المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أصول الأدب العربي عند ابن خلدون


Eng.Jordan
09-11-2012, 11:56 AM
قال ابن خلدون: سمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول فن الأدب وأركانه أربعة دواوين وهي: أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرد، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ وكتاب النوادر لأبي علي القالي، وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع منها.
والكتب الثلاثة التي عدها ابن خلدون قد رجعت في كثير من فصولها إلى البيان والتبيين !

http://www.shatharat.net/vb/mwaextraedit4/extra/24.gif



توخى هذا العرض ( 1 ) الوقوف على بعض الإشارات التي ساقها ابن خلدون في مقدمته، ولها صلة بمجال الأدب، بغاية استجلاء بعض من مداها أو عمقها. غير أن هذه الغاية تضع في اعتبارها محاذير، منها أن المقدمة أصلا ليس لها أية آصرة مع حقل الأدب، إلا من زاوية اعتبارها "منتوجا أدبيا"، والأدب إنما يأتي الحديث عنه عرضا أو استطرادا، وكما يؤكد ابن خلدون نفسه فإن ترتيب محتويات كتابه يتألف أو يقوم على مقدمة وثلاثة كتب، تختص المقدمة بذكر فضائل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه ورصد مغالط المؤرخين والإلماع بها، بينما الكتاب الأول يختص بالعمران وذكر ما يعرض فيه من العوارض الذاتية من الملك والسلطان والكسب والمعاش والصنائع والعلوم، وما لذلك من العلل والأسباب، والكتاب الثاني في ذكر أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ بدء الخليقة..، والكتاب الثالث في أخبار البربر ومواليهم… والحديث عن الأدب يدخل ضمن محتويات الكتاب الثاني الخاص بالعمران وثوابته ومتغيراته. ولذلك فإن الحقيقة التي عليها مدار المقدمة هي متصلة بالتاريخ أو العمران، وليس الحقيقة الأدبية، وهي بذلك ليست "مدونة" نقدية أدبية، وصاحبها ليس ناقدا أدبيا، واشتغاله لا يهم حقل الأدب إلا من زاوية ضيقة، على الرغم من تجربته الخاصة في مجال الكتابة شعرا ونثرا .

لذا فإن الأدب لا يحضر في المقدمة إلا باعتباره عارضا من عوارض العمران أو الاجتماع الإنساني، باعتباره أداة أو علما يدخل تحت طائلة أصناف العلوم والصناعات التي عمد ابن خلدون إلى التأريخ لها، وعرض بعض أصولها ومناهجها،وثمارها في سياق محاولته البحث عن خصائص المعرفة العربية الإسلامية.

وابن خلدون يبني رؤيته على مرتكز واضح هو التأكيد بل الإصرار على الصلة الوطيدة والثابتة القائمة بين المعرفة العلمية والعمران أو المدنية، أي بين العلم والتقدم الاجتماعي بمعنى آخر، إذ أن العلوم لا تقوم إلا في مجتمع، مما يعني أن المعرفة والعلم بالنسبة إليه إنما يعبران أو هما يعكسان دينامية المجتمع وتحولاته، ولا يمكن إدراك ما هيتهما إلا من خلال هذه الدينامية، وما دامت هناك درجات في العمران والمدنية، فهناك بالضرورة درجات في العلم والمعرفة، وبقدر ما يخطو المجتمع والتمدن أماما ، ويتقدم ، تتقدم المعارف والعلوم وتزدهر "فعلى مقدار عمران البلد تكون جودة الصنائع"( 2 ).

والمدخل الذي يقود ابن خلدون للحديث عن الأدب هو باب الصنائع التي يقول إن منها البسيط والمركب، البسيط هو المختص بالضروريات، والمركب هو الذي للكماليات، ومنها ما يختص بأمر المعاش ضروريا كان أو غير ذلك، وما يختص بالأفكار وهذه خاصية الإنسان من العلوم والصنائع والسياسة (3) ورسوخها جميعها إنما هو برسوخ الحضارة، إذ أنها عوائد للعمران.(4). والصنائع كما يشير كثيرة في النوع الإنساني، إلا أن منها ما هو ضروري في العمران، وما هو شريف بالموضع، فالضروري كالفلاحة والبناء والخياطة والنجارة والحياكة والشريف بالموضع الكتابة والوراقة والغناء والطب..(5)

