المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإبدَاع والاتبَاع في أَشــعَار فـُـتـّاكِ العَــصرِ الأُمـوي  


Eng.Jordan
08-25-2012, 03:46 PM
حمل الدراسة كاملة من المرفقات



الدكتور عبد المطلب محمود

الإبدَاع والاتبَاع
في أَشــعَار فـُـتـّاكِ العَــصرِ الأُمـوي
دراسَــة



من منشورات اتحاد الكتاب العرب
دمشق - 2003




المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

يشكّل الشعراء الفتّاك وأشباههم، من الفرسان والصعاليك المعروفة: الخُلعاء والشّذاذ والمتمردين والأغربة والفقراء واللصوص، أو من نعت بهذه النعوت أو ببعضها. طائفة مهمة من طوائف الشعراء التي ظهرت في العصر الأموي، ومثّلت امتداداً طبيعياً لمن سبقها من طوائف الشعراء الفرسان والصعاليك وشعراء المعلقات وشعراء العقيدة الإسلامية، التي برزت وانتشرت في العصر السابق للإسلام وعصر صدر الإسلام من عصور الأدب العربي، مثلما تشكل هذه الطائفة جزءاً من مسيرة الشعر العربي وازدهارها وتطورها، انطلاقاً من العصر الأموي نفسه وحتى وقتنا الحاضر.
وقد كان للشعراء الفتّاك وعدد من الخلعاء واللصوص حضورهم ودورهم في عصر صدر الإسلام، لا بل كان لعدد منهم - وقد تاب واهتدى - مواقف مشهودة وموثقة تاريخياً، في الفتوحات الإسلامية التي انطلقت من أرض الجزيرة العربية، مهبط الوحي ومركز الإشعاع الإسلامي، في عهد الخليفة الراشد الفاروق عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) نحو مناطق مختلفة من الأرض العربية، ومنها: العراق وبلاد الشام، على ما هو ثابت ومعروف.
بَيد أن هذه الطائفة من الشعراء، لم تنل النصيب الكافي من الدراسة الفنية المتخصصة التي تُبّين ملامحها الإبداعية، ضمن حركة تجديد الشعر وتطويره، تلك الحركة التي رافقت ازدهار الحياة الأدبية في العصر الأموي، بل كانت معظم الدراسات السابقة التي تناولتها قد انصبّت على الجانب التاريخي، لاعتماد الدارسين على المنهج التاريخي أصلاً، فضلاً عن اختلافهم في زوايا النظر إلى العدد المحدود من هؤلاء الشعراء، الذي جُمع شعرهم في الربع الأخير من القرن العشرين وحُقِّق تحقيقاً علمّياً، إذ اكتفت بعض الدراسات بعرض وجهات نظر تاريخية وأخلاقية أو اجتماعية بشأن الشعراء المذكورين، أو قدمت إشارات مبتسرة عن بعض الجوانب الفنية، مع تأكيد الدعوة إلى ضرورة دراسة هؤلاء الشعراء فنياً، وإبراز سمات التجديد ومظاهرها في أشعارهم التي تقدم معالم إبداعية في مسيرة الشعر العربي، في ذلك الوقت المبكر من تاريخ نضوج هذه المسيرة وتناميها وازدهارها.
من هنا كان على هذه الدراسة أن تلبي تلك الدعوات النبيلة، التي جد في إطلاقها الاستاذ الدكتور نوري حمودي القيسي، لا سيما خلال الجزءين الأول والثاني من كتابه (شعراء أمويون) الذي ضم عدداً كبيراً من شعراء العصر الأموي والذي اجتمع في جزئه الأول وحده سبعة من هؤلاء الشعراء الفتاك وأشباههم، بينما ضم الجزء الثاني شاعراً واحداً فقط منهم، وكان علينا أن نعتمد في دراسة هذه الطائفة من الشعراء على المنهج التحليلي الفني أولاً، وعلى شيء من المنهجين: النفسي والأسلوبي، لاستكمال دراسة أشعار هذه الطائفة، مع الإفادة من المنهج التاريخي نفسه، وصولاً إلى تبيِّن معالم الإبداع وأسسه الفنية التي تظهرها هذه الأشعار، المجموعة المحققة منها تحقيقاً علمياً - تحديداً - ما دام الهدف الرئيس من هذه الدراسة قد انصب على ملاحقة جذور ما يمكن تسميته بعملية "تحديث" الشعر العربي وأصولها الحقيقية، بعد أن تبين لنا مما درسناه من شعر رواد قصيدة التفعيلة وأثر التراث والحداثة فيه، أن أصول تطوير هذا الشعر وتجديده وبروز السمات التحديثية فيه لم تكن وليدة العصر الحديث من عصور الأدب العربي، ولم تكن نتاج الرياح الخارجية التي هبت على الحياة العربية بعامّة، وعلى الشعر العربي بخاصّة، وإنما كانت تمتد أصلاً إلى العصر الأموي الذي ظهرت فيه وبرزت ملامح التجديد والتطوير بالفعل، لأسباب ودوافع سياسية واجتماعية وثقافية وحتى فكرية، مما تتطلبه أية عملية من هذا النوع في مجال أو ميدان من مجالات الحياة وميادينها كذلك.
وانطلاقاً من الرغبة في الوقوف بثبات أكبر على هذه الحقيقة، النبيلة، ومن ضرورة الانطلاق من روح الجهود العلمية التي أظهرتها الدراسات المهمة السابقة، ومن أهمية المنهج التحليلي الفني كذلك في الوصول إلى نتائج أكثر وضوحاً تصُب في خدمة هذه الدراسة وأهدافها، رأيت تقسيمها إلى أربعة فصول، خصَّصت الأول منها لدراسة مفهوم الفتك والصعلكة، من خلال عرض أهم المعاني المعجمية والمفهومات الاصطلاحية لهذَين النَعتين تحديداً، لترادفهما في عدد من الملامح والسمات، ثم من خلال عرض السمات المتباينة بينها - بعد الوقوف على المعنى والمفهوم الأكثر دقّة لكل منهما - وانطلاقاً بعد ذلك لتحديد العوامل والدوافع التي أدت إلى ظهور هذه الطائفة، والآراء ووجهات النظر المتباينة التي عكستها دراسات الباحثين السابقين بشأنها، فضلاً عن تحديد أبرز الشعراء الذين عنيت بدراستهم من بين عشرات آخرين من شعراء هذا العصر، مع الحرص على مناقشة تلك الآراء ووجهات النظر، وملاحظة ما أمكن ملاحظته من كل إيجابي او سلبي منها، ومحاولة تقريب أبرز ما يمكن من تلك الإيجابيات إلى بعضها، واستبعاد كل ما هو سلبي لا يخدم هدف هذه الدراسة.
في حين تناول الفصل الثاني بالدراسة المضامين الفكرية والموضوعية في شعر طائفة الشعراء الفتاك وأشباههم المختارة، لأن هذه المضامين تشكل الأرضية الحقيقية لأي عمل إبداعي من جهة، وأن من شأنه الكشف عن الأبرز مما يدخل ضمن معالم الإبداع وأسسه المنشودة في أشعارها، وفي الشعر بعامة من جهة أخرى.
لذلك انطلق البحث في هذا الفصل من تحديد المعنى الدقيق - معجمياً واصطلاحياً - للإبداع والمفهومات التي إنتهى اليها الباحثون والنقاد العرب والغربيون القدامى منهم والمحدثون على السواء بشأن الإبداع نفسه تمهيداً للدخول في مجال معاينة هذه المضامين، وتلمُس الأكثر أو الأبرز أو الأكثر تعبيراً عن الجدّة والابتكار، فكانت الموضوعات المستهدفة تتوزَع على: التشرّد والخوف، والحنين إلى الأهل والأحباب، وعذاب السجن، والايمان والحكمة، وأخيراً الاعتداد بالنفس. وقد حاولت من خلالها تأكيد أهمية مستجدات الحياة في العصر الأموي، وما شهده من متغيرات فكرية (سياسية ودينية) ومتغيرات اقتصادية واجتماعية، وما شكلته من أبعاد ثقافية، في بروز هذه المضامين والموضوعات أكثر من سواها مع تسجيل ملاحظة مهمة في هذا الشأن تتعلق بتماثل بعض هذه الموضوعات التي سبق أن طرقها الشعراء السابقون، في عصرَيْ: ما قبل الإسلام وصدر الإسلام.
ولقد توخى البحث في الفصل الثالث السعي للوصول إلى الهدف نفسه، ولكن من زاوية أخرى هي الزاوية الخاصة ببنية أشعار طائفة الشعراء هذه فنيّاً، والتي وصفها البحث بـ "البنية الشكلية" من أجل الوقوف على شكل البناء الشعري ومدى إيغاله في التقليدية المعروفة للقصيدة العربية، أو تباينه مع ذلك الشكل، من خلال ثلاث خصائص تتمثل أولاها، بالبنية الشكلية (أبيات مفردة ومقطعات وقصائد ومطولات)، لتحديد البنية الأكثر هيمنة في أشعار هذه الطائفة، وما تعنيه هذه الهيمنة - من حيث الدوافع والأسباب - من جهة، ثم ما تشكله من معالم إبداع أو عدمها في هذه الأشعار قياساً بمن سبق من شعراء العصرَين اللذَّين تقدّما على العصر الأموي من جهة ثانية، ثم دراسة الخصيصة الثانية المتمثلة بالبنية الموسيقية (الأوزان أو البحور والقوافي الشعرية)، لتحديد الأكثر هيمنة من بينها في هذه الأشعار، والوقوف - من ثَمَّ - على غاية هذه الدراسة وهدفها منها، بينما تناول البحث الخصيصة الثالثة المتمثلة بالبنية الموضوعية، أو حضور الوحدتين: العضوية والموضوعية في البناء الهيكلي الخارجي لهذه الأشعار، من خلال دراسة عدد من الأمثلة المختارة من المقطعات والقصائد والمطولات الشعرية، من بين مجموع اشعار هذه الطائفة من الشعراء، وما يمكن أن يظهره هذا الجانب من جوانب - أو خصائص - البناء الشكلي للأشعار من ملامح إبداع أو عدمها، لما لهذه الخصائص - مجتمعة - من أهمية مرتبطة بالمضامين الفكرية والموضوعية، التي تم تناولها في الفصل السابق (الفصل الثاني) من جانب، وكذلك بالخصائص الأسلوبية التي تمثل البنية الداخلية لهذه الأشعار، والتي تناولها الفصل الرابع من هذه الدراسة، من جانب آخر إذ تناول البحث أبرزها وحاول أن يوزعها على ستة محاور، هي: الخصائص اللغوية، من حيث استخدام شعراء هذه الطائفة لمفردات اللغة وألفاظها وتراكيبها، وبأساليب مبتكرة ومتفردة، ثم: الخصائص المعنوية، من حيث تكثيف المعاني وإيجازها أو سعتها في الأشعار، ثم: الصور الفنية، من حيث استخدام الشعراء المختارين لحواسهم في تشكيلها، وفي مقدمتها حاسة البصر ثم السمع فالشم فاللمس وحاسة الذوق وتناول المحور الخاص بدراسة الانفعال الواقعي والخيال هذين الاتجاهين الأسلوبيين للوقوف على الأكثر هيمنة من بينهما على الأشعار وما عكساه فيها من صور ومعان شعرية تدل على التفرد والابتكار، وتناول المحور الخامس أساليب التكرار في الحروف والألفاظ والمقاطع الصوتية، التي أبرزتها أشعار هذه الطائفة من شعراء العصر الأموي، وما بينته من جدة وابتكار من جهة ثم ما عكسته من أحوالهم النفسية والروحية من جهة ثانية، بينما تناول المحور السادس (الأخير) خصيصة الاتجاه القصصي في معظم أشعارها، وما شكلته من امتداد أسلوبي لأشعار سابقيها ومعاصريها من الشعراء على السواء.
وأخيراً، جعلت من خاتمة هذه الدراسة عرضاً لأبرز النتائج التي أمكن التوصل إليها، بما أكد الأسس والملامح الإبداعية في أشعار هذه الطائفة من الشعراء، أو نفاها عنها في بعض جوانبها الفنية الأخرى، ومن ثم فهي نتائج تعكس وجهة نظرنا أولاً وأخيراً، ويمكن لها أن تكون على درجة من الصواب مناسبة أو على العكس من ذلك، وهذا شأن الدراسات الأدبية التي عادة ما تختلف الأحكام بشأن زوايا الرؤية ونتائجها منها، آملاً أن يكون التوفيق من نصيبها، ومن الله تعالى العون والتوفيق .


***





الفصَل الأوَل :

مَفهومُ الفَتك ومُرادِفاته
العوامل والأسباب


برزت طائفة الشعراء الفتَاك في العصر الأموي، بين طوائف مختلفة من الشعراء اتَضح ظهورها في هذا العصر الأدبي المهم في تاريخ الأدب العربي، وحققت حضوراً ملموساً في الحياة العامة، مثلما أسهمت في تسجيل جانب من معالم هذا العصر، وما شهده من ازدهار في مجالات الأدب وفنونه الشعرية والنثرية، لا سيما من حيث ظهور أُولى ملامح التجديد في موضوعات الشعر وأغراضه وأساليبه على السواء، مثلما أكد الكثير من الباحثين( ). وقد اختلف مؤرخو الأدب العربي، ودارسوه ونقاده، قداماهم ومحدثوهم، اختلافاً كبيراً في هذه الطائفة الشعرية، سواء على النعت الأنسب لها، أو على الدوافع والعوامل التي أدت إلى ظهورها، أو حتى على طبيعة حياة شعرائها وانعكاس تلك الحياة في شعرهم، ومدى الإضافة التي حققتها أشعارهم إلى تاريخ الشعر العربي في عصرهم.

من هنا رأيت أن ضرورات الدراسة تستدعي الوقوف - ابتداءً - على النعت الأكثر ملاءمة لطائفة الشعراء هذه من خلال تحديد معنى (الفتك) في اللغة والاصطلاح، إذ وقفت الدراسة في (تهذيب اللغة) على تعريف (أبي عبيد) الذي يقول فيه " الفتك: أن يأتي الرجلُ صاحبَه وهو غارّ حتى يشدً عليه فيقتله، وإن لم يكن أعطاهُ أماناً قبل ذلك، ولكنْ ينبغي لـه أن يُعلمَه ذلك "، وكذلك ما نقله عن أبي عبيد من تعريف الفرَاء للفتك إذ ذكر الفِتْكُ والفِتْك للرجل يفتك بالرجل: يقتله مجاهرةً، ثم عن ابن شُميل الذي ذكر :" تفتَّك فلانٌ بأمره أي مضى عليه لا يؤامر (لا يشاور) أحداً ثم عن الأصمعي الذي عرَّف الفاتك بأنه " الجريء الصدر "، وعن أبي منصور قوله: " أصل الفتك في اللغة ما ذكره أبو عبيد، ثم جعلوا كلَّ مَنْ هجم على الأُمور العظام فاتكاً "( ).
وفي (المحيط في اللغة) تبين أن الفتك يعني: " أن تهُمَّ بأمر فتُمضيَه " (…) وفتك فلان في أمره وأفتك: لجَّ فيه وغلا. وفتك في الخبث فتوكاً "( )، بينما عرَّفه صاحب (مجمل اللغة) بأنه الغدر، والاغتيال( ). وفي (أساس البلاغة): " القاتل على غِرَّة " وأجاز القول: " حيَة فاتكة اللسع (…) وهذه إنسانة فاتكة: ماجنة وقد فتكت "( )، وعرَّفه صاحب (لسان العرب) بقوله: " الفتك: ركوب ما همَّ من الأمور ودَعَت إليه النفس (…) والفاتك: الجريء الصدر، والجمْع: الفُتَّاك (…) وفَتَك بالرجل فَتْكاً وفُتْكاً فِتكاً: انتهز منه غِرَّةً فقتله أو جرحه "( )، وهذا المعنى نفسه أخذ به صاحب (القاموس المحيط) ثم صاحب (تاج العروس) الذي أورد حديثاً شريفاً للرسول محمد، صلَى الله عليه وسلَم، جاء فيه: " قيّدَ الإيمانُ الفتكَ، لا يفتك مؤمن "( ) وقد أورد عدد من هذه المصادر اللغوية قولَ المخبَّل السعدي:
" وإذ فتك النعمانُ بالناسِ مُحرِماً
فمُلِّئَ من عوفِ بن كعبِ سلاسِلُهْ "( )


وروى (الزَبيدي) بشأن هذا البيت، ملخَّصاً لحادثة تاريخية تشير إلى قيام الملك النعمان بن المنذر بإرسال جيشه إلى بني عوف بن كعب في الشهر الحرام، وهم آمنون (غارَون) غافلون، فقتل فيهم وسبى منهم معشراً، تأكيداً لعلاقة الفتك الذي يقع في حالة الغفلة واقترانه بها( ) .
في حين حدَّد الدكتور عادل البياتي، في بحثه وتحقيقه ودراسته لشعر (الحارث بن ظالم المرّي) الذي عدَّه من مشهوري الفتّاك في العصر السابق للإسلام، عدداً من المفهومات المتعلقة بعملية الفتك، وروى حكاية فتك الحارث بخالد بن جعفر العامري وبأخٍ للملك النعمان أو ابن يدعى (الأسوَد) وبابن الشاعر السموأل، في الحادثة الشهيرة التي تروى عن طلب الحارث من السموأل أدراع الشاعر امرئ القيس، التي كان قد أمنَّها لدى السموأل، ثم نقل الدكتور البياتي عن الحارث قوله:
" ألا سائل النعمانَ إن كنتَ سائلاً وحيَّ كلابٍ هل فتكتُ بخالدِ " ( ) .
وكذلك قوله عن فتكه بخالدٍ العامري، عند إقدامه على الفتك بابن النعمان أو أخيه:
" فتكتُ به كما فتكتُ بخالدٍ
وكان سلاحي تجتويه الجماجمُ "( )

وإذا كان الدكتور البياتي قد أشار إلى حقيقة وقوع خلاف بين علماء اللغة، بشأن تحديد المعنى الاصطلاحي لكلمة (الفتك) حتى في العصر السابق للإسلام، فقد انتهى بعد جولته في المعجمات العربية إلى أن الفتك كان أشرف أنواع القتل لدى العرب " لأن صاحَبه لم يغدر بالضحيَة ولم يأخذْها غيلةً "( )، استناداً إلى رأي أبي عُبيد الذي يؤكد هذا المعنى في عبارته القائلة: " ولكن ينبغي لـه - للفاتك - أن يُعلمَه - أي صاحبَه - ذلك " مثلما مرَّ من تعريفه، وهو ما فعله الحارث بن ظالم - مثلاً - عندما قال وقد انتوى الفتك بخالد بن جعفر، وكانا معاً في حضرة الملك النعمان:
" تعلَّم أبيتَ اللعنَ إنّي فاتكُ
من اليومِ أو من بعدهِ بابنِ جعفر "( )

مما ينفي عن الفاتك إتيانه صاحبَه " وهو غارّ غافل حتى يشدَّ عليه فيقتله " مثلما ذكر أبو عبيد في تعريفه، وهذا ما جعل الدكتور البياتي يشير صراحةً إلى أن هذا النوع من القتل لا يشبه ذاك، ويختلف الفتك عن الصعلكة اختلافاً كبيراً، إذ نجد أن صاحب (لسان العرب) قرَر أن كلمة (صعلوك) تعني: " الفقير الذي لا مال له، زاد الأزهري: ولا اعتماد. وقد تصعلك الرجلُ إذا كان كذلك "( )، وقرر كذلك أن الصعاليك هم " ذؤبان العرب "، بينما رأى الفيروزآبادي والجوهري أن اللصوص من بينهم، وحدَّدا (اللص) بمن تكرّرت سرقته أو اتّخذها مهنةً يعيش منها( )، وهذا ما درسه الدكتور يوسف خليف وفصَّل فيه تفصيلاً دقيقاً وإن كانت محاولته لتحديد مفهوم الصعلوك من الجانب الاصطلاحي، شابَها غير قليل من التداخُل الذي أدى إلى الاضطراب، فهو تارة يحَدد الصعلوك بـ " الفقير الذي لا مال لـه يستعين به على أعباء الحياة، ولا اعتماد لـه على شيء أو أحد يتكىء عليه أو يتكلّ عليه ليشقَّ طريقه فيها ويعينه عليها "، ذكره من هؤلاء الصعاليك في العصر السابق للإسلام، ليُقرر أنّهم ليسوا أولئك الفقراء المُعدَمين الذين يقنعون بفقرهم، أو الذين يستَجْدون الناسَ ما يسدّون به رمقهم "، بل هم أولئك المشاغبون أبناء الليل، الذين كانوا يسهرون لياليهم في الإغارة والغزو من أجل سلب الأموال ونهبها، والذين اتخذوا من هذه الأساليب الحرفة التي قامت عليها حياتهم، و" الأُسلوب الذي انتهجوه فيها لتحقيق غاياتهم "( ).
ويبدو واضحاً أن هذا الاضطراب في تحديد الاصطلاح الأدق للصعلوك، مردُّه علماء اللغة الأقدمون أنفسهم، الذين رادَفوا بين الفاتك والصعلوك والفارس واللص، أو بين الراغب في القتل المُقدِم عليه بملء الإرادة والتصميم، ولأسباب ودوافع تختلف اختلافاً كُلياً عن المُقدِم على القتل وسلوك سبيله من أجل الحصول على لقمة العيش، عَبر الإغارة والغزو ووسائلهما وأساليبهما، وهذا ما كان أيضا وراء اختلاف وجهات النظر إلى فتاك العصر الأُموي، من الشعراء تحديداً .

