المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة متدرجة في المفهوم: العسر القرائي.. «الدسلكسيا» ... فهد حماد التميمي


Eng.Jordan
11-01-2012, 02:22 PM
إن البحث في موضوع العسر القرائي يطرح في بداية المسار إشكالية المفهوم، حيث ما زالت الرؤى النظرية في الأدبيات الخاصة بالموضوع موضع جدل ونقاش شديدين فيما يتعلق بالمفهوم والتعريف والتداخلات المطروحة في هذا الشأن.
وفي هذا الإطار نجد إشكالية المفهوم الناظمة لدراسة موضوع العسر القرائي، متداخلة بثلاثة مستويات مفاهيمية متدرجة من العام إلى الخاص: فمستوى عام يدور في فلك مفهوم صعوبة التعلم ضمن نطاق فئات التربية الخاصة، ومستوى وسيط يدور في فلك الصعوبات النوعية ضمن صعوبات التعلم، ومستوى خاص يدور في فلك العسر القرائي كمفهوم مميز بخصائصه ومؤشراته ومظاهره. وسيقوم هذا المقال بقراءة متدرجة لما يلتبس داخل هذه الإشكالية دون إغفال منطق التداخل والترابط بين المستويات الثلاثة.

المستوى العام: صعوبات التعلم
إن العسر القرائي (الدسلكسيا) يندرج تحت منظومة صعوبات التعلم بمفهومها العام، لذا لزم أن يُبدأ الحديث بما يتداخل مع المفهوم العام لصعوبة التعلم من المصطلحات الأكاديمية الأخرى التي تشترك معها في النتائج نفسها أهمها (التأخر الدراسي - بطء التعلم) ؛ وذلك لتتضح الصورة العامة لصعوبة التعلم، ثم بعد ذلك يأتي الحديث عما يمكن أن يتداخل مع عسر القراءة (الدسلكسيا) من صعوبات التعلم الأخرى في المستوى الوسيط.
تعد صعوبة التعلم إحدى فئات التربية الخاصة, أو فئات غير العاديين, بل إنها تعد في الواقع من أكثر هذه الفئات عددًا، وهو الأمر الذي يعكس رداءة الأساليب التشخيصية المستخدمة في سبيل ذلك، حيث يبتعد الكثيرون بها عن طبيعتها التي ينبغي أن ينظر إليها من خلالها، فينظرون إليها على أنها شيء آخر فتصبح النتيجة أن يجدوا أنفسهم أمام فئة من الأفراد لا يعانون حقيقة صعوبة التعلم.
وقد تعرضت صعوبات التعلم في واقع الأمر لكم كبير من الجدل الذي دار بين الكثيرين من المختصين، وذلك لتحديد طبيعة هذا الموضوع على وجه الدقة, ومحاولة تفادي الكثير مما دار من الخلط بينه وبين المفاهيم الأخرى. وقد أدى الجدل الدائر لتحديد طبيعة صعوبات التعلم إلى خلط كبير؛ وذلك لتحديد أفضل الطرق لتعليم أولئك التلاميذ. ونظرًا لأن مجال صعوبات التعلم قد شهد العديد من الممارسات المختلفة التي ظلت موضع تساؤل بين الكثيرين، فقد أضاف ذلك إثارة كبيرة إلى مهمة القيام بتعليم الأطفال ذوي صعوبات التعلم وهو الأمر الذي يمثل في حد ذاته تحديًا كبيرًا بالنسبة لهم.
ومع تطور هذا المجال أصبح هناك اتفاق في وقتنا الحالي حول الأمور المهمة والأساسية التي يتضمنها، فتعمل نتائج البحوث التي تم إجراؤها في هذا المجال على سبيل المثال على مساعدتنا كي نفهم تلك الأسباب التي تكمن خلف صعوبات التعلم وتؤدي إليها، مما يساعدنا بطبيعة الحال في اختيار أفضل اتجاهات العلاج التربوي الخاصة بها.
وقد أضحى مؤكدًا في الوقت الحالي أن السبب الرئيس لصعوبات التعلم إنما يكمن في ذلك الخلل الذي يصيب الجهاز العصبي، ويؤدي بالتالي إلى خلل في الأداء الوظيفي للمخ، أي أن السبب يكون داخليًا وليس خارجيًا حيث لا توجد أسباب خارجية لصعوبات التعلم. ولذلك فإن هذه الحقيقة عادة ما يتم استخدامها في واقع الأمر كمحك لتمييز بين صعوبة التعلم والتأخر الدراسي.
وفي هذا الإطار نجد أن هناك ثلاثة مصطلحات مختلفة تداخلت, وتشابكت فتشابكت معها معارفنا, وتعقدت, فخفيت الحقيقة في غالب الأمر، وهذه المصطلحات هي: (صعوبة التعلم، التأخر الدراسي، بطء التعلم).
