المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نسبية آينشتاين ... جمالٌ لا ينتهي - حازم محمود فرج


Eng.Jordan
11-03-2012, 11:25 AM
http://www.albahethon.com/photo//15/18-4ff94fe4ad0a7.jpg

إن يكن الجمال في عين الناظر، فليس عجباً إذن أن يتواثب العلماء لمعانقة نظرية النسبية العامة.
لطالما كانت نظرية النسبية ذلك الكائن الغريب في ميادين العلوم. في السياق العام للأمور، تتغير الأفكار العلمية بنحو بطيء. تبدأ المعلومات التي تتحدى النظرة القديمة بالتراكم تدريجياً، ثم يجري نقاشها والاختلاف والقلق منها وبشأنها، إلى أن يضطر العلماء أخيراً، وهم يصرخون ويشجبون، إلى القبول بأسلوب آخر جديد لرؤية العالم. لكن الأمر كان مختلفاً مع نظرية النسبية. كان هناك موظف شاب يعمل كاتباً في مكتب سويسري لبراءات الاختراع، اسمه آلبرت آينشتاين، قد نشر بحثاً علمياً كان في أساسه عن الفلسفة. عندما نشر البحث، تخلى العلماء عن حججهم المعتادة بشأن أطروحاته، وأخذوا بالأفكار الجديدة كليةً.ً
يأتي سبب كبير لذلك التفاعل من حقيقة أن النسبية نظرية جميلة: أعلم أن هذا الوصف سيبدو كعبارة غريبة تطلق على ما هو في نهاية الأمر مجموعة من المعادلات. لكنها الصورة التي يراها فيها علماء الفيزياء. يصدر الجمال من مبدأ محوري في عمل آينشتاين، أطلقت عليه تسمية مبدأ النسبية: إنه يذكر أن أي راصدين اثنين، بغض النظر عن مكانهما وكيفية حركتهما، سيريان قوانين الطبيعة تعمل بنفس الطريقة. بكلمات أخرى، إن الكون لا يعبأ بالكيفية التي يُرصد بها ـــ فهو ذاته بالنسبة للجميع.
وهاكم مثالاً ليساعدنا في التفكير بذلك: يركب أحد الأصدقاء سيارة منطلقة، وعندما يعبرك، يرمي بكرة عالياً في الهواء. بالنسبة لصديقك، تتحرك الكرة على نحو عمودي أعلى وأسفلاً. بالنسبة إليك، تتحرك الكرة وفق قوس لأن السيارة تتحرك بينما تنزلق الكرة عبر الهواء. إن الأوصاف التي تقدمها أنت وصديقك مختلفة ــ فكل وصف هو نسبي بحسب موضع الراصد. ومن جهة أخرى، إذا وصفتما كلاكما قوانين الطبيعة التي جعلت الكرة تفعل ما فعلت من وجهة نظركما، فكلاكما سيقدم الإجابة ذاتها، فتشيران إلى أمور مثل قانون الجاذبية العام لنيوتن. إن وصف الحوادث هو أمر نسبي بالنسبة للراصد ــ لكن قوانين الطبيعة ليست كذلك. (بالمناسبة، إن آينشتاين لم يحب إطلاقاً اسم نظرية النسبية كتسمية من عنده. فلقد أراد أن يدعوها بنظرية اللامتغيرات، أو الثوابت).
لقد أخرج آينشتاين نتائج هذه الفكرة البسيطة في ورقتين. في العام 1905، نشر نتائج الحالة التي يتحرك فيها راصدون بسرعات ثابتة (لكن مختلفة). دعيت هذه بالنسبية الخاصة. إن معظم الحوادث الغريبة المرتبطة بالنسبية ــ الساعات المتحركة التي تبطء سرعتها، والأجسام المتحركة التي تصبح أكبر كتلة، وما إلى ذلك ـــ تأتي من هذا العمل. ومن وجهة نظر رياضياتية، فإن هذا موضوع بسيط نسبياً ـــ ذلك النوع من العلوم الذي يدرس غالباً لطالب شاب يتخصص بالفيزياء.