أما تصنيفه للعلوم فقد أشار إلى أنها على صنفين، الصنف الطبيعي، ويهتدي الإنسان إليه بفكره، والصنف النقلي ويؤخذ عن واضعه، ويهم الصنف الأول العلوم الفلسفية ، والثاني العلوم النقلية التي تقوم على مبدأ الأخذ أو الخبر عن الوضع الشرعي، حيث لا مجال لإعمال العقل أو اشتغاله فيها إلا في باب إلحاق الفروع بالأصول وهي كما يقول كلها مختصة بالملة الإسلامية وأهلها.( 6 ). وقد حدد هذه العلوم في علوم القرآن من التفسير والقراءات وعلوم الحديث وعلم الفقه وما يتبعه من الفرائض وأصول الفقه، وما يتعلق به من الجدل والخلافات، ثم علم الكلام وعلم التصوف وعلم تعبير الرؤيا، وفي تقديره فإن هذه العلوم لابد أن تتقدمها العلوم اللسانية لأنها متوقفة عليها، وهذه بدورها أصناف منها علم اللغة وعلم النحو وعلم البيان وعلم الآداب، ومعرفتها والإلمام بدقائقها ضروري على أهل الشريعة، فلابد من معرفة العلوم المتعلقة بلغة العرب لمن أراد علم الشريعة.( 7).

وعبر هذا التصنيف يتعامل ابن خلدون مع الأدب باعتباره علما تابعا، أو علما مساعدا له غاية واضحة هي مؤازرة ودعم فعل معرفة أسرار العربية لتفسير النص الديني وامتلاك معناه، وهو مفهوم ساد لدى كثير من العلماء المشتغلين بعلوم الدين والشريعة الذين رأوا أن الآداب إنما تدخل ضمن عمليات وإجراءات استكناه العربية لتفسير القرآن من جهة المفردات والعبارات وشرح الغريب الوارد في كلام الرسول، واعتبروا أن الاستقصاء في كل أنواع العلوم المرتبطة باللغة والشواهد الشعرية أجل وأعظم المعارف الدنيوية، وهي توطئة لكل العلوم الشرعية. ويقرر ابن خلدون أن معرفة هذه العلوم ضرورية على أهل الشريعة "إذ مأخذ الأحكام الشرعية كلها من الكتاب والسنة وهي بلغة العرب، فلابد من معرفة العلوم المتعلقة بهذا اللسان لمن أراد علم الشريعة" (8) ويفيد هذا أن الغرض الأسمى من الأدب هو حصول " القدرة" أو "القوة" على فهم كتاب الله وكلام الرسول ومعرفة بناء الألفاظ والدلالات الواردة في القرآن والحديث لاستنباط الأحكام.

من هنا يعرض ابن خلدون لمسألة تعريف الأدب وحده، فيقول" هذا العلم لا موضوع له، ينظر في إثبات عوارضه أو نفيها، وإنما المقصود منه عند أهل اللسان ثمرته، وهي الإجادة في فني المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم" (9) ويندرج ضمنه فن الشعر وفن السجع ومسائل من اللغة والنحو وأيام العرب وأخبارهم وأنسابهم، وهذا تحديد يلتقي مع جملة التعريفات القديمة التي لا تقوم على تعريف جامع مانع للأدب بقدر ما تقدم إحصاء للعلوم والمعارف والفنون المنضوية أو الملتئمة تحت عنوان الأدب، يضاف إليها أو يعدل منها حسب الظروف والأحوال، فالسائد أن علوم الأدب ثمانية: النحو واللغة والتصريف والعروض وصنعة الشعر وأخبار العرب وأنسابهم، وألحق بهم صاحب "نزهة الألباء في طبقات الأدباء ابن الأنباري، علم الجدل في النحو وعلم أصول النحو (10) ويضيف إليها ابن خلدون الغناء، حيث يقول في سياق استكماله حد الأدب" وكان الغناء في الصدر الأول من أجزاء هذا الفن لما هو تابع للشعر ، إذ الغناء إنما هو تلحينه" (11)

