هذه المواقف ما قاله خبير مصري، ااصبح لاحقا وزيرا في مصر، إذ يرى أن "البداوة وشبه البداوة هي هدر وتخريب. إذ إن أراضي واسعة ممتدة يمكن استصلاحها بتكلفة محدودة، لتصبح مزروعة بكثافة، تركت للرعي دون أي محاولة لاستخدام أفضل لها".[62] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn62) كما أن التمييز بين أبناء القبائل من جهة، والبداوة من جهة أخرى، أو بكلمات أخرى بين البداوة، والقبلية بسياقها ومكوناتها وأبعادها الثقافية والاجتماعية والسياسية، وبين البداوة بمعنى نمط سكن واقتصاد معينين.[63] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn63)
3- كان هناك حكم قيمي سلبي على البداوة، وكان ينظر من قبل بعض الخبراء إلى أن التغيير في الواقع الاقتصادي للبدو له وظيفة، أو رسالة سياسية وثقافية، تقوم على تدمير النسق الثقافي للحياة اليومية بين البدو، وكان هناك خبراء يعتقدون بالفعل أن من المصلحة العامة إيجاد جيل بدوي جديد لا يعتمد على عائلاته والأكبر منه سنا في قبيلته، بهدف إضعاف سلطة شيخ القبيلة، ويؤدي لتغيير أنماط الحياة والعادات، والتقاليد البدوية. [64] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn64) وهذا التوجه القيمي السلبي كان قائما على صور نمطية، وبسبب عدم المعرفة بحياة البداوة، والتأثر بالصور الأدبية والسينمائية، وبكتابات الاستشراق عن البدو والبداوة والعرب عموما. ومن الأمثلة الأخرى على شيوع اللغة الأدبية الإعلامية في كتابات الخبراء العاملين مع المؤسسات الدولية، ما قاله أحد التقارير حول مشروع للتوطين في منطقة الجفر، فقد جاء في التقرير: "لقد بدأ فجر حياة جديدة، بهدف واضح هو زراعة القرن العشرين، إلى حيث لم يكن يوجد سوى الجمال"... وجاء في تقرير آخر عن ذات المشروع :"لقد تم خلق مجتمع جديد في الجفر".[65] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn65) ويعتبر بوكو مثل هذه التقييمات، والتعميمات قدرا من "الإخفاء والتلاعب" في تفسير تاريخ المجتمعات البدوية، ويلاحظ بوكو النزعة الاستشراقية الواضحة في هذه التقارير، وتحديدا النزعة الاستشراقية الأمريكية. [66] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn66)
4- هناك اعتقاد عام، انعكس في دراسات خبراء المنظمات الدوليّة، أن المجتمع البدوي ذاته غير قادر على التفاعل مع عمليّات التغيير، وأن التغيير ينتج بالضرورة عن عامل خارجي، هو الدولة أو المنظمات الدولية، ولكن هذا ثبت خطأه، فالمجتمع البدوي، والظروف الموضوعية للتغيير، شركاء فعليون، ومن داخل المجتمع البدوي، لأجل التغيير.[67] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn67)