وإذا ما كان القاسم المشترك بين هذه المصطلحات أو الأوضاع يتمثل في واقع الأمر في انخفاض التحصيل Underachievement، فإننا نؤكد أن مثل هذا الانخفاض في مستوى التحصيل إنما يختلف في كل حالة عما يرجع إليه الأمر في الحالة أو الحالات الأخرى اختلافًا واضحًا ودالًا، بحيث يمكننا من خلاله أن نحدد تلك الحالة بشكل دقيق لا لبس فيه، ولكن الواقع يشهد أن الكم الأكبر من الكتابات العربية في هذا المضمار قد خلطت بين هذه الأوضاع. ويمكن أن نحدد مفهوم ودلالة صعوبة التعلم كما عرفها كيرك ( Kirk ) بقوله «إن مصطلح الأطفال ذوي الصعوبات الخاصة بالتعلم يعني أولئك الأطفال الذين يعانون من قصور في واحدة أو أكثر من العمليات النفسية الأساسية التي تدخل في فهم أو استخدام اللغة المنطوقة، أو المكتوبة، ويظهر هذا القصور في نقص القدرة على الاستماع أو الكلام،أو القراءة،أو الكتابة، أو التهجئة، أو في أداء العمليات الحسابية. وقد يرجع هذا القصور إلى إعاقة في الإدراك، أو إلى إصابة في المخ، أو إلى الخلل الوظيفي المخي البسيط، أو إلى عسر القراءة أو إلى حبسة الكلام. ولا يشمل الأطفال ذوي صعوبات التعلم الناتجة عن إعاقة بصرية، أو سمعية، أو حركية، أو تخلف عقلي أو اضطراب انفعالي، أو حرمان بيئي وثقافي واقتصادي».
أما التأخر الدراسي فيعد بمنزلة انخفاض تحصيل الطفل في مجال معين من المجالات الدراسية، أو في كل المقررات، أو المجالات الدراسية المقررة عليه. وذلك قياسًا بالمستوى التحصيلي بأقرانه في مثل سنه أو في جماعته الثقافية؛ مما يترتب عليه عدم قدرته على القيام بالمهام الأكاديمية المحددة لسنه وصفه الدراسي.
وقد اصطلح على قياس أو تقدير التأخر الدراسي بقياس النسبة التحصيلية، وهي تلك النسبة التي يتم قياسها عن طريق قسمة العمر العقلي للطفل على عمره التحصيلي، ثم ضرب الناتج في مئة، وعلى هذا الأساس فإن التأخر الدراسي ما هو إلا انخفاض نسبة أو مستوى تحصيل الطفل عن المستوى المتوسط أي العادي وذلك في حدود انحرافين معياريين. وقد يتعلق مثل هذا الانخفاض بمقرر (مجال) دراسي معين أو فئة من المجالات الدراسية ذات الصلة به، حيث ترتبط معه في القدرة اللازمة لذلك والتي قد يعاني الطفل القصور فيها، كأن يتعلق الأمر بالرياضيات أو العلوم أو اللغة مثلًا، وهذا ما يعرف بالتأخر الدراسي النوعي.
كما قد يكون التأخر الدراسي من جهة أخرى تأخرًا عامًا يتعلق بكل المجالات الدراسية أو غالبيتها، ومن ثم فإن هذا النوع من التأخر الدراسي يرتبط في الواقع بإعاقة عقلية أو تأخر عقلي، حيث يحول ذلك دون قدرة الفرد على مسايرة أقرانه أو مضارعتهم في مستوى التحصيل، فينصرف بالتالي عن متابعة الدراسة ذاتها. كما يكون الانخفاض في مستوى تحصيل الطفل المتأخر دراسيًا انخفاضًا شبه ثابت في كل المواقف وفي كل الأوقات.
وبذلك فإن مستوى تحصيل الطفل المتأخر دراسيًا لا يصل إلى المستوى المتوسط، بل إنه عادة ما يستقر في المستوى دون المتوسط سواء كان مثل هذا التأخر عامًا أو نوعيًا.
ويرى البعض أن في هذا الأمر تمييزًا بين الأداء الأكاديمي للطفل المتأخر دراسيًا وقرينه الذي يعاني إحدى صعوبات التعلم أو أكثر ؛ حيث نلاحظ أن الأداء الأكاديمي للطفل في حالة صعوبات التعلم قد يتذبذب في بعض الأحيان بين الارتفاع والانخفاض اعتمادًا على ما قد يتعرض له من مواقف أكاديمية مختلفة، في حين يظل الأداء الأكاديمي للطفل المتأخر دراسيًا منخفضًا أي دون المستوى وذلك طوال الوقت.