ويستطرد ابن خلدون من جانب آخر فيحد الأدب بهذه العبارات:" الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارها والأخذ من كل علم بطرف، يريدون من علوم اللسان أو العلوم الشرعية من حيث متونها فقط، إذ لا مدخل لغير ذلك من العلوم في كلام العرب" (12 )ويغدو بهذا المعنى فضاء جامعا لمجموعة من المعارف والفنون والعلوم التي لها صلة باللغة العربية وثقافتها، ويكاد دوره لا يتعدى دور "حفظ" أو نقل هذه المعارف بتقنيات مختلفة، ليكون الأديب بهذا الاعتبار مكلفا بنقلها فحسب ، وليس باستنباطها، وهذا الدور يبدو منسجما مع الدور المفترض للفقيه والعالم والأصولي الذين كانت وظيفتهم نقل المعارف الضرورية عن العالم والوجود التي تكفل للناس المعاش حسب التصور الإسلامي للعلم.

وحين يضيف ابن خلدون الغناء إلى حقل الأدب، يشير إلى أن هذا الفن يحدث في العمران إذا توافر وتجاوز حد الضروري إلى الحاجي ثم الكمالي وينسب ازدهاره إلى العجم وخاصة الفرس، أما في ما يخص العرب فإنه يعود إلى الشعر ليضعه موضع الغناء أو هكذا يبدو، حيث يقول:".. وأما العرب فكان لهم أولا فن الشعر يؤلفون فيه الكلام أجزاء متساوية على تناسب بينها في عدة حروفها المتحركة والساكنة.." (13 ) تغنى به الحداة في حداء إبلهم والفتيان في فضاء خلواتهم، وكان منه الترنم إذ كان الشعر غناء، والتغبير إذا كان به تهليل..( 14 ) ـ في لسان العرب، قال الأزهري: وقد سموا ما يطربون فيه من الشعر تغبيرا… وروى عن الشافعي أنه قال: أرى الزنادقة وضعوا هذا التغبير ليصدوا عن ذكر الله وقراءة القرآن ـ وهو يرى أن العرب لم يعرفوا الغناء إلا لما جاءهم الترف وغلب عليهم الرفه بما حصل لهم من غنائم الأمم، وتحولوا إلى نضارة العيش ورقة الحاشية واستحلاء الفراغ (15 ) وبالنسبة له فإن هذه الصناعة آخر ما يحصل في العمران لأنها كمالية، ولا وظيفة لها إلا للفراغ والفرح. والعودة إلى الشعر لتفسير الغناء مسلك اعتمده الكثير من العلماء ربما بحكم ارتباطهما وتكاملهما، ولم ينقطع هذا المسلك في كثير من الإشارات التي تناولت الفنين.

في التفاتة تالية يقسم ابن خلدون لسان العرب إلى فنين: فن الشعر المنظوم، وفن النثر ( الكلام غير الموزون)، ويحد الشعر بقوله" الكلام الموزون المقفى ومعناه الذي تكون أوزانه كلها على روي واحد هو القافية"، (16)، وهذا تعريف في جوهره عروضي ينصب على جانب الوزن في ماهية الشعر، ويكاد يلتقي مع ما ساقه في مجال الغناء حيث يلتبس أحدهما بالآخر، ويبدوان وكأنهما وجهان لعملة واحدة، وفي تدقيق آخر يضيف أن هذا الفن يوجد في سائر اللغات، بعد أن ساد لدى الكثيرين أنه فضيلة من فضائل العرب وأنهم خصوا به دون سواهم من الأمم، ويعيد صياغة الحد بقوله:" كلام مفصل قطعا قطعا متساوية في الوزن متحدة في الحرف الأخير من كل قطعة من هذه القطعات عندهم بيتا، ويسمى الحرف الأخير الذي تتفق فيه رويا وقافية، ويسمى جملة الكلام إلى آخره قصيدة وكلمة" (17) وهذا التعريف تأكيد لمبدأ التعلق بالجانب الشكلي أو الإيقاعي من بناء الشعر وطبيعته. وفي هذا السياق يستكمل ابن خلدون هذا الحد ليرسم حدود الشعر على استقلال وحداته أو أبياته استقلالا عما قبلها وعما بعدها، ويؤطر مبدأ الخروج من فن إلى فن أو من غرض لآخر بمراعاة عنصر التوطئة بما يلائم هذا الخروج أو الانتقال، مع الالتزام بالابتعاد عن التنافر أو الخروج من وزن إلى وزن آخر يقاربه، وغير هذه من الشروط والأحكام التي تضمنتها آراء كثير من النقاد الذين تناولوا بناء القصيدة على هذا المستوى.