5- كان هناك استخدام خاطئ لعدد من النظريّات، فقد تم الخلط مثلا بين نمط هيكل القبيلة في إفريقيا، وبناء السلطة فيها، وبين الحالة الأردنية، فاستخدم على سبيل المثال أكثر من باحث رسوما بيانية توضّح تقسيم القبائل إلى عشائر، ثم حمائل وهكذا، وتم الحديث عن سلطة مطلقة لشيخ العشيرة،[68] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn68) ومن ثم اسام ذلك في جعل النظرة إلى البداوة بأنها نمط من أنماط المجتمعات الجامدة المغلقة، وأنه يجب كسر نمط السلطة داخلها، لنجاح مشاريع التنمية فيها. ومن الملاحظ أن عددا من الدراسات انتبه لخطأ هذا التصور للسلطة داخل القبيلة، فمثلا وصف أحد الكتّاب دور شيخ القبيلة بأنه "الأول بين أنداد"[69] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn69) وليس دور المتسلط، أو الحاكم المطلق، وأشار آخرون إلى أن قيام الشيخ بأدوار محددة هي التي تعطيه مكانته، وتسمح له بمواصلة الحصول على مكانة معينة، قد يكون ورثها عن عائلته. كذلك فإن هناك دراسات متزايدة تشير إلى أن الهوية عند البدوي لم تندثر بتغير الظروف البيئية المادية لحياته، فقد تمت المحافظة على الهوية البدوية هوية سياسية وأخلاقية، لأسباب متعددة من ضمنها، قوة المجتمع البدوي المعنوية، إذ ان الالتزام بالقبيلة، ومواقفها حافظت على قوة واضحة، لأسباب منها أن عدم الالتزام يؤدي إلى نبذ أبناء القبيلة لهذا الشخص.[70] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn70) ولكن في واقع الأمر ان هذا لا يعني أن الهوية والسلوك القبلي بقي كما كان عليه في الماضي، وهناك نظريتان رئيسيتان تتعاملان مع تغيرات الهوية الجديدة، أولها" ان البدوي، كما هم آخرون في أي مجتمع، يتبنون هويّات مختلفة تبعا للاختلاف في السياق، والموقف الاجتماعي الذي يتعرضون له، فالشخص يتبنى هويّة في بيئة، ويتبنى غيرها في بيئة أخرى. [71] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn71) كما أن هناك نظرية الهوة الثقافية القائمة على أن التغير المادي يحدث عادة في المجتمع، دون أن يتزامن معه بالضرورة التغير الثقافي، والاجتماعي، ولكن التغير يأتي لاحقا، بمعنى أن التغير المادي يؤدي بالضرورة الى تغير اجتماعي وثقافي، ولكن لا يشترط أن يكون ذلك متزامنا.
6- كانت تقارير "الخبراء الدوليين" هذه تعتمد على "المقارنة"، واعتبار أن التوطّن هو بالضرورة التحضّر والتقدّم،[72] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn72) وتعتبر أن نجاح التنمية بالوصول لأنماط الحياة الغربية، فكان الاهتمام بنسب التمدن، والتعليم، والإعلام والمعلومات، دون الاهتمام الكافي بقدرات ومتطلبات وخيارات المجتمع البدوي ذاته. [73] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn73) وقد شاع استخدام أن الاستغراب، أو تبني نمط الحياة الغربية "westernization" هو دلالة التغير الإيجابي، والتقدّم الاجتماعي.[74] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn74)
وقد بدأ التنبه منذ بدايات الثمانينيات من القرن الماضي إلى أخطاء مشاريع التنمية هذه، والآثار الجانبية من مثل أهمية المراعي، وأهمية أنماط الإنتاج المنزلي والتقيلدي، ومكافحة التصحر، وفي ايلول/ديسمبر عام 1990 أقيمت في عمّان ندوة تناولت منهجا مناقضا لما كان شائعا في فترات الخمسينيات، وحتى السبعينيات، وأكدت الندوة ضرورة عدم الاهتمام بالنتائج القصيرة المدى للتنمية، والتطوير في البادية، والاهتمام بدل ذلك بالتنمية بعيدة المدى.