ومن جانب آخر فإن التأخر الدراسي قد يكون تأخرًا عامًا في كل المجالات الدراسية أو معظمها، وهو ما يرجع إلى القصور العقلي, وقد يكون تأخرًا خاصًا أو نوعيًا في مجال دراسي بعينه أو ما يرتبط به من مجالات، وهو الأمر الذي يرتبط كما يتضح بعمومية التأخر أو شموله, بينما نجد أننا إذا ما نظرنا إلى التأخر بحسب مدته أو طبيعته فإننا نجد أن التأخر الدراسي وفقًا لذلك قد يكون مزمنًا أي مستمرًا، كما أنه قد يكون مؤقتًا أي عرضيًا بمعنى أنه من المحتمل بالنسبة للطفل أن يكون قد تعرض لموقف معين أو عامل محدد أو مؤثر ما ويكون من شأنه أن يؤدي إلى ذلك, ولكن سرعان ما يتغير الأمر مع تغير الظروف التي يتعرض الطفل لها. وإذا ما نظرنا إلى التأخر الدراسي بحسب مسبباته الأساسية أي الأصل فيه، فإننا نجد أنه إما أن يكون عضويًا أي يرجع إلى وجود اضطرابات عضوية, أو يكون وظيفيًا أي يرجع إلى الخلل في الناحية الوظيفية أو بيئيًا.
وبذلك فإن مثل هذه الأسباب تتعدد بحيث يمكن تصنيفها إجمالًا في العوامل العقلية, أو الجسمية, أو النفسية, أو الاجتماعية, أو المدرسية, أو الأسرية. أما صعوبة التعلم فهي في الواقع إما أن تكون نمائية أو أكاديمية ولكل منها مظاهرها المختلفة، مع العلم بأننا قد لا نستطيع أن نضع خطًا فاصلًا بينهما، وإن كانت جميعها ترجع في الأساس إلى حدوث خلل في الأداء الوظيفي للمخ وهو ما يعرف بالقصور النيورولوجي أو العصبي. نخلص إذن إلى أن الفرق بين صعوبات التعلم والتأخر الدراسي يظهر جليًا في طبيعة الأسباب، ونوعية القصور ومدته، والأداء الأكاديمي ثباته وتذبذبه.
ومن جهة أخرى فإن مصطلح بطء التعلم slow learning يستخدم في الواقع للدلالة على حالة التلميذ بطيء التعلم من ناحية الزمن، أي أنه يشير بذلك إلى سرعة مثل هذا الطفل في فهم وتعلم ما يوكل إليه من مهام أكاديمية مختلفة، قياسًا بما يمكن أن يستغرقه أقرانه في مثل عمره الزمني، وفي جماعته الثقافية، من سرعة فهم وتعلم وأداء نفس المهام الأكاديمية، حيث إن الطفل بطيء التعلم يستغرق تقريبًا ضعف الزمن الذي يستغرقه الطفل العادي في التعلم على الأقل, كما تشير العديد من الملاحظات والممارسات العملية إلى أن مثل هذا الطفل قد يستغرق ثلاثة أضعاف الزمن الذي قد يستغرقه قرينه العادي، في سبيل أداء مهمة أكاديمية معينة؛ أي أن المسألة وفقًا لذلك تتعلق بزمن التعلم والأداء, أي ذلك الزمن الذي يستغرقه الطفل في سبيل القيام بمثل هذا الأمر، وهو ما يدل في الواقع على أن تصنيف وتشخيص بطء التعلم إنما يعتمد في المقام الأول على الناحية الزمنية فيما يتعلق بالجانب الأكاديمي، أي أن الطفل بطيء التعلم بذلك ليس سريع التعلم مطلقًا وهو ما يعني من جانب آخر أن بطء التعلم يقابل سرعة التعلم, كما أنه إذا ما تم تعليم هذا الطفل بطيء التعلم في فصل دراسي عادي فإنه سوف يكون حتمًا من المتأخرين دراسيًا ؛ وذلك لعدم كفاية الزمن اللازم لتعليمه من ناحية, وعدم مراعاة قدراته واستعداداته وإمكاناته من ناحية أخرى.
ولما كانت نسبة ذكاء مثل هذا لطفل تتراوح عادة بين 70-90 فإننا إذا ما قمنا بتعليمه في فصول خاصة بمن هم على شاكلته, وقمنا باستخدام طرق وأساليب تعليمية تناسب قدراته وإمكاناته فإنه سوف يحقق بعض التقدم على أثر ذلك.