ويقر ابن خلدون على مستوى آخر أن الشعر صعب المأخذ على من يروم اكتساب ملكته بالصناعة من المتأخرين باعتبار استقلال كل بيت منه وكونه كلاما تاما في مقصوده وقويا على الانفراد دون ما سواه،وهو ما يفرض الحاجة إلى ما سماه نوعا من التلطف في تلك الملكة حتى يفرغ الكلام الشعري في قوالبه التي عرفت له في ذلك المنحى من شعر العرب، واختصت بها الشعر.( 18) وهنا يضعنا أمام مفهوم جديد يتصل بالأداء الشعري هو الأسلوب، وكما يوضح فإن الأسلوب هو المنوال الذي تنسج فيه التراكيب أو القوالب الذي تفرغ فيه، إذ أن الشعري لا يرجع إليه باعتباره إفادته أصل المعنى الذي هو وظيفة الإعراب، ولا باعتباره إفادة كمال المعنى الذي هو وظيفة البلاغة والبيان، ولا باعتبار الوزن الذي هو وظيفة العروض.(19) ومن هنا يلغي دور فاعلية هذه العلوم الثلاثة من الصناعة الشعرية وإن كانت ضرورية لها، ويسيج مفهوم الأسلوب الذي تحدث عنه بتمييزه عن العلوم الثلاثة ليعني الطريق إلى التمكن من الشعري أو إدراكه، وليست هذه الطريق سوى الأساليب وطرائق توظيفه في القصيدة العربية، بل إن ابن خلدون يذهب أبعد من هذا حين يقرر أن هذه الأساليب ليست من القياس في شيء وإنما هي " هيئة ترسخ في النفس من تتبع التراكيب في شعر العرب لجريانها على اللسان حتى تستحكم صورتها فتستفيد بها العمل على مثالها والاحتذاء بها في كل تركيب تركيب من الشعر" (20) وتغدو قوالب جاهزة للاستعمال، ولن تستكمل هذه الهيئة صورتها إلا عن طريق واحد هو " حفظ أشعار العرب وكلامهم" فالملكة الشعرية تنشأ بحفظ الشعر وملكة الكتابة بحفظ الأسجاع.

وإذ يقرر هذا المعنى أو هذا الوجه للأسلوب يقدم بعده حدا آخر للشعر وحقيقته، وهو حد لم يسبق إليه على حد تعبيره، إذ أن قول العروضيين في حد الشعر إنه الكلام الموزون المقفى إنما هو حد قاصر ولا يمثل حقيقته، ولذلك يضع له تعريفا جديدا بقوله :" الشعر هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي مستقل كل جزء منها بغرضه ومقصده عما قبله وبعده، الجاري على أساليب العرب المخصوصة به" (21) وإطلاق صفة البليغ جنس كما يقول، وصفة المبني على الاستعارة والأوصاف تمييز له عما يخلو من هذه، إذ لا يعد في الغالب شعرا، وصفة المفصل بأجزاء متفقة الوزن والروي تمييز له عن الكلام المنثور، وصفة مستقل كل جزء منها في غرضه إنما هو تعبير وبيان للحقيقة كما يقول لأن الشعر لا يكون إلا كذلك، وصفة الجاري على أساليب العرب المخصوصة به تمييز له عما لم يجر على هذه الأساليب لأنه ليس شعرا، ومن هذا الباب يلغي ابن خلدون أشعار المتنبي والمعري من دائرة الشعر لأنها لم تجر على أساليب العرب كما يزعم.

ويتقدم ابن خلدون في عملية تسييج فعل الشعر موضحا أن لعمله وإحكام صناعته شروطا أولها الحفظ من جنسه أي من جنس شعر العرب، لأن الحفظ يشحذ القريحة للنسج على المنوال، وكلما كثر المحفوظ تعددت النماذج وأصبح النسيج على منوالها أيسر، بل إن نوع المحفوظ في اعتباره يقرر اتجاهه في الأدب والعلم، واستنادا إلى هذا الافتراض ينتهي ابن خلدون إلى رأي نقدي أقرب إلى الغرابة، مؤداه أن بلاغة الإسلاميين أمثال حسان والحطيئة وعمر وجرير والفرزدق.. أرفع طبقة من شعر النابغة وعنترة وابن كلثوم، لأن هؤلاء أتيح لهم حفظ وتلقي الطبقة العالية من الكلام في القرآن والحديث، وهو ما لم يتوفر لمن كان قبلهم من أهل الجاهلية ممن لم يسمع هذه الطبقة ولا نشأ عليها، وربما استشعر ابن خلدون نفسه بعض الغرابة في هذا الرأي، فأشار إلى أنه عرضه على أحد مشايخه الذي قال له: "يا فقيه هذا الكلام من حقه أن يكتب بالذهب" (22).

