المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السعودي خالد.. مسيحيا


Eng.Jordan
08-28-2012, 10:40 PM
الإقتصادية : نجيب الزامل
... خالد هو اسم صبيٍّ من أبٍ سعودي وأمٍّ فلبينية. تركه والده في الفلبين بعد أن منحه اسم خالد، كان الطفلُ مسلما بشهادة الميلاد وشهاداته الأولى وضع في مكان الدين: مسلم. إذن، ورقيا ووثائقيا الشاب خالد هو مسلم من أب سعودي، ووثائقه من شهادة الميلاد على السجل المدني ووثيقة الزواج الشرعية من مكتب ''أمّة'' الإسلامي تؤكد أن الدمَ السعودي يجري في عروقه.. لكن لنتنفس قليلا، والتنفسُ لن يكون سهلا، كمن يتنفس وأيادٍ تمتد للضغط على صدره فيثقل النفَس.
لما ترك الأبُ الفتى خالد، الذي لتوه بلغ الـ18 من عمره، كان في سنواته الأولى لا يذكر أباه إلا ضبابيا، والأبُ الذي عاش مع زوجته الفلبينية سنين قرر في يوم أن يغادر دون أن يترك وراءه أثرا، ولم يعدْ أبدا. الذي حصل لخالد الآتي: انتهى كشخص!
الأم التي أسلمت اضطرت أن تعود لأمها المزارعة، ولكن لم يكن باستطاعتها العودة لأمها وهي مسلمة فرجعت لدينها المسيحي، وعاش خالد صبيا في مزرعة يدرس في الحقل معظم اليوم والأحد والأربعاء في الكنيسة، وأسماه القسيس ''كنج كالو'' من ''كنج خالد''.. وعُمِّد مسيحيا بشربةٍ من الماء المقدس وبرشةٍ على جبينه. وانتهت الشخصية الحقيقية لخالد، ليظهر الكنج كالو، و''كالو''، للمفارقة'' اسم عائلة أحد الرهبان المسيحيين الذين أبلوا بلاء كبيرا في نقل مسلمي شمال المندناو إلى المسيحية ونجح كثيرا، ففي أزهى حواضر ''المنديناو'' وهي ''دافاو'' لم يعد يبلغ تعداد المسلمين بها إلا أقل من 20 في المائة. انتهى حرفيا الصبي المسلم، ليبزغ بشخصية مُلَبَّسَة تحمل اسم أكبر محارب للإسلام هناك، وترى كيف تُكتب بالدنيا مصائر الناس بمفاجآتها، والتفافاتها، وكمائن دروبها.
لم يكن السعودي خالد ينتمي لرابطتنا من قبْل ''رابطة العودة للجذور''، لقد أحضروه لي بعد أن تم العثور عليه ليس صدفة كمعظم أولادنا وبناتنا الذين نجدهم في عرصات الطرق، أو علب بيع الجسد البشري، ولكن لأن صحيفة كتبت عن ذكائه الاستثنائي، فقد تفوق بالثانوية على كل شبيبة الفلبين، ورعته ثلاث شركات بثلاثة تخصصات مختلفة بالجامعة، فهو كتلة من العبقرية المهشمة والحزينة والزائغة والضائعةـ إلا أن العقل الألمعي بقي وكأنه يعمل لحاله، ولم تنس الجريدة التي كتبت عنه الإشارة لأبيه السعودي، كما فعلت مع بناتٍ فقدناهن بالرابطة كياسمين الخالدي بطلة السباحة الألولمبية، و''شيلاني'' التي كادت أن تكون يوما سيدة الفلبين الأولى.. على أن القصة لم تنته فصولا.