خامسا: التاريخ الشفوي والاجتماعي
القضية الأخيرة التي يجدر التوقف عندها في هذا البحث، هي موضوع "التاريخ الشفوي"، فالدراسات الغربية في جزء منها، ذات غنى خاص بالنسبة لما يعرف بالتاريخ الشفوي، وبتسجيل التاريخ الاجتماعي. فقيام الكاتب بالنظر إلى المجتمع المحلي بعين الغريب، الذي يلفت انتباهه أمور لا تلفت انتباه أبناء المجتمع أنفسهم تجعلهم بقصد، أو دون قصد يسجلون جزءا من تفاصيل الحياة الاجتماعية، وينقلون التاريخ الشفوي.
فردريك بيك، مثلا، يعتمد على التاريخ الشفوي من محادثاته، واتصاله الشخصي مع أبناء وزعماء العشائر لتدوين التاريخ الخاص بتلك القبائل من مثل عشائر العدوان والعجارمة والمجالي. وينقل بيك الكثير من التفاصيل التي تتعلق بتاريخ، والأحداث التب ترتبط بأماكن معينة، فيتحدث عن أسماء بعض الحجارة والصخور والأشجار في مناطق مختلفة ،تتعلق بأحداث حدثت قرب تلك الأماكن، في مراحل تاريخية معينة، مثل فترة الثورة العربية الكبرى، وغيرها. [75] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn75)
وما ينقله الباحثون يقدّم ــ أحيانا ــ وثائق تاريخية، فمثلا يخلص نيفينز أن ما كتبه ت. لورانس، في كتابه "أعمدة الحكمة السبعة"، هو إما نتيجة "ذاكرة خائنة، أو خيال جامح".[76] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn76) ويحتوي كتاب نيفينز مثلا تأريخا نادرا للثورة العربية الكبرى، من خلال مقابلة قلة كانت متبقية ممن شاركوا، أو شاهدوا الثورة العربية الكبرى مباشرة. وبينما لم يكن نيفينز وشريكه بالبحث د.ماك يبحثان عن صدق رواية لورانس لمسار الثورة العربية الكبرىـ بقدر ما كان يسعيان لاقتفاء آثاره، والسير على خطاه كما حددها في كتابه، ولكنهم خلصوا إلى أن روايته لا يمكن أن تكون دقيقة، وذلك بعد أن قاما بتتبع خطاه وفقا للخرائط والتفاصيل التي ذكرها، ليجدا أنها لا تتفق مع جغرافية وحقيقة المنطقة التي شهدت الأحداث كما وصفها لورنس، وبعد أن استمعا للبدو ممن عايشوا الأحداث، أو من سمعوا من ذويهم ما حدث، وخلصا أيضا لتلخيص رأي البدو في منطقة الأحداث، وبغض النظر عن دقة ما رووه، فإن الثابت أن البدو الذين صورهم لورنس تابعين له، كانوا في كثير من الأحول يرون لورنس، مجرد "خادم" للأمير فيصل بن الحسين، أو أنه مجرد "مرتزقة" أصله غير معروف بدقة، قدّم خبرة معينة في الثورة. [77] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn77) فكتاب نيفينز يخدم مثلا توثيق مرحلة الستينيات والأشهر التي سبقت حرب عام 1967.
ويقدّم كتاب شيروك، وكتابا ليندا لين جزءا مهما من رصد التحولات الاجتماعية، وأثر مشاريع التطوير الزراعي، ودور المدارس، وتطورها في منطقة البلقاء، ووادي الأردن. كما تضم الكتب الثلاث توثيقا مهما، وإشارات للأغاني التراثية البدوية، ولين أمضت أوقاتا طويلة في مدارس وادي الأردن، وتنقل بعض مشاهداتها وملاحظاتها، خلال فترة شهدت الكثير من التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في تلك المنطقة، في الثمانينيات، وتنقل لين كذلك ملاحظات حول ردود الفعل الاجتماعية حول مشاريع الإسكان الحكومي في منطقة العارضة وغور الأردن، وتسجّل مرحلة توسّع خروج المرأة في تلك المنطقة للعمل في المؤسسات والوظائف الحكومية. وتتميز غالبية الكتب بأنها تضم مجموعات من الصور لأشخاص، ومواقع ومناسبات، ما يجعلها أيضا وثائق مهمة للتاريخ الاجتماعي، والسياسي في الأردن.

