المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من الجاني ؟


جاسم داود
09-28-2012, 01:28 PM
من الجاني ؟

كلما نظرت باتجاه نافذة غرفتها اعتصر قلبي الأسى والحزن .

كنت أرقبها وهي تقف هناك يطل ظلها كشبح مختبئة في ضوء الغرفة الشاحب ترمق المارين من الناس في الشارع أسفل بيتهم .

ثم كنت أرى يديها تلوح للحمائم وهي تحاول أن تحثها على الطيران من فوق حائط السطح لبيت جدها ..حيث اجتمعت حمائم بيضاء اعتادت نثر الطعام لها .

كنت أتسأل ماذا تحاول أن تفعل ..
يا ترى هل تتمنى لو أنها تطير معها من سجنها الذي قبعت به أشهر ..؟!
هل تحاول الهرب مرة أخرى كما فعلت في محاولتها الأولى والأخيرة ؟!
محاولة بائسة أذاً !
وأنى لها هذا ؟!
وقد وضعت عليها رقابة شديدة لا أظن أنها ستفلت منها ألا لحتفها حيث مثواها الأخير .

تمر الأيام والأسابيع , كان علي أن أسافر لإكمال دراستي في مدينة أخرى وعلى الرغم من انشغالي بدراستي تبقى صورتها تلح علي ويبقى مصيرها يشغلني كثيراً .

ما الذي من الممكن أن يحدث لها ألان بعد فضح أمرها ؟!
هل ستقتل ؟!
وهذا البائس الذي أستدرجها للغواية كيف له أن يتنصل من جريمته ؟!
وكيف له أن يفلت من عواقب جرمه ,هكذا وبكل سهولة ؟!
ولما لا ! والمجتمع يؤازره ويمنح له صك الغفران ..!


عدت بعد أسابيع لمدينتي وكنت متلهفة للعودة لمعرفة مصيرها وما آلت لها الأمور وإن كان هناك في داخلي أحساس سيء يضايقني ما أن اقتربت من شارعنا الذي يقع بيتها على جانبه الأخر من بيتي استقبلتني أختي الصغيرة وبعد تقبيل وتحضين الصغار المتلهفين لغائبهم العزيز نظرت بعينيها التي تبحث عن ردة فعل على ما أخبرتني به بارتباك وشيء من الخوف .

- لقد قتلوها قبل يومين .. قتلوها .. لقد رأيت دمها يسيل إلى أسفل الحديقة ورأسها مفصول عند الحافة .

بلعت ريقي وكدت اختنق به وأنفاسي تتصاعد كأنها تطلب الهروب من هذا العالم الذي جثم مرة واحدة على صدري وأطبق عليه .

استمرت أختي برواية الأحداث المروعة والطريقة التي تمت بها أنزال العقوبة في هذه المسكينة .

تقول أمي في ظهيرة يوم ملتهب جداً سمعنا صراخ وعويل فهرعنا لنعرف ما الذي حصل وعندما تحرينا مصدر الصوت , وكان من بيت جدها أدركنا ما الذي حصل لم نجرؤ على الذهاب ولكن عرفنا فيما بعد أن أباها بعد أن يأس من تزويجها لمن أغوها ورفض الاعتراف بأنه الفاعل لزمه هم التخلص منها وبعد أن تخلص من جنينها .
أدركنا انه سيقتلها لا محال وأنه مجرد وقت ليتخلص منها فهي عاره الذي جعله يهرب من الناس ويعتكف في داره وهي من جعلته ينكس رأسه ذليلاً من فعلتها كلما مرَ بين الناس !! .
فكان ما توقعنا ففزع الناس لبيتهم وهناك وجدوا الأب قد أجهض على البنت بساطور في غرفتها التي حجزت فيها لشهور .
ثم سحلها إلى الحديقة حيث أكمل على ما تبقى لها من روح بعدها لفت ببطانية ثم أخذها أبوها وعمها إلى المقبرة من غير غسل ولا كفن لتلقى هناك كأي شيء يدم أثره في التراب ..!!


لم أستطع بعدها النوم لفترة طويلة إذ كانت صورتها تطاردني لم تبلغ عامها السادس عشر بعد أقيمت لها محكمة حكم عليها بالموت من غير دفاع ولا من يشهد لها بأنها ضحية حياة أسرية بائسة عانت بها الأمرين من زوجة أب , وأب ضعيف لم يرد عنها ظلم أقرب الناس لها عندما اعتدى على براءتها بل اكتفى بإنزال العقوبة بها وترك الجاني طليق من غير عقاب! .


دمتم برعاية الله وحفظه
من صفحات شذرات القديمة