فهل كان الشعراء الأُمويون الذين نعتوا بـ( الصعاليك) أو (اللصوص) فتّاكا بالمعنى الذي ذكرنا ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍؟ أم كان هذان النعتان أدق وأكثر صواباً مما أردنا لهم وتلمسناه فيهم ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍؟ ثم: هل إن لظروف حياتهم في العصر الأُموي ومتغيّراته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية، لا بل حتى الفكريّة (العقيدية)، علاقة مباشرة بأيٍ من النعوت الأنسب للكثيرين منهم ؟
من الواضح أن الإجابة الدقيقة يمكن أن تتحقق بشيء من الجلاء، إذا ما حاولنا استجلاء الآراء التي قال بها الدارسون السابقون، بشأن هذه الطائفة من الشعراء، ومن ثم مناقشتها من أجل الوقوف على حقيقة هؤلاء الشعراء، قبل الدخول في الفصول الإجرائية الساعية إلى التعرّف على مدى جدّة ما قدَّموه في أشعارهم وما أضافوه من إبداع إلى الشعر العربي .
لقد اعتمد الدكتور حسين عطوان - مثلاً - في نعته هذه الطائفة من الشعراء بـ" الصعاليك "، على عدد من الدراسات التي استعان بها وأفاد منها، والتي جعلته يقرر " أن الصعلكة قد ضعفت في صدر الإسلام ضعفاً شديداً "، إذ أزال الإسلام أسباب وجودها، حين ساوى بين الناس وأعطى لكلًّ حقَّه ووفّر عليه حظّه من الحياة الكريمة، ووضع القواعد والقوانين الشرعية (الحدود) لمعاقبة السارق وقاطع الطريق والخارج على الجماعة، ولمحاسبة المُفسد في الأرض وغير أولئك من المخالفين لشريعة الإسلام( ).
لكنه لم يبتَّ بأمر توقُّفِها - أي الصعلكة - توقُّفاً تامَاً في عصر صدر الإسلام الذي جعل من استعراضه لحركة الصعلكة فيه مدخلاً لدراسة صعاليك العصر الأموي من الشعراء، إذ توقف عند أسماء عدد من الشعراء الذين ظلَّت رواسب الصعلكة تتبدَى بوضوح عندهم، لعدم تعمُّق الإسلام في نفوسهم وعدم استقامة سلوكهم معه، ومثَّل لهم بـ" أبي الطمحان القيني وفضالة بن شريك وشبيب بن كريب الطائي وحسَكة بن عَتاب الحبَطي التميمي وعمران بن الفصيل البرجمي، الذين " أقصر بعضهم عن التصعلك القائم على الإغارة والغصب " وبقي في أنفسهم شرٌّ كثير عَّبروا عنه بمواصلة هجاء الآخرين، وهو - عند الدكتور عطوان - أهم مظهر " من رواسب الصعلكة "( )، بينما استمر بعضهم الآخر في التصعلك القائم على سلب الناس أموالهم وقطع الطريق وشن الغارات على سكان بعض المناطق.
بينما رأى إحسان سركيس، أن الصعلكة اختفت في عصر صدر الإسلام، لانتفاء ما أسماه بـ" الدواعي الحادية عليها " ولاستقرار سلطة الخلافة الراشدَية، بحيث لم تعد أية قبيلة تجرؤ على حماية أيِّ خارج على ما أسماه بـ" النظام والقانون " أو إجارته، فضلاً عن اجتذاب الفتوحات الإسلامية كلَّ نفسِ مستوفزة ثائرةً وتحوي طاقاتها إلى أهداف " يشترك فيها الجميع وينعم بخيرها "( ) .
وثمَة رأي ثالث، قال به عبد المعين الملَوحي، مفاده أن اسم (الصعاليك) أُطلق على لصوص العصر السابق للإسلام، وأن أسلوب اللصوص استمر في عصر صدر الإسلام والعصر الأموي، مشيراً إلى أنّهم " سُمُّوا بهذا الاسم لأسباب دينية " يبدو أنه فاته تحديدها، لكَنه أوضح أنّهم قَّلما سُمّوا باسم (الصعاليك) لأنهم " كانوا يعتمدون على السيف والثورة في تحصيل أقواتهم، لا بل زاد على ذلك بقوله: أو ربما استُحدِثت أنماط من الغارة جديدة، هي الغارة على أموال الخراج أو الأموال المجموعة لتذهب إلى الخلفاء في بيوت المال"( ) .
هناك أسماء لعدد من الشعراء المخضرمين، من المحسوبين على هذه الطائفة، أي الصعاليك، أو الفَتاك أو اللصوص، الذين عاش بعضهم في مطلع العصر الأموي، واختلطت على الرواة والمحققين والدارسين لحياتهم وأشعارهم النعوت والتسميات، إذ ظهر هذا الترادف واضحاً في عدد من المصادر القديمة، فقد عدَّ صاحب (المحبَّر) مثلاً كُلاً من: مالك بن الريب والقَتال الكلابي وعبيد الله بن الحر الجعفي وقران بن يسار الفقعسي وعقيبة بن هبيرة وعبد الله بن خازم السلمي وعبد الله بن سبرة الحرشي وعبد الله بن الحجَاج الذبياني، فتّاك الإسلام ( ) بينما كان صاحب (الأغاني) مثلاً قد عدَّ عبد الله بن الحجّاج الذبياني بين الشعراء الفتّاك الشجعان، ثم نعته - في الوقت نفسه - بالشجاع الفاتك الصعلوك المتسرَع إلى الفتن، في حين عدَّ صاحب (معجم الشعراء) مالك بن الريب: " ظريفاً أديباً فاتكاً، أصاب الطريق مدّة ثم نسك فأمَّنه بشر بن مروان "( ) ولعله أراد القول إن (مالكاً) تاب عمَا كان عليه، لأن النسك - مثلما هو معروف - يعني الانصراف إلى العبادة وليس التوبة بعد إصابة الطريق، وقد أكدَت حياته حقيقة توبته لا تنسُّكه مثلما عُرف عنه.
وعندما درس الدكتور نوري حمودي القيسي حياة (عبيد الله بن الحر الجعفي) بعد أن حقَّق أشعاره،، أبقى على نعوت مترادفة ومتباينة كان الرواة والمؤرخون قد ألحقوها به، فنقل عن (البلاذري) في (أنساب الأشراف) أنه " الشجاع الفاتك " وأنه " كان لا يقاتل لديانةٍ، وإنما همُّه الفتك والتصعلك والغارات " بينما نقل عن (الطبري) أنه عدَّه رجلاً " من خيار قومه صلاحاً وفضلاً وصلاةً وجهاداً، لا بل رأى فيه رأياً واضح التباين مع رأي (البلاذري) حين وصفه بأنه " ما كان في الأرض عربيِّ أغيَرَ عن حُرَّة ولا أكف عن قبيح وعن شراب منه "( ).
إن هذه الأمثلة القليلة، تؤكد ولا شك أن الرواة والمؤرخين القدامى كانوا يطلقون النعوت التي تبدو مترادفة ومتباينة في الوقت نفسه، على هؤلاء الشعراء وأمثالهم، استناداً إلى ما سمعوه عنهم مما كان يتناقله الآخرون، على اختلاف وجهات نظرهم فيهم، التي تعدَّدت وتشعبَّت بعد ظهور الإسلام ورسوخ أشكال النظام وتطوُّر أساليب الحكم، في عصرَيْ صدر الإسلام والعصر الأُموي. وإلا فما معنى أن يكون شاعر مثل (عبد الله بن الحجَاج) شجاعاً فتاكاً وصعلوكاً متسرِّعاً إلى الفتن في الوقت نفسه ؟! ثم ماذا يعني هذا التناقض الواضح بين رأيَيْ (البلاذري) و (الطبري) في شاعر واحد مثل (عبيد الله بن الحر) ؟!
إن العصر السابق للإسلام كان يقرن الفتك بالصعلكة، الفتك بمعنى الشجاعة والفروسية وجرأة الصدر والإقدام على فعل " ما همَّ من من الأمور ودعَتْ إليه النفس "، مثلما عرَّفه صاحب (لسان العرب) واوردناه، والصعلكة بمعنى الشجاعة والجرأة - لا الفقر وحده - ما دامت العرب وقتها عدَّت الصعاليك ذؤبانها، مثلما ذكر صاحب (اللسان) أيضاً، بينما جُعِل اللصوص من بينهم لأنهم مثلهم يتحصّلون أرزاقهم بسلوك أساليب النهب المعروفة نفسها، وإن اختلفت في جوانب رئيسة منها، إذ قد لا يحتاج عمل اللص إلى شجاعة وفروسية واستخدام سلاح، بل يعتمد المكر والمراوغة والاحتيال على ضحيته، إنساناً كان أم حيواناً جعله هدفاَ لـه، وإذ قد لا يكون الفاتك لصّاً يسرق أموال الناس ويُغير على ممتلكاتهم ليغصبها، بل يسارع إلى إنفاذ ما همَّ من أموره، ودعَتْه إليه نفسه على سبيل الثأر - شأن الحارث بن ظالم- في العصر السابق للإسلام، وشأن عبد الله بن الحجّاج وعبيد الله بن حر، في العصر الأُموي .
من هنا، يمكن القول إن التداخل بين النعوت قديماً، كان من الأسباب الرئيسة لوقوع الدارسين المعاصرين في إشكالية تسمية هذه الطائفة من الشعراء، التي دُرست بين ما دُرس من طوائف الشعراء الأُمويين، في ضوء عوامل ودوافع مختلفة، وفي إطار وجهات نظر محدَّدة إلى تلك العوامل والدوافع التي لم يكن الترادف والتباين الذي أحدث التداخل قديماً، إلاّ واحداً من محدّداتها.
فلو توقفنا عند دراسة الدكتور عطوان، التي سبقت الإشارة إلى العوامل التي عرضها، والتي رأى من خلالها أن الصعلكة " لم تتوقف ولم تضعف في العصر الأموي، بل استمرّت فيه وقوِيَت( ) "، وهي اختلال الحياة الاقتصادية، واضطراب الحياة السياسية، والتمسّك بالروح الجاهلية( )، لأمكننا القول إن الفتك - وليس الصعلكة - هو الذي استمر وقويَ في هذا العصر، وأن الصعلكة واللصوصية كانا من بين ظلاله من جهة، وأن هذه العوامل والدوافع تكاد تكون عاملاً واحداً، وإن اختلفت زوايا النظر إليه، من جهة اخرى .
ذلك أن الدكتور عطوان نفسه يقرّر عند حديثه عن الناحية الاقتصادية، أن الأموال التي كانت ترِد إلى بيت المال لم تكن قليلة بحيث لا يتمكن الخلفاء الأمويون من الإنفاق منها على المصلحة العامة، ولكنَّ خيانة بعض العمال والسعاة الذين كانوا يجمعون تلك الأموال، واستصفاءَهم لها لأنفسهم، وتأثر بعض الخلفاء بالسياسة في تطبيق النظام المالي وجباية الصدقات وأموال الخراج، أدَّت -بحسب رأيه- إلى إفقار القبائل المناوئة لسلطة الخلافة من جهة بإبهاظها بالصدقات، وإلى إغناء القبائل المناصرة للسلطة، بتخفيف الصدقات عنها، من جهة ثانية، لينتهي إلى القول بأن " الصعاليك الأمويين كانوا متبنين لهذه السياسة، مدركين لمساوئها …"،بحيث ظهر بين هؤلاء الشعراء من ندَّد بسياسة الخلفاء الأمويين، وضرب على ذلك مثلاً بمالك بن الريب وأضرابه من الصعاليك الفقراء( ) .
أما عند حديثه عن العامل السياسي، فيقرّر أن تقريب الخلافة الأموية للقبائل اليمانية، وإبعادَها القبائل المضرّية، كانت دوافع وراء اضطراب الأحوال السياسية، أدت إلى نشوء مَنْ أسماهم بـ " الصعاليك السياسيين " الذين أضاف إليهم العامل الأول (الاقتصادي) دوافع أخرى لتوجيه حركتهم لا إلى الإغارة على الناس لتحصيل أقواتهم وحسب، بل أيضاً " إلى توعُّد الأُمويين الحاكمين " والسعي لتقويض دولتهم، وضرب مثلاً على هؤلاء الصعاليك بمالك بين الريب وعبيد الله بن الحر الجعفي، الذي عدَّه "أذكر صعلوك سياسي أنشأته الظروف السياسية المتقلبة المضطربة "، فضلاً عن عبد الله بن الحجّاج الذبياني، الذين هددّوا العمّال والخلفاء وساهموا في الثورة بهم ومصارعة جيوشهم، وسلبوا أموال الدولة" مانعين خراج بعض المناطق التي سيطروا عليها من الوصول إلى بيت المال "( ). وعندما يتحدث عن العامل الاجتماعي، يقرّر أن نفراً من ابناء القبائل الكثيرة التي آمنت بالاسلام وخضعت لـه، وعملت بنُظمه، وتخلت عن تقاليدها الجاهلية، ومنها " العصبية القبلية "، لم يعجبهم إذعان قبائلهم للقانون، وتحلّلها من عاداتها الموروثة، مما دفعهم إلى أن يطلبوا من قبائلهم " رفض الانصياع للقانون والخروج على السلطان "، لكن قبائلهم لم تستجبْ لهم لأنها اعتقدت بأن عهد الفوضى قد ذهب، وأن من الخير لها أن تخضع للقانون، وأنها بلغ من تمسّكِها بالقانون حدَّ أنها لم تكن تنبذهم وتخلعهم إذا تعددت جرائمهم وحسب، بل كانت أيضاً تتعاون مع الدولة وشرطتها، لكي يقبض عليهم وينالوا جزاء عبثهم وعدوانهم، مما زادهم سخطاً عليها "، ومن ثم الخروج منها واللجوء إلى الصحراء والاختفاء عن عيون الجواسيس والولاة، ومن هؤلاء: عبيد بن أيوب العنبري و الأحيمر السعدي والقتال الكلابي( ). ويذهب الدكتور عطوان إلى أكثر من هذا فيقرر أن لكل فئة من فئات الصعاليك هؤلاء مشكلة، فالصعاليك الفقراء كانت مشكلتهم الرئيسة الفقر الذي سعَوا للتغلب عليه بالاغتصاب والانتهاب، وأن الظلم السياسي كان أكبر مشكلة استولت على تفكير الصعاليك السياسيين "، وأن التخلي عن العصبية القبلية كان أخطر مشكلة أرّقت الصعاليك الخُلَعاء المنبوذين المطرودين( ).
من هذا كله، يتضح أن العوامل الثلاثة في حقيقتها تعود إلى سبب رئيس واحد، هو وجود سلطة الخلافة الأموية القوية وتحولها إلى نظام (الدولة) بكل ما تعنيه، وأن هذه العوامل ما هي إلا دوافع وأسباب فرعية يتعلق الواحد منها بالآخر في جميع الاحوال.
أما الدكتور مصطفى الشكعة، فاختار أن يسمّى شعراء هذه الطائفة لصوصاً، ورأى أنهم أبعد ما يكونون عن مفهوم الصعلكة، الذي ظهر مقترناً ببعض صعاليك العصر السابق للإسلام ولا سيما بـ (عروة بن الورد) الذي عدّه - وحده - من المستحقين لوصف " النبل والشجاعة والفروسية "( )، وأن من ظهر منهم في العصر الأموي، كان من الأشرار المنحرفين الذين امتهنوا اللصوصية عن رضى واختيار ( )، مشدداً عند دراسته لهم على الخُلَعاء منهم حسب، وعلى بعض مَن عدهم الدكتور عطوان قبله من الفقراء، وأبرز هؤلاء (مالك ابن الريب)، أما أبرز الخُلَعاء، فعبيد بن أيوب العنبري والقّتال الكلابي وجحدر بن معاوية.
في حين نظر إحسان سركيس إلى هذه الطائفة من الشعراء، من وجهة اجتماعية سياسية متداخلة بعضها مع بعض لذا اختار أن يسمي فئةَ منها بـ "الصعاليك " وقدّم ذلك بتحليل مفيد، أشار فيه إلى أنه في مواجهة الدولة قامت الأحزاب المناوئة لها، وأنه " بإزاء ما كان يقع من ظُلم وجور على الأفراد والقبائل والجماعات، كانت الشكاوى والالتماسات، وبين هؤلاء وهؤلاء قام أفراد يلتمسون الوصول إلى ما يرومون من خلال حركات تجمع بين التمرد والثورة وقطع الطريق " من بينهم جماعة اصطُلح على تسميتهم باسم " الصعاليك " تمشياً مع الاسم الذي التصق بأمثالهم في العصر السابق للإسلام، ليعود فيقرر أنه " لئن كانت التسمية تحمل قدْراً من التماثل في الدوافع الذاتية، فإنها على صعيد المجتمع والدولة الجديدَين لا تفيد المقارنة او المماثَلة "، لأن الصعلكة اختفت في صدر الإسلام، وأن ظاهرة الصعلكة الجديدة كانت وليدة " مجتمع تسوسه دولة لم تقطع الصلة تماماً مع الحياة القَبَلية " بحسب رأيه، حيث: الامتياز والحرمان، والنصفَة والمحاباة، التي كانت وراء انتشار الفقر والشعور بالحرمان بين بعض القبائل، والتي من خلالها بدأ بعض الأفراد والجماعات يتمردّون على سياسة الأمويين المالية،" والتصميم على انتزاع حقوقهم بأيديهم "، وإن تلك السياسة - في رأيه - ظلّت " أهم باعث من بواعث هذا التمرّد ( ).
لقد صارت الصعلكة - إذاً - جزءاً لا كُلاً، وصار التمرد هو الحال الأوسع، ومن ثم صارت هذه الطائفة لديه طائفة متمردّين، وفسر سلوكها بأنه نتيجة لظهور ما أسماه بـ " مشكلة السلطة وما تملكه من وسائل ضخمة لمطاردة هؤلاء المتمردين والقضاء عليهم "، ثم ما أسماه أيضاً بـ " مشكلة الخوف من السلطة " اللتين كانتا وراء اكتفاء هؤلاء باستخدام أسلوب الإغارة والاغتصاب، ثم الاختفاء والتواري فراراً من وجهها، بعد أن وجدوا أن من الصعب عليهم جداً، " التماس حمايةٍ فعالة من قبائلهم التي كانت تخشى بدورها أن تتعرّض إلى الانتقام من جانب الدولة "، وأن هذه الحالة الجديدة أملت على هذه الفئة المتمردة حالةً نفسيّة محدّدة، تمثلت في شعورها بأنها " خارجة على الدولة والمجتمع " وليس أمامها إلا التشرِّد في الصحراء .
أما اضطراب أحوال بعض شعراء هذه الطائفة وتعدّد انحيازاتهم السياسية، فقد فَسَّره بكونه نتيجة للاضطرابات السياسية التي حصلت في الحياة العامة، وما قابلها من اضطراب في نفوس بعض المضطربين، مثلما حصل لعبيد الله بن الحر ( ).
إن هذه الآراء والتحليلات تتباين أو تترادف وتلتقي إلى حد ما مع آراء الدكتور عطوان، وإنْ حمَّلها سركيس الكثير من التصورات المعاصرة عن حركات التمرُّد، وأظهر هذه الطائفة من الشعراء بمظهر أكبر من حجمها الحقيقي، وقدّم سلطة الخلافة الأموية بصورة الدولة التي لم يكن يشغلها أي من المشاغل التي عرفت بها، مثل: مواصلة الفتوحات الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، وتطوير شؤون الدولة الإدارية وشؤون المجتمع الأخرى، والتي انصرفت بكُلّيتها نحو مطاردة أولئك المتمردين عليها.
وبالانتقال إلى آراء الأستاذ عبد المعين الملّوحي، الذي اهتم بجمع أشعار مّنْ أسماهم بـ " اللصوص وأخبارهم " وتحقيقها، ومن بينهم عدد من الشعراء الذين يدخلون في صُلب هذه الدراسة، سنجده قد أوقفته تراجم سيَرهم عند ضربين من " الناس " بحسب تعبيره، هما:
اللصوص الذين مارسوا اللصوصية وعاشوا أكثر حياتهم يقطعون الطرق ويسرقون.
واللصوص الذين رأى أنهم مدفوعون بأسباب سياسية " من الخوارج ومن الثائرين على الحكم، وكانوا مع ذلك يقطعون الطرق ويسلبون الأموال "، ورأى أيضاً أن المؤرخين أدخلوهم في طائفة اللصوص، بينما عدّهم هو - الملّوحي - من " الثوار، وسمّى (عبيد الله الجعفي) مثلاً عليهم، ثم عاد فأشار في موضع آخر إلى أن بعض من ترجم لهم من الشعراء " حشروا بين اللصوصية وربما كانوا مظلومين "، وأشار في موضوع ثالث إلى أن بعضهم كان من الشعراء الكبار الذين اوصلهم شعرهم وجانب من حياتهم إلى أنهم كانوا ممن اشترك في الحياة العامة وفي النزاعات السياسية، كالجعفي وابن الريب والقتّال والكلابي( ).
وقد أعاد الملّوحي إشارته الآنفة، ملاحظاً ما سجله ابن المبارك صاحب (منتهى الطلب) بشأن الجعفي، إذ نقل عنه قوله: " وجعله السُكّري مع اللصوص، ولم يكن لصاً، إن ما كان لا يُعطي الأُمراء طاعةً، وكان يضمّ إليه جماعةً ويُغير بهم "، مثلما نقل عن الباحث المعروف محمود محمد شاكر قوله: " وهم كانوا يُسمّون كثيراً من الخوارجِ اللصوصَ كما فعلوا في عبيد الله الحر الجعفي( ) "، مشيراً إلى اختلاط الفرسان والفتّاك من العرب بالشعراء اللصوص وإلى أن بعضهم كان " لصاً فاتكاً فحسب، منبهاً على ما فعله ابن حبيب صاحب (المُحبّر) حين جمع تحت عداد فتّاك الإسلام أسماء اللصوص وأسماء الفتّاك وأسماء المتمردين الخارجين على الخلافة الأموية وسلطتها .
ويلتمس الملّوحي العذر للمؤلفين القدماء في هذا الجمع بين هذه الفئات، فيرى السبب في ذلك راجعاً إلى أمرين :
* تشابُه أخبارهم أولاً .
* ولأن الحكام - بحسب تعبيره - كانوا " يريدون الغضَّ من الثوّار بِعَدّهم لصوصاً أو خوارج ( )"
إن كِلا السَببين - في تقديرنا - وجيه ومعقول، وإنهما يُلقيان جانباً من الضوء على عملية الخلط التي حصلت في النعوت والمصطلحات والمفاهيم، بشأن هذه الطائفة من الشعراء .
أما عن الأسباب الرئيسة لظهور اللصوص، والشعراء من بينهم - أيّاً كان النعت أو المفهوم الذي سيحملونه - مثلما سيتضح لاحقاً، فيلتقي الملّوحي مع د. عطوان وسركيس على عدد منها، لاسيما الاجتماعية منها والاقتصادية، التي سبقت الإشارة إلى أبرزها .
إن طائفة الشعراء الصعاليك التي ظهرت في العصر السابق للإسلام كانت تلتقي على حالة مهمة في حياة العرب آنذاك، وهي حالة " فَقْد الإحساس بالعصبية القَبَليّة( ) ". ولأن كل قبيلة كانت تقوم على إيمان أفرادها بوحدة قبيلتهم، كونها الكيان الاجتماعي الذي يلتقي عنده هؤلاء الأفراد، فقد انفصل عنها مَن خلعتهم منها أو شذ عنها بينما كان إيمان أفراد كل قبيلة بنقاء جنسها مدعاةً لوجود أغربتها، فضلاً عن تجارة الرقيق التي كانت رائجة في مجتمع ما قبل الإسلام. وكان التباين الاجتماعي بين رؤوس كل قبيلة وبقية أفرادها، وكذلك التباين الاقتصادي بينهم من حيث درجة الغنى والفقر، عامليَن آخريَن من عوامل ظهور " الصعلكة " في الجزيرة العربية( )، ولاسيما في مراكز المدن التجارية الرئيسة، وفي مقدمتها (مكّة) التي كانت تمتلك دوراً آخر -فضلاً عن دَورها التجاري - هو دورها الديني المعروف إلى اليوم، ممـا أسهم في ظهور (الخُلَعـاء)
و(الأرقّاء) السود الذين كانوا أسرع في الاستجابة للدعوة الإسلامية، عندما ظهرت فيها على حد قول الدكتور عبدة بدوي( ) .