المستوى الوسيط: العسر القرائي ضمن الصعوبات النوعية للتعلم
بعد أن ميزنا في الفقرة السابقة صعوبة التعلم كمصطلح أكاديمي، نجد أنفسنا بحاجة إلى الوصول إلى توضيح وتمييز العسر القرائي (الدسلكسيا) من بين فروع صعوبات التعلم. من هنا نطرح السؤال التالي: ما الفرق بين صعوبات التعلم الخاصة وعسر القراءة «الدسلكسيا»؟ فمع تداخل الأعراض وأساليب التدخل، في الأساس يشير مصطلح «صعوبات التعلم الخاصة» إلى صعوبة خاصة في معالجة المعلومات تتباين بشكل واضح فيما يتعلق بالقدرات التي يمتلكها نفس الفرد في معالجة بقية المعلومات الأخرى، وبعض من هذه التباينات واضحة بحيث إنها تؤدي إلى أن يطلق على الفرد معسر قرائيًا، أو يعاني عسر الكتابة، أو عسر الرياضيات أو غيرهما. وهذه التباينات هي التي تميز الطلاب الذين يعانون صعوبات تعلم خاصة عن الطلاب الذين يعانون تحصيلًا دراسيًا متدنيًا، نظرًا لقدرات عقلية عامة محدودة, فهؤلاء يحصلون على درجات متدنية في جميع المواد الدراسية بخلاف الذين يعانون «صعوبات تعلم خاصة» والذين عادة ما يوجد تباين في تحصيلهم من مادة دراسية إلى أخرى.
ومثل العسر القرائي, فإن العديد من صعوبات التعلم الخاصة يمكن أن ينظر إليها على أساس أنها صعوبات تقع على سلم (أي أنها تقع على أحد درجات السلم حيث يوجد الشديد منها والمتوسط والبسيط). ويستخدم مصطلح «التداخل» الآن لوصف تداخل أعراض بين صعوبات التعلم الخاصة المختلفة. وهذا اعتراف أن صعوبات التعلم الخاصة يمكن أن توجد عند أفراد بدرجات، وعلى الأرجح قد يحدث تداخل بين بعض أعراضها، حيث تميل جميعها لتترابط مع الوظائف المتعلقة بالنصف الأيسر للمخ. وبالإضافة إلى ذلك, فإن الأنشطة العصبية الخاصة بمعالجة المعلومات تميل إلى أن تتكامل معًا بدلًا من أن تكون منفصلة, فمن المحتمل أن يظهر على سبيل المثال بعض الأطفال المصابين بعسر القراءة بعض الصفات مع أطفال يتم تشخيصهم على أنهم يعانون صعوبات خاصة باللغة.
ومن الواضح أن عسر القراءة هو واحد من هذه الصعوبات, إذ إنه يمكن النظر إليه على أساس أن له درجات من حيث الشدة وكذلك من حيث أنواع الصعوبات الأخرى التي قد تتزامن معه. ولهذا فليس من الغريب أن يكون هناك بعض تداخل للأعراض بين العسر القرائي وبعض من صعوبات التعلم الخاصة الأخرى التالية ذكرها:
صعوبة التآزر الحركي (الديسبراكسيا Dyspraxia):
الديسبراكسيا هي في الأساس صعوبة في التآزر الحركي. وهنا يمكن رؤية هذه الصعوبة على أنها تحدث بدرجات من البسيطة إلى المتوسطة والشديدة، كما أنها يمكن أن تؤثر على الأنشطة الحركية الدقيقة، مثل الإمساك بالقلم أو الأنشطة الحركية البسيطة مثل الحركة والتوازن. وقد وصف «بورتوود» (2001) الديسبراكسيا على أنها «الصعوبات الحركية التي يرجع سببها إلى المشكلات الإدراكية ولاسيما الصعوبات البصرية الحركية والصعوبات الحركية الأخرى».
إن تعريف الديسبراكسيا وفقًا لجمعية الديسبراكسيا البريطانية بإنجلترا هو «إعاقة أو عدم نضج في تنظيم الحركة يؤدي إلى مشكلات مرتبطة باللغة والإدراك والفكر» (جمعية الديسبراكسيا, 2001).
وهذه الصعوبات في معالجة المعلومات المذكورة أعلاه يبدو أنها ترتبط بالمهارات الضرورية للكثير من المهام المرتبطة بعملية التعلم، وستؤثر في التركيز والذاكرة والقراءة.