فكرة التسارع
إن تعميم هذه الفكرة على جميع الراصدين، حتى من هم في حالة تسارع، قد اتضح لأن يكون افتراضاً أصعب رياضياً بكثير. إن حقيقة تطلب الأمر من آينشتاين ـــ الذي هو ربما أعظم فيزيائي رياضي عرفه العالم ـــ حتى العام 1916 ليبسط الأشياء ويعلن هذا الجزء من النظرية يجب أن يخبرك بكل ما تريد معرفته. إن نتيجة هذا العمل الذي يدعى بالنسبية العامة، يظل أفضل نظرية لدينا عن قوة التثاقل (الجاذبية) gravitation اليوم.
وإذاً كيف أمكن لقوة الثقالة أن تدخل إليها؟ يمكن لأي شخص أن يختبر الإجابة عندما يلحظ شعوره بازدياد ثقله لحظياً مع بدء المصعد حركته صعوداً أو بارتداده خلفاً في مقعده مع بدء الطائرة تحليقها. لقد أدرك آينشتاين أن شخصاً ما يقف على ميزان في مصعد ينطلق صعوداً سيرى وزنه يزداد، كما لو أن الكوكب الذي يقف عليه قد أصبح فجأة أكبر كتلة. بالنسبة لآينشتاين، كان هذا يعني له أن الشخص على سطح الأرض يشعر بذات القوة التي يشعر بها شخص في سفينة فضائية تتسارع بسرعة كافية لتعطي تأثيراً معادلاً. وكما هو الأمر في النسبية الخاصة، فإن كلا الشخصين سيريان القوانين الطبيعية ذاتها وهي تعمل، فيما عدا هذه المرة، التي تظهر فيها الثقالة وكأنها مجرد أثر آخر لاختيارنا لجملة المقارنة. إن هذه الصلة بين جمل المقارنة (مثل المصعد المتسارع صعوداً) والكتلة (التي تولد الثقالة) هي النقطة الأساس في النسبية العامة. في لغة آينشتاين، تصبح الثقالة مجرد تأثير لهندسة المكان.
إن تقديم نظرية كهذه، مهما كان جمالها، هو شيء؛ وإن إظهار توافق تنبؤاتها مع النتائج التجريبية هو شيء آخر. وهنا يأتي الاختلاف الذي تحدثت عنه مسبقاً. إن الصورة النيوتونية للكون تعمل على نحو رائع بالنسبة لمعظم الحوادث التي نراها. وقد كانت هي كل ما احتاجه العلماء، على سبيل المثال، لتوجيه مركبة كاسيني نحو كوكب زحل. والسبب: هو إنه في ظل معظم الظروف، فإن تنبؤات ثقالة نيوتن ونظرية آينشتاين مختلفتان بقدر ضئيل جداً لدرجة لا تستطيع معها التجارب العلمية التمييز بينهما. وفقط في الحالات البالغة الاختلاف ــ جوار ثقب أسود مثلاً، أو المراحل الأولى من الانفجار العظيم ــ يمكن للنظريتين أن تعطيا نتائج مختلفة فعلاً.
وعندما ينشد الفيزيائيون وسائل تصادق على أفكار آينشتاين ــ وهو أمر يجب فعله بغض النظر عن مسألة جمال النظرية ــ فإننا نجد نقصاً مفاجئاً من الاختبارات الممكنة. وفي الحقيقة، وإلى وقت قريب، لم يكن هناك غير ثلاثة منها فقط. ومع أن النسبية اجتازت هذه الاختبارات بنجاح بالغ، إلا أن ثلاثة اختبارات ليست أساساً كبيراً لتقف عليه نظرية تعتبر واحدة من أكثر الأفكار ثورية في العلم الحديث. دعونا نستعيد معاً هذه الاختبارات الكلاسيكية.