هكذا فإن ابن خلدون يعتبر أن عملية الحفظ أساسية في خلق الشعر، لأن دورها أن ترسخ في الذهن قوالب معينة، والشاعر ما عليه إذا أراد أن ينظم قصيدة إلا أن يستحضر القالب المقصود ليملأه، فمؤلف الكلام كما يقول كالبناء أو النساج، والصورة الذهنية المحفوظة كالقالب الذي يبني فيه أو المنوال الذي ينسج عليه، فإن خرج عن القالب في بنائه أو عن المنوال في نسجه كان فاسدا. ( 23 ).

أما فن المنثور فيذكر منه ابن خلدون السجع والمرسل الذي يستعمل كما يقول في الخطب والدعاء وترغيب الجمهور وترهيبه، ولم يخصص أي فصل لأي فن من فنون النثر كالخطابة مثلا، أما موقفه المتميز في هذا الباب فهو استهجانه لأساليب البديع وما يتصل به، فقد آخذ المتأخرين على حد تعبيره على استعمالهم أساليب الشعر في المنثور من كثرة الأسجاع والتزام التقفية، واستنكر استعماله في المخاطبات السلطانية وهجران المرسل، لأنه في اعتباره غير صواب من جهة البلاغة، لأنه من الواجب تنزيه المخاطبات السلطانية عنه، وهو يرى أن المحمود في هذه المخاطبات الترسل وإطلاق الكلام وإرساله من غير تسجيع (24 )، وهو يرد هذا إلى عامل العجمة والقصور عن إعطاء الكلام حقه في مطابقته لمقتضى الحال، والعجز عن الكلام المرسل.

وعلى مستوى آخر يعود بنا ابن خلدون إلى مشكلة اللفظ والمعنى، وهي قضية شغلت النقد العربي في عصوره المختلفة، وينتصر للفظ إذ يقول إن صناعة النظم والنثر إنما هي في الألفاظ لا في المعاني ( 25 ) وأن الألفاظ هي أصل بينما المعاني فروع وتبع لها، وكل من يحاول امتلاك صناعة الكلام إنما يحاولها في الألفاظ التي تتولد وتكتمل عن طريق النقل، وحفظ أمثالها من كلام العرب، فالذي في اللسان والنطق إنما هو الألفاظ، وأما المعاني فهي في الضمائر، وهي موجودة عند كل واحد وفي طوع كل فكر، والألفاظ هي بمثابة القوالب للمعاني (26 )، بل إن ابن خلدون بناء على قياس خاطئ يتصور أن العلاقة بين اللفظ والمعنى كالعلاقة بين الإناء وما يصب فيه من الماء، فكما أن الأواني منها الذهبية والفضية والزجاجية والخزفية والصدفية، والماء واحد في نفسه، والاختلاف إنما هو في جودة الأواني المملوءة بالماء باختلاف جنسها لا باختلاف الماء، وكذلك جودة اللغة وبلاغتها في الاستعمال تختلف باختلاف تأليف الكلام وطبقاته بينما المعاني واحدة.(27 ). والمقولة كما هو معروف تعود في تطورها وأصولها إلى الجاحظ الذي أطلق قولته المشهورة" والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي…" وظل أثرها عالقا بكثير من النقاد ومنهم ابن رشيق الذي أثنى عليه ابن خلدون ثناء كبيرا، وهو الذي يقول" اللفظ أغلى من المعنى ثمنا وأعظم قيمة وأعز مطلبا، فإن المعاني موجودة في طباع الناس يستوي فيها الجاهل والحاذق، ولكن العمل على جودة اللفظ وحسن السبك وصحة التأليف" (28 ) وقد يكون ابن خلدون تأثر به.