اضطرابات نقص الانتباه وفرط النشاط (ADHD):
دار كثير من الجدل حول مفهوم أعراض الخلل بالانتباه، ويمكن ملاحظة مجموعة من وجهات النظر الطبية والتربوية والاجتماعية، ولكن من الطريف أنه في دليل الاضطرابات النفسية الرابع الذي أصدرته الجمعية النفسية الأمريكية (طبعة عام 2000), تم ملاحظة أن عرض نقص الانتباه وفرط النشاط هو أكثر الصعوبات العصبية النمائية انتشارًا بين الأطفال. ويوفر ذلك الدليل بعض المعايير للتشخيص، مثل العوامل المرتبطة بدرجة التركيز وفرط النشاط والاندفاع. وهذه المعايير المشار إليها, التي تضم مظاهر مثل «دائمًا ما يعاني صعوبة في الاحتفاظ بدرجة التركيز في المهمة أو الأنشطة أو الألعاب», و«كثير الجري أو كثير التسلق بشكل فوق العادي بكثير» و«دائمًا ما يعارض أو يتدخل أثناء حديث الآخرين», ويجب أن تستمر هذه الأعراض لمدة 6 أشهر على الأقل لدرجة يصبح معها الأمر غير مطابق مع درجة ومعدل النمو الطبيعي. وعلى الرغم من أن هناك الكثير من الأدبيات الخاصة بعرض نقص الانتباه وفرط النشاط, لا يزال هناك جدل حول ما إذا كان يمثل هذا العرض حالة واحدة قائمة بذاتها بحيث يمكن معاملتها كمتلازمة واحدة.
كما أن هناك بعض الجدل أيضًا حول طبيعة المتلازمة وبصورة خاصة حول أسبابها الأساسية. وعلى سبيل المثال, يقترح «باركلي» (1997) أن هذا العرض يمثل حالة مستقلة وأن الإعاقة الأساسية ترتبط بحظر السلوك، الأمر الذي له تداعيات وتأثيرات على الوظائف المعرفية الأخرى.
إلا أن وجهة النظر هذه قد رد عليها «رتر» (1995) الذي اقترح أن صعوبة معرفية خاصة بعرض نقص الانتباه وفرط النشاط لم يتم تحديدها بعد، وحتى إذا كان معظم المصابين بها يعانون إعاقات معرفية لا يعتبر المظهر شائعًا بين جميع الأطفال المصابين بهذا العرض.
وقد يكون من المفيد هنا وضع الأعراض وصفات عرض نقص الانتباه وفرط النشاط في نوع معين من الإطار الذي قد يساعد على فهم الصفات المختلفة التي يمكن أن تساهم في حدوث عرض نقص الانتباه وفرط النشاط.
وفي واقع الأمر هناك على الأقل ثلاثة أسباب للتداخل الكبير بين صعوبات التعلم واضطراب الانتباه المصحوب بالنشاط الحركي تتمثل فيما يلي:
1- أن صعوبة التعلم قد تسبق مشكلات الانتباه، حيث قد تصدر عن التلاميذ سلوكيات تدل على قصور الانتباه بسبب ما ينتابهم من إحباط على أثر ما يتعرضون له ويخبرونه من فشل متكرر.
2- أن مشكلات الانتباه قد تسبق صعوبات التعلم، حيث قد يؤدي قصور الانتباه إلى فشل التلاميذ في التعليم الأكاديمي، مما يكون سببًا في تدني مستوى الأداء الأكاديمي للتلميذ.
3- أن مشكلات الانتباه وصعوبات التعلم قد تظهران كحالتين منفصلتين ومستقلتين عن بعضهما البعض ولكنهما تتزامنان مع بعضهما البعض.
وعلاوة على ذلك هناك خصائص أخرى شبيهة بما تم تحديدها على أنها اضطراب الانتباه المصحوب بالنشاط الحركي المفرط وهي:
1- أن العديد من هؤلاء الأطفال يعانون تلفًا بسيطًا في الدماغ.
2- أن العديد منهم ذوو مستوى ذكاء عادي.
3- أن النسبة الكبرى من الحالات تعد من البنين وليست من البنات.
4- أن هناك أساسًا وراثيًا لمثل هذه الحالات.
5- أن العديد من هؤلاء الأطفال يعانون أيضًا أعراضًا أخرى كالاكتئاب.
صعوبات الكتابة (الديسجرافيا Dysgraphia)
من المعروف أن القراءة تعتمد على معرفة الكلمات والنظام التركيبي لبناء الجمل التي يقوم القارئ بتكوينها.
ولأن هناك علاقة عضوية تفاعلية بين الكلام والقراءة والكتابة, لذا يقول العلماء إنه لا داعي للعجب إن وجدنا الطفل الذي لا يستطيع أن يعبر عن نفسه وعما يقرؤه بالكلام يعاني صعوبات في الكتابة بصورة صحيحة.
ومصطلح صعوبة الكتابة أو الديسجرافيا يشير إلى قصور في الكتابة تمامًا كما يشير مصطلح الدسلكسيا إلى قصور في القراءة. فالأفراد المصابون بصعوبة الكتابة أو اضطراب الكتابة هم أفراد غير قادرين على التعبير عن أصوات الكلمة كتابة.