وإذا كان د. يوسف خليف قد ركّز - عند حديثه عن الشعراء الصعاليك المذكورين - على الموضوعات التي تناولوها في أشعارهم، مثل وصف المغامرات وتَربُصهم بأعدائهم وترصُدهم لضحاياهم، وعلى آرائهم الاجتماعية والاقتصادية وعُقَدهم النفسية الناجمة عن انقطاع صلاتهم بقبائلهم، وعَدَّ الفقر (عُقدة العُقَد) التي كانوا يعانون منها، فالدكتورة (بنت الشاطئ) رأت رأياً مُغايراً، انصب على الجانب الفني والنفسي منه تحديداً - وقد حصرتهم بالخلعاء فقط - فأشارت إلى أن دارسيهم فاتهم أن يلمحوا الروابط النفسية التي كانت تشدهم إلى الاهل والعشيرة، وفاتَهم أن يُحسّوا تلك المرارة التي تفيض بها مشاعرهم، منبِّهة على قضية مهمة، تتمثل في أن سلوكهم نفسه "كان يطوي وراء الاستهانة بالحياة والانطلاق في الفضاء العريض والمغامرة الفتّاكة المثيرة، سخرية مريرة بالحرية الفردية، وشعوراً عميقاً بالتمزُّق والتشرٌّد والضياع" ( ).
أما الدكتور عبده بدوي فرأى أن عقدة اللون كانت "وراء أشياء كثيرة في المجتمع العربي"، منها: الاستجابة السريعة للإسلام، والمطالبة المبكّرة بالعدل الاجتماعي، وتدعيم جانب من جوانب الشعوبية، وبروز ظاهرة الغضب في الشعر العربي، والتحوّل من ضمير الجمْع القَبلي إلى ضمير المفرد الإنساني، وأن تلك العقدة كانت الدافع لاقتراب الشاعر من ذاته، ولبروز حالة التوتر في إيقاعات القصيدة العربية واختيار الأوزان القصيرة ونظام المقطوعة، ولظهور الجُمَل الحسيَة المنتزعة " من لحم الحياة الفاتر " (كذا)، فضلاً عن إسقاط تلك العقدة لعدد من تقاليد القصيدة العربية المتوارثة( ).
بمعنى آخر، إن الدكتور بدوي رأى إن معظم فضائل التطوَر والتجديد في الشعر العربي، مردَها إلى عقدة اللون تلك، التي كان الأغربة من الشعراء قد أحسَوا بها، لا بل يُسجّل لها بانحياز واضح، كشْفها عمَا اسماه بـ" الشاعرية الكامنة في الأشياء البسيطة والاقتراب من لغة الحكي والتنُّبه إلى المرئيات التافهة بشفافية "( )، وهي فضيلة مضافة إلى أولئك الأغربة وعقدة لونهم الأسوَد.
في حين رد إحسان سركيس ظهور الصعاليك في العصر السابق للإسلام، إلى ما أسماه بـ" عدم إدراك أهليهم أو قبيلتهم نفسيَاتهم، مما سبب نفورهم منهم وخروجهم على طاعة مجتمعهم وهروبهم منه .."، وهو تفسير غريب يتباين تماماً مع جميع الأسباب والعوامل الاجتماعية والاقتصادية التي قال بها الدارسون الآخرون، بدليل أنه يعود فيشير إلى أن المتأمل في أخبار الصعاليك وأشعارهم " يلفت نظرَه شعور حادً بالفقر وإحساس مرير بوقْعِه على نفوسهم وشكوى صارخة من هوان منزلتهم الاجتماعية وعدم تقدير المجتمع لهم …، وهذه - ولاشك - العوامل الحقيقية وراء ظهورهم، فضلاً عن عوامل أُخَرى سرعان ما يوردها بعد ذلك بقليل، يتناولها من زاوية اقتصادية على الأغلب، مع تداخلها مع الزوايا الاجتماعية والنفسية، ليقرّر بعد هذا أنهم - أي الصعاليك - جميعاً " فقدوا توافقهم الاجتماعي "، وأن فقدان هذا التوافق ينتهي بالفرد عادة إلى أن تكون صلته بمجتمعه قائمة على أساس ما يُسميه بـ " السلوك الصراعي "، منبهاً على ضرورة عدم الاستهانة بمن يدعوهم بـ " الراغبين في إعادة شكل التوافق الاجتماعي من جديد، حتى ولو كانت وسيلتهم إليه غير مُجدية أو ناجحة …( ) .
تلك أبرز العوامل التي أسهمت في ظهور طائفة الصعاليك في العصر السابق للإسلام، مثلما رآها وحدّدها الدارسون السابقون، وهي - مثلما اتّضح حتى الآن - عوامل ظهرَ ترادف بعضها، وبدت أشبه بالقواسم المشتركة لظهور طائفتَيْ صعاليك العصر السابق للإسلام وفتّاك العصر الأموي، لا سيما عامل (الفقر) الذي كان واحداً وإن اختلفت أسبابه ودوافعه، ومثله عامل ظهور فئة الموالي الجديدة، الذي كان مقتصراً على الأغربة السود من أبناء الإماء الحبشيات والزنجيات، وصار عاملاً يندرج تحته أبناء البلدان التي فتَحتها جيوش الفتح الإسلامي في بلاد فارس وبلاد الروم وفي مصر وشمال أفريقية مثلما أشار إلى ذلك أكثر من دارس من الدارسين المُحدثين، وإن تباينت آراؤهم بشأن هذه القضية، واختلفت اختلافاً كبيراً ( ) .
أما بالنسبة للعوامل الأُخرى فإن ثمة فوارق نجمت عن العوامل الجديدة التي وِجدت في العصر الأموي، ومنها: العامل السياسي والديني والاجتماعي والاقتصادي، وهي عوامل طرأت عليها مستجدات مهمة انعكست على طبيعة الحياة العامة، في المناطق المدنية (الحضَرية) والمناطق القروية والبدوية، حتى إن الدكتورة بنت الشاطئ نظرت بتحامُل واضح إلى أثر هذه العوامل لا في المجتمع العربي في هذا العصر حسب، وانما في مسيرة الحياة الأدبية - ولا سيما مسيرة الشعر - فيه، وفي الاتجاهات الفنية التي شكَلت ملامحه، وإن كانت قرَرت بنفسها عدم إنكار ما كان لخلفائه من نصيب في ازدهار الشعر وفي رواجه( ) وهي حقيقة لا يمكن إغفالها أو نكرانها بأي حال.
في حين ردَّ إحسان سركيس إلى العوامل الجديدة وما أحدثته من متغيرات اجتماعية - سياسية في البنية المكوّنة للحياة في هذا العصر، إيجادها شعراً ذا طابع خاص يماثل شعر صعاليك العصر السابق للإسلام، لا بل يربو على سابقه أيضاً، بإمعانه في وصف التشرّد في الفلوات والقفار، بشكل لم يكن أولئك الصعاليك يستشعرونه لأسبابٍ يحددها بالآتي:
إن صعاليك العصر السابق للإسلام كانوا يعايشون جيراناً لهم يشابِهونهم في حياتهم وشظف عيشهم.
وإن هؤلاء الجيران لم يكونوا على جانب من القُدرة الفائضة عمَا تستدعيه حماية القبيلة لينصرفوا إلى مطاردتهم.
وإن ردَّ الفعل لم يكن أكثر من غارة صغيرة من هذه القبيلة أو تلك وليس بثقل دولة، مثلما آل إليه الأمر في العصر الأموي( ).
بيد أننا يمكن أن نتبيّن مظاهر هذا التباين في العوامل المؤثرة بين تلك الطائفة وهذه، وفي انعكاسها على حياتها أولاً، من خلال النقاط الآتية:
أولاً: كان لطائفة الشعراء الصعاليك، لا بل الصعاليك بعامَة، مفهوم محدد يعتمد الجانب الاجتماعي في العصر السابق للإسلام، فهم: خُلَعاء وشذّاذ وأغربة سود أو من أقوام أخرى غير عربية، وحَّدَهم فقدان الإحساس بالعصبية القَبلية، فضلاً عن عُقَد: الفقر واللون والجنس في الغالب، ووجدوا في عمليات الإغارة من أجل السلب والنهب وسيلة وحيدة لكسب قُوتهم ومواصلة حياتهم اليومية، فهم لصوص وقطَاع طرق أو هكذا آل أمرهم، وإن الجانب الاقتصادي كان عاملاً رئيساً في تحديد أنماط سلوكهم وتصرَفاتهمَ في أغلب الأحيان.
ثانياً: إن من أطلق عليهم نعت (الصعاليك) في العصر الأموي، لم يكونوا في أُصولهم جميعاً من الخُلَعاء والشذاذ والأغربة السود، بل ارتبط مفهومهم بعوامل ثلاثة، سياسية واقتصادية واجتماعية، ظهر الأول منها وترك ما ترك من آثار بظهور القوى والجماعات (الأحزاب) المناوئة للدولة الأموية، كالعلويين والزبيريين والخوارج، أما العامل الثاني فلم يكن الفقر والحرمان وحدهما من بين أسبابه، بل تكدُّس الأموال التي جُبيت تحت شروط دينية ودنيوية لدى بعض الخلفاء والعمال والولاة والعاملين عليها، وليس عن طريق التجارة وحدها، مثلما كان عليه أمرُ الأغنياء في العصر السابق للإسلام، في مقابل انعدام وجود الأموال لدى الغالبية التي صارت تدعى بـ( الرعيَة).
في حين ظهر العامل الثالث - الاجتماعي - نتيجة طبيعيةً من نتائج العامليَن المذكوريَن آنفاً في جزئه الأعظم، أي بسبب الفقر والحرمان وسوء توزيع الثروة، لدوافع يشكل العامل السياسي طرفاً رئيساً فيها.
ثالثاً: إن (صعاليك) العصر الأُموي لم يعودوا يماثلون سابقيهم، لأن أغلبهم كانوا من المتمردين على السلطة المركزية في المقام الأول، ومن الخارجين على نظام الخلافة الذي نما وتطوّر وقعَّد قواعدَ وأرسى أُسساً لم تكن معروفة من قبل، بدأ بعضها في عهد الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب (رض)، ولم يأخذ مدياته الواسعة إلا في العصر الأموي، بعد أن تحوّل نظام الحكم فيه إلى ملكية شبه وراثية، مثلما معروف وثابت تاريخياً، ومن ثم فهم لم يكونوا مجرَد صعاليك بل فّتاك شجعان، بعضهم من الفرسان، وبينهم عدد من اللصوص المحترفين، مثلما لم يكن الفتك غايةً بحد ذاته لديهم بل كانت لـه أسبابه ودوافعه، مثلما سنٍعرض لذلك عند دراسة أوضاع هذه الطائفة من الشعراء الحياتية وظروفهم المختلفة.
رابعاً: إن إطلاق نعت (اللصوص) عليهم يحمل الكثير من التجني ومجافاة الحقيقة، إذ تبيَّن من خلال استعراض آراء الدارسين السابقين، ومن خلال الوقوف على حياة الشعراء الذين تم اختيارهم، إن اللصوصية أساساً نعتُ من امتهن السرقة من جهة، وإن بين هؤلاء من لم يكن كذلك أصلاً، وبينهم من سلك سبيلها نتيجة لهربه من أيدي السلطة وولاتها وعمّالها، لجناية جناها بقصد ربما كان سياسياً وليس قصداً اجتماعياً، كالقتل الفردي مثلاً، فكان عليه أن يلجأ إلى سرقة ما يُقيم أَودَه، من جهة أُخرى، وإذ تبيَّن أيضاً أن الكثيرين منهم، حتى من لم يجد لـه نعتاً غير نعت (اللص) قريناً باسمه، لا يدل على لصوصيته، وإن كانت اللصوصية نفسها موضع اهتمام الرواة والمؤرخين والدارسين القدامى، وكانت أشعار اللصوص من الأهمية، حدَّ أن ذكر الجاحظ: " وقد أدركتُ رواةَ المسجدييّن والمربدييّن، ومن لم يروِ أشعار المجانين (العشّاق) ولصوص الأعراب ونسيب الأعراب (…..) فإنهم كانوا لا يعدّونه من الرواة "( )
خامساً: لقد أورد صاحب (المخصَص) نقلاً عن علماء اللغة، عشرات الأسماء التي كانت تطلق على اللص، ومن بينها ما نقله عن (ابن السكيَت) من أنه (المارد الصعلوك) ( )، مما يقطع بأن الترادف في المعاني والمصطلحات والمفهومات كان حالة طبيعية لا غبار عليها، ولم تكن تمثَل مشكلة للرواة والمؤرخين القدامى، وإن تحولت إلى مشكلة أمامنا عند دراستهم.
المهم إن طائفة الشعراء الذين يعنينا أمرهم في حدود هذه الدراسة سيكونون من الفتاك والمتمردين على الدولة، بغض النظر عن النعوت والتسميات الأخرى التي أُلصقت بهم لهذا السبب السياسي أو ذاك السبب الفكري أو الأخلاقي، وإن دراسة مَنْ دُرِس منهم - بعد أن جُمِعت أشعاره - ستكون عوناً كبيراً في استخلاص ما يؤيد المفهوم الذي توصلنا إليه لا سيما ما جمعه وحققه المرحوم الدكتور نوري حمودي القيسي، والأستاذ الباحث المجمعي عبد المعين الملوحي، وما اخترناه من هؤلاء الشعراء لأغراض الدراسة.
ولكن زيادةً في تحقيق الفائدة، سنحاول عَرض ما يمكننا عرضه من سمات ومواصفات من اخترنا من الشعراء وما قدّمته أشعارهم وسيَرُ حياتهم من ملامح شخصيَة لكل منهم، تُردفه بهذه الفئة أو تلك أو تبيّنه عنها.
فقد لاحظنا أن كُلاً من: مالك بن الريب وعبيد الله بن الحر الجعفي والقتّال الكلابي والعُدَيل بن الفرخ العِجلي والسمهري العكلي، كانوا مثلما اتّضح بين معدودٍ من " فُتاك الإسلام " أو من " فتاك العرب " بحسب ما ذكره كل من: محمد بن حبيب، صاحب (المُحبَّر)، وأبي علي الهَجري، صاحب (التعليقات والنوادر )( )، واتفقت لدينا آراء عدَت كُلاً من: الجعفي ومرّة بن محكان وحُريث بن عنَاب والمرّار الفقعسي من المشهورين بالكرَم، وأُخرى عدَّت كُلاً من: مالك بن الريب والجعفي بين " أصحاب المروءة والشجاعة الفائقة والفروسية "( )، واشترك كل من حريث ومالك والقتّال بكونه من المتمردين على الولاة والعمال والسُعاة، وزاد د.عطوان على هؤلاء (عبيد الله بن الحر) فعدَّه من " الصعاليك السياسيين " كونه مثلما وصفته مصادر دراسته " أذكر صعلوك سياسي أنشأته الظروف السياسية المتقلَبة " وهو على رأس من أسماهم بـ" الساخطين الثائرين " إذ كان من الفئة التي تسعى للقضاء على الحكم الأموي ومناصبة العداء عمَال الخلافة وولاتها ( ) .
في حين أكدت مصادر دراسة (عُبيد بن أيوب العنبري) أنه كان فارساً شجاعاً وممن اتّصف بالحكمة ورقّة المشاعر والتمسُّك بقيم الدين الإسلامي وبالإيمان العميق والخوف الشديد من الله تعالى ( )، بينما وصفت المصادر التي درست (الخطيم العكلي) بأنه كان ذا منزلةٍ متقدمة في قومه، وكان فارساً عاشقاً وإن أشارت إلى أنه " أحد اللصوص " أو (الخطيم اللص) أو إلى كونه من اللصوص ( )، بينما أشارت مصادر الدراسة إلى كون (جحدر بن معاوية) من الفتّاك الشجعان، وإلى أنه " لولا جرأة الجنان وجفوة السلطان وكَلب الزمان " مثلما وصف أحواله أمام الحجّاج بن يوسف الثقفي عندما سأله عن أمره، لكان " من صالحي الأعوان وبُهم الفرسان ومن أوفى أهل الزمان " ( )، مثلما اتفق للدراسة الوقوف على إشارات إلى كون (جعفر بن عُلبة الحارثي) من الشجعان الذين قُتلوا ظُلماً، وإلى كون (طهمان الكلابي) من بين " صعاليك العرب وفُتّاكهم " وأن (يعلى الأحول) كان قد نُعِت بـ" اللص الفاتك الخارب " وأنه كان مخلوعاً يجمع صعاليك الأزد وخُلَعاءهم فيُغير بهم على أحياء العرب ويقطع الطريق على السابلة، بينما عُدَّ (أبو النشناش) من لصوص العرب، وروى بعض المصادر أنه " كان يعترض القوافل في شذّاذ من العرب بين طريق الحجاز والشام فيجتاحها، فظفر به بعض عمَال (مروان بن الحكم) فحبسه وقيَّده "( )، أما (عُطارد بن قُرَّان) فلم يُعرف عنه سوى كونه ممن حُبس مراراً، وأنه كان يهاجي جريراً عند هجاء جرير للمرَار البرجمي، أما أسباب حبسه المتكرر أو أية تفاصيل اُخرى عن حياته فبقيت مجهولةً حتى الآن( ).
وعند محاولة تبيّن الأسباب والدوافع الحقيقية وراء نعت عدد من هؤلاء الشعراء بالصعاليك واللصوص تحديداً، سنقف عند شاعر كمالك بن الريب على جوابه عن سؤال القائد العربي سعيد بن عثمان بن عفان (رض) لـه عن أسباب عبثه وفساده بقطعه الطريق، إذ يجيبه مالك قائلاً: " يدعوني إليه العجز عن المعالي، ومساواة ذوي المروءات، ومكافأة الإخوان " لذا فهو سرعان ما يتوب عن أفعاله ويلتحق بجيش سعيد الذي كان متوجَهاً نحو (خراسان) لفتحها، على أيام الخليفة الأموي الأَول (معاوية بن ابي سفيان) ( ).
وأكثر وضوحا في مجال الفتك لأغراض سياسية – وليست لصوصية - الشاعر (عبيد الله بن الحر) الذي كانت تربطه قرابة بالخليفة الراشد الثالث (عثمان بن عفان - رض) وشهد مع خاليَه (زهير ومرثد) ابنَيْ قيس بن مشجعة معركة القادسية، ثم صار مع معاوية في عدائه للإمام علي (كَرم الله وجهه)، ثم حارب بني أُمية مناصراً مصعب بن الزبير، ثم انقلب على الأخير والتحق بالأُمويين، مما يشير إلى كونه كان مقاتلاً فارساً متمرداً من ذوي المواقف السياسية - وإن تناقضتْ - ولم يكن صعلوكاً أو لصاً بل فاتك.
أما (القتَّال الكلابي) فيُعَد مثلما نعته محمد بن حبيَب من (فتاك الإسلام)، وإن (القتَّال) لقب غلب عليه " لتمرُّده وفتكه " مثلما ذكر صاحب (السمط) وقد شُهر بفروسيته وشجاعته ودناءته أيضاً، وتزيد مصادر دراسته أن جريمة قتله لابن عمٍ لـه يدعى (زياداً) هي التي دفعته إلى ممارسة الفتك، بعد أن أراد زياد هذا قتله لتعلُّقِه بأُخته (العالية)، إذ نهاه هذا الأخ عن التحدث إليها وحلف أن يقتله إن وجدَه عندها ثانية، لكنّ الحُبّ جرّأَ (القتَّال) على معاودة زيارتها، فلما بصَرَ به أخوها (زياد) استلَّ سيفَه ليقتله، مما جعل (القتّال) يلجأ إلى الهرب، فتبعه زياد بسيفه، و(القتّال) يُناشده الله والرحمَ من دون جدوى، وتشاء المصادفة أن يجدَ (القتّال) في طريقه رمحاً مركوزاً (أو سيفاً) فيأخذه ويقضي به على ابن عمِّه ويولَي هارباً " ( ).
ويرى الدكتور إحسان عباس أن القتّال الكلابي " يمثِّل صورةَ متطرّفة لمقاومة كل ما سنتَّه الدولة من تنظيمات كما يُمثِّل الثورة على الاستقرار "، فضلاً عن إمعانه في حماية نقاء الدم بين أفراد قبيلته ( )، بينما عدَّه الملَوحي "أشد نقمةً وثورةً على الأُمويّين وعمَّالهم من مالك بن الريب "( ).
أما (السمهري العكلي) فإنه بحسب رواية صاحب (الأغاني) لبعض تفاصيل حياته، كان صحبة (بهدل بن قرفة) حين لقيا (عون بن جعدة بن هبيرة) ومعه خاله، وهو يريد الحج من الكوفة أو يريد المدينة، وبعد حوار جرى بينهم أخذ (عون) السيف وشدَّ عليهم، مما دعا (بهدل) إلى رميه بسهم أدى إلى قتله، وإن السمهري وصاحبه سرعان ما ندِما وهربا وإن الخليفة عبد الملك بن مروان كتب إلى عمّاله في العراق والمدينة واليمامة ليطلبوا قتلة (عون) ويبالغوا في ذلك وأن يجعلوا لمن يدل عليهم جُعالة (جائزة)، مما أطال من أمد تشرَد (السمهري) حتى أُلقي القبض عليه وسُجِن، ثم دُفع بأمرٍ من الخليفة إلى ابن أخي عون - ويُدعى (عدي) - الذي سارع إلى قتله ثأراً لعمِّه"( ).
ويدل ما جُمع من أشعاره أنه كان عاشقاً متيّماً، وأنه ساءه كثيراً أن يودَع السجن من دون أن تفعل قبيلته شيئاً لنجدته، مما جعله يشكوها ويهجوها أسوأ هجاء.
ويتّضح من حكايته أنه لم يكن لصاً ولا كان قاتلاً، ولم يكن من الصعاليك الخُلَعاء أو الشذّاذ، اللهم إلاّ عند حصول هذه الجريمة وهرَبه في القفار خشيةً من مُطارديه، وهذا يعني أن نعته بالفاتك كان نتيجةُ لعواملَ وأسبابٍ أُخرى غير واضحة تماماً.
أما (العُدَيل بن الفرخ) الذي عدَّه (الهَجري) من الفتّاك أيضاً مثلما مَرّ بنا، فإنه في أشعاره يظهر محرَضاً لأهل العراق - تارةً - ضد الحجّاج بن يوسف، ويظهر تارةً أُخرى هارباً من يده لا سيما بعد أن طَلَبه لقتله عبداً يدُعى (دابغاً) كان مولىْ لابن عم (العُدَيل) لأسباب يسهب صاحب الأغاني في إيراد تفاصيلها، ويظهر تارةً ثالثة مادحاً الحجّاج .. وهكذا( ) .
ولعلّ حكاية قتل (العُديل) لدابغ هذا، كانت وراء نعته بالفاتك من جانب (الهَجري) مثلما اتّضح من رواية الأصفهاني، ومثلما يشير الجاحظ وابن قتيبة عند حديثهما عن علاقته بالحجّاج وهربه منه وتغرّبه وتشرُّده ( ) .
أما الشعراء الذين نُعِتوا باللصوصية حسب، فيقف في مقدمتهم (عُبيد بن أيوب العنبري)، الذي كان الجاحظ قد نعته مرةً بـ"أحد اللصوص"( )، وتنوقِل عنه هذا النعت في عدد آخر من المصادر اللاحقة، بينما لم نجد في مصادر دراسة حياته وفي ما جمع من شعره إلاّ ما يشير إلى شجاعته وفروسيته واتّصافه بالحكمة ورقة المشاعر والإيمان - حدّ الزهد - بالله تعالى، لا سيما لشدّة خوفه من الظلم ومن البطش به، الذي جعله يعيش مُشرَّداً في الصحارى والقفار.
وقد ذكر (ابن قتيبة) عند تقديمه بأنه: " من بني العنبر. وكان جَنى جنايةً، فطلبه السلطان وأباح دمَه، فهرب في مجَاهل الأرض، وأبعدَ لشدَة الخوف "، ثم يشير إلى ما كان الشاعر يُخبر في شعره من مرافقته الغيلان والسعالى ومُبايتتِه الذئاب والأفاعي، وأكله مع الظباء والوحش ( ).
وقد أشار الدكتور نوري القيسي - واتفق الأستاذ الملَوحي معه - إلى استغرابه من أن لا يكون في شعر (العنبري) أو في مجمل سيرة حياته ما يُظهر هذه الخصلة، أي (اللصوصية) تحديداً ( )، لا بل أنه حتى بعد هربه لارتكابه الجناية المجهولة التفاصيل تماماً، يكتب إلى الحجّاج قصيدةً يسأله فيها إن يُذيقَه طعم الأمن أو أن يسأل عن حقيقته، ويُبدي استعداداً لتحمُّل أي حكم يُصدره عليه فهو يقول:
عَليَّ فإن قامت ففصَّل بنانيا
" أذِقني طعمَ الأمن أو سَل حقيقةً