في الفصول الأخيرة من مقدمته يعود ابن خلدون مرة أخرى للحديث عن فن الشعر ليؤكد أنه لا يختص باللسان العربي فقط بل هو قائم في كل لغة عربية أو عجمية، ويقف بذلك على مبدأ تسويغ الحديث عن الشعر الشعبي أو العامي، حيث يقرر أن الكثير من الأمصار والأقطار نشأت فيها لغات أخرى، خالفت لغة مضر، ونشأ في ظلالها شعر مخالف، لأن الشعر موجود بالطبع في أهل كل لسان ، وأهل كل لغة يتعاطون منه ما يناسبهم أو يطاوعهم في بنائه ورصف أدواته، وهذا يعني عمليا الاعتراف باللهجات العامية التي يطلق عليها لغة المستعجمين، وقد وصف الشعراء في هذه اللغات بالفحولة، وكأنه يرد على أولئك الذين كانوا يستنكرون الفنون الشعبية أو العامية في أيامه.، إذ أن رفضهم وموقفهم منها إنما هو ناشئ عن جهل لهجاتها، مضيفا أن هذا التفاوت في تلقي هذه الأشعار قائم ، فالأندلسي لا يشعر بالبلاغة التي في شعر أهل المغرب، و المغربي لا يشعر بالبلاغة التي في شعر أهل المشرق والأندلس ، وكل واحد منهم إنما هو مدرك لبلاغة لغته وذائق محاسن الشعر من أهل جلدته. ( 29 ).

وفي معرض حديثه هنا يذهب ابن خلدون إلى أن الإعراب لا ينبغي أن يكون مدخلا إلى البلاغة، لأن "البلاغة مطابقة الكلام للمقصود ولمقتضى الحال من الوجود فيه، سواء كان الرفع دالا على الفاعل والنصب دالا على المفعول، أو بالعكس" (30 )فإذا طابقت الدلالة المقصود ومقتضى الحال صحت البلاغة ولا عبرة بقوانين النحاة في ذلك. وهذا الموقف في الواقع هو تمهيد لإضفاء الشرعية على فن الموشحات كنمط شعري متميز ومتفرد، استظرفه الناس "الخاصة والكافة "، "لسهولة تناوله وقرب طريقه"، وقد أورد نماذج منها ، وبذلك يكون أقدم على ما لم يقدم عليه الكثير من النقاد الأندلسيين الذين استهجنوا هذا الفن، فابن بسام صاحب الذخيرة مثلا رفض أن يضمن كتابه أي نموذج من هذا الفن. (31 ).

كحصيلة، إن ابن خلدون تعامل مع الأدب وما يتصل به ضمن سياق عام يدعم رؤيته وتصوره وأطروحته حول العمران ونشوء الاجتماع أو الدولة، حيث اعتبره جزءا من مهام استكمال ضرورات المعاش، ولا يقوم إلا حينما تسد الحاجات العضوية مما يحمل الاجتماع الإنساني إلى التفرغ للنشاط العقلي بمجرد استيفائه سبل الكسب والمعاش في ما هو ضروري لبقائه، فتتولد له عندئذ العلوم والمعارف، ويكون بناؤها على شكل :( القاعدة هي البنية المعاشية، والقمة هي البنية المعرفية). غير أن تناوله لكثير من القضايا الأدبية لم تنتظم في سياق نظرته الشمولية، ولم يلتزم حدودها أو قوانينها التي حاول أن يخضع لها سيرورة النظام السياسي ( الدولة )، إضافة إلى تجاهله وإغفاله الكثير من الفنون الأدبية النثرية التي فرضت صيغتها على صعيد الممارسة الأدبية.

ويمكن القول إن ابن خلدون تعامل مع الأدب أو بعض فنونه التي عرض لها بوصفه وسيطا ل***** النماذج الثقافية وحفظها واجترارها وتكريس معالمها، وهو لطالما أصر على هذا الدور في ما يعود لأنظمة خلق الشعر وقرضه، وفاعلية النقل والتردد الدائم على أساليب العرب، الطريق الوحيد الذي يراه محوريا وأساسيا في إنتاج المعنى، ليغدو الأدب من هذا الوجه صناعة تهدف إلى تمكين الإنسان العربي المسلم من صنع أشيائه الثقافية والحفاظ على أصولها ضمن نسق عام توجهه المؤسسات بمختلف ضروبها السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية.