خلاصة:
اتجهت الدراسات الغربية حول البادية الأردنية وأهلها، من العمومية التي صبغتها حتى منتصف القرن العشرين، إلى التخصص، أي من محاولة إجابة أسئلة مثل من هم البدو؟ إلى التعامل مع قضايا متخصصة، كالهوية، والعلاقات الاجتماعية، والتنمية، والأغاني الشعبية، والاقتصاد، ...إلخ. وانتقلت الكتابات الغربية من الصبغة الاستشراقية الكلاسيكية، بما فيها من نزعات أدبية، وخيال، وتعميم، والانطلاق من الغرب بأنه هو نموذج الحضارة والتقدّم الذي يجب مقارنة كل شيء به، حتى لو كان في ذلك إساءة وانتقاص من قدر من يتم داستهم، إلى إدراك الأخطاء التاريخية الفادحة في إدراك تاريخ أبناء القبائل والبادية في الأردن والمنطقة، وبالتالي الأخطاء في التعميمات والفرضيات التي اعتمدت عليها دراسات، وتقارير المستشرقين، وخبراء التنمية الدولية على حد سواء.
وفي طريقهم لتعديل مناهج البحث، وطرائق الكتابة والتناول التي وسمت الكتابات والدراسات وخطط التنمية، تم اكتشاف أخطاء عديدة أثرت سلبا في مشاريع التنمية والتوطين للبادية، والبدو، ومن أهم الأخطاء، الفرضيات التي شكلت أساس تلك الدراسات، وبالتالي أساس عدد من تقارير ومشاريع التنمية، وأهم هذه الفرضيات، الاعتقاد أن المجتمع البدوي والقبلي يرفض التغيير، وأنه يعيش في عزلة، وبالتالي يعيش حالة "سبات" ثقافي، وهو ما أدى إلى التشكك بإمكانات التغير في البادية، وأدى إلى الاقتناع بأن أي تغيير لا بد أن يأتي استنادا لعامل خارجي، من خارج المجتمع البدوي، أي الدولة المركزية، والمنظمات والهيئات الدولية، هو ما أدى لتبرير عدم إعطاء مجتمع البادية حقه ونصيبه في النقاش والتخطيط للعديد من مشاريع التوطين والإسكان والتنمية، مما أنتج أخطاء في التنمية من نوع عدم الانتباه إلى أن تقديم مصادر دخل جديدة، ومشاريع زراعية وإنتاجية جديدة، والقيام بعمليّات توزيع الأراضي في مناطق العشائر والقبائل، أدت للقضاء على الكثير من أوجه تربية المواشي، ونمط الإنتاج القائم على الرعي، وعدم الحفاظ على أنماط الحياة البدوية، بما لذلك من أهمية ثقافية، وبما تمتلكه من قابلية للتحول لجزء من أنماط إنتاجية ذات خصوصية أردنية، أحدها السياحة البدوية، التي لم يهتم بها باي نوع من الرعاية ، حتى وقت قريب.
منذ بداية التسعينيات بدأت دراسات جديدة تظهر، لتقوم بمراجعة أخطاء الماضي، فتخلت هذه الدراسات عن التقييم السلبي لنمط الحياة البدوية المرتبط بالترحال وتربية الجمال، فتم توثيق وتوضيح السياق الاقتصادي والتاريخي الذي انتشر به هذا النمط، وكيف كان هذا النمط منطقيا وطبيعيا في سياقه، المكاني والزماني، وتم دحض فرضيات السبات، ورفض التغيير، وفرضيات العزلة، وأوضحت خطأ الصورة النمطية التي انتشرت بفعل الاستشراق والأدب والسينما، وعدم رؤية سوى الغزو والحرب والجمال في حياة البدو، فتم توضيح التفاعل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للبدو، وأبناء القبائل في فترة سابقة لظهور الدول الحديثة في الشرق الأوسط، وبالتالي بدأت هذه المراجعات بالتأثير إيجابيا في أعمال خبراء التنمية، لتلافي الماضي، ولتطوير برامج تنمية لا تقضي على فرص الإنتاج وأنماطه المرتبطة ببيئة البادية وتراثها.
وكان بروز الباحثين الأردنيين والبدو بخاصة من أهم العوامل التي أسهمت، ويمكن أن تسهم في تصحيح مجمل التناول العلمي والتخطيط لتنمية أقاليم البادية، وللتعامل مع المكون القبلي والبدوي في سياق الدولة الأردنية؛ إذ لم تعد الدراسات عن الأردن والبدو حكرا على الدراسات الغربية، كما كانت حتى منتصف القرن العشرين، بل أصبح الباحث الأردني مصدرا أساسيا في الأدبيات المكتوبة باللغتين العربية والإنجليزية عن الأردن، والبادية، ولكن لا تزال هناك حاجة أساسية للمزيد من المراجعات، و العمل البحثي.
هناك ضرورة أولا لتنقية ومراجعة أشمل للصور النمطية السلبية التي قدّمت حول تاريخ البادية، والمجتمع البدوي والقبلي، داخل البادية وخارجها. وهناك حاجة لتطوير دراسات التنمية في البادية، وحقيقة ان دور المنظمات غير الحكومية العالمية في برامج تنموية في البادية في ازدياد، يؤكد ضرورة رفد الباحث والقارئ الغربي، بالمزيد من الدراسات والملاحظات حول متطلبات التنمية في البادية، مما يؤكد ضرورة استمرار متابعة ومراجعة الدراسات الغربية حول البادية الأردنية، وإجراء المزيد من الدراسات من خلال الباحثين البدو والعرب، وترجمة هذه الدراسات وتقديمها لمجتمع الباحثين والخبراء الغربيين.
كما أن هناك حاجة للاستفادة من مضمون الدراسات الغربية التي تناولت الأردن ومجتمع البادية، فمن الواضح أن هذه الدراسات وبغض النظر عن الانتقادات التي وجهت إليها، تحتوي الكثير من المعلومات والأفكار الغنية التي تشكل رافدا مهما للبحث، ولإيجاد مشاريع شاملة لدراسة شؤون البادية، وللتخطيط للمستقبل والتنمية، في كثير من الجوانب، من مثل المشاريع الاقتصادية والتنموية، ومجالات الهوية والحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية.