كوكب عطارد غير منضبط
لم يكن أول إثبات للنسبية العامة اختباراً جديداً تماماً مثلما كان كتفسير للغز قديم. فطوال قرون، عرف الفلكيون أن كل كوكب يدور حول الشمس في مسار بيضوي. وهناك نقطة معينة من مدار كل كوكب، تدعى نقطة الحضيض الشمسي perihelion تحدد أقرب مسافة للكوكب من الشمس. ولو كان لدينا كوكب وحيد يدور حول الشمس، فستكون تلك النقطة هي ذاتها في كل مرة يدور فيها الكوكب في مداره. لكن شد قوى ثقالة الكواكب الأخرى تؤدي بهذه النقطة لأن تتحرك قدماً في كل مرة يدور فيها الكوكب حول الشمس. يدعو الفلكيون هذا التأثير بـ التقدم الحضيضي (أو المبادرة). وهي أسهل ما تبدو في حركة كوكب عطارد الذي تتقدم نقطة حضيضه أقل بقليل من 600" ثانية قوسية (أي تقريباً سدس الدرجة) في كل دورة ــ وهو رقم صغير بالنسبة لأية عملية قياس. ولكنك عندما تفسر كل شيء يمكن أن يؤثر على مدار عطارد بحسب الصورة النيوتونية، فستصل إلى قدر يقل عن الانزياح المرصود لحضيض الكوكب بقدر 43" ثانية قوسية في القرن. لقد أشار آينشتاين إلى أن النسبية العامة، التي تعدل قوة الثقالة على نحو يقل دوماً بقدر بسيط جداً عن شكلها النيوتوني، يمكنها أن تفسر هذا الفارق الضئيل. كان هذا نصراً للنظرية الجديدة. ومنذ ذلك الحين، استخدم الفلكيون تقانات رادارية متقدمة لقياس الانزياح الدقيق لنقطة الحضيض الشمسي للكواكب الداخلية (بما فيها الأرض)، وكانت النظرية تحقق المأمول منها في كل مرة. وهذه نقطة تحسب لآينشتاين.
وجاء أكثر الإثباتات تأثيراً لنظرية النسبية العامة أثناء الكسوف الشمسي الكلي بتاريخ 29 أيار/مايو من عام 1919 (وهذا هو ثاني الاختبارات الثلاثة). تتنبأ نظرية آينشتاين أنه عندما يعبر شعاع ضوء قرب جسم جسيم كالشمس، فإن مساره ينحني. وبالنسبة لراصد على الطرف الآخر من الشمس، فسيبدو الأمر كما لو أن شعاع الضوء يأتي من اتجاه مختلف قليلأً، وأن مكان الجسم، بذلك، قد تغير.
في معظم المرات التي يمر فيها ضوء نجم قرب الشمس، فإن وهج ضوء الشمس يطغى عليه. وأثناء كسوف شمسي كلي، فإن القمر يحجب الجزء الأكثر سطوعاً من الشمس عن الرؤية، ولذلك يمكن التقاط الضوء القادم من النجوم البعيدة والعابر قرب سطح الشمس. ومن أجل قياس واختبار درجة تنبؤ النسبية العامة، قام علماء الفلك بتصوير حقل النجوم الذي سيقع على حافة الشمس المكسوفة، وذلك قبل حدوث كسوف عام 1919 بستة أشهر. كانت النجوم مرتفعة في سماء الليل وسهلة الرؤية. وأثناء الكسوف، قام الفلكيون بتصوير الحقل النجمي ذاته وتأكدوا من المواقع الظاهرية للنجوم.
قاد الفلكي البريطاني آرثر إدينغتون إحدى بعثات مشاهدة الكسوف إلى جزيرة برينسيبي Príncipe المقابلة لساحل إفريقية. وعندما أعلن أن مواقع النجوم قد طابقت تنبؤات آينشتاين، انحاز المجتمع العلمي، الذي رغب بتصديق النظرية على أي حال، إلى جانب نظرية النسبية العامة في التو. واليوم، يسجل علماء الفلك الراديوي، وبشكل روتيني، الأمواج الراديوية القادمة من الكوازارات البعيدة عندما تمس الموجات سطح الشمس، ويظهر التغير المكاني المقاس توافقاً دائماً مع تنبؤات النظرية. وهذه نقطة ثانية لآينشتاين.
وهناك ظاهرة أخرى ترتبط بقياسات إدينغتون قد أربكتني بنحو مماثل (وأيضاً العديد من العلماء الآخرين)، وهي الصعود شبه الفوري لشخصية آينشتاين ليصبح شخصية رئيسة في الثقافة الشعبية. في الأفلام السينمائية للحقبة بين 1920 و 1950 نرى شخصيات الفيلم التي تقوم بدور علمي ما تقلد آينشتاين في سلوكه وصورته ـــ علماء محترمون، يدخنون البايب، وشعرهم أبيض ــ وقد ظهروا دورياً فيها. وحتى في يومنا هذا، بعد وفاة آينشتاين بنصف قرن، يمكنك أن تدخل إلى مكتبة كلية في جامعة ما وترى صوره الكبيرة بجانب الأيقونات الأخرى لحقبة منتصف القرن العشرين، مثل مارلين مونرو وجيمس دين. إن فهم سبب هذه الظاهرة يشكل، في رأيي على الأقل، سؤالاً راسخاً في العلوم الاجتماعية، تماماً مثل الأسئلة التي يسألها الفيزيائيون عن طبيعة الجاذبية.