كنت فيما قبل حريصا جدا على الرابطة وحققنا تقدما مذهلا، وتفرعنا، فكان هناك الشاب يوسف الذي اعترف به أهله السعوديون بكرم وشهامةٍ من إخوانه الذين أعطوه حصته الكبيرة من ثروة أبيهم، وهو الآن يدير فروع أعمال تجزئة في كل جزيرة ''لوزون'' أكبر جزائر الفلبين، وأخذ يوسف فرعا من الرابطة به 15 صبيا على عاتقه يدخلهم مدارس إسلامية وعلمية، والآن اثنان منهم في الجامعة ثم سيعملون في شركة يوسف، ولا أنسى ''أميرة'' وكنت حكيت حكايتها التي لا تصدق، وهي صنعت نفسها من طفلة مشردة إلى أكبر بائعة حلوى ''الكسابا'' الفلبينية المشهورة في كل منطقة ''سيبو'' الصناعية وسط غرب الفلبين.. وأخذت معها عددا أكبر من الصغيرات والصغار ترعاهن حتى يتخرجن في الجامعات. ثم تولـّد عندنا مدرسات للغة العربية والقرآن من بنات متروكات مسلمات منهن صالحة التي أنشأها أبوها كشيخة عالمة ثم وهي في الـ17 تركها ولم يعد. وكان لصالحة أثر كبير، بل الأكبر في تنظيم مدرسة الرابطة العربية، وبدأ الصغار والكبار ينخرطون مع متطوعين مرحليين، وبدت الأمور زاهية، حتى وجدنا البنت مشاعل التي تدرس العلوم الطبية وأخاها نايف، واتصلنا بعائلته وتجاوبوا إلى حد ما، ولكن الأب بقي مختفيا، وتحجبت مشاعل وصلّت وصامت، وكذلك نايف..
المهم غادرت قبل أكثر من سنتين والأمور على ما يرام وكنا نتفاءل، خصوصا بعد أن انضمت لنا عائشة المتفوقة جدا، وأخذت مقاليد تنظيم كل الرابطة ومن بها، وشعرت أن الشمس تشرق لنا برابطتنا الصغيرة في تلك الجزر الممطرة..
إلا أن الشمس تدثرت، والعواصف ضربت، وانكسر شيءٌ انكسر معه قلبي.. أحكيه لكم بإذن الله يوم الإثنين.


لقد كنت مرتبطاً بانتظام مع الرابطة، وأنسق لها عندما لا أكون بالفلبين، ومعظمهم، إن لم يكن كلهم، صاروا لي أبناء وبنات، فقد عرفت معظمهم وهم صغار أكبرهم في الثالثة أو الرابعة عشرة، والآن بعضهم في العشرين والحادية والعشرين من أعمارهم، ولم يكن غريباً أن يودعوني جماعةً وأنا أغادر للمطار، وأن يستقبلوني بالترحاب وأنا قادم، لذا كلما أغادرهم أشعر فعلاً وكأني تركت معهم جزءاً من قلبي، وشيئاً من وجودي، ونصيباً من تفكيري وقلقي وتطلعي. أعرف كل شيء عنهم، وأعرف مدارسهم ودروسهم، وملفاتهم الصحية، وأنا بعيد عنهم أقلق قلق الأب الذي يخفق قلبه منذراً أن أبناءه وهم بعيدون في خطر، فأتصل بعائشة رئيسة الرابطة وأطمئن على كل واحد وواحدة.
ولكن.. حتى أنا الذي يدّعي الحبَّ والقلق، أخطأتُ، وزللتُ، ولم يكن خطئي هيـِّنا، ولا عقابي لنفسي سهلاً. وكان خطئي ليس خارج سيطرتي، ولكني أنقدتُ بالمشاغل الجديدة التي تكاثرت عليّ، وبدأت تسحبني بموج خفيف لا تشعر أنه يحركك بينما هو يجرفك بعيداً عن ساحلك.. مضت أكثر من سنتين انقطعت عن السفر للفلبين، وبدأ مع الوقت الاتصال يقل، واعتمدت على ناس منّا ضربوا على صدورهم أنهم سيهتمون بالرابطة وأبنائها، وكنا وقتها أخذنا موافقة شفهية من الرئيسة الفلبينية السابقة السيدة "أرويو" وهي تزورنا في المملكة، وتبرع أحدُ الإخوة وله صلات بالقصر الرئاسي أن يكمل إجراءات الرابطة بما وعدت به الرئيسة مبدئياً.. ربما كل هذه الأشياء ضربتني بالغفلة، وكان الثمنُ غالياً.. بل فادحاً.