[1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref1) Tariq Tall, The Politics of Rural Policy in East Jordan 1920- 1989, in: Martha Mundy and Basim Musallam, The Transformation of Nomadic Society in the Arab East, (Cambridge: Cambridge University Press, 2000), p.90.

[2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref2) Judge Sparrow Gerald, Modern Jordan, (London: George Allen and UNWIN Ltd., 1961) p.94.

[3] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref3) Nevins and Wright, World Without Time: The Bedouin, (New York: The John Day Company, 1969), p.18

[4] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref4) Linda Layne, Home and Homeland, The Dialogue of Tribal and National Identities in Jordan, (New Jersey: Princeton University Press, 1994),p. x.

[5] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref5) Nevins and Wright, World Without Time., p209.

[6] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref6) Tariq Tall, The Politics of Rural Policy in East Jordan, p.96.

[7] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref7) Nevins and Wright, World Without Time, p105.

[8] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref8) من الأمثلة الكلاسيكية على الكتب التي اعتمدت مصادرتوراتية، والتي نشرت أول مرة عام 1934:
فردريك ج بيك، (ترجمة بهاء الدين طوقان) تاريخ شرقي الأردن وقبائلها، (عمّان: الأهلية للنشر والتوزيع، 1998)، أنظر ص. 4-5.

[9] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref9) Nevins and Wright, World Without Time, pp.19, 105.

[10] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref10) من الأمثلة على ذلك كتب المستشرق المعروف وليام موير مثل: The Califate Its Rise, Decline and Fall، المنشور عام 1915، ومن مثل كتابه The Life of Mohammed، المنشور عام 1878، والتي شكلت جزءا من المصادر لبعض الكتب المبكرة عن الأردن، أنظر، فردريك ج بيك، تاريخ شرقي الأردن وقبائلها، ص. 93، 95، 97، 102.