الخروج من بئر الجاذبية
وجاء الاختبار الكلاسيكي الثالث للنسبية من تنبؤ النظرية بأن الضوء الذي يتحرك صعوداً للأعلى في حقل ثقالي ما (تأمل مثال شعاع ضوء فلاش موجه عالياً في سماء الليل) سيكون له طول موجة ينزاح قليلاً نحو اللون الأحمر. عندما يتسلق، أو يصعد، شعاع الضوء في حقل ثقالي فإنه، وبشكل طبيعي وأساسي، يخسر طاقة. وكانت إحدى التطبيقات المبكرة في حقل تقانة الليزر هي التحقق من هذا التنبؤ في العام 1959.
كما ساعد الفلكيون أيضاً في التأكد من الانزياح الأحمر التثاقلي، ولو بدرجة تقل دقة عن التجارب المخبرية. فالضوء الصاعد من حقل ثقالة نجم يجب أن ينزاح طول موجته نحو اللون الأحمر بقدر أكبر مما يحصل في المختبر. بالنسبة للشمس، يصل التأثير إلى زيادة في طول الموجة هي أقل من جزأين في المليون. ولكن مع حالة ثقالة أقوى، كما هو الأمر على سطح قزم أبيض، فإن التأثير يكون أكبر بنحو 50 مرة تقريباً. تظهر أرصاد الأقزام البيضاء أن الانزياح الأحمر يوافق تنبؤات آينشتاين إلى هامش يقرب من 20 بالمئة.
هكذا تكون قد عرفت الاختبارات الثلاثة. وكان هذا هو كل رصيد النسبية العامة من الاختبارات حتى حلول عقد الثمانينيات من القرن الماضي. ومن المدهش أنها قائمة متواضعة من التجارب بالنسبة لفكرة جديدة وقوية كهذه.
لكن العقدين الأخيرين من القرن العشرين شهدا فيضاً من الاختبارات الجديدة: بعضها اكتمل، وبعضها قدم كافتراضات، وبعضها جار. ليس الأمر في أن العلماء المعاصرين قد طوروا النظرية أو أنجزوا حسابات جديدة. بل إنه فقط، وكما يحدث كثيراً في تاريخ العلم، أن الكثير من العمل المخبري العادي قد طور تدريجياً قدرتنا على قياس الأشياء. هكذا يمكننا الآن القيام بالاختبارات التي لم تكن في متناولنا قبل عقود قليلة، أو على الأقل نستطيعها تأملياً. انظر إليها بهذه الطريقة: إذا كانت تنبؤات كل من نيوتن وآينشتاين عن حادثة أو رقم معين متطابقة لسبعة أرقام عشرية بعد الفاصلة، وأمكنك أن تقيس الكمية أو الحادثة إلى درجة ثمانية أرقام عشرية بعد الفاصلة، فيمكنك معرفة أي النظريتين هي الصحيحة. بشكل رئيس، كانت هذه هي الطريقة التي جربها العلماء للتأكد من النسبية العامة طوال العقدين السابقين.
يميز العلماء ثلاثة أصناف عامة من اختبارات النسبية العامة. بعضها محاولات مباشرة في الصميم لإثبات تنبؤات النظرية، من قبيل: "تقول النسبية أن الحادث X سوف يحصل، دعونا إذن نحسب X". ويبدأ صنف آخر بتنبؤ ذي أثر ما، لكن دافعه الأكبر هو الرغبة في اكتشاف أشياء جديدة عن الكون. في هذه الحالة، تكون النسبية مجرد موضوع جانبي. وأخيراً، يأتي صنف التجارب، وهو الأكثر إثارة لي، التي تكون فيها اختبارات النسبية العامة غير دقيقة. ويتم اختبار النظرية، ولكن فقط في إطار محاولة مشروع هندسي ما أكبر.