ويبدو أن ابن خلدون أيضا ينظر إل الأدب باعتباره "بضاعة" سوقها السلطة أو السلطان، فقد أشار مثلا إلى أن السيف والقلم كلاهما آلة لصاحب الدولة يستعين بها على أمره، (32 )، والحاجة أول الأمر هي للسيف، ولكن مع التطور تقوى الحاجة إلى القلم وإلى تصريف دوره، مما يعني أن الدولة مع مظاهر استقرارها وهيمنتها تعمد إلى استبدال العنف المادي الذي كان يمارس بالسيف، إلى عنف رمزي تنهض به المؤسسة الثقافية التي تعول على خدمات أطرافها : الفقيه والمتكلم والخطيب والكاتب واللغوي والنحوي والشاعر.. الذين يقومون بدور أساسي في مجرى ترسيخ سيادة وهيمنة نسق ثقافي وأيديولوجي معين، وربما كان هذا جوهر تصور ابن خلدون للأدب ودوره الحضاري.

والملاحظ كذلك أن كثيرا من الأحكام النقدية التي اعتمدها ابن خلدون تعود في أصلها لسلسلة الآراء التي ساهم بها علماء المغرب والأندلس في قضايا تهم الأدب العربي، ويكفي أن نشير في هذا الصدد إلى مسألة تعليق القصائد الموسومة بالمعلقات، والتي يرجح أن مصدر إشاعة ونشر خبر تعليقها هو كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي، وقد أورد ابن خلدون أمرها دون التثبت من عناصرها، إذ ذكر مثلا أسماء لشعراء لم يصنفوا إطلاقا ضمن أصحاب هذه النصوص، إضافة إلى اعتماده مفارقات غريبة من خلال بعض الأحكام، إذ في الوقت الذي يقصي فيه شعر المتنبي وأبي العلاء المعري من دائرة الشعر لسبب غير مقنع تماما هو عدم جريانه على أساليب العرب وطرائقهم، يدافع عن شرعية وشعرية الموشحات ويحاول أن يضفي على مظاهر خروجها عن أساليب العرب طابع الخلق والإبداع والتميز والمشروعية.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش:

1 ـ ألقي هذا العرض في اليوم الدراسي الذي نظمته شعبة التاريخ بكلية آداب مكناس حول موضوع ( ابن خلدون : الفكر والتاريخ) بتاريخ 15 دجنبر 2005.

2 ـ عبد الرحمن بن خلدون: مقدمة ابن خلدون. دار القلم. بيروت. الطبعة الرابعة 1981. ص:401.

3 ـالمصدر نفسه: ص:400.

4 ـ المصدر نفسه،ص:401 .

5 ـ المصدر نفسه، ص: 405 .

6 ـ المصدر نفسه، ص: 436.

7 ـ المصدر نفسه، ص: 545.

8 ـ المصدر نفسه، ص:545.

9 ـ المصدر نفسه،ص:553.

10 ـ انظر: العادل خضر: الأدب عند العرب: مقاربة وسائطية. كلية الآداب منوبة. تونس. الطبعة الأولى 2004.ص384.

11 ـ المقدمة، ص: 554.

12 ـ المصدر نفسه، ص:553.

13 ـ المصدر نفسه،ص:426.

14 ـ المصدر نفسه،ص:427.

15ـ المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

16 ـ المصدر نفسه،ص:566.

17 ـ المصدر نفسه،ص:569.

18 ـ المصدر نفسه، ص:570.

19 ـ المصدر نفسه،ص: 571.

20 ـ المصدر نفسه، ص:572.

21 ـ المصدر نفسه،ص: 573.

22 ـ المصدر نفسه،ص:580.

23 ـ المصدر نفسه،ص:572.

24 ـ المصدر نفسه،ص:567.

25 ـ المصدر نفسه،ص:577.

26 ـ المصدر نفسه،ص:577.

27 ـ المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

28 ـ أبو الحسن بن رشيق: العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده. تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد. مكتيبة الرياض الحديثة. الرياض. الجزء الأول. ص:127.

29 ـ المقدمة، ص:588.

30 ـ المصدر نفسه، ص: 583.

31 ـ انظر:إحسان عباس: تاريخ النقد الأدبي عند العرب. نقد الشعر من القرن الثاني حتى القرن الثامن الهجري. دار الثقافة، بيروت. الطبعة الثالثة 1980.ص: 505. وكذلك ص: 515 وما بعدها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سعيدي المولودي