[11] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref11) Nevins and Wright, World Without Time, pp.15- 16.

[12] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref12) Ibid., p152.

[13] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref13) Riccardo Bocco, International Organisation and the Settlement of Nomads in the Arab Middle East, 1950- 1990, in Martha Mundy and Basim Musallam, The Transformation of Nomadic Society in the Arab East , p.213

[14] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref14) فردريك ج بيك، تاريخ شرقي الأردن وقبائلها، ص7.

[15] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref15) Richard Nyrop, Jordan a Country Study, (Washington D.C: The American University, 1980), p.52.

[16] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref16) Linda Layne, Home and Homeland, . p.4.

[17] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref17) George L. Harris (in Collaboration with Moukhtar Ani Mildred C. Bigelow John ****son Sheila C. Gillen George A. Lipsky Charles H. Royce Alex H. Westfried Percy Winner), Jordan:
its People its Society its Culture, (New York: Grove Press, enc, 1958), p.6.

[18] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref18) أنظر على سبيل المثال:
-Peter Gusber, s, Jordan, Crossroads of Middle Eastern Events, (London: Westview Press, 1983), pp.23, 112
- P.J Vitikiotis, Politics and the Military in Jordan, A Study of the Arab Legion, 1921-1957, (London: Frnak Cass and CO. LTD, p.137.

[19] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref19) Norman Lewis, The Syrian steppe during the last century of Ottoman rule: Hawran and the Palmyrena, in (Martha Mundy & Basim Musllam, The Transformation of Nomadic Society…,) pp3, 33-43.

[20] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref20)Riccardo Bocco, International Organisation and the Settlement of Nomad, pp. 206- 208.

[21] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref21)Ibid.

[22] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref22)Tariq Tall, The Political of rural policy in East Jordan, p.90.

[23] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref23) Basma bint Talal, Rethinking NGO Development, Donors and Civil Society in Jordan, (London: I.B.Tauris, 2004), p.81

[24] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref24) Ibid., p.89.

[25] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref25) Linda Layne, Home and Homeland,. p.3.

[26] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref26) Nevins and Wright, World Without Time , p23.

[27] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref27) Ibid., pp. 300-301.

[28] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref28) Ibid., p.251.

[29] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref29) Linda Layne, Home and Homeland, p.xiii.

[30] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref30) Judge Sparrow Gerald, Modern Jordan, p.104

[31] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref31) Nevins and Wright, World Without Tim , pp. 252, 271

[32] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref32) Ibid., p50.

[33] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref33) Ibid., p91.

[34] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref34) Linda Layne, Home and Homeland, p. xiv

[35] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref35) Nevins and Wright, World Without Time, p110.

[36] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref36) أنظر:
- Peter Gubser, Jordan Crossroads of Middle Eastern Events, (London: Westview Press, 1983), p.111
- Richard Nyrop, Jordan a Country Study, p.170.
- Linda Layne, Home and Homeland, pp. 15, 16.

[37] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref37) Riccardo Bocco, International Organisation and the Settlement of Nomad, p.202.

[38] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref38) Linda Layne, Home and Homeland, p. 15.

[39] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref39) من الدراسات الحديثة التي تحوي معلومات تاريخية تؤكد التفاعل بين المجتمعات البدوية، والمجتمعات المستقرة، تجاريا، وسياسيا، وعسكريا، في كل من فلسطين والأردن:
عادل منّاع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني 1700- 1918، قراءة جديدة، (بيروت: مركز الدراسات الفلسطينية، 1999)، ص. 88- 90.

[40] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref40) المرجع السابق، ص. 90.

[41] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref41) فردريك ج بيك، تاريخ شرق الأردن وقبائلها، ص.164.