سبر قوة الثقالة
في شهر نيسان من عام 2004، حصل حادث استثنائي في تاريخ دراسة النسبية العامة. فقد أطلقت في الفضاء بعثة عرفت باسم تجربة مسبار الجاذبية ــ ب (Gravity Probe -B) من قاعدة فاندنبرغ الجوية العسكرية بولاية كاليفورنيا. وأنا أصف هذه التجربة بأنها استثنائية لعدة أسباب ليس أقلها أن ما بذله وأعده العلماء من جهد و وقت لأجلها كان أكبر وأطول من أي تجربة علمية أخرى أعرفها.
عندما كنت طالب تخرج في جامعة ستانفورد في عقد الستينيات، تعرفت إلى زميل إنكليزي شاب يعمل في أبحاث ما بعد الدكتوراة اسمه فرانسيس إفريت. كان إفريت يتباهى بموضة شعره التي شاعت في تلك الأيام؛ وحينها أيضاً كان يخطط لإجراء اختبار كبير للنسبية العامة. أما اليوم، فأرى شعره وقد غدا رمادياً، والباحث السابق صار أستاذاً رئيساً، وأخيراً فتجربته جارية الآن.
إن أسهل وسيلة للتفكير بتجربة مسبار الجاذبية GP-B هي تصور لعبة بلبل عادية. يدور (أو يدوّم) البلبل حول محوره، لكن المحور ينفذ بدوره أيضاً دورة بطيئة. تؤدي القوى المطبقة على نقطة قاعدة البلبل من قبل الأرضية مضافاً إليها الجاذبية إلى إحداث التأثير الأخير، الذي يعرف بالتقدم precession. تظهر معظم الأجسام الدوارة تقدماً حركياً. وعلى سبيل المثال، يخضع محور الأرض لحركة تقدم (تعرف أيضاً باسم المبادرة) بمعدل دورة كل 26000 سنة، تحدثها قوى الشد الثقالي للأجسام الأخرى في النظام الشمسي التي تطبقها على النتوء (الانتفاخ) الاستوائي لكوكب الأرض.
توظف تجربة مسبار الجاذبية GP-B أجهزة الجايروسكوبات الأربعة الأكثر دقة في العالم (يمكنك اعتبارها أكثر التقانات تقدماً) على تابع صنعي، بهدف قياس حركة تقدمها الخاصة (حركة المبادرة). تتنبأ النسبية العامة بتقدم صغير بسبب التأثيرات التي تحدثها ثقالة الأرض والحركة المدارية للمسبار. تطلب إطلاق مسبار الجاذبية GP-B وقتاً طويلاً وذلك لأنه كان على العلماء التغلب على عدد من المشكلات التقانية كي تتمكن تجربة كهذه لدراسة حركة التقدم من العمل، فضلاً عن وضعها في رأس الصاروخ وإطلاقها إلى الفضاء.
إن الجايروسكوبات التي تدوّم الآن على ارتفاع 400 ميل (640 كم) فوق الأرض بينما تقرأً أنت هذه السطور ــ هي كرات صنعت بدقة فائقة لدرجة وصفها بأنها أكثر الأجسام استدارة في العالم. انفخ كرات الكوارتز هذه التي هي بحجم كرة بينغ بونغ إلى حجم كوكب الأرض وسيبدو أعلى جبل عليها بارتفاع يقل عن 3 أقدام. يقدر العلماء أنه في غضون عام، سنعرف إن كانت النسبية العامة ستجتاز هذا الاختبار أم لا.
تتنبأ النسبية أيضاً أنه عندما يتحرك جسم ضخم، فإنه يخلق موجات في المكان، مثلما تحدث يدك أمواجاً عندما تحركها عبر الماء. إن هذه الموجات، التي تدعى بالموجات الثقالية، هي موجات ضعيفة، لكن النسبية العامة تقول إنها يجب أن تكون موجودة. وبمثل ما تؤدي حركة الموجات بقطعة فلين على الماء أن تتحرك أعلى وأسفل، فإن موجات الثقالة تمد وتشوه الأجسام الكبيرة. وعلى سبيل المثال، عندما تضرب موجة ثقالة كرة سلة، فهي ستمطها باتجاهين جانبيين. دعها تعود بسرعة إلى وضعها السابق، ثم اضغطها بحيث تمدها باتجاه الأعلى والأسفل، قبل أن تدعها تعود إلى وضعها الأصلي. إن هذا التمدد هو قدر ضئيل جداً. وكمثال على قدر الضآلة هذا: إن موجة ثقالية تطبق قوتها على سيارتك، مثلاً، ستشوهها بقدر قطر نواة ذرة مفردة واحدة فقط. وعبثاً حاول العلماء كثيراً وطويلاً أن يلتقطوا هذه الموجات باستخدام معدات متزايدة التطور.