تَرامى بيَ البيدُ القفارُ تراميا
خلعتَ فؤادي فاستطير فأصبحتْ

لنا نَسبٌ نرعاه أصبحَ دانيا ..
كأّني وآجال الظباء بقفرةِ

وفيها يقول واصفاً بسالته:
أخا الحربِ مجنيّاً عَليَّ وجانيا"( )
" فما زلتُ مُذْ كنتُ ابنَ عشرينَ حجَّةً

هذا يعني أن (العنبري) أقرب إلى الفاتك الشجاع منه إلى اللص أو الصعلوك، على اختلاف الفئات التي يندرج الصعاليك تحتها، فهو لم يكن مخلوعاً من قبيلته بل من أسنَّة قومه " وكان لنا فيهم مقام مقدَّمُ " مثلما يقول في إحدى مقطعّاته ( )، ولم يكن من الشذّاذ بل ممن قاد الفتية لدفع الضيم " أو لوصل نواصِله " مثلما ذكر في مطوَّلته اللامية ( )، ومن ثمّ فلعلّه كان من المتمردين على سلطة الخلافة الأموية، إذ لا يُعقل أن يكون بهذه المواصفات كلِّها وتكون جنايته مما يستوجب عليه الإبعاد في الهرب والمبالغة في إبداء مشاعر الهلع، لا الخوف المجرَّد اللهم إلا أن يكون من مجانين الشعراء وهذا احتمال وارد.
أما ( الأحيمر السعدي) فيعترف بنفسه بأنه كان ممن خلَعه قومُه، وأحلَّ السلطانُ دمَه، فهرب وترَدد في البوادي "( )، لكنه كان من اللصوص - بحسب ابن قتيبة - وقد تاب في شيخوخته عن ممارسة اللصوصية، مثلما تؤكد إحدى مقطَّعاته. في حين تشير مصادر دراسة (المرّار الفقعسي) إلى أنه ممن عُدَّ من اللصوص لسرقته طريدة وحبسِه مع أخيه (بدر) من قبل والي المدينة (عثمان بن حيّان المرّي )، مثلما ذكر صاحب الأغاني ( )، بينما يشير الأستاذ الملّوحي إلى حقيقةٍ مهمة تؤكدها أشعاره، مفادها " إن نصيب الفتك فيه أكبر من نصيب السرقة " ( ).
وفي تقديرنا، أن من شأن دراسة أشعار هذه الطائفة من الشعراء، إلقاء المزيد من الضوء على حياتهم، وعلى الأسباب الأكثر دقة وراء نعتهم بالفتّاك أو الصعاليك أو اللصوص، ومن ثم رجَحان النعت الأصوَب الذي يستحقُّه كلِّ منهم، إذ نحسب أن عدَّهم جميعاً - أو معظمهم - من الصعاليك، مثلما رأى الأستاذ الدكتور حسين عطوان، يجانب الدقّة العلميّة بعض المُجانَبة، مثلما نحسب أن في عدِّهم من اللصوص، جميعهم أو معظهم، مثلما رأى الأستاذ الدكتور مصطفى الشكعة، وبحسب وجهته الأخلاقيّة التي حكمت عليهم حكماً قاسياً وجرّدتهم من كل فضيلة، فكرية أو اجتماعية أو فنّية، لا سيما عند استخلاصه النتائج أو ما أسماه بـ" الملامح الموضوعية والأسلوبية "، فيه غير قليل من التجني على عدد من هؤلاء الشعراء من جهة، ومن ثم على تاريخ الشعر العربي وامتداداته من جهة ثانية، مثلما أدى به إلى الوقوع في أكثر من رأي متباين ( ) عدد من الموضوعات الشعرية الجديدة والمبتكرة التي أضافها هؤلاء الشعراء إلى الشعر الذي ظهر لدى مَنْ سبقهم مما تقدم والتي سبق أن نّبه إلى عدد منها كل من الدكتور نوري القيسي والدكتور حسين عطوان والأستاذ عبد المعين الملّوحي، من بينها: وصف السجون وأحوالها والشكوى منها ومن وطأتها، ووصف الشاعر النفس البشرية في أدق حالاتها الروحية - حدَّ الزهد - الإحساس الشديد بالضعف والخوف البالغ والحكمة والإيمان وطلب الرحمة والمغفرة، ووصف الفلوات والقفار والتأبّد فيها والبعد عن الناس، وما رافقه من استئناس إلى الوحوش المعروفة وإلى الغيلان والسعالى، مع ملاحظة اختلاف العوامل والأسباب، مما أتاح للشعر العربي صوراً ومعانيَ تترواح بين منتهى الواقعية ومنتهى الأسطورية في الوقت نفسه، تُشكّل بمجموعها ملامح جِدّة وابتكار في المجالات الفكرية والمضامين المنعكسة على الشعر بالضرورة، التي تدخل في باب (الإبداع الفني )، مادام الإبداع يعني: الجِدة والابتكار، ويعني: عملية خلق و" ابتداع " ويعني إظهار طرق جديدة لرؤية العالم وللحلم بالعالم، مثلما قررَها النقّاد القدامى والمحدَثون، ويعني كذلك " الصنعة " الفنية التي تستلزم ذوقاً وطبعاً سليميَن، وخيالاً وتخييلاً ومحاكاةً إلى غير ذلك من الشروط الواجبة لتحققُّ شرط الإبداع أو ما يُسمى بـ" شِعريَة الشعر " المدهشة على مرَ الأزمان ( ).







الفصل الثاني:
مضامين الإبداع
الفكري والموضوعي


لابد من الإشارة – ابتداءً – إلى أن طائفة الفتّاك من الشعراء الذين تم اختيارهم للدراسة هذه من بين شعراء العصر الأموي، فتحوا آفاقاً واسعة للدخول إلى معالم إبداعهم الفكري والمضموني، إذ ظهر أن لهم فيها ما يميّزهم ممَن سبقهم من الشعراء، لاسيما أولئك الصعاليك الذين عاشوا في العصر السابق للإسلام، والذين ماثلوهم في بعض جوانب الحياة، أو اختلفوا معهم وتباينوا بهذا القدر أو ذاك .
ولتبيان هذه الحقيقة سنحاول أولاً المرور السريع على أبرز الموضوعات التي طرقها الشعراء الصعاليك في العصر السابق للإسلام، إذ سجَّل لهم الدكتور يوسف خليف جملة موضوعات حدّدها بـ: وصف المغامرات التي تمثّل "حرفتهم" في أثناء الغزو والإغارة من أجل السلب والنهب، تلك الحرفة التي قامت عليها حياة معظمهم، فهم " يتحدثون عن هذه المغامرات حديث المؤمن بقيمتها في حياته، المُعجب بها، الفخور ببطولته فيها، أو بمقدرته على النجاة من أخطارها "، بعد أن ضاقت الحياة بهم وابتعدت سُبل النجاة عن وجوههم، ثم حديثهم عن ترصُّدِهم لضحاياهم في مواقع معيَّنة كانوا يُطلقون عليها اسم (المراقب)، وهي مواقع عالية منيعة كانوا يلجؤون إليها ليلاً، ويتخفّون فيها انتظاراً لضحاياهم، ثم حديثهم عن التوعُّد والتهديد بسبب البغض لخصومةٍ أو إنتقاماً وثأراً لصديق، أو توعُّد الصعلوك للصعلوك وما في هذا الحديث كلِّه من تطرّق إلى القوة الشخصية، وإلى صفات الخصم السيئة تارةً والحميدة تارةً أُخرى. وهناك حديث الصعلوك عن أسلحته ووصفه لها، لا بل التغنّي بها، ما دامت تمثّل أهم ما يملكه من متاع من جهة، والوسيلة الأبرز لكسب عيشه من جهة ثانية، ثم الحديث عن موضوعة الرفاق الذين يرافقونه في مغامراته، حتى ليغدوَ بعضهم مثل الأم الحريصة على أبنائها، أو القائد والزعيم لجَمع أصحابه، وليس الزميل لهم فقط.
وفضلاً عن تلك الموضوعات وما عرضت لـه من خصوصيّةٍ خاصةٍ في أشعار أولئك الصعاليك، فثمة براعة في وصفهم لفرارهم وسرعةِ عَدْو رفاقهم، وفي تشبُّهِهم بعددِ من الحيوانات كالخيل والظباء والعُقبان، ثم في وصفهم لغَزواتهم على ظهور الخيل، وحديثهم عن أحوالهم الاجتماعية والاقتصادية، لاسيما حالة الفقر التي جمَّعتهم وتشرُّدهم في القفار ومواجهتهم لوحوشها بصورة دائمة( ).
أما الدكتورة (بنت الشاطئ) فركّزت حديثها على موضوعة الروابط التي كانت تشدُّ هؤلاء الشعراء إلى الأهل والقبيلة في خضمّ تشرُّدهم، وعلى تلك المرارة التي كانت تفيض بها مشاعرهم وهم يهيمون في الفلوات، وما تركه (الخَلْع) عن القبيلة في وجدانهم من أثرٍ عميق نافذ سجّلته أشعارهم المشحونة "بأشجان الغربة ووطأة الوحدة النفسية وقسوة الحرمان من أنس الأهل والدار"، حتى كانت معالم سلوكهم تطوي وراء الاستهانة بالحياة "سخريةً مريرةً بالحرية الفردية، وشعوراً عميقاً بالتمزُّق والضياع"، ورأت كذلك أن شعرهم لم يكن تجارة" بل كان مُتَنَفَّساً لشجنهم، وراحةً لقلوبهم المُضناة بالغربة"، وأنه كان – فضلاً عن ذلك كلِّه – صدىً لمغامراتهم المُستهينة بحياةٍ مُضَيَّعة "تنتهي – غالباً – بموتٍ في متاهة الفلاة بعيداً عن الأهل والأحباب"( ).
ذلك أنها نظرت إلى الشعراء الصعاليك، مثلما سبقت الإشارة في الفصل السابق، على أساس أنهم (أو معظمهم) من الخُلَعاء وحدهم، وليسوا من الفئات الأخرى: الشذ‍ّاذ والأغربة السود والمتمردين على حياة الفقر أو على سلطة القبيلة وقيمتها.
أما إحسان سركيس فنظر إليهم من وجهة كونهم من فاقدي (التوافق الاجتماعي)، ومن ثم رأى في الموضوعات التي عبَّر عنها أولئك الصعاليك تصويراً للتحوّل من سلوك توافُقي مع مجتمعهم، إلى ما أسماه بـ"السلوك الصراعي" وأن شعرهم ينطوي في مُجمله "على موضوع ومنحىً نفسي يُجافيان مناحي وموضوعات القصيدة التقليدية "التي ظهرت في العصر السابق للإسلام"( )، بينما رأى الدكتور مصطفى ناصف أنّهم جَسَّموا في أشعارهم وحياتهم موقف الحيوان في الصحراء، إذ مثلما "يصرع حيوانٌ حيواناً آخر أخذ الصعلوك يصرع في شعره أو حياته إنساناً آخر"، وهي – بلا شك – نظرة تحمل الكثير من التشويه للحالة الإنسانية التي بدا عليها أولئك الشعراء الصعاليك، وتجرّدهم من أية قيم اعتبارية أو أبعاد فكرية، سرعان ما نقضها بنفسه – بعد ذلك – إذ رأى في الشاعر الصعلوك ثائراً على الحياة، مُستهتراً ومفتوناً بها في الوقت نفسه، وأن عدوانه كان تعبيراً عن الخوف الرابض في أعماقه، لا بل إن أدوات القتال التي طال ذكر أولئك الشعراء لها، لم تكن إلاّ موضوعات يُسقِطون عليها تلك التناقضات، لأن الشاعر الصعلوك – في رأيه – كان "إذ يصِف صوت القوس الذي يرنُّ في سمعِه، فكأنه عنده هَمسات قوم يبحثون عن شيء فقدوه" وأنه وإن أبدى معنىً –ظاهراً- أقرب إلى اللامبالاة، فقد كان يخفي – باطناً- مبالاة عميقة، مثلما رأى أنّه بادّعائه الأنس إلى الوحشة إن ما كان يأنس "إنساً مُروَّعاً"( ).
فالشاعر الصعلوك – بهذا التحليل – لم يكن يُجسّم موقف حَيوان الصحراء، ولم يكن يتصرّف بوحشية حيوانية مجرّدة من التفكير الإنساني العميق، لا بل إن هذه المشاعر النفسية المتناقضة التي حدّدها الدكتور ناصف بنفسه، تؤشر هذه الحقيقة ويكشف عنها كشفاً مُضافاً ما اختاره من أبيات ومقطعّات من أشعارهم، تأكيداً لما قال به عن ما يمكن أن نُسمّيه هنا "دواخل الكلمات" لا الظاهر المرئي أو المقروء منها.
ذلك أن الإبداع والبراعة والابتكار في شعر أولئك الشعراء الصعاليك، لم تكن تكمن كلُّها في الظاهر من أحاديثهم عن تلك الموضوعات، وما وصفوه من أحوالهم –في أشعارهم- في خلالها، وفي إغراقهم في إيراد التفاصيل الخارجية الظاهرة والمباشرة منها، بل تكمن في مواقفهم الفكرية والنفسية البعيدة الغور في أعماقهم، التي تُشكّل الأسباب والدوافع الحقيقية لإكثارهم من الحديث عنها، والإغراق في وصفهم لتفاصيلها، لا بل حتى دقائقها الصغيرة، في أحيان كثيرة.
عليه فالموضوعات الأبرز في أشعار طائفة الفتّاك من شعراء العصر الأموي، ربما تبدو أحياناً مترادفة مع الموضوعات التي اهتمّ بها وأبدع في تناولها – أكثر من سواها – أولئك الشعراء الصعاليك، وقد تبدو متماثلةً معها من حيث السطح الخارجي لهذه الموضوعة او تلك، لاسيما موضوعات التشرّد والحنين إلى الأهل والديار ولكنها تتباين معها أساساً بسبب اختلاف ظروف حياة الفريقين وطبيعتها وعواملها الفكرية والاجتماعية والاقتصادية. مثلما أوضحنا في الفصل السابق، ومثلما سيتّضح في هذا الفصل.
وثمة بين موضوعات هذه الطائفة من الشعراء ما هو جديد حقاً، من حيث مضامينُه الفكرية والموضوعية: ويحمل روح الإبداع والابتكار من هذا المنطلق، أي منطلق جدّة ظروفها وعواملها وانعكاسات تلك الظروف والعوامل على الشـعراء الذين تناولوها وأبدعوا فيها، فكراً وشعراً في الوقت نفسه.
ومن الأمور التي نرى ضرورة لفت الانتباه إليها –ابتداءً- إن هذه الموضوعات يدخل معظمها في إطار تعبير الشعراء عن أحوالهم الذاتية، وأن ما يتحدث منها بمنطق الجماعة قليل فيها، وقد جعل هذا الأمر من أشعارهم متميزة بالإغراق في إطلاق (الأنا) بدلاً من الـ(نحن)، والإغراق – من ثم – في نقل الكوامن النفسية (الشخصيّة) والحديث عنها بخصوصية تامّة. وهذان الأمران يشيران إلى أن هؤلاء الشعراء كانوا معنيين في الغالب بأشخاصهم وحدهم، إذ قلّما نقلوا صوراً عن أحوال (جماعيّة)، ولم يُعَنوا إلاّ قليلاً بتصوير حالات وأوضاع خارجية كتلك التي برزت لدى الشعراء الصعاليك السابقين، مثل: وصف المغامرات أو المَراقب أو الأسلحة، أو الحديث عن تزعُّم مجموعات وسرعة العَدْو … الخ.
ولأن هؤلاء الشعراء كانوا معنيّين بما يدور في أعماقهم – في الغالب-، وبما يدور من حولهم ثانياً، فقد اتسّمت أشعارهم بالإفصاح عن الأحاسيس والمشاعر الفكرية والنفسية، في موضوعات قابلة لحمل هذه الأحاسيس والمشاعر، يمكن تحديد الأبرز من بينها، على وفق ما يأتي :
التشرد والخوف: ويدخل ضمن هذه الموضوعة الحديث عن حياتهم في الفلوات والقفار ومصاحبتهم لحيواناتها، والأنس إلى وحوشها المعروفة أو حيواناتها الأسطورية (الغول والسعلاة) مثلاً، وما أدى إليه ذلك من إحساس بالاغتراب عن الآخرين، سواء عَبر الوصف أو التعبير عن حالة فكرية ذات صلة بهذه الحياة.
الحنين إلى الأهل والأحباب: حيث ذكر القبيلة والديار و******ات، وما يمثّلها من رموز مختلفة (الأرض والآبار والنخل … الخ)، وعن الأحوال الذاتية من كرَم وشجاعة وشوق ولهفة، وحيث رثاء النفس والغير والألم النفسي جَراء النأي عن تلك الحياة الحافلة بالعلاقات الإنسانية الحميمة.
عذابات السـجن: ويدخل ضمنها الحديث عن المواقف الفكرية المباشرة، وعن روح التمرّد والشكوى من ظروف السجون ومتاعبها، ووصف للسجون وما تحمّلوه من ثقل قيودها، وما عانَوه من أشكال المعاملة القاسية في داخلها، فضلاً عن حنينهم إلى حياتهم السابقة وهم بين جدرانها.
الإيمان والحكمـة: ويدخل في إطارها الحديث عن أثر العقيدة الدينية وانعكاساته في أشعارهم، وما أدى إليه هذا الأثر من تحوّلات في داخل أعماق نفوسهم، وفي فكرهم كالتأمل في شؤون الحياة، والحكمة التي استخرجوها منها، فضلاً عن طلب العفو والمغفرة من الخالق سبحانه وتعالى، والرضا بقضائه فيهم.
الاعتداد بالنفس: حيث التماسك الفكري والنفسي، وحيث الزهو بالنفس والفخر بها، بالرغم من جميع الظروف والأحوال الصعبة التي واجهوها، وهو – أي الاعتداد – بمثابة الخلاصة العامة التي مثّلت شخصيّاتهم الحقيقية في عصر تعدّدت فيه العوامل الضاغطة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية وانعكاساتها الفكرية الشديدة الوطأة – أحياناً – على بعضهم .
وسنتناول بشيء من التفصيل ما يتعلق بكل موضوع من هذه الموضوعات، بالرغم مما تُظهره هذه الموضوعات من تداخل يبدو من خلال أشعارهم في الغالب، سواء من منطلق الوحدة المضمونية والفكرية، أو من تعدّد الموضوعات الفرعية داخل الرؤية الفكرية الواحدة التي تنطلق من إدراك واعٍ مقصود بذاته، لتمثُّلِ أشعار مَنْ سبقهم من شعراء العصر السابق للإسلام، واتباع الصيغ التقليدية للقصيدة العربية، التي كانت ما تزال قريبة العهد منهم من جهة، وتُشكّل الأنموذج المكتمَل في تاريخ الشعر العربي، حتى العصر الذي ظهروا فيه، من جهة ثانية.
1- التشـرُّد والخَـوف
كان التشرد في الفلوات والقفار أشبه ما يكون بالحالة الطبيعية التي عاشها الشعراء الفُتاك في العصر الأموي، شأنهم في ذلك شأن مَن سبَقَهم من الشعراء الصعاليك في العصر السابق للإسلام، من حيث طبيعة الحياة وظروفها، ومن حيث النظر إلى مكان العيش شبه الدائم، إلاّ في حالات معينة، وما عكسته طبيعة الحياة والمكان على موضوعاتهم فكراً ومضموناً.
بيد أنه في حين كان الشعراء الصعاليك في العصر السابق للإسلام يتخذون من الفلوات والقفار مواقع لمغامراتهم من أجل كسب قوتهم اليومي، بالوسيلة الوحيدة التي احترفوها، أي السلب والنهب والإغارة على أموال الآخرين وتجارتهم، كان الفتّاك قد عاشوا حياة التشَرد والتأبّد لأسباب أخرى ليست ذات عميق علاقة بكسب العيش وحده، بل بظروف يرجع بعضها إلى الحياة الاقتصادية والاجتماعية أو السياسية للعصر الأموي وما بدأت تتشكل فيه من بوادر متغيّرات كبيرة الأثر في سكان المنطقة التي عاش هؤلاء الشعراء في رقعتها الجغرافية.
إن الشعراء الذين تحدثوا عن تشرّدهم في الفلوات ومصاحبتهم لحيوانها الأليف، والمتوحش، لا بل حتى الأسطوري، على سبيل المثال لا الحصر، هم: القتّال الكلابي، والسمهري العكلي، وجحدر العكي، وعبيد بن أيوب العنبري، و الأحيمر السعدي، وقد التقى أغلبهم على ارتكاب الجنايات (الفتك) أو (السرقة)، مما استدعى منهم الهروب إلى القفار والفلَوات. وفي هذا الاختلاف الرئيس في العوامل والدوافع الداعية إلى التشرّد، ما يؤسس موطئ قدم للانتقال إلى حيث معالم الإبداع المضموني والفكري في هذه الموضوعة.
فهذا (القتّال الكلابي) يدعو الله تعالى إن يجزي (عماية) وهي مجموعة هضبات متتابعة أو جبل من أضخم جبال البحرين، خير الجزاء لأنها آوته وآوت أمثالـه من المُطارَدين، فيقول :
عَمايةَ خيراً، أُمَّ كُلِّ طريدٍ
جزى الله عنّا والجزاءُ بكفِّه