وأنا في الخارج أخيراً لمتابعة علاجية كان لا بد أن أمر على الفلبين لأطمئن على الأبناء والبنات، ولكن وجه شريفة لم يكن ذلك الوجه الباش، وعرفت أن مياهاًَ كثيرة جرت تحت جسر الرابطة، وأكثرها مياه ملوثة. كانت الفلبين وبالذات الحاضرة مانيلا تواجه أشرس عاصفة محيطية منذ أكثر من 50 سنة أغرقتها كلها، حتى إننا انحبسنا في فندقنا ولم نستطع الخروج لأيام، وصرت أطلق عليها "كوكب الماء"، ماءٌ في كل مكان، ماء عميق يغطي أسقف البيوت.. كانت كارثة شردت في مانيلا فقط أكثر من مليون ونصف نسمة. وتشردت عائلاتُ أبنائنا وبناتنا، ولكن لم تكن هذه المسألة الأولى، لأن هذا يمكن مع الزمن إصلاحه. الضربة التي توجهت مباشرة إلى قلبي هي لما اجتمعتُ مع أبناء وبنات الرابطة، الذين لم يصلوا إلينا إلا بمشقة لا تُوصف. فوجئتُ أولاً بأعداد كبيرة جديدة، بل قالت عائشة والأخ أبو عبد المحسن الذي يلتقط أبناءنا المشردين في كل الجزيرة: إن هناك عائلات أخرى لم تستطع أن تأتي، وأنا الذي كنت أحسب أنا كدنا ننهي هذه المأساة، وإذا هي تنبع وتنبع. والصدمة الموجعة أن "حنان" وهي ممرضة معها شهادة الماجستير ومتفوقة بعد أن رفض أبوها أن يرد على مكالماتها ولغيابي، اتصلت بها امرأة بريطانية من الكنيسة عالجتها في المستشفى وتولعت بها، وحنان وياسمين الخالدي السبّاحة المعروفة صديقتان، وتعانيان الألم نفسه، وتعرفون مصير ياسمين، وأما حنان فقد هاتفتني من لندن وقالت لن أعود للرابطة، ولا الإسلام ولا السعودية وسنبقى أنا وياسمين على اتصال معك.. حنان التي كانت الأكثر التزاماً دينياً مع صالحة وحفظت أجزاءً من القرآن. ثم رأيت مشاعل وإذا هي تأتيني بلا حجابها، وتبشرني أنها وجدت عملاً ليلياً، بل تقول لي إنه ليس حراماً، لأن جارتهم الطيبة قالت لها العمل الليلي واجب لتعيشي أنت وأهلك على شرط ألا تتمادي، فأرادت أن تعمل بكازينو للقمار، وبلباس عار وتكسر وتخلع مع الزبائن، وقالت لي إنه عمل مهذب ما دام أني لا أخرج لأكمل ليلتي مع الرجال.. هه! أنا أكلمكم عن بنات من عائلاتنا المعروفة بالتقوى والصلاح وبناتهن بأسمائهن وأسماء العائلات الصريحة في أحط مكان يتردى له إنسان.. سألتها ونوّاف: قالت نواف صار راقصاً لحفلات العزوبية النسائية، وتتهافت عليه الفلبينيات لجمال ملامحه. وقلت أين صالحة عنكم كيف تركتكم؟ وقالوا لي بصوتٍ واحد، صالحة ماتت.. وكانت هذه ثالثة الأثافي. الضربة القاضية.
والقصص كلها تجعل هذه الرابطة الصغيرة في عين عاصفة الكنائس القوية والإغراءات التي تهدف الجسدَ لما يتمتع به أبناؤنا وبناتنا من حُسنٍ نظراً لاختلاط الدم فيُطلـَبون بسوق النخاسة وبيع اللحم البشري. وقد بكيتُ فعلا على واحدة من أهم من عملنا لها ولأمها التي اختفت ولم تأت، ثم أحضروا لي صورها كملكة عارضات ماركة شراب كحولي شهير واسم عائلتها السعودي المعروف وملامحها العربية الخالصة تطل لامعة وسط الإعلان.
لمتُ نفسي كثيراً، ولكن كيف أواجه صعوبات حياتهم والكنيسة ودور الإغراء والإعلان؟ لا أريد أن يموتَ شيءٌ في نفسي.. أعرف أنكم، ولا أدري كيف ولا ألزم أحداً، أنكم لن تتركوا شيئاً في الرابطة ولا نفسي.. أن يموت.