الركوب على موجة
لننظر الآن إلى ليغو: مرصد الموجة الثقالية التداخلي الليزري (LIGO). يستخدم هذا المشروع العملاق معدات في موقعين منفصلين، أحدهما في ولاية لويزيانا، والآخر في ولاية واشنطن، وذلك في محاولة لالتقاط موجات الثقالة. انتهى بناء LIGO عام 1999، وبدأ التشغيل الأولي عام 2001. والآن، يقترب المرصد من الوصول إلى درجة حساسيته التصميمية.
يوجد في قلب كل من المنشأتين أنبوب مفرغ له شكل حرف L. يبلغ طول كل واحد من طرفي هذا الأنبوب 2.5 ميل (4 كم). وعند نهاية كل ذراع منهما توجد كتلة اختبار مجهزة بمرايا حرة الحركة تستجيب لعبور موجات ثقالية. انظر إليهما على أنهما قطعتان على سطح "كرة سلة" قطرها 2.5 ميل. ترصد إشعاعات الليزر العابرة للأنبوب الفراغي بدقة موضع الكتلتين اللتين سوف تتحركان بدرجة تقل كثيراً عن قطر ذرة مفردة عندما تعبرها موجة الثقالة. إن العمل على منشأتين سيمنح فرصة للتأكد من صحة الرصد وذلك باجتناب حركات اضطراب موضعية ــ زلازل ميكروية، أو اهتزازات مفاجئة أخرى على سبيل المثال، أو تذبذبات في إشعاعات الليزر نفسها ــ يمكن اعتقادها خطأًً أنها موجات ثقالية.
ومع أن LIGO قد بني لاكتشاف الأمواج الثقالية التي تنبأت بها النسبية العامة، إلا أن الهدف الحقيقي منه هو فتح نافذة جديدة على الكون. إذا استطاع LIGO أن يلتقط أمواجاً ثقالية تختلف عما تتنبأ به النسبية العامة، فسيظل مع ذلك يشكل نجاحاً. وهو سيأتي لنا بمعلومات جديدة عن الكون، تماماً كما فعل أول منظار راديوي في عقد الثلاثينيات.
أما إذا زرت أي مخزن لمعدات إلكترونية، فسيمكنك شراء جهازك الخاص لاختبار النسبية العامة. إن منظومة تحديد المواقع العالمية (GPS) تقدم مثالاً لما يمكنني أن أدعوه اختباراً مبسطاً للنظرية. إن مجموعة الأجزاء العاملة الرئيسة في المنظومة هي 24 ساتلاً، يحوي كل منها ساعة ذرية بالغة الدقة، تدور على ارتفاع 14,500 ميل (23,300 كم) فوق الأرض. وبقياس الوقت الذي تستغرقه الإشارات للانتقال من عدة سواتل إلى موقعك، يستطيع جهاز استقبال GPS أن يحسب موقعك بدقة.
وللنسبية نصيب في هذه التقانة في موضعين اثنين: فحيث أن السواتل تتحرك بسرعة في مداراتها، فإن ساعاتها الذرية تبطئ. وهذا أثر محض من نظرية النسبية الخاصة. بالإضافة إلى ذلك، ولأن السواتل تدور بعيداً جداً عن الأرض، فهي توجد في حقل ثقالي يختلف عن حقل السطح. في هذه الحالة، تتنبأ النسبية العامة أن الساعات يجب أن تسرع بسبب ضعف قوة الثقالة في مداراتها.
إن هذه الحقائق تبدو معقدة بسبب حقيقة كون هذه السواتل تتحرك باقتراب وابتعاد عن الأرض في حركتها المدارية حولها. يجب على المنظومة أن تصحح جميع هذه التأثيرات لإعطاء قراءة دقيقة للموقع.