وإن أرســلَ السُلطانُ كلَّ بريدِ ..( )
فلا يزدهيها القومُ إن نَزلوا بهــا

ويقول في قصيدة لـه يذكر فيها طلب الخليفة (مروان بن الحكم) إيّاه بعد هربه من السـجن :
لآتِيَهُ إني إذنْ لَمُضَلَّلُ
"أيُرسِلُ مروانُ الأميرُ رسالة

ولكنني من خوفِ مروان أُوجَلُ…"( )
وما بيَ عصيـانٌ ولا بُعْدُ منـزلٍ

وهذا يعني أن تشرُّد (القتّال) لم يكن عصياناً ولا تمرُّداً على السلطة، ولكنه تشرُّد الهارب من يد السلطان وممثّليه لجنايةٍ جناها، خوفاً من العقوبة التي تنتظره، فهو يهاب السلطة ويهرب منها ويرضى بتشرده في (عَماية) التي ينظر إليها نظرة الولد البار بأُمّه - هو وأمثاله من المُطارَدين - إذ أصبحت القلب الحنون والحضن الدافئ الذي لجأ إليه، فحمته من العقوبة واستحقت دعاءَه لها بالخير، شأنها شأن أُمّه الحقيقية التي ابتعد عنها مُضطراً .
وعلى غرار (القتّال) في التشرّد والخوف كان حال (السمهري العكلي) الذي يقوده بأسه وخوفه من الوقوع في يد السلطان إلى مساءلة صاحبَيه في الجناية التي جناها عمّا يُقرّران بشأن تشرُّدهم معاً، وقد أحسَّ بقرب وقوعه في أيدي مُطارديه، فيقول:
وللأسمرِ المِغوار: ما تَريانِ ؟
"أقول لأدنى صاحبَيَّ نصيحةً

أرى الرأيَ أن تجتاز نحو عُمانِ
فقال الذي أبدى لي النُصحَ منهما

نجاةٌ فقد زلَّتْ بكَ القَدمـانِ …"( )
فإن لا تكـنْ فـي حاجبٍ وبـلادِه

فهو هنا يسأل "أدنى" صاحبيهِ، وليس كليهما، ويسأل - بعدَه - صاحبَه الآخر (الأسمر) عمَا ينبغي أن يفعلوه، وقد ضاقت عليهم الأرض، وكان بينهما من أبدى النصح - وهذا صاحبٌ حقيقيٌ لـه - أن يجتاز نحو عمان، حيث يوجد (حاجب) وهو آخر أمل للنجاة من يد السلطة التي تطاردهم، مُمثَّلة بأفراد الشرطة أو حتى أبناء القبائل الذين يتعاونون معها، رغبة في الحصول على الجعالة (المكافأة).
أما (جحدر بن معاوية العكلي) اللص المتشرّد أصلاً، مثلما تراه المصادر وتذكره، فقد أبدع حقاً في نقل ما كان يجيش في أعماق عقله وروحه من مضامين فكرية تشير إلى حقيقة لصوصيته، وإلى حقيقة ما يُفكّر به من أمر تشرُّده واتّباعه السرقة سبيلاً للحصول على ثيابه - من بين حاجاته المعيشية - فهو يقول:
وجَوٌ ولا يغزوهما لضعيفُ
"وإنَّ أمرءاً يعدو وحجرٌ وراءَه

كساني بهـا طوعُ القيادِ عليفُ…"( )
إذا حُلّـةٌ أبليتُهـا ابتعـتُ حُلّـةً

فهو يرى من الضَعف ألاّ يغزوَ (حَجراً) و(جوّاً) وهما وراءه مثلما يرى أن الحُلّة (اللباس) التي تبلى يمكن تعويضها من خلال ناقته المُطيعة، التي تستطيع أن تبلغ به المكان الذي يجد الملابسَ البديلة فيه، وهو يرى في السرقة عمليةَ (ابتياع) - أي مشروعية - يرتضيها ما دام يصل إلى حاجته بوساطة ناقته، وهذه فكرة ترتبط بالحلال والحرام برباط فكري وضعه هذا الشاعر لنفسه خلافاً للتقاليد المعروفة. فالناقة المُطيعة تكفيه مؤونة ما يحتاج إلى شرائه، وهي فكرة انفرد بها هذا الشاعر عمَّن سواه، إذ يمكنه أن يكتسي بالجديد من الثياب من خلالها بالسرقة التي يُسميها (الابتياع) !
ويبدع (جحدر) نفسه في رسم صورة دقيقة لرفاق رحلة لصوصيته، وقد انقضى عليهم الليل وهم على ظهور إبلهم، وقارَب الصبح من الانبثاق، فيقول:
تساقَوا عُقاراً خالطتْ كلَّ مفصلِ
" وركب تَعادَوا بالنُعاسِ كأنّما

ولاحتْ هوادي الصُبحِ للمتأمّلِ
سريتُ بهم حتى مضى الليلُ كلُّه

أنِخْ إنها نُعمى علينا، وأفضلِ.."( )
وقالوا وقد مالتْ طُلاهُم من الكـرى

فلقد أخذ النعاس من رفاقه مأخذا كبيراً، لكنه هو نفسه لم يكن على شاكلتهم فهو في حالة تيقُّظِ بالغِ وأكثر، إذ رأى "هوادي الصبح" بعين المتأمل، أي المشغول الذهن بالتفكُّر في شأنِ من شؤونه، دلالة على أنه لم يكن مجرّد لص - كرفاقه - يمكن أن ينال منه التعب وطول السرى، وهي صورة نحسب إن (جحدراً) هذا عبَّر فيها خير تعبير عن حالته النفسية والبدنية المتينة المتوافقة مع لصوصيته وفلسفته فيها.

وعلى العكس من (جحدر) بدا الشاعر (عُبيد بن أيوب العنبري)، الذي تشرّد بسبب الجناية التي جناها، وصار بسببها طريد السلطة، والذي أبدى من مشاعر الخوف والهلع في شعره، ما يعكس حالةً شخصية ونفسية نادرة في غرابتها، ويكاد (العنبري) يتفرّد بين شعراء هذه الطائفة في التعبير عنها، وفي التعبير كذلك عن الأنس بالحيوانات، أليفها ووحشيّها، لا بل كان أبرز من سجَّل علاقته الحميمة مع الحيوانات الأسطورية (الغول والسعلاة).
إنه - مثلاً - يُلخّص تشرُّدَه وشدّة خوفه وعلاقته بحيوانات القفر، فيقول:
رأتْ ما أُلاقيه من الهَوْلِ جُنّتِ
"وساخرةٍ مني ولو أن عينَها

إذا الليـلُ وارى الجِنَّ فيـه أرنَّتِ"( )
أزَلٌ وسِـعـلاةٌ وغـولٌ بقَفـرةٍ

فهو يلاقي الهَول مما يلاقي وسط الصحراء المقفرة، ويزيد من هَولِه تصايُح الذئاب والسعالى والغيلان، بعد أن يتوارى الجِنُّ في الليل الموحش، فهو وهذه الحيوانات في رفقة مع ليلٍ حتى الجن تتوارى فيه وتبتعد عن صحبته، ومن ثم فقد أراد (العنبري) أن يؤكد للساخرة منه، مدى تماسُكِه النفسي والعقلي في موقفه المرعب ذلك .
بيد أنه لابد من الإشارة إلى أن عدداً من الشعراء الصعاليك، ومنهم تأبَّط شرّاً والشنفرى، من العصر السابق للإسلام، ومن الشعراء الفتّاك وأشباههم اللاحقين في العصر الأموي، كانوا قد طرقوا موضوعة مصاحبة الوحوش من الحيوانات والأليفة منها، فضلاً عن مصاحبة الجن، في أشعارهم التي وصل منها ما وصل وذاع، وإن لم يُناظروا هذا الشاعر مناظرةً تامة في عرضهم لأحوالهم الفكرية والنفسية في هذا المجال( ).
فالعنبري - في شدّة خوفه من الأنْس - أنِسَ إلى حيوانات الصحراء أنساً يكاد يكون بديلاً عن كل ما لـه صلة بالبشر إذ يقول مثلاً:
بقُربِ عُهودهِنَّ وبالبعـادِ"( )
" وحالفتُ الوحوش وحالفتْنـي


يُعبّر في أبياتٍ آُخَر لـه عن هذا الخوف - حدَّ الفَزع- من أي ناظرٍ نحوه من البشر، فيقول:
إلى أحدٍ غيري فكدتُ أطيرُ
"لقد خِفتُ حتى خِلتُ أن ليس ناظرٌ

وليـس يـدٌ إلاّ إلـيَّ تُشيـرُ"( )
وليـس فـمٌ إلاّ بسـري مُحـدَثٌ

لا بل بلغ به الهلع حدّاً جعله يخاف حتى إن مرّت به حمامة - على الرغم من وَداعتها - لأنه يرى فيها عَدوّاً أو طليعةً من طلائع البشر، فهو يقول:
لقلتُ عدوٌّ أو طليعةُ معشرِ"
"لقد خِفتُ حتى لو تمرّ حمامةٌ

وإذ يصف حالّه في أبيات أُخَر من هذه المقطعّة، بأنه أصبح كالوحشي يتبع القفار الخالية الموحشة، ويترك البلاد المأنوسة المخصبة، ويلخّص في بيتها الأخير مقدار شكّه وريبتهِ من كل ما حوله، فيقول:
وإن قيلَ شرٌ قلتُ حقٌّ فَشَمّرِ"( )
"إذا قيلَ خيرٌ قلتُ هذي خديعةٌ

وثمة في أشعار (العنبري) الكثير من الصور والمعاني والمضامين الفكرية الفريدة، التي جسَدت مشاعره النفسية والعقلية الواضحة التناقض، في إبداء التماسك والوعي الدقيق بظروفه وأحواله من جهة، وفي إبداء الخوف الشديد من كل ما حوله من جهة ثانية مما يقرّبه من المجانين لا الأسوياء.
يتّضح مما تقدّم أن موضوعة (التشرّد والخوف) في أشعار هذه الطائفة من شعراء العصر الأُموي، أظهرت جديداً مبتكراً من الناحية الفكرية والموضوعية، لأنها عبّرت عن شؤون وأحوال وظروف لم يَعهدْها السابقون الذين عاشوا حياة التشرُّد في القفار والفلوات - لأي سبب كان - في العصر السابق للإسلام تحديداً، وهي شؤون وأحوال وظروف كانت جديدة تماماً على الشعراء، لأنها كانت جديدة على المجتمع العربي في عصر التحوّلات المتسارعة والمتشابكة، وفي مرحلة مهمة من مراحل تاريخ الأدب العربي المتعاقبة.
2- الحنين إلى الأَهل والأَحباب
بالرغم من اختيار عدد من الشعراء الفتّاك لحيوانات الصحراء أهلاً لهم يأنِسون إليها من دون بني البشر، فإنهم ظلوا ينزعون إلى أهلهم وأحبّائهم، قبائلَ أو نساءٍ معيّنات أو نخلٍ أو آبار بعينها، مدفوعين بالحنين إلى حياتهم التي عاشوها قبل التشرُّد في الفلوات، وإلى تذكّر ما كانت عليها شِيَمُهم من الكرم وإقراء الضيف، ومن مواقفَ شجاعةٍ في مواجهات ونزاعات مختلفة، ومن علاقات عاطفية انتهت كلُّها - أو كادت - نتيجةً لتشرُّدهم من جانب، أو لوقوعهم بيد السـلطة وممثليها على اختلافهم وما أدى إليه من دخولهم السجون، من جانب آخر .
إن موضوعة الحنين هذه ستحاول الاقتراب من هذين السببين الرئيسين: التشرّد والسجن معاً، وما عكساه من مشاعر حنين طاغية عبْر أشعارهم، لاسيما أن السبب الثاني منهما يختلف عن السبب الأول من نواحٍ عدة، منها أنه كان جديداً في الحياة العامة أصلاً، وأنه لم تكن وراءه دوافع اجتماعية واقتصادية حسب، كاللصوصية مثلاً، بل كانت هناك دوافع سياسية أيضاً، في حين كان السبب الأول - أي التشرّد - يكاد يُماثل في سطحه الخارجي ما عاشه الشعراء الصعاليك وغيرهم من الشعراء، في العصر السابق للإسلام.
ولا نغالي إذا أقررنا بأن (يائية) مالك بن الريب الشهيرة التي رثى بها نفسه في غربته، من أبرز النصوص الشعرية المُعبّرة عن حنين الشاعر الطاغي إلى أهله وأحبائه، وإلى أرضه وأشجارها، وإلى جميع ما لـه صلة روحية وفكريّة في أغوار نفسه ودواخلها، وفي آفاق فكره الذي ما كانت مهنة اللصوصية التي ألحقت به لتُخلخِل شيئاً منها.
فبدءاً من بيت (اليائية) الأول، تتجلى روح الحنين عاصفةً وقد أمضَّها الأنين والألم، التي انطلقت به إلى القول، ناشجاً متمنياً :
بجنبِ الغضا أُزجي القلاصَ النواجيا.."( )
" ألا ليتَ شعري هل أبيتنَّ ليلةً

ثم إلى القولِ المباشر، تعبيراً عن حنينه الجارف إلى أهله حيث يُقيمون:
بذي الطَبَسينِ فالتفتُّ ورائيا
"دعاني الهوى من أهلِ أودَ وصحبتي

تقنَّعت منها أن أُلامَ، ردائيا.." ( )
أجبتُ الهوى لمـا دعانـي، بزفـرةٍ

وهكذا يتذكر ابنته التي بكت قُبيل رحيله مع سعيد بن عثمان (رض) إلى خراسان، ويتذكر أبناءَه وماله والظباء والرجال الذين كانوا شهوداً على فتكه في ساحات الوغى، ثم من يبكي عليه في غربته، حيث لا يجد سوى: السيف والرمح الردينيّ والأشقر المحبوك (حصانه)، والنسـوة المقيمات "بأكناف السُمَينة"، وتفاصيل مختلفة من حياته قبل رحلة الموت تلك، حتى لتكاد القصيدة تكون دستوراً لجميع المقاتلين الذين شاركوا في الفتوحات الإسلامية التي تعاظمت واتّسعت رقعتها وابتعدت، مُشرّقة ومغرّبة، مثلما وصفت (لامية) الشنفرى بـ"دستور الصعاليك"، وهذا بحدِّ ذاته من بين أهم أسباب ذيوع هذه القصيدة وانتشارها، وخلودها أيضاً، على مرّ العصور، مع ما رافقها من آراء واختلافات في الرواية وفي عدد الأبيات، لا بل مع من رأى أسطوريَّتها من حيث قائلها( )، فضلاً عن الاختلاف عليها كونها من شعر الفتوحات الإسلامية ولا أثر للفتك فيها .. الخ. هذا يعني أنها تُمثّل خلاصة متكاملة لحياة الإنسان العربي الذي كان يعيش جاهليةً قرَّبته من قطّاع الطرق واللصوص المشرّدين، حتى إذا أسلم لله تعالى وآمن، كان عليه - طائعاً أو مكرَهاً - أن يؤدي فريضة الجهاد، وأن تأخذه الفتوحات الإسلامية بعيداً عن أهله المباشرين وقومه وأرضه، وأن يقع مأزوماً في التناقض بين أداء حقوق الدين وواجباته وأداء حقوق الأهل والأحبة، مَنْ كان على شاكلة (ابن الريب) ومثالِه من أبناء الجزيرة العربية والمناطق المجاورة لها. فإذا انتقلْنا إلى غير (مالك) من شعراء هذه الطائفة، ممن كان حنينه في خلال تشرُّده تحديداً، وجدنا في (عُطارد بن قُرّان) واحداً من الأمثلة البارزة في هذا المجال، فهو يقول متذكّراً نجداً ومُعبّراً عن حنينه، لا مجرّد ذكرى وحنين إليها، بل لأن ثمة أسباباً تدعوه إلى ذلك:
وهَبَّتْ جنوبٌ مَسُّها لك مُعجِبُ
"طرِبتَ إلى نجدٍ وما كدتَ تطربُ

نسيمٌ لها يُشفي من الـداءِ طّيِّبُ"( )
يمانيةٌ يسري بمسـكٍ إذا سـرَتْ


فهو - إذاً - مريض من تشرُّدِه ونأيه عن قومه وديارِه وأهله، وأن ريحَ الجنوب اليمانيّة التي هبَت فأطربته إلى نجد، مسَّت من أعماقه مكامن أثارت من خلالها العجب، إذ سرَتْ إليه بالطيب وبالدواء لعلته في آن، وما علَّته إلاّ الحنين نفسه.
في حين نجد (حُريث بن عنّاب) في مُقطّعته التي قالها في حبيبته (حُبّى بنت الأسوَد)، التي كان يهواها ويتحدث إليها، ثم خطبها فوعده أهلها أن يزوّجوه بها، ووعدته ألاّ تجيب إلى تزويج إلاّ به، حتى إذا خطبها رجل من بني ثعل - وكان موسراً - مالت إليه وتركت (حُريثاً)، يقول :
وأنت ما عشتَ مجنونٌ بها كلِفُ
هل حُبُّك اليوم عن شنباءَ مُنصرفٌ