[42] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref42) المرجع السابق، ص.178.

[43] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref43) Martha Mundy & Basim Musllam, The Transformation of Nomadic Society…, p1.

[44] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref44) Linda Layne, Home and Homeland, p.14.

[45] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref45) Riccardo Bocco, International Organisation and the Settlement of Nomad, p.202.

[46] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref46) Linda Layne, Home and Homeland,. p.13.

[47] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref47) فردريك ج بيك، تاريخ شرق الأردن وقبائلها، ص.164.

[48] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref48) Linda Layne, Home and Homeland. pp.3, 6.

[49] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref49) Riccardo Bocco, International Organisation and the Settlement of Nomad, p.214.

[50] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref50) Andrew Shryock, Nationalism and the Genealogical Imagination
Oral History and ****ual Authority in Tribal Jordan, (London: University of California Press, 1997), pp.11-14.

[51] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref51) فردريك ج بيك، تاريخ شرق الأردن وقبائلها، ص.213.

[52] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref52) Linda Layne, Home and Homeland, pp. 144- 154.

[53] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref53) في موضوع اللهجات، واحتمالات تشكل لهجة أردنية موحدة، تجمع اللهجات المتباينة حاليا، خصص أستاذ الدراسات العربية الإسلامية في جامعة أدنبرة فصلا حول هذا الموضوع فصلا في أحد كتبه بعنوان "عندما تصطدم اللهجات: اللغة والصراع في الأردن": أنظر:
Yasir Suleiman, A War of Words: ******** and Conflict in the Middle East, (Cambridge: Cambridge University Press, 2004), pp. 58-95.

[54] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref54) فردريك ج بيك، تاريخ شرق الأردن وقبائلها، ص.7.

[55] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref55) Nevins and Wright, World Without Time, p67.

[56] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref56) فردريك ج بيك، تاريخ شرق الأردن وقبائلها، ص.76.

[57] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref57) Riccardo Bocco, International Organisation and the Settlement of Nomad, pp.1999-201.

[58] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref58) Tariq Tall, The Politics of Rural Policy in East Jordan, p.90.

[59] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref59) Riccardo Bocco, International Organisation and the Settlement of Nomad, p.215

[60] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref60) Tariq Tall, The Politics of Rural Policy in East Jordan, p.97.

[61] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref61) Riccardo Bocco, International Organisation and the Settlement of Nomad, p.201.

[62] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref62) Ibid., p.202.

[63] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref63) Linda Layne, Home and Homeland, p. 15.

[64] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref64) Riccardo Bocco, International Organisation and the Settlement of Nomad, p.204.

[65] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref65) Ibid., p.211.

[66] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref66) Ibid., p.212.

[67] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref67) William and Fildelity Lancaster, People, Land and Water in the Arab Middle East: Environment and Landscapes in the Bilad ash-Sham, (Amsterdam: Overseas Publishers Association, 1999), p.11.

[68] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref68) Peter Gubser, Jordan Crossroads of Middle Eastern Events, pp. 43-45, Richard Nyrop, Jordan a Country Study, p.71. Linda Layne, Home and Homeland, p.5.

[69] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref69) Peter Gubser, Jordan Crossroads of Middle Eastern Events, p.83.

[70] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref70) William and Fildelity Lancaster, People, Land and Water, p.12.

[71] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref71) Ibid., p.12.

[72] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref72) Linda Layne, Home and Homeland, p.15.

[73] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref73) Riccardo Bocco, International Organisation and the Settlement of Nomad, p.212.

[74] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref74) Richard Nyrop, Jordan a Country Study, p.60.

[75] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref75) فردريك ج بيك، تاريخ شرق الأردن وقبائلها، ص.167-168، 175.

[76] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref76) Nevins and Wright, World Without Time, p248.

[77] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref77) Nevins and Wright, World Without Time , p238.