لقد قيل لي عندما بنيت أول مجموعة من السواتل في منظومة GPS أن المهندسين أبدوا قدراً كبيراً من عدم الثقة بالتأثيرات غير المألوفة للنسبية. وقد وضعوا مفتاحاً، أو آلية، تسمح لهم بإلغاء التعديلات النسبوية إذا اضطروا لذلك. ومما هو غني عن القول أن أحداً لم يستعمل تلك الآلية أو المفتاح مطلقاًُ.
تبلغ دقة الساعات الذرية المستخدمة في سواتل GPS درجة 13 رقماً عشرياً بعد الفاصلة، ونحن بحاجة إلى كل واحد من هذه الأرقام العشرية لجعل المنظومة تعمل. ولو تم تجاهل تأثيرات النسبية، فسيكون هناك تزايد للخطأ يصل إلى قدر 7 أميال (11 كم) في اليوم لموضع كل ساتل في المنظومة. إن هذا يعني أنه في كل مرة تقوم فيها بتشغيل جهاز استقبال GPS الخاص بك فإنك تقوم بإنجاز اختبارك الخاص للنظرية، سواء قصدت ذلك أم لا.
العودة إلى المستقبل
وحتى إذا وافقت النسبية العامة كافة الاختبارات الحالية ــ كما يتوقع هذا معظم الفيزيائيين ــ فلن تكون هذه نهاية القصة. فنحن نعرف أن النظرية يجب أن تخفق عند نقطة ما، فقط لأنها ــ بشكلها الحالي ــ لا تأخذ تأثيرات ميكانيك الكم في الحسبان (تصف نظرية ميكانيك الكم الكون عند مستوياته البالغة الصغر ــ وهي النظرية التي يفهم وفقها الفيزيائيون سلوك الذرات).
ثمة أمور أخرى يمكن أن تخفق فيها النسبية العامة، ويفكر العلماء الآن في اختبار الكثير منها. إحدى هذه الوسائل المثيرة التي يمكن أن تترنح فيها النسبية ستكون هي خرقاً لتناظر رئيس في صميم النظرية. إن النسبية تتنبأ، على سبيل المثال، أن جعل ساعة تتحرك بحركة مدارية في الفضاء لن يؤدي إلى تغير معدل تكاتها. وإذا كان هذا خاطئاً، فيجب تغيير مفهومي المكان والزمان اللذين يدخلان في بنية النظرية. إن هذا هو ما يحدث تماماً في بعض النظريات التي تحاول دمج ميكانيك الكم مع النسبية العامة.
يمكن اختبار ما إذا كانت الساعات تسرع أو تبطئ فعلاً بهذه الطريقة أم لا عن طريق مراقبة ساعتين متجاورتين بينما تغير حركة دوران الأرض موضعيهما بالنسبة لبعضهما. لقد أظهرت تجارب نفذت مسبقاً في مركز هارفارد سميثسونيان لفيزياء الفلك أنه، بالنسبة لبعض الساعات، يمكن الوثوق بالنسبية إلى قدر 31 رقماً بعد الفاصلة العشرية. ومع ذلك، فإن العلماء يخططون الآن لإجراء تجارب على متن المحطة الفضائية الدولية لمقارنة المعدل الذي تتك فيه ساعات مختلفة. وفيما تدور المحطة على مدارها حول الأرض، وتدور حول محورها، فإن المواقع النسبية للساعات سوف تتغير بسرعة. إذا خرقت النسبية، فيجب بأن نرى الساعات تختلف في تزامنها مع بعضها.
هكذا نرى أين تقف النسبية وهي تبدأ قرنها الثاني. وبفضل براعة التجارب الحديثة، فالنسبية العامة لم تعد تتربع في ملكوتها الفريد بصفة النظرية الرئيسة الوحيدة الأقل اختباراً في العلم. ومن الآن فصاعداً، ستخضع النظرية لمجموعة من التجارب القاسية المتشككة. وهذا هو الأمر المناسب بالطبع، لأن هذا هو ما كان قدر كل نظرية علمية أخرى ـــ سواء أبدعها آينشتاين أم غيره.
بـقـلــم: جيمس تريفيل*.
ترجمة: حازم محمود فرج
عن مجلة Astronomy

*المؤلف:

*جيمس تريفيل James Trefil: أستاذ الفيزياء في جامعة جورج مايسون في فيرفاكس، بولاية فيرجينينا. من كتبه:
الطبيعة البشرية: خطة لإدارة الكوكب ــ بالناس ..وللناس.



المصدر : العدد 61 تموز 2012