حرّى عليكَ وأذرتْ دمعةً تكِفُ
ما تذكرُ الدهرَ إلاّ صدَّعتْ كبداً

وأصرف النَفْسً أحياناً فتنصرفُ
يدومُ ودّي لمنْ دامتْ مودَّتُه

لأنني عارفٌ صدقَ الذي يصفُ
يا ويحَ كلِّ محبِّ كيف أرحمُهُ

على الخيانةِ،إنَّ الخائنَ الطرِفُ.."( )
لا تأمنَنْ بعـد (حُبّى) خُلَّـةً أبـداً

إن هذه المقطّعة تبدو من خارجها من أشعار الغزل التقليدية التي شاعت في العصر الأموي، لكننا نحسب أنها في أعماق مفرداتها وصورها – بعد الوقوف على حكاية الشاعر – تنطوي على حنين جارف من نوع جديد، ينطلق من رؤية فكرية تقترب من الحكمة، لاسيما في بيتها الأخير هنا (الخامس) من المقطّعة ذات الأبيات السبعة، إذ لخَّص (حريث) هذا جانباً من الأوضاع الاجتماعية التي سادت في عصره، من خلال حنينه الذي أبداه متألِّماً ثائراً، إلى حبيبته (حُبّى)، والذي انتهى به إلى قرار حاسم بأن لا يأمن بعدها أية حبيبة أو صديقة أبداً، إذ خانت العهد معه – أو مع سواه فهو يتحدث إلى نفسه وإلى أمثاله من المحبّين – ما دام الخائن الرئيس هو (الطرفُ)، أي الذي لا يثبت على صاحب رجُلاً كان أم امرأة، وهو يعني في الوقت نفسه الرجل الحديث الشرف (الجاه)، وبهذا قدّم (حريث) حنيناً من نوع جديد، صادراً عن يأس الفقير في مجتمع كان يشهد تحوّلات سياسية واقتصادية لم تكن معروفة من قبل، إذا ما أخذنا برأي د. طه حسين بشأن دوافع ظهور الشعراء الغزليين – العفيفين بالذات – في العصر الأموي( )، وإن لم يكن (حريث) هذا محسوباً عليهم إلاّ عبر أبياته هذه.
إن أغلب أبيات الحنين انبعثت لدى هذه الطائفة من الشعراء من خلال ما شاهدوه من الظواهر الطبيعية المتحركة: الحيوانات الأليفة مثل الظباء والطيور والزواحف، أو الظواهر الطبيعية الصامتة: الجبال والبرق والآبار والنخل والأعشاب البرّية( )، بحيث كاد يلتقي هؤلاء الشعراء مع من سبقهم في العصر السابق للإسلام، أو مع الشعراء الآخرين الذين عاصروهم، لكنّ ثمة اختلافات تشكّل معالم إبداع فكرّية تحديداً تبرز في أشعار هذه الطائفة، تنطلق من طبيعة حياة شعرائها المشرّدة أو التي تقضّى جزءاً منها داخل السجون، البعيدة عن ديارهم، أو القريبة منها.
فهذا (المرّار) في مطوّلته الهمزيّة يبدي حنيناً إلى أهله ودياره، وقد طاف في مواضع كثيرة مع رفاق له، وقد وصف في تفاصيل تشرّده الكثير من هذه المواضع وأحواله فيها، بحيث ملَّ حتى ثواء المقيل بينهما، مثلما يقول:
وكنتُ ملـولاً لطـولِ الثَّواءِ .."
إلى أن مللـتُ ثواءَ المقيـل

ثم يختتم رحلته – وقصيدته معاً – ببيت بالغ الجدّة من الناحية الفكرية، يصف فيه رحلته – ونفسه بالضرورة – وقد آذنت أن تبلغ به ديار قومه، يقول فيه :
وحُبُّ الإيـابِ كحُبِّ الشفاء "( )
" وقضَّـت مـآربَ أسفارِهـا

فهو – أي المرّار – جعل من حُبّ الإياب قريناً لحُبِّ الإنسان الشفاء، سواء من مرضٍ ألمَّ به أو من علّة الحنين على السواء، وكلاهما قد يؤدي إلى الهلاك، وهذا رأي في حُبِّ الديار يُشكل بحدِّ ذاته موقفاً فكرياً لم يبلغه أحد، على ما نظن .
وللمرّار أبيات كثيرة تؤكد ألمه من حالة التغرّب التي اضطرَّ إليها، وحنينه الآخذ منه كل مأخذ، مثل قوله:
طروبٌ إذا هبَّتْ عليَّ جَنوبُ
" وأني بتهبابِ الرياحِ موكَّلٌ

كأنّي لعُلويِّ الرياحِ نَسيبُ
وإن هبَّ عُلويُّ الرياحِ وجدتني

إليَّ وإن لـم آتِهِ لحبيبُ...."( )
وإنَّ الكثيبَ الفردَ مـن جانبِ الحِمـى

فالرياح الجنوبية والشمالية تكفي لبعث ما اعتمل في أعماقه من حنين، والكثيب الفرد القريب من دياره يبقى حبيباً أثيراً لديه وإن نأى عنه وأبعد، وفي أشعاره المزيد من أمثال هذه( ).
ولعل أبرز معاني الحنين إلى الأهل والأحباب، وأكثرها ملاءمة مع القضايا الرئيسة التي تهمّنا، أي ما يشكل جدّة مضمونية وإبداعاً فكرياً في أشعار هذه الطائفة من الشعراء، مما لـه علاقة بظروف العصر الأموي وأحواله، ما أطلقه الشعراء من مشاعر حنين لابتعادهم عن ديارهم، في مناطق وديار أبعد من تلك التي كان يعرفها المشرّدون قبلهم، إذ اتّسعت رقعة الدولة العربية الإسلامية وامتدت أطرافها منذ عصر صدر الإسلام من جهة( ) أو ما أطلقوه من داخل سجنهم ونتيجةً لما عانَوه فيها من ظروف قاسية من بينها – في حدود ما يقتضيه عنوان هذا القسم من الفصل – حنينهم الذي استبدَّ وتعاظم، حتى بدا معادلاً موضوعياً فرض نفسه عليهم لهذا السبب، الذي أبعدهم عن أهلهم وديارهم، من جهة ثانية.
ويبدو ( الأحيمر السعدي) مثلاً متميّزاً على الحالة الأولى، حين وجد نفسه في مواجهة نخلة – أو مجموعة منها – في بعض مناطق إقليم "خوزستان" من بلاد فارس "عربستان حالياً " التي فتحها المسلمون وصارت جزءاً طبيعياً من الدولة العربية الإسلامية في العصر الأموي، فما كان منه إلاّ إطلاق مواجده ومواجعه من مكامنها، حنيناً وأنيناً محسوسَين مقرونَين بدعاء مما تعارف عليه الشعراء قبله، قائلاً:
عليكنَّ مُنهلُّ الغمامِ مطيرُ
" أيا نخلات الكرْمِ لا زال رائحا

عوامَر تجري بينكنَّ بحورُ
سُقيتُنَّ – ما دامت بنجدِ نخلةٌ -

ولا زال يسعى بينكنَّ غديرُ .. "( )
سقيتُنَّ – ما دامـت بنجدِ وشيجةٌ -

مما يعني إن تلك النخلة تحوّلت في عقله وضميره وفي أعماق روحه إلى رمزِ حيّ للأهل والأحبّة والديار، فاستحقت هذا الدعاء الحار منه، الذي ماثل به مَن سبقه من الشعراء، ولكنه اختلف – بلا شك – في ظروف إطلاقه وأسبابها معهم، وهي الظروف والأسباب التي استجدّت والتي لخَصتها (يائية) مالك بن الريب خير تلخيص، وإن اختلفت الأسباب الحقيقية بين الشاعرَين .
أما الحنين الطالع من رحِم السجون فأمره يختلف، واختلافه هنا جوهري، لأن السجون نفسها لم تكن معروفة بأشكالها وأساليب التعامل في داخلها قبل العصر الأموي، وفي أشعار كلٍ من القتّال الكلابي والمرّار الفقعسي وطهمان الكلابي وجعفر بن علبة والخطيم المحرزي وجحدر المحرزي ويعلى الأحول والسمهري العكلي وعبيد الله بن الحر الجعفي والعنبري.
فالقتّال الكلابي المحبوس في سجن المدينة في أيام الخليفة (مروان بن الحكم)، يحن إلى أُميمة – رمز ******ة – فينظر قُبيل ارتفاع الشمس في الأفق، إلى ظُعُنٍ أظهرها لـه خياله عندما أبرز لـه الليل المؤذن بالرحيل بعض المعالم من جبل (سَلع) أمامه، ويرتفع من أعماقه معها ما يشبه الأنين، في قوله:
لو أن عذابي بالمدينة ينجلي "
" ألا حبّذا تلك الديارُ وأهلُها

ومن خيال تلك الديار المحبّبة التي يُبعده عنها وجوده في السجن، يتنقّل الشاعر في أماكن عدة على راحلة وهميّة، ويتذكر كيف شبَّت أمامه وأصحابه "نار لليلى" يُذكّي جمرها بعودِ وقَرنفل، حتى ليكاد يصرخ، أو ربما صرخ بالفعل :
إلى نارِ ليلى بالعقوبَينِ نصطلي
" أقول لأصحابي الحديدَ ترَوَّحوا

يُضيءُ سناها وجه أدماءَ مُغزِلِ.. ( )
يُضيءُ سناها وجهَ ليلى، كأنمـا

وقد يبدو (القتّال) في قصيدته هذه مماثلاً لجميع المحبّين النائين عن محبوباتهم، لكنّ نفثته الشاكية عذابه في سجن المدينة تجعل من حالته النفسية أشدّ انفجاراً، لثقل الأسى الذي كان يُعانيه، مثلما تؤكده القصيدة.
ولعل (المرّار) أقدر الشعراء الذين ذكروا حنينهم إلى الأهل، لا من داخل السجن، بل بعد هربه منه وترْكه أخاه (بدراً) يموت في داخله، تعبيراً عن مضمون فكري بالغ الجدّة والإبداع، في قوله الوافي المختصر جداً:
وللقَدرِ الساري إليكَ وما تدري
" ألا يا لَقومي للتجلُّدِ والصبرِ

وللشيءِ لا تنساهُ إلاّ على ذكرِ.. ( )
وللشـيءِ تنسـاهُ وتذكـرُ غيـرَه

إذ قدّم – في البيت الثاني تحديداً – معادلة فكرية غير مسبوقة تماماً، تمثّل حكمةً لم يبلغها سواه لحالة التذكّر والنسيان الملازمة للإنسان في كل زمان ومكان. لقد نفث (المرّار) نفثة من أعماق روحه المكلومة بفَقْد أخيه (بدر) لم تحمل معنى الحنين وحده، بل شخَّصت فكرة فلسفية عميقة عنه، لاسيما إذ اقترن هذا الحنين بالتجلُّد والصبر، في مواجهة القدَر الإنساني الحتم، الذي يسري بالنهاية المكتوبة على البشر، من دون أن يدري الإنسان متى وكيف، لأنه كان قد نسيَ القدَر بين أشيائه الكثيرة، وذكر غيره باهتمام أكبر، بينما تذُكِّرهُ هذه الأشياء الأخرى –باستمرار – بما يرغب في نسيانه، ومنها هذا القدَر نفسه الذي يُطلُّ على الإنسان من حيث لا يحتسب.
و (المرّار) بعد هذا لا يحن إلى حبيبة أو أهل في سجنه – أو خارجه – بل يُطلق في قومه صرخةً مدويّة ليرفعوا نارَه أمام السارين في آخر الليل، ليهتدوا إليها ويُقروهم عندها ضيوفاً، وفي هذا يقول:
سنا النارِ عن سارٍ ولا مُتَنوَّرِ
" آليتُ لا أُخفي إذا الليلُ جنّني

تضيءُ لسارٍ آخر الليل مُقترِ
فيا موقدَيْ ناري ارفعاها لعلّها

رفعتُ لـه بأسمي ولم أتنكّرِ .."( )
إذا قال: مـن أنتم ؟ ليعرفَ أهلَهـا

أي أنه يحنُّ إلى كرمِه وضيوفه، ولا يخشى غريباً يطرق الأرض قريباً منه، بل يرفع لـه اسمه ولا يتنكر، وهو المطلوب ولا شك، وعليه – لو كان شأن سواه من المطلوبين – أن يتخفّى عن عيون السلطة وشرطتها أو المتعاونين معها في القبض على الجناة .
أما (طَهمان الكلابي) فيتذكر (ليلاه) و(أُمَيمته) في إحدى مطوّلاته وإحدى قصائده القصيرة:
تمرُّ على ليلى وأنتَ طليقُ .. "( )
" لعلَّكَ بعد القَيد والسجنِ أن تُرى

فهو آملٌ تُعذّبه الذكريات وتُبلغه حتفَه – أو تكاد – وقد أغلق عليه السجن أبوابَه، وأوثقت خطواته إلى ******ة القيود، لكنه يتخفّف بأمله بلقائها من عذابه، لا بل أنه وهو على تلك الحالة، يُهوِّن من شعوره بالألم والشكوى مما هو فيه، إذ يُنَبّأْ بمرض (ليلاه) في العراق وهو لا يستطيع لها شيئاً، وبالرغم من ذلك يلجأ إلى الدعاء لها، وينشغل بها عن همومه وآلامه، قائلاً :
على كلِّ شاكٍ بالعراقِ شفيقُ.." ( )
" سقى اللهُ مرضى بالعراقِ فإنني

ومن ظريف ما تحدث عنه (طهمان) في أشعاره التي تدخل ضمن عنوان هذا الجزء من الفصل الثاني، ما أنشده الخليفة عبد الملك بن مروان، شاكياً إليه ما صنَعه به أحد ولاة أبيه (مروان بن الحكم) – وكان قطع يد طهمان اليمنى، إذ بعد أن يتحدث عن يدِه التي قُطعت، يقول :
شِمالُ كريمٍ زايلَتْها يمينُها
" دعَتْ لبني مروان بالنصرِ والهُدى

لَباقٍ عليها في الحياةِ حنينُها .." ( )
وإنَّ شِـمـالاً زايـَلَتْهـا يـمينُهـا

جاعلاً يَده اليسرى دائمةَ الحنين لأُختها اليُمنى، وهي فكرة بارعة تشير إلى مدى ذكاء هذا الشاعر في تسويغ شكواه إلى الخليفة، فهو لم يتألم لفقدها – أي يده اليمنى – إلاّ لما تقدّمه من خدماتٍ ناقصةٍ يَدُه اليسرى، التي بقيت وحدَها تدعو للخليفة واخوته بالنصر والهدى، مثلما بقيت تحنُّ إلى تلك اليد المقطوعة كذلك( ).
أما (جعفر بن علبة) فيقدم حالة حنين من نوع ظريف أيضاً، إذ يُبديه الشاعر عِبْرَ خياله المتوقّد وقد رأى هواه " مع الركب اليماني مصعد " بينما جسمه في سجن مكة الذي حُبِس في داخله، وعن هذه ******ة التي حنَّ إليها في سجنه يضيف قائلاً :
إليَّ وبابُ السجنِ دونيَ مُغلَقُ
" عجبتُ لمسراها وأنّى تخلَّصتْ

فلما تولَّتْ كادتِ النفسُ تزهقُ.." ( )
أَلَمَّتْ فحيَّتْ ثـم قامـتْ فودَّعـت

لكنَّ خياله هذا يُنسيه – مثلما يبدو من بقية المقطعّة – أنّها تركته حتى كادت نفْسُه تذهب، إذ سرعان ما يواصل حديثاً ظريفاً معها، يؤكد فيه أن ما آل إليه أمره لا يُخيفه، لاسيما لخشيته من أن تزهقَ نفْسُه، لأنه اعترته صَبابةُ من هواها، لأنه أصلاً كان يفعل الشيء نفسَهُ إذ هو مُطلق ‍!، وهو تسويغ لحنينه المقترن بالخوف على درجة كبيرة من الذكاء .
أما (الخطيم المحرزي) فتزخر أشعاره بالحنين إلى أهله وأحبابه ودياره، وبمعاني التغرُّب المتعاظم في نفسه. وقد قدّم الدكتور نوري القيسي دراسة وافية عنه وعن (السمهري) و(جحدر) و (عبيد الله بن الحر)، لاسيما بشأن تقصّي صور الحنين ومعانيه في أشعارهم، وأبعاده النفسية والفكرية التي تراوحت بين الرغبة في النجاة من السجن، وحُبّ الحرية والتمسُّك بالأرض والقبيلة، تمسُّكاً لا يعد لـه أي مكان آخر، حتى الشام وعمّان – بالنسبة للخطيم – وقراهما وجبالهما، مثلما في قوله :
وعَمّانَ ما غَنّى الحَمامُ وغرَّدا "( )
" أعوذُ بربّي أن أرى الشامَ بعدها

أو بين الرغبة في تحويل الهموم التي تعاود السجين في داخل سجنه، إلى معادل الزوّار والمحبّين الذين يعودون الشاعر، مثلما في قول جحدر :
إنْ لم تُفرَّجْ لها ورْدٌ بأصـدارِ
" إن الهمومَ إذا عادَتْكَ واردة

وأنصَبَتْكَ لحاجاتٍ وأذكـارِ"( )
كانت عليك سَقامـاً تستكين لـه

أو بين التعبير المكلوم عن شدّة الحرمان من البيت والأهل و******ة، والتعلّل بالأطياف التي تطرق أبواب السجن، والتي تقتحم على الشاعر السجين الجدران المغلقة من حولـه، أو نفسه المغلقة على اليأس، مثلما في قول السمهري:
فلا البيتُ منسيٌ ولا أنا زائرُهْ
" ألا أيُّها البيتُ الذي أنا هاجرُهْ

بأَشهبَ مشدودٍ عَلـيَّ مسامـرُهْ" ( )
ألا طرقَتْ ليلى وساقـي رهينـةٌ

أو بين الرغبة في معاودة ما انقطع من أحوال الشاعر: قتال الباسل وتحدّيه لخصومه، وإبداء مواقف الكرم والشهامة، مثلما عبّر عن ذلك (ابن الحر) في قوله:
بلائي إذا ما غصَّ بالماءِ شارِبُهْ
" وإنيَّ من قومٍ سيُذكر فيهم

مُوَطّنةً تحت الشـروحِ جنائِبُـهْ"( )
كأنَّ عبيـدَ الله لـم يُمْسِ ليـلـةً

ويستدعي الحديث عن الجدّة والابتكار في المضامين الفكرية والموضوعية، التوقّف قليلاً عند (العنبري)، الذي بلغ به حنينه المتفجّر، وهو سجين خوفه الذي بالغ في التعبير عنه، وقد بلغ منه مكاناً واسعاً في أعماقه حدّ اليأس، فراح يخاطب جملَه قائلاً :
برَحلي وأجلادي فأنت مُحرَّرُ
" أيا جَمَلي إن أنتَ زرتَ بلادَها

من الأرضِ أو ريحٌ تروح وتُبكِرُ
وهل جَمَلٌ مُجتابُ ما حالَ دونَها

من الأرضِ مخشيُّ التنائفِ مُذعِرُ؟..( )
وكيف تُرَجّيها وقد حـال دونَها

لقد اضطر – إذاً – أن يلجأ إلى جَمَله لإبلاغِه ما لا يستطيع بلوغَه من رغبته في زيارة ديار حبيبته، لا بل تمنّى أن تذهب إليها ريحٌ – من دونه – لتزورها، لكنَّ (العنبري) سرعان ما يُدرك استحالة تحقُّق ما يتمنّى، لأن البراري الموحشة (التنائف) تحول بينه وبينها، في سجنه ذاك الذي رهن نفسه إليه خشية من عقاب السلطة.

إن (العنبري) استطراداً، أسبغ على الجَمل صفةً إنسانيةً، فحادثه ووعده بتحريره: وهي صورة من صور الإبداع الفكري لدى هذا الشاعر، كونها تؤكّد مدى تجذُّر الروح الإنسانية التي كانت تطبع حياته بطابعها، والتي زادت من أُلفتِه وتآلفه مع الحيوان والأشياء من حوله مقابل خوفه المتعاظم من الناس، وهي أيضاً صورة من صور أثر الارتباط الوثيق بين الشاعر وبيئته، بما فيها من حيوان أليف ومتوحش.
إن صورة علاقة الإنسان بالحيوان ظهرت من قبل في الشعر العربي، في العصر السابق للإسلام، تحديداً، وإن كانت معكوسة المعنى، مثلما فعل الشاعر (ضمرة بن ضمرة النهشلي) عندما انتزع عن إبله الصفة الإنسانية في مجال تأكيده عدم اهتمام إبله به بعد موته، مثلما في قوله :
وخرجتُ منها عارياً أثوابي
" أرأيتَ إن صرخَتْ بليلٍ هامتي

أو تعصِبَنَّ رؤوسَها بسِلابِ ؟ "( )
هل تخمِشَنْ إبلي عليَّ وجوهَهـا

وكذلك عندما انتزع الشاعر (النابغة الجعدي) عن إبلهِ الصفة نفسها، في صورة مماثلة، بقوله :
وخرجتُ منها بالياً أوصالي
" أرأيتَ إن بكرتْ بليلٍ هامتي

أو تضـربَنَّ رؤوسَهـا بمآلـي؟ "( )
هل تخمِشَنْ إبلي عليَّ وجوهَها

فقد أكد الشاعران معاً أن المال – وبضمنه الإِبل – لا يغني المرء عن أهله وأصدقائه، لاسيما عند دنوِّ أجله وانتهاء حياته.
3- عَذابات السجن
تُعدُّ موضوعة السجن في الشعر العربي عامّة، موضوعةً طريفة ظهرت من خلال طائفة الشعراء الفتّاك واللصوص في العصر الأموي، هذا العصر الذي شهد بدايات ترسيخ أسس الدولة العربية الإسلامية، سواء بنظام الحكم الشبيه بالملكية الوراثية بالنسبة للخلافة، وما رافقه من نظام إداري (الدواوين المتخصصة)، وتطوير ما ظهر من دواوين في عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، ولاسيما في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (رض)، أو من خلال تقسيم الدولة التي اتسعت رقعتها الجغرافية، إلى ولايات وتعيين الولاة والعمّال عليها وتأسيس السجون فيها .. الخ .
لقد برزت موضوعة السجون بأسمائها ومواقعها ووصف الحياة في داخلها، والوسائل المستخدمة للتقييد أو المعاقبة فيها، فضلاً عن أنواع العقاب والظروف والمعاناة النفسية والجسدية، في الكثير من أشعار هذه الطائفة، لكونهم أوّل مَن جرّب الحياة في أعماقها، خلف أبوابها الموصدة وبين جدرانها، وكانت حياة غير مسبوقة من قبل، وكانت غريبة عكست وطأة ثقيلة على مَنْ عاشَها أو تعرّض لها.
صحيح أن السجون كانت معروفة قبل العصر الأموي، لكنّها لم تكن سوى إحدى غرف بيت الخليفة أو الوالي أو على شكل حُفر أو آبار مظلمة، يُلقى فيها المسجون إلى حين مجيء أحد القضاءَين: الأجَل أو الفرج، إذا ما تذكّره حاكمه أو ذكِّر بوجوده في السجن، أو قدم التماساً واستعطافاً إلى أُولي الأمر لإخلاء سبيله( )، مثلما ذكرت المصادر من شأن الشاعر (الحُطيئة) الذي استعطف الخليفة عمر بن الخطاب (رض) حين سجنه لهجائه الزبرقان بن بدر، في أبيات شهيرة، منها قوله يذكر إلقاء الخليفة لـه في " قعر مُظلمة ":
زُغْبُ الحواصلِ لا ماءٌ ولا شَجرُ
" ماذا تقولُ لأفراخٍ بذي مرَخٍ

فأغفر عليك سلامُ اللهِ يـا عُمَرُ.." ( )
ألقيتَ كاسبَهم فـي قعرِ مُظلمـةٍ

بيد أن موضوعة السجن هذه تفرّعت عنها في أشعار الفتّاك واللصوص، موضوعات تناولنا قسماً منها في القسم السابق من هذا الفصل الخاص بالحنين إلى الأهل والأحباب، وسنتناول القسم الآخر في الجزء التالي، الخاص بموضوعة (الإيمان والحكمة). أما في هذا القسم فسنقتصر على ما يتعلق بوصف السجون وأوضاع الشعراء فيها، والعذابات التي لحقت بهم من جرّاء ظروف السجن ومعاناتهم في داخله .