وصعوبات الكتابة أو الديسجرافيا تتضمن أنواعًا متعددة يرجع بعض منها إلى صعوبة الضبط الحركي (Motor Control), وبعضها يرجع إلى صعوبات أو نواحي قصور تخص الإدراك البصري, أو التآزر البصري -الحركي, أو لأسباب أخرى متنوعة. ومنها مثلاً أن المخ يقوم بإرسال رسائل عصبية كهربية خاطئة للنظام المسؤول عن التكامل البصري - الحركي, ينتج عنه خلل لدى الطفل يعوق قدرته على نسخ أو كتابة الحروف والكلمات (الجرافيمات Graphemes).
صعوبات الحساب (الديسكولكوليا Dyscalculia)
قبل تناولنا لمفهوم صعوبات الحساب نجد أنه من اللازم الإشارة إلى مفهوم آخر يتشابه مع مفهوم صعوبات الحساب (Dyscalculia) ألا وهو مفهوم اللاحسابية أو قصور أو العجز التام أو الصعوبة التامة في الحساب Acalculia, وهو مفهوم يستخدم على منحيين, فهو إما يستخدم لوصف من لا يستطيعون إجراء أية عملية حسابية أولية, وهذا المنحى الأول في الاستخدام. أما المنحى الثاني فهو استخدام هذا المفهوم ليعبر عن الأفراد الذين يعانون صعوبة أو عجزًا شديدًا في أداء العمليات الحسابية.
ويتفق أصحاب الاتجاهين في الاستخدام على أنه في كلتا الحالتين يسـتخدم أي من هذين المفهومين لوصف أفراد يحملون الخصائص العامة لمجتمع صعوبات التعلم, كما يتفقون على أن السبب المطروح بقوة لهذه الحالة وجود تلف في خلايا المخ, ومعنى ذلك أن الفرق بين الأفراد الذين يندرجون تحت مفهوم صعوبات الحساب والأفراد الذين يندرجون تحت مفهوم اللاحسابية أو العجز الشديد في الحساب أو الصعوبة الشديدة في الحساب إنما هو فرق في الدرجة وشدة الإصابة المخية وموضعها.
وتشير التقديرات الدولية إلى أن نسبة انتشار صعوبات الحساب بين أطفال المدارس الابتدائية تحوم حول 7% تقريبًا.
كما تعد صعوبات الحساب النمائية من الصعوبات الخاصة أو النوعية في التعلم التي تؤثر في الاكتساب الطبيعي لمهارات الحساب. وتشير الأدلة المستقاة من المجال الجيني والعصبي إلى أن هذه الصعوبة شأنها شأن صعوبات التعلم الأخرى تعد نتيجة لاضطراب خاص بالمخ, ولكنها لا ترجع إلى القصور في التدريس أو الحرمان البيئي.
وتعد صعوبات الحساب أو «الديسكلكوليا» إحدى الصعوبات النوعية التي يتضمنها مفهوم صعوبات التعلم, لذا فإنه من البديهي أن تكون هذه الصعوبة النوعية والمتضمنة في تعريف الهيئة الاستشارية والوطنية (NACHC) للأطفال المعاقين التابع لمكتب التربية الأمريكي والصادر بالقانون 94-142 لسنة (1977) على المستوى الفيدرالي, وكذلك تعريف الرابطة الوطنية لصعوبات التعلم (NJCLD) الصادرة سنة (1981) فيما يخص خصائص ذوي صعوبات التعلم حاملة لخصائص الأصل, إذ الفرع تصور الأصل، على ذلك فإن الذين يعانون صعوبات في الحساب يتسمون بذكاء متوسط على الأقل، كما أنهم لا يعانون المشكلات البيئية، والاقتصادية، والاجتماعية، أو العيوب الحسية أو البدنية أو حتى لظروف الاضطرابات الانفعالية الشديدة، أو حتى لظروف التدريس أو التدخلات التعليمية التي لا تتسم بالكفاءة أو الفرع حامل خصائص الأصل.
ويتسم هؤلاء الأفراد بأنهم يعانون قصورًا في فهم مفهوم العدد والنظام العددي، وتعلم المفاهيم التجريدية كمفاهيم الزمن، والتسلسل والتعاقب الزمني، والفصل المفاهيمي بين الآن والماضي والمستقبل، كما أنهم يعانون نقص الثقة بالنفس حتى عندما يوردون إجابة صحيحة، كما يفشلون أيضًا في تطبيق القواعد والحقائق والقوانين الرياضية، فهم مثلًا قد يعرفون أن 3+5=8، ولكن قد لا يعرفون مثلاً أن 5+3=8، وقد لا يعرفون أن هاتين العمليتين هما عملية واحدة؛ أي أنهم يعانون صعوبات حتى في الاستنتاجات البسيطة، وكذلك الاتجاهات، وهي صعوبة يعانيها العديد من الأفراد، ولكن لا يعرف الكثير عن هذه الصعوبة مقارنة بما هو معروف عن صعوبات القراءة. ولا تختلف أسباب صعوبات الحساب بكل درجاتها وأنواعها الفرعية عن الأسباب العامة لصعوبات التعلم أو حتى أسباب صعوبات القراءة.