و(القتّال الكلابي) أول هؤلاء الشعراء، فهو مثلما ذكرنا كان قد حُبس في سجن المدينة، لكنّه لم يتحمّل السجن فقتل سجّانه وهرب، وهذه الحادثة بحدِّ ذاتها جديدة في الحياة العامّة، وفيها يقول:
وخفتُ لحاقاً من كتابٍ مؤجّلِ
" ولمّا رأيتُ البابَ قد حيلَ دونَه

إذا وُطِّنتْ لم تستقِدْ للتذلُّلِ
ردَدْتُ على المكروه نفْساً شريسةً

وكان فراري منه ليس بمؤتلي..." ( )
وكالئُ بابِ السجنِ ليـس بِمُنْتـه

فالقضية – أولاً – تتلخص في شعور (القتّال) بدنو أجله خلف الباب الموصد عليه، وهو ذو نفْس شديدة الشراسة لم تعتدْ الانقياد للذل، وحارس باب السجن أو مراقبه (الكالئ) لا يغادره، لذا كان فراره أمراً مفروغاً منه في عقله وفي دخيلة نفسه، فهي موضوعة شعرية جديدة تماماً، عبّر عنها الشاعر بدقة نفسية وفكرية بالغة، يزيد من براعته في عرضها ما تستكمله من وصف علاقته بهذا الحارس، إذ يقول:
تداركْ بها نُعمى عليَّ وأفضلِ
" إذا قلتُ رفِّهْني من السجنِ ساعةً

إلى حَلَقاتٍ فـي عمودٍ مُرَمّلِ"( )
يـشـدُّ وثاقـي عـابسـاً ويتلُّنـي

وهذه القضية – ثانياً – تتلخص في رغبة (القتّال) في الحصول على ساعة راحة، التي تقاطعت مع عمل الحارس، الذي سرعان ما يزداد عبوساً وهو يشد وثاق سجينه ويجرّه بعنف. ويقيّده إلى حلقاتٍ في عمود ملطّخٍ بالدم، ليزيد الشاعر من صورة عذابه بشاعةً، ويُسوِّغ قتله الحارس وفراره من السجن، مزيداً من التسويغ.
في مقابل حال (القتّال) العنيف ووضعه النفسي والفكري المعقّد من السجن وهو البدوي الذي تصفه المصادر بالفروسية والشجاعة، والذي سبقت الإشارة إلى أنه كان مثالاً للصورة المتطرفة "لمقاومة كل ما سنّته الدولة من تنظيمات.."، يقف (جعفر بن علبة) في سجنه موقفاً مغايراً تماماً، فهو في مقطعّةٍ لـه يحرِّض أخاه (ماعزا)، بعد أن يصف حاله داخل السجن، حيث يقوم على حراسته ثلاثة حراس فضلاً عن قيوده التي تمنعه من السير قليلاً أو الاضطجاع، لصليلها المزعج، دافعاً إيّاه إلى التوجُّه إلى السلطة للنظر في أمره، قائلاً:
يعودُ الحفا أخفافَها وتجولُ
" ولو بكَ كانتْ لأبتعثتُ مطيَّتي

وتبرأ منكم قالـةٌ وعـذولُ"( )
إلى العدلِ حتى يصـدرَ الأمر مَصدراً

معبّراً عن موقف أخلاقي واجتماعي، فضلاً عن موقفه الفكري والنفسي، من الالتزامٍ بأوامر الدولة، إذ أنه متيقن من براءته – إذا حوكم -، وتبرئته هذه ستمنع عن أهله الأقاويل وعذل العاذلين، وهذه قضية جديدة بالفعل تُسجّل لهذا الشاعر الفاتك .
ولجعفر – في مقطّعةٍ أُخرى – صورة أطرف وأظرف في التعبير عن حياته في داخل السجن (سجن دُوران)، فهو ينقل ما يجري إذا أظلم الليل، فيتحدث عن قيام الحارس بالدَوران عليهم حتى الصباح بنشاط وحماسة، لينتهي إلى تقرير موقفه الذي يستدعي صبر الشجاع الكريم والتذلُّل – عن رضا – لأُولي أمره، قائلاً :
فكيف لمظلومٍ بحيلةِ محتالِ ؟
" وحرّاسُ سوءٍ ما ينامون حولَه

على الذلِّ: للمأمورِ والعِلجِ والوالي "( )
ويصبر فيه ذو الشجاعةِ والندى

مؤكداً التزامه بأوامر السلطة ومن يُمثَلُها – وهم ثلاثة هنا – صابراً طائعاً شاعراً بالظلم لكنه لا يملك حيلةً في مواجهته.
ويشترك كلٌّ من: السمهري العكلي، وعُطارد بن قُرّان، في التعرُّض لوصف أحوال السجناء وما يُقاسونه من عذابات مُرّة خلف القضبان والجدران العالية، وفي إطلاق مكنون الألم للقسوة التي يتعرضون لها على أيدي الحدّادين (السجّانين)، لاسيما وقد اقترن هذا الألم بالشعور النفسي والفكري بالظلم من جهة، وبوجود نوع من التعامل الذي يُبديه حرّاس السجون، وهم يفرّقون بين المسجونين، بالقسوة الشديدة على الكرام منهم والتساهل مع اللئام، فضلاً عن الخوف – حدَّ الرعب – من هؤلاء السجَانين القُساة، من جهة ثانية.

فهذا (السمهري) الذي أشار الدكتور نوري القيسي إلى شدة يأسه من جرّاء مواقف قبيلته (عُكل) منه وتركها إياه ينوء بتحمُّل مصاعب السجن، بالرغم من مواقفه هو المُدافعة عن القبيلة، يقول واصفاً حال رفاقه في السجن:
تساءَلُ في الأسجانِ ماذا ذنوبُها ؟
" لقد جمعَ الحدّادُ بين عصابةٍ

طنابيبَ قد أمستْ مُبيناً علوبُها
مُقرَّنةُ الأقدامِ في السجن تشتكي

بها، وكرام القومِ بادٍ شحوبُها
بمنزلةٍ، أمّا اللئيم فآمِنٌ

فرائص أقوامٍ، وطارتْ قلوبُها.." ( )
إذا حَرسيٌّ قعقع البابَ أرعـدتْ

وعند النظر في بعض شعر (عُطارد) بهذا الخصوص، سنجده يُعبِّر مرة عن مقارنة بين حاله وحال سجّانه، فيقول:
يمشي العِرضنةَ مختالاً بتقييدي
" يقودُني الأخشنُ الحدّادُ مؤتزِراً

حالٍ، وما ناعمٌ حالاً كمجهودِ
إني وأخشنَ في (حجر) لَمُختلفا

من مُشتَكٍ كبْلَهُ منهم ومصفـودِ.." ( )
ونحن في عُصبةٍ عضَّ الحديدُ بهم

في حين يُعبّر مرة ثانيةً عن ملَله إذ يطول عليه الليل داخل السجن، فيبقى جالساً لا يستطيع حراكاً لاسيما أنه كان مقيَّداً إلى صاحبٍ لـه ما إن يتحرك حتى ترنَّ قيوده، وفي هذه الحالة يقول :
فأجلس والنهديُّ عنديض جالسُ
" يطولُ عليَّ الليلُ حتى أَملَّهُ

ومُستحكِمُ الأقفالِ أسمرُ يابسُ
كلانا به كبْلانِ يرسُفُ فيهما

تطنُّ علـى سـاقََّ وهْناً وساوِسُ.." ( )
إذا ما ابـنُ ضَبَّاحٍ أَرنـَتْ كبـولـهُ


وهي صورة لا تحتاج إلى شرحٍ أو تعليقٍ، لوضوحها ودلالتها النفسية والعقلية البيّنة.
وثمّة في هذه الموضوعة – موضوعة عذابات السجن – ما يتعلق بما استجدَّ لدى بعض الشعراء من مواقفَ جديدةٍ بإزاء قبائلهم، وهي مواقف تراوحت بين الرغبة في إبلاغ الشاعر لأصحابه وقومه بأحواله في داخل السجن، وبين لوم القبيلة والتعبير عن المرارة من مواقفها، التي أظهرت لا مبالاتها تجاه أحد أفرادها الذين خدموها قبل دخول السجن، وبين توجيه النُصح للقبيلة وقد تخلَّت عن واحد من فرسانها ووجوهها البارزين.
ولعل خير مثال على الموقف الأول، يقدّمه (عبيد الله بن الحر) في قوله :
أتى دونَهُ بابٌ منيعٌ وحاجبُهْ
" مَنْ مبلغُ الفتيان إن أخاهُمُ

إذا قام عنَّتْهُ كبـولٌ تُجاوِبُـهْ.." ( )
بمنزلةٍ ما كـان يرضـى بمثلِهـا

الذي يُنبّه أصحابه على وضعه المر في السجن، لاسيما ما يُسمّيه بـ" المنزلة " الجديدة التي لم يألفها – وهو الفارس الفاتك الشجاع – ولا يرضى بمثلها، فكيف وقد وجد نفسه مُكرهاً عليها ولا يملك قدرة نفسية أو عقلية على تحمُّلها – بل تصوُّرها – مثلما يؤكد. أما مثال الموقف الثاني، فيعبِّر عنه (السمهري العكلي) في قوله:
ولم أدرِ ما شُبّانُ عُكلٍ وشيبُها
" ألا ليتَني من غيرِ عُكلٍ قبيلتي

بخيرٍ، ولا يأتي السَدادَ خطيبُها
قُبيلِّةٌ لا يقرعُ البابَ وفْدُها

فقد كنتُ مصبوباً على مَنْ يَريبها"( )
فإن تكُ عُكلُ سرَّهـا ما أصابني

فقد بلغت حالة اليأس الشديد من الشاعر درجة تمنّى فيها التخلّي عن قبيلته، لا بل جعلت قبيلته تصغر في عين رأسه وعقله، وليس من سديد رأي لدى خطيبها، وفي هذا الموقف النفسي والفكري منتهى الألم من قومه والاستهانة بهم، وهو موقف جديد غير مسبوق أملته عليه حاله في داخل السجن من جهة وأملته على قبيلته – من جهة ثانية مثلما يظهر – مواقفها من السلطة الأموية وممثّليها ومواقف السلطة منها. في حين يقدم (جحدر المحرزي) المثال على الموقف الثالث، فهو يخاطب قومه من خلف جدران السجن، متوسلاً بهم ناصحاً لهم، لكي يقوموا لنجدته في محنته داخل السجن، لا من أجل رغبته في الخلاص والحريّة حسب، بل من أجلهم إذ لن يجدوا من يحلُّ في عظائم الأمور، وفي هذا يقول:
إذا نابَكُمْ يوماً جسيمٌ من الأمر..
" بني محرزٍ مَنْ تجعلون خليفتي

وبيني، ويَبعُدْ من قبورِكُمُ قبري
بني محرزٍ إن تكنسِ الوحشُ بينكم

وأدفعُ عنكم باليد‍يـنِ وبالنحرِ.." ( )
فقـد كنتُ أنهـي عنكمُ كلَّ ظالـمٍ

لكنه – مثلما يتّضح من شعره – يلجأ إلى غير قومه بعد أن يُمضُّه اليأسُ من الاستجابة إلى نصحه لهم، فيوجّه خطاباً شعرياً آخر إلى والي اليمامة (إبراهيم بن عربي)، يُبدي فيه حنيناً إلى قومه، ويتحدث عن حالته الجديدة خلف قضبان السجن بعد تلصُّصِه في القفار والأمصار، إذ يقول بهذا الخصوص :
بعد التَلصُّصِ في برٍّ وأمصارِ
" فصرتُ في السجنِ والحرّاس تحرِسُني

عَوْمَ السفينةِ في ذي اللجَّةِ الجاري.."( )
وسَيْرِ حـرفٍ تجـوبُ الليلَ جافلـةً

ويخاطب نفسه خطاب الصابر المُحتسب، قبل أن يتوجَّه بشكواه إلى هذا الوالي طامحاً أن يُنعم عليه بالعفو، مادحاً إيّاه على حُسن إدارته لشؤون اليمامة وأحوالها.
ويقدم (المرار الفقعسي) صورة أخرى جديدة أيضاً حين يُخاطب واليَيْ سجن اليمامة لكي يُطلقاه من سجنه، ويرى في الوقت نفسه أنهما إن فعَلا ذلك سيحمدهما، وهو أكثر من مجرد شكرهما وهما بغنى عن الشكر، فهو يقول:
أسيرَكُما ينظُرْ إلى البرقِ ما يَفْري
" فيا واليَيْ سجنِ اليمامةِ أطلِقا

بأنكُمـا لا ينبغي لكُما شُكري.." ( )
فإن تفعلا أحمَدْكما، ولقـد أرى

وهو في هذا يُعبِّر عن موقفِ آخر على العكس من موقف (جحدر) من والي اليمامة نفسه بما يُشير إلى اختلاف وجهتّيْ نظرهما وموقفهما النفسي والفكري من مسألة سجنهما، وهذا ما يؤكد تمتُّع هذين الشاعرَين بشـيءٍ من الحريّة في مخاطبتهما لوالي اليمامة، في الأقل.
إن وجود عدد من شعراء هذه الطائفة في سجون الدولة الأموية، عكس جانباً فكرياً ونفسياً مهمّاً، وهو الجانب المتعلق بإبداء الحكمة والتعقُّل والنَفَس الإيماني والاعتداد بالنَفِس، مثلما سيتوضح ذلك في الفقرتين التاليتين .
4- الإيمان والحكمة
ابتداءً لابد من القول إنه إذا كان التشرد ودخول السجن من أبرز البواعث على الخوف والحنين إلى الأهل والديار، مثلما قرّرنا في الصفحات السابقة، فالخوف تحديداً كان بدوره باعثاً على بروز موضوعة الإيمان والحكمة في أشعار هذه الطائفة وهي موضوعة جديدة تماماً من ناحيتّيْ: المضمون والبُعد الفكري والنفسي لدى عدد من هؤلاء الشعراء، تستحق التوقّف عندها واستجلاء ما يمكن استجلاؤه من جوانبها المختلفة، وإن كانت الموضوعة نفسها أقدم ظهوراً في الشعر العربي عامة وشعر عصر صدر الإسلام فالعصر الأموي خاصة.
ولعل من أبرز جوانب جدّة موضوعة الإيمان التي تبرز في شعر هؤلاء الشعراء، الجانب الذي يُمثّل تعاظم ما يمكن تسميته بـ "التيار المعبر عن الزهد" أو المؤسس للشعر الزاهد في الأدب العربي الذي كانت ملامحه قد ظهرت حتى في العصر السابق للإسلام، وبرزت أكثر في صدر الإسلام والعصر الأموي( )، وهو أعلى المضامين الروحية والنفسية المعبّرة عن الإيمان بالله تعالى واللجوء إليه يليها الجانب الذي يمثل ما يمكن أن نُسمّيه بـ"الجانب الفلسفي " أو أوائل الإشارات إلى الفكر الفلسفي الإسلامي ثم الجانب الثالث الذي يُمثَّل تعبيراً عن نفحات إيمانية مبثوثة في أشعار الشعراء، من دون أن ترقى إلى مستوى الجانبين السابقين. أما موضوعة الحكمة التي تقترب من الإيمان وتقترن به، فلها شأن آخر، يمكن أن تظهر ملامحه ومعالمه التفصيلية عند الاقتراب منه والدخول في ميدانه.
فلو توقفنا قليلاً عند (جحدر المحرزي) لوجدنا أنه انتهى من تطوافه في الفلوات والقفار إلى السجن، وكان نزيلاً لعدد من السجون التي كانت قد بُنيت في الكوفة وواسط والمدينة واليمامة ونجران بأرض اليمن، ثم كان عليه أن يلجأ – لشدّة وطأة السجن عليه – إلى ذاكرته يستعين بجميل ما احتفظت به على تحمُّل بؤس واقعه، أو أن يلجأ إلى أعماق نفسه والتنقُّل على جناح التأمل الواسع (الداخلي) الشفيف، تعويضاً عن ضيق المكان الذي وجد نفسه فيه، واقتراباً من حالة الزهد التي انفتحت عليها أعماقه من حيث لا يشعر، عندما راح يدعو الله تعالى طالباً منه التوبة والمغفرة والإجارة من القدر الذي كان عليه أن يؤمن به إيماناً مطلقاً، وأن يستسلم لـه وأن يخاف منه بقوة( ).
هاهو – مثلاً – يخاطب نفسَه من منطلق هذا الإحساس الذي أخذ بخناقه قائلاً:
إليه ما منتهى علمي وآثاري
" إني إلى أجَلٍ إن كنتِ عالمةً

وإن كذبتِ فحسبي الله من جـارِ.." ( )
للهِ أنتِ فإن يعصِمْك فاعتصمي

لكنه إذ يشعر أن وجوده في سجن (دوّار) باليمامة قد طال وثقُل عليه وازداد وطأة، يلجأ إلى الله تعالى – حيث لا ملجأ من الأقدار المتربّصة به إلاّ إليه – داعياً مسترحِماً مما هو فيه من ضيق، بالغاً حدَّ الزهد فيخاطب الله سبحانه وتعالى في إحدى مقطَّعاته قائلاً :
دَعوى فأَوَّلُها ليَ استغفارُ
" إني دعوتُكَ يا إلهَ محمّدٍ

ربّ البريّةِ، ليس مثلَكَ جارُ
لتُجيرَني من شر ما أنا خائفٌ

ربّي بعلمِكَ تنزلُ الأقدارُ.." ( )
تقضي ولا يُقضي عليكَ وإنّمـا

ويكرّر مناجاته لله تعالى في أبيات أُخَر، طالباً إنقاذ أهل (دوَار) تارةً وإنزال الخراب بهذا السجن والموت ببانيه، معلناً تارةً أخرى بُغضه لهذا السجن الذي منه أُشعِلت سقر، فقد وجد نفسه محبوساً في سجن الحجّاج بالكوفة، حتى لقد أبدى في نفثاته اليائسة نجوى ظريفة على أساس إن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق هذا "البيت" الأبغض عند خالقه أو الأبغض الذي خلقه، أي جعل هذا السجن – في الحالتين – من ضمن مخلوقات الله تعالى، بحيث بدا لجحدر كأنه النقيض الكلي للبيت الحرام الذي أمر الله سبحانه وتعالى نبيَّه إبراهيم ببنائه ليكون مكاناً آمناً يُدخل الطمأنينة في نفوس اللائذين به، على العكس من بيت الجحيم هذا (السجن)، وهي صور تؤكد مدى براعة هذا الشاعر اللص في التعبير عن رؤيته الفكرية، المنطلقة من اقتراب شديد من الخالق عزَّ وجلَّ، بعد طول ابتعاد عنه( ).
ويكاد (العنبري) يناظر (جحدراً) أو يتقدم عليه في هذا المجال، لأنه إذ يبدي في مناجاته الله عزَّ وجلّ توبته واستغفاره، ينطلق أصلاً من روحه المفرطة الهلع، المقترنة في الوقت نفسه بتماسك عقلي غريب لا يتناسب مع شدة الخوف تلك، فهو يخاطب الله تعالى بوعي عقلي متماسك، يتقدم على عواطفه وأحاسيسه اليائسة، وربما انطلق منها وبتأثيرها الشديد المرارة في أعماق نفسه، قائلاً :
إيمانَهم أنني من ساكني النارِ
" ياربّ قد حلفَ الأعداء واجتهَدوا

ما عِلمهُم بعظيمِ العفوِ غفّارِ
أيَحلفون على عمياءَ، ويحَهُمُ

ومِنّةً مـن قوامِ الدينِ جبّـارِ.." ( )
إني لأرجو مـن الرحمـن مغفـرةً

ليصل إلى حالة زهدٍ وانقطاع إلى الله تعالى، تُعبِّرُ عن اطمئنان نفسي من قبول الرحمن توبته من جهة، ومن تحقيقه الأمان الروحي بعد انغماره في خوفه، من جهة ثانية، فيضيف قائلاً :
بتوبةٍ بعدَ إحلاءٍ وإمرارِ
" أنا الغلامُ عتيقُ اللهِ مبتَهِلُ