وفي نهاية هذا العرض نقدم جدولًا تركيبيًا لأهم صعوبات التعلم الأكاديمية ( جدول رقم 1).
المستوى الخاص: العسر القرائي كمفهوم مميز بخصائص ومؤشرات نوعية
في هذه الفقرة من المقال نتعرض لمفهوم العسر القرائي «الدسلكسيا» كصعوبة نوعية، ونفرق بينها وبين ما قد يظنه البعض عسرًا قرائيًا بالمفهوم الخاص ومن ذلك التأخر في القراءة أو التخلف فيها.
من خلال رصد الفروق بين فئة الأطفال ذوي الصعوبات النوعية في القراءة (الأطفال الديسلكسيين) والأطفال المتأخرين (المتخلفين في القراءة) نجد نتائج دراسة أجراها روتر ويل (& Rutter) على عينتين إحداهما تم تشخصيها على أنها تعاني صعوبات نوعية في القراءة،أما الثانية فقد تم تشخصيها على أنها تعاني تخلفًا عامًا في القراءة وقد كانت أهم هذه الفروق:
1- أن نسبة انتشار الصعوبات النوعية في القراءة بين الذكور إلى الإناث كانت 3.3 : 1 بينما كانت هذه النسبة بين الذكور والإناث في عينة المتأخرين 1 : 1 .
2- كانت نسبة شيوع الإعاقات النيرولوجية أو الخاصة بالنواحي العصبية بين المتأخرين في القراءة أكبر من نسبة شيوعها بين عينة الذين يعانون الصعوبات النوعية في القراءة وكانت هذه الإعاقات النيرولوجية تتمثل في الصرع والخَرَق وضعف الجانب الحركي.
3- كان التقدم في القراءة والتهجي أبطأ لدى عينة الأطفال الذين يعانون الصعوبات النوعية في القراءة مقارنة بالمتأخرين فيها وذلك خلال مدة المتابعة التي تراوحت بين 4 ــ 5 سنوات وإن بقيت نتائج بعض الدراسات ترفض هذه الفروق ولم تتوصل إليها.
ويذهب فيرث (Firth) 1996م إلى أن هناك رابطة سببية بين المخ والعقل والسلوك، والواجب أخذه في الاعتبار عند فهم الصعوبات النوعية في القراءة، ومن ثم فإنه يعد من المهم أن نبحث عن تفسيرات عند المستويات الثلاثة إذا أردنا فهم الصعوبات النوعية في القراءة، أولهما المستوى البيولوجي، وثانيهما المستوى المعرفي، وثالثهما المستوى السلوكي؛ وذلك إذا ما أردنا أن نفهم لماذا يبدي بعض الأفراد عجزًا غير متوقع في القدرة على أن يتعلموا القراءة، على أن يبقى من المهم الأخذ في الاعتبار العوامل البيئية وإسهامها في هذا الجانب.
وفي إطار التمييز النوعي بين ذوي الصعوبات النوعية في القراءة، والضعاف فيها أي حالات التأخر أو التخلف القرائي، فقد أشارت الدراسات إلى أن هناك فرقًا في موضع الإصابة، فيمكن أن يفرق بين الفئتين من ناحية السبب، حيث أظهرت نتائج البحوث أن الفئة الأولى تعاني وجود خلل وظيفي عصبي في دوائر القراءة بالنصف الأيسر الخلفي من المخ، بينما يندر وجودها لدى الأطفال الذين يعانون ضعفًا في القراءة. وأن هذا الخلل بالتحديد يخص النظم والأنساق الأمامية من المخ (anterior systems)، وبخاصة تلك التي في المناطق المحيطة حول التلافيف الجبهية السفلى (inferior frontal gyrus) وهي مناطق تعد متضمنة في عملية القراءة، وذلك كما هو مستنتج من التقارير الخاصة بالأفراد الذين يعانون عطبًا في المخ، وكذلك من واقع الدراسات التي قامت على تصوير وظائف المخ.
ومن هنا فإنه يجدر بنا التأكيد على العديد من النقاط ذات الأهمية التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار، وأن هناك العديد من الفروق بين حالات الدسلكسيا وحالات التأخر أو التخلف في القراءة رغم توحد الأفراد الديسلكسيين والأفراد المتأخرين أو المتخلفين في القراءة في انخفاض الأداء الوظيفي في القراءة، أو بلغة أخرى رغم أنهم يتفقون في انخفاض القدرة لديهم جميعًا على التحصيل الدراسي أو التحصيل في القراءة ومن هذه الفروق:
أ- أن الأفراد الديسلكسيين ينطبق عليهم محك التباعد بين التحصيل المتوقع والتحصيل الفعلي في القراءة، أو أي من مهاراتها الفرعية، بينما ليس بالضرورة أن ينطبق هذا المحك على فئة المتأخرين أو المتخلفين في القراءة، وأن عدم الأخذ في الاعتبار لهذا المحك عند الانتقاء والفرز سوف يجعل الأطفال الديسلكسيين من فئة المتأخرين أو المتخلفين أو الضعاف في القراءة.
ب- أن نسبة انتشار الدسلكسيا بين الذكور أكبر من نسبة انتشارها لدى الإناث من نفس العمر الزمني والذكاء والصف الدراسي، بينما مثل هذا الأمر لا يتحقق في حالات التأخر أو التخلف في القراءة.
ج- أن حالات الدسلكسيا ينطبق عليها محك التباعد الداخلي في رأي العديد من المهتمين بالمجال، بينما في حالات التأخر أو التخلف الدراسي لا ينطبق عليها محك التباعد الداخلي، ولا يعتبر هذا المحك من إجراءات وفنيات التعرف عليها.
د- أن أسباب الدسلكسيا داخلية جملة وتفصيلًا، ولا يعتد بأي سبب خارجي يقع خارج الطفل، إنما تعد الأسباب التي تقع خارج الطفل أسبابًا مساهمة وعوامل مساعدة في ترسيخ الدسلكسيا أو زيادة حدتها حالما يتم تجاهل علاجها، ولكنها لا تعد من أسباب الدسلكسيا على أي نحو من الأنحاء، وحالما يعتد بالأسباب الخارجية كأسباب الدسلكسيا فإن الأمر يستدعي إلغاء مجال صعوبات التعلم بعامة، والصعوبات النوعية التي يتضمنها هذا المفهوم بخاصة، كما أن اعتبار الدسلكسيا ترجع لأسباب خارجية يجعل منها مجالًا لا يختلف عن التأخر أو التخلف في القراءة بخاصة أو التأخر أو التخلف الدراسي بعامة.
وختامًا نخلص إلى أن القراءة التحليلية التي قمنا بها للمفهوم المركزي في الموضوع، ونعني به العسر القرائي، جعلنا نستخلص أن التدرج من الإطار العام إلى الإطار الخاص يعكس وجود التباس كبير تحيط بهذه الإشكاليات المفاهيمية، ومرد ذلك هو الترابط والتداخل الموجود بين ثلاثة مستويات الأول يتعلق بصعوبة التعلم عامة، والثاني بصعوبات التعلم النوعية والثالث بالعسر القرائي بأعراضه ومظاهره ومؤشراته وأسبابه التي تجعل منه مفهومًا قائمًا بذاته يتطلب مبادئ وأدوات خاصة للتشخيص والتتبع والتقويم والتدخل العلاجي.

المراجع:
-جاد البحيري. جافين ريد. الدسلكسيا: دليل المدرس وولي الأمر. دار العلم للنشر والتوزيع. 2006م .
-السيد عبدالحميد السيد. في صعوبات التعلم النوعية، الدسلكسيا رؤية نفس/عصبية. دار الفكر العربي. الطبعة الأولى. 2006م.
- دانيل هلالاهان وآخرون. صعوبات التعلم: مفهومها - طبيعتها - التعلم العلاجي. ترجمة عادل عبدالله محمد. دار الفكر. الطبعة الأولى. 2007م.
- السيد عبدالحميد السيد. صعوبات التعلم النمائية. عالم الكتب. الطبعة الأولى. 2008م.
- فتحي مصطفى الزيات. صعوبات التعلم الأسس النظرية والتشخيصية والعلاجية. سلسلة علم النفس المعرفي العدد 4. الطبعة الأولى. 1998م.
- عمر محمد الخطاب. مقاييس في صعوبات التعلم. مكتبة المجتمع العربي. الطبعة الأولى. 2006م.
- كيرك وكالفانت. صعوبات التعلم الأكاديمية والنمائية. ترجمة: زيدان السرطاوي وعبدالعزيز السرطاوي. مكتبة الصفحات الذهبية. 1984م.
- مريم سليم. علم النفس التربوي. دار النهضة العربية. الطبعة الأولى. 2004م.
-أسامة محمد البطاينة وآخرون. علم نفس الطفل غير العادي. دار المسيرة،الطبعة الأولى. 2007م.