كما يودِّعُ سَفْرٌ عَرْصةَ الـدارِ"
خلَّيتُ باباتِ جهلٍ كنتُ أتبعُهـا

وقد نبَّهَ الدكتور نوري القيسي على عودة (العنبري) في القصيدة وفي عدد من مقطعّاته إلى نفسه الضائعة ووجوده المبعثر، وما استمدّه منهما من نهاية آمنة، وأشار إلى أنها " لونت قسَمات شعره بلونٍ باهت من الزهد، وطبعتها بمسحة خفيفة من مُسحات الصوفية"( ).
إن الملاحظة السديدة تقود إلى قضيّة مهمة في تاريخ الأدب العربي، تتشعب إلى شعبتين :
*الأولى تؤكد أن اللمسات الزهدية والصوفية في أشعار (جحدر) والعنبري هذه، يمكن أن تشير إلى بداية أبكر لشعر المتصوفة العربي، من بدايته التي حدّدتها دراسات عدّة بأوائل القرن الثاني الهجري (الثلث الأخير من العصر الأموي) ( ). فالشاعران عاشا في خلافة الخليفة (مروان بن الحكم) مثلما أوضحت مصـادر دراسـتهما، مما يعني أنهما ربما يكونان قد سـبقا – بهذه اللمسات – التاريخ المعروف لبداية الشعر الصوفي في الأدب العربي .
*الثانية: إن في بيت (العنبري) الذي سبق أن أوردنا ضمن الأبيات الثلاثة المذكورة آنفاً، الذي يسأل خلاله قائلاً:
ما عِلمُهمْ بعظيمِ العفوِ جبّـارٍ؟ "
" أيحلفون على عمياءً ويحَهـمُ

وكذلك في البيتين الآتيين اللذين يقول فيهما مناجياً الخالق جلَّ شأنه :
كأنّه من حذار الناسِ مجنونُ
" يا ربّ عفوَكَ عن ذي توبةٍ وجَلِ

أيّامَ ليـس لـه عقـلٌ ولا ديـنُ "( )
قـد كـان قـَدَّمَ أعمـالاً مقاربـةً

يقدّم الشاعر، فضلاً عن نفثات الإيمان البالغة حدَّ الزهد، ما يمكن أن يُشكّل بداية ملامح الفلسفة الإسلامية، التي بدأت بعد ذلك بالفعل من خلال آراء الفيلسوف العربي يعقوب بن اسحق الكندي المتوفى سنة (252هـ)، الذي حاول التوفيق بين الفلسفة والدين، لأن كُلاً منهما يساند الآخر، على خلاف ما وجده في الفلسفة اليونانية( )، وكذلك ما أضافه المعتزلة إلى أساس التفكير الفلسفي الإسلامي من إيلاء العقل مكانةً متميزة في النظر إلى أُمور الدين الإسلامي وشؤونه الحياتية( ).
ولم يكن (العنبري) متفرّداً في هذا المجال، بل تصحّ هذه الملاحظة على عددٍ آخر من شعراء هذه الطائفة، أبرزوا العلاقة بين العقل والدين في أشعارهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، مثلما سنذكر ذلك في مواضعه اللاحقة.
ذلك أن للعلم العقلي موقعاً واضحاً في ترسيخ روح الإيمان، مثلما أقرّت ذلك الفلسفة الإسلامية، حتى إن الفيلسوف الكِندي في ذكر إحدى رسائله: " فإن في نَظْم هذا العالمَ وترتيبه وفعل بعضه في بعض وانقياد بعضه لبعض وتسخير بعضه لبعض واتقان هيئته على الأمر الأصلح (…) لأعظم دلالة على أتقن تدبير، ومع كلِّ تدبيرٍ مُدبر، وعلى أحكم حكمة، ومع كلِّ حكمةْ حكيم …"( ).
فإذا رجعنا إلى بيت (العنبري) وما أشار فيه – عبر سؤاله – إلى حلف أعدائه " على عمياء" بشأنه، وتقريعه إيّاهم لعدم عِلمهم بعظيم العفو الرحمن الغفّار، تبيّن لنا جلال المعنى الذي وصل الشاعر إليه في ندائه الصارخ المشفوع بدعائه ورجائه واطمئنانه إلى عفو الله ومغفرته، وهو ما عزّزه في البيتين اللاحقَين.
فهو – فكريّاً يؤكد اطمئنانه من قبول الخالق عزّ وجل لتوبته، بعد أن أدرك – خلافاً لأعدائه العمي البصائر – بعقله المبصر أنه إنما قدَّم ما قدَّم من أعمال شائنة، أيام لم يكن لـه عقل ولا دين، وإنه إذ أمسك بعقله ودِينِهِ صحا من نوبة "شبه الجنون" التي كانت تتلبسه خوفاً من الناس ويأساً من رحمة الله الرحيم.
ومثل هذه الرؤية الفكرية العميقة، الجديدة المبدعة، تتّضح في قول (القتّال الكلابي) :
وأتبعُ عقلي ما هدى ليَ أوَّلُ "( )
" سأعتبُ أهلَ الدينِ مما يريبهُم

فهو يُقدِّم ما يهديه إليه عقله من طريق أو سلوك على ما راب أهل الدين والخلافة من أعماله وسلوكه، بينما يُلمِّح (حُريث بن عنّاب) إلى هذين العاملين الرئيسين (الدين والعقل) ولا يُصرّح بهما، بعد أن يحمد الله على نصره الذي وافاه به في إحدى صولاته إذ يقول:
لهمْ قائدٌ أعمى وآخرُ مبصرُ "( )
" إذا ركبَ الناسُ الطريقَ رأيتَهم

فهما (عقله ودينه) يُمثّلان القائد المبصر بالنسبة لـه ولجميع بني البشر، أما الأهواء البعيدة عنهما فهي القائد الأعمى الذي يقود إلى المهالك بالضرورة.
وإذا انتقلنا إلى الجانب الثالث من جوانب موضوعة الإيمان التي حدَّدناها آنفاً، سنقف عند (مالك بن الريب) على أبيات تمثّل قِمةً في هذا المجال، كقوله حين يخاطب ابنته قبل التحاقه بسعيد بن عثمان (رض) :
ريَبَ ما تحذرينَ حتى أؤوبا
" فعسى أن يدافعَ اللهُ عنّي

بعزيزٍ عليه فـأدعي المُجيبا.."
ليس شيءُ يشاؤه ذو المعالـي

وفيها يقول (مالك) مُلخّصاً موقفه الفلسفي المؤمن بالله تعالى وقضائه :
ـتُ بعيداً أو كنتُ منكِ قريبا "( )
"أنَا في قبضة الإلهِ إذا كُنـ

ثم سنقف على قول (مالك)، وهو يحكي حادثة الرجُل الأسود الذي جثم عليه وهو نائم في إحدى ليالي تشرُّدِه :
مهما تنَمْ عنك من عينٍ فما غَفَلا "( )
" وضعتُ جنبي وقلتُ اللهُ يكلَؤني

وتلوح مواقف فكرية مماثلة لدى عدد آخر من الشعراء، إذ يقول (ابن الحر) مثلاً :
إلاّ سيجعلُ لي من بَعدِه فَرَجا"( )
" ما أنزلَ اللهُ بي أمراً فأكرهُهُ

أو يقول (السمهري) ناصحاً لصاحبيه في رحلة التشرُّد:
بوادي جَيونا أن تهُبَّ شمالُ
" فلا تيأسا من رحمةِ الله وأنزِلا

كعَين المها أعناقُهنَّ طـوالُ( )
ولا تيأسا أن تُرزَقـا أريحيـّةً

بينما يقول (الخطيم) من هذا المنطلق الإيماني، في مطوّلته التي يخاطب بها سليمان بن عبد الملك، الخليفة الأموي، وقد استجار الشاعر به:
له مرشدٌ يوماً ومَنْ شاءَ أرشَدا
" فلا والذي مَنْ شاءَ أغوى فلم يكُن

عليها وإن قـال الحسودُ فأجهَدا"( )
يمين بلاءٍ مـا علمـتُ بسيّئٍ

أما موضوعة الحكمة فكان لها في أشعار هذه الطائفة من الشعراء حضور بارز، قدمّوا عِبرها نظراتٍ وأفكاراً وتأملات، قاربت أن تلتقي مع ما ظهر في علوم: النفس والاجتماع والإدارة والسياسة من آراء وأفكار، ومن نظَرات في شؤون الحياة والموت ومواجهة الأجل.
فهذا (العنبري) يتنقّل في إحدى قصائده، بين موقف فكري ذي طبيعة سياسية، يتعلق بتحديد قوة القبائل – والأُمم والمجتمعات – وضعفها وتهاونها، فيذكر أبرز العوامل المسبّبة لهذه الأحوال، في قوله:
رماها بتشتيتِ الهوى والتخاذُلِ
" إذا ما أرادَ اللهُ ذلَّ قبيلةٍ

تدافُعهم عنه وطـولُ التواكُلِ "( )
وأوّلُ عجزِ القـومِ عمّـا ينوبُهم

وبين موقف فكري آخر ذي طبيعة نفسية واجتماعية (تربوية)، في قوله من القصيدة نفسها:
وأوّلُ لؤم القوم لؤمُ الحلائِلِ
" وأوّلُ خبثِ الماءِ خُبثُ تُرابهِ

أما (مرّة بن محكان) فيصدر عن حكمةِ اجتماعية تتعلق ببعض جوانب الحياة البشرية، مثلما في قوله مخاطباً زوجه، وإن كان مسبوقاً بها من شعراء آخرين :
وتنكحُ أزواجاً سواهُ حلائِلُهْ
" رأيتُ الفتى يَبلى ويتلفُ مالُهُ

فآكل مالي قبـل مَـنْ هو آكِلُهْ "( )
ذرينيَ أنعمْ في الحيـاة معيشتي


أو قوله الذي يقدّم فيه شيئاً من أفكار في الحكم والإدارة، مخاطباً (الحارث بن أبي ربيعة) أيام مصعب بن الزبير :
إذا ما إمامٌ جارَ في الحُكمِ أقصَدا
أحارِ تثبّتْ في القضاءِ فإنَّه

ومهما تُصِبْهُ اليـوم تُدرِكْ به غدا "( )
وإنكَ موقوفٌ على الحكم فاحتفظْ

أما (القتّال الكلابي) فيشير إلى حالة فكرية تتعلق بنفوس البشر وعلاقة الإذلال بتعاظم روح الشر فيها، في قوله:
على الناسِ إلاّ أن تذلَّ رقابُها " ( )
" فما الشرُّ كلُّ الشرِّ لا خيرَ بعدَه

بينما أطلق (فضالة الأسدي) قبل ذلك، في بيته الشهير الذي صار مثَلاً مُتداولاً، موقفاً فكرياً ما يزال حقيقياً في مجال طلب العَون من الآخرين، ومدى استجابة هؤلاء من خلال علاقتهم بالحياة، فهو يقول :
ولكنْ لا حياةَ لمنْ تُنادي " ( )
" لقد أسمعتَ لو نـاديتَ حيّاً

في حين يذهب (ابن الحر) مذهباً آخر، يُلخّص فيه علاقة فكريّة بالغة التعقيد لأنها ترتبط بمختلف جوانب النفوس البشرية، النفسية والاجتماعية والتربوية والسلوكيّة بعامّة، في قوله :
وكلُّ امرئٍ جارٍ على ما تعوَّدا
" تَعوّدتُ إعطاءً لما ملكتْ يدي

أرى أكرمَ الأخلاقِ ما كان أمجدا "( )
خلائقُ ليست بالتخلُّـقِ، إننـي

5- الاعتداد بالنَفْس
يمكن القول ابتداءً إنه إذا كانت الموضوعات الرئيسة الأربعة المذكورة آنفاً، وما تفرّعت عنها من موضوعات تداخلت بعضها مع البعض، أو موضوعات ثانوية ارتبطت بها هذه الوشيجة أو تلك، قد قدّمت جوانب مهمّة من المعالم الإبداعية المضمونية والفكرية، في شعر هذه الطائفة من الشعراء الأمويين حَصراً، فإن موضوعة الاعتداد بالنفس، تشكّل ما يشبه الخلاصة العامة لأحوال هؤلاء الشعراء: النفسية والروحية والعقلية، فهي تتضمن إلى جانب الاعتداد الشخصي بالنفس نوازعَ إنسانية وأخلاقية، فهم لم ينسوا " وهم في غمرة أحاسيس الالتصاق الوجداني، كبرياءهم وإباءهم والتزامَهم الأخلاقي " الذي كان من شأنه أن يحقق لهم الاندماج والتوافق الاجتماعي مع قبائلهم أو المجتمعات التي عاشوا ضمنها( ).
لقد ظهرت صور الاعتداد النفسي هذه، وفي مقدمتها: "الكرم وهو يصل إلى أبعد مراحله، والشجاعة وهي تتّسع لأكبر مساحة من الأقدام، والتضحية والإيثار وهو يأخذ أعمق بُعد من أبعاد شموخه وتعاليه.." الأبرز داخل إطار هذه الموضوعة الرئيسة، التي تجلّى إبداع هؤلاء الشعراء المضموني والفكري فيها، مثلما تجلّى في الموضوعات الأربعة السابقة، وإن بدت هذه الموضوعة بالذات قريبة الصلة – من حيث النظرة الخارجية – بما عبَّر عنه معظم شعراء العصر السابق للإسلام وعصر صدر الإسلام، لا بل حتى مَن عاش معهم ضمن العصر الأموي من الشعراء.
وحين نتوقف عند صور الاعتداد بالنفس لدى هذه الطائفة من الشعراء، فسنجدنا معنيّين أولاً بمَن قدّم منهم شعراً لـه صلة وثيقة بأوضاع وأحوال محدّدة سادت العصر الذي عاشوا فيه، وبشؤون حياتهم وعلاقاتهم مع السلطة الأموية، خلفائها وولاتها وعمّالها وشرطتها وسجونها فهي _ أي هذه الأشعار – الأكثر تعبيراً عن صورة هذا الاعتداد الطالع من تلك الظروف والأحوال والعلاقات، ابتعاداً عن صور الاعتداد التي قدّمها غيرهم من الشعراء.
فهذا (مالك بن الريب) يقول وقد طلبه (مروان بن الحكم) أيام كان عاملاً على المدينة في عهد الخليفة الأموي الأول (معاوية بن أبي سفيان)، معبّراً عن اعتداده بنفسه في مواجهة مطاردة عمّال مروان لـه ولزميليه (شُظّاظ أبي حردبة):
فإني ليس دهري بالفرار
" ألا مَنْ مبلغٌ مروانَ عنّي

ولكنّي ارودُ لكـم وبَارِ .." ( )
ولا جزِعٌ من الحدَثـانِ يومـاً

فهو شجاع باسل لا يؤمن بالفرار ولا الجزع من النوائب التي تواجهه، وهو قادر على أن يرتاد أية أرض لم يطأ ثراها أحد قبله.
ويبلغ من اعتداد (مالك) بنفسه حدوداً يسخر فيها من السلطة (مروان) ويذكّره بلجوئها إلى قبيلته إذا ما خاف (آل مروان) أمراً من الأمور الخطيرة التي تهدّدهم، فهو يقول:
يا آل مروانَ جاري منكمُ الحَكمُ…
" لو كنتمُ تُنكرون الغدرَ قلتُ لكم

قلتمْ لنا: إننا منكم، لتعتصموا
نحن الذينَ إذا خِفتُمْ مُجلَّلةً

صِرتُمْ كجَـرمٍ فـلا آلٌ ولا رحـمُ "( )
حتى إذا انفرجتْ عنكمْ دُجَنَّتُهـا

وتكثر في أشعار (عبيد الله بن الحر الجعفي) صور الاعتداد بالنفس ومعانيها المختلفة، وأبعادها الفكرية والنفسية، فهو يكاد يكون أكثر شعراء هذه الطائفة تعبيراً عن هذه المضامين، ومثله يفعل (العنبري) و(الخطيم المحرزي) إذ بالرغم من مواقف الأول المتقلّبة سياسياً، أو من خوف الثاني حدّ الهلع، ومن يأس الثالث في سجنه الذي تُرك فيه أمداً طويلاً، فقد أبدى هؤلاء الثلاثة ضروباً من الاعتداد والكبرياء مشهودة، يمكن التماسها في أشعارهم وما رافقها من دراسات بشأنها( ).
ويمكن أن ينطبق الأمر نفسه على (المرّار الفقعسي) إذ تميّز الكثير من شعره بتمجيد نفسه شخصياً، والفخر بها على سواه، لاسيما في مجال الكرم والشجاعة وشدّة البأس( ).
وقد شاركهُ في الحديث عن الكرم البالغ (مرّة بن محكان)، الذي خاطب امرأته وقد نزل به أضياف، مشيراً إلى نفسه ونسَبِه بالفخر، في قوله:
ضُمّي إليكِ رحالَ القومِ والقُرُبا…
" يا ربّةَ البيتِ قومي غيرَ صاغرةٍ

في جانبِ البيت؟ أم نبني لهم قُببا؟..
ثم:"ماذا تَرَينَ؟ أنُدْنيهم لأرحُلِنا

أُنمى إليهم وكانوا معشراً نُجُبا "( )
ثم:"أنا ابنُ محكان، أخوالي بنو مطرٍ

في حين يتحدث (طهمان الكلابي) عن أخلاقه السمحة الكريمة مع أضيافه، وعن بذله ما لـه على الآخرين حتى لا يبقى منه بكفَّيه ما يلصق بها، فيقول:
بكفّيكَ من مالٍ يكادُ يليقُ …
" تقولُ ابنةُ الطائيِّ ماليَ لا أرى

ووَجْهٌ إلى من يعتريه طليقُ " ( )
ثم: " يُزيِّنُ ما أعطيتُ منّي سماحةٌ

بيد أن (طهمان) هذا إذ يتوجّه إلى الخليفة (عبد الملك بن مروان) يقرن فخره بأمّهِ قريبة الخليفة لأبيه (مروان بن الحكم)، فيقول معتدّاً بهذه القرابة:
بعد النبيِّ، وخيرَ مأتى زائرِ
" يا خير من بُسطتْ لـه إيمانُنا

بِنْتا عُبَيدٍ من ذؤابةِ عامر " ( )
أُمـي عُبيـدةُ أُخـتُ أُمِّ أَبيكـمُ

فهو يقدّم هذه القرابة على نفسه، بما يضيف إلى اعتداده بهذه القربى اعتدادَ الخليفة نفسه بها، وهي صورة طريفة وظريفة في الوقت نفسه، تقاربها في الطرافة والظرافة الصورة الآتية التي يقدّمها (حُريث بن عنّاب)، الذي يفخر بنفسه من خلال قومه الذين تخُّر الروابي لهم سُجَّداً إذا خرجوا لأمر، فهو يقول:
لعزِ عَلا حيزومُهُ وبراجمُهْ
" إذا ما خرجنا خرَّتِ الأُكمُ سُجَّدا

تحرّك يقظانُ التـرابِ ونائِمُـهْ "( )
إذا نحنُ سِرْنا بين شرقٍ ومغربٍ

أما (القتّال الكلابي) فيتوزع اعتداده بنفسه على معظم المحاور الداخلة ضمن هذه الموضوعة، فهو إذا " هَمَّ همّاً لم يرَ الليلُ غُمَّة عليه "، وهو مثلما يقول:
على خيرِ ما تُبنى عليه الضرائبُ "( )
جليدٌ، كريمٌ، خيمُهُ وطباعُهُ

وهو في مقطعّة أُخرى: ابن أكرمين من بني قُشير، وأخواله كرام من بني كلاب، لذلك فهم إذا دخلوا معركةً عرّضوا وجوههم للطعان، وهي وجوهُ لم تتعرض للسَباب( )، وهو في ثالثة ليس شجاعاً حسب، بل يدنو إلى المعروف متى شاء، ولا يرضخ لمن يقودهُ إليه، وهو في رابعة يفخر بنَسـبهِ، لاسيما بكونه ابن أُمٍّ كريمة الأصل وليست من الإماء، وفيها يقول:
لواضحِ الخَدِّ يحمي حَوزةَ الدارِ
" لا أرضعُ الدهرَ إلاّ ثَدْيَ واضحة

تحتَ العجاجةِ ضربٌ غيرُ عُوّارِ "( )
من آل سُفيانَ أو ورقاءَ يمنعُهـا

أما (العُديل بن الفرخ) فقد زوّده انتسابه إلى قبيلة (بكر بن وائل) بطاقة وفيرة من الفخر والاعتداد بنفسه وقومه، حتى "ظلّت بكرُ أنشودة وطنيةً من أناشيد الاعتزاز في شعره "، مثلما ظلّت أيّامهم الخوالد في سجلّ فخره المفتوح باستمرار، لذلك ففي معظم أشعاره تبدو (الأنا) و(النحن) تتردّد بشموخ وبلا انقطاع، فهو يقول:
بالأكرمينَ الأكثرينَ رجالا
" فإذا افتَخرتُ فَخَرتُ غيرَ مُغَر‍َبِ

والأطولِيـنَ فوارعـاً وجبالا.. "
بـربيعــةَ الأثريَـنَ فـي أيّامهـا

أو يقول:
بفروعِ أَرعَنَ فوقَها مُتطاول "
"فإذا تطاولتِ الجبالُ رأيتَنا

أو يقول :
ونارُ الملوكِ وأرضُ النِعَمْ
" لنا سُرَّةُ الأرضِ قد تعلمون

بأرعَـن ذي غابةٍ كالأجَمْ " ( )
نَفَينـا القبائـلَ عـن حـرّها

وهكذا، يتضح مما تقدم من عرضٍ لأبرز معاني الإبداع ومفاهيمه، ومضامينه الفكرية والموضوعية في أشعار هذه الطائفة من الشعراء، أنّ هؤلاء الشعراء ماثَلوا في بعض مضامين موضوعاتهم، مَنْ تقدَّمهم من الشعراء، ولاسيما الشعراء الصعاليك في العصر السابق للإسـلام، ومنها موضوعتا: (التشرد والخوف) و(الحنين إلى الأهل والأحباب)، لكنهم تميزوا عن سابقيهم في المجالات الفكرية، التي دفعت إلى طرْقِ هذه الموضوعات جميعاً، ومن ضمنها الموضوعتان المذكورتان آنفاً، من حيث الأسباب والعوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية والنفسية .



الفصل الثالث



حمل الدراسة كاملة من المرفقات