المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ولادة المجرات وأشكالها - موسى ديب الخوري


Eng.Jordan
11-03-2012, 11:37 AM
http://www.albahethon.com/photo//7/7-4e3cf950c4668.jpg

يطرح العلماء حالياً نظريات جديدة حول تشكل المجرات ترجع إلى لاتجانسات بدئية في الكثافة الكونية أدت لاحقاً إلى ولادة البنى الكونية الكبرى. فما هي أسس هذه الأبحاث الجديدة؟
إن تشكل البنى الكونية الكبرى هو أحد المسائل الرئيسة في علم الكونيات الحديث. والفكرة الأساسية في النظرية الجديدة هي أن تخلخلات بسيطة بدئية في الكثافة وسعتها الجاذبية أدت في النهاية إلى تشكل المجرات والحشود المجرية والنجمية والفراغات الكونية الكبرى إلخ. وثمة تقديرات بسيطة تبين ضرورة وجود مثل هذه التخلخلات البدئية من رتبة 10-5 إلى 10-4 من أجل تفسير تشكل البنى من خلال هذه اللا استقرارية الجاذبية. وقد اختفت هذه التخلخلات البدئية من على خلفية المشهد الكوني، لكن القمر الصناعي غوبي أعطى إثباتاً مدهشاً لوجودها ولهذه الفكرة الجديدة.
هناك تفسيران أساسيان مختلفان مطروحان حالياً لتفسير أصل هذه التخلخلات البدئية. الأول هو سيناريو التوسع الكوني، ووفقه ظهرت فجأة توسعات كمومية بدئية ثم تجمدت على شكل تخلخلات لكثافة الطاقة. والتفسير المحتمل الآخر هو التشوهات التبولوجية. والتشوهات التبولوجية هي عبارة عن لاتجانسات في كثافة الطاقة تتشكل عند انتقالات المرحلة. وانتقال المرحلة أو الانتقال الطوري هو تغير مفاجئ لعدة خصائص فيزيائية لمنظومة ما عند حصول تغير مستمر في الحرارة. ومثال ذلك جليد الماء في درجة الحرارة صفر مئوية أو تبخر الماء في درجة الحرارة 100 مئوية. والتشوهات التبولوجية معروفة جيداً في فيزياء الجسم الصلب. ولكن ثمة فارق جوهري بين التشوهات التبولوجية في فيزياء الجسم الصلب وفي الكوزمولوجيا. ويتمثل هذا الفارق في درجة الحرارة التي يتم فيها الانتقال الطوري. ففي فيزياء الجسم الصلب تكون درجات الحرارة النموذجية بضعة آلاف درجة كالفن في حدها الأقصى، الأمر الذي يعني طاقات تقع بين 10-4 إلى 0,1 إلكترون فولت. أما في الكوزمولوجيا، فإن حساباً بسيطاً يبيّن أن طاقة التشوهات يجب أن توافق درجة حرارة تصل إلى 1016 جيغا إلكترون فولط. إنها القيمة الضرورية لكي يستطيع الحقل الثقالي الذي تسببه التشوهات التبولوجية هو أصل التخلخلات التي لاحظها القمر الصناعي غوبي. فالاختلاف بالتالي يصل إلى 1026، وهي طاقة تفوق بمرات الطاقة العظمى التي يمكن الوصول إليها في أعظم المسرعات على الأرض.
المجرة M51
إن كوننا في حالة توسع وهو يبترد. وكما في كل منظومة تتغير درجة حرارتها، تظهر انتقالات طورية. والانتقال الطوري الأحدث هو تلاقي الإلكترونات والنوى في ذرات حيادية. ولا شك إنه في الكون البدئي حصل انتقال طوري تحولت فيه الكواركات إلى باريونات أي إلى بروتونات ونوترونات. وحصل هذا الانتقال الطوري في درجة حرارة تتراوح بين 100 ميغا إلكترون فولط إلى 200 جيغا إلكترون فولط، وتم التحول الكهرضعيف والذي تمايز فيه الأثر الكهرمغنطيسي عن تأثير القوة النووية الضعيفة. وفي درجة حرارة أعلى أيضاً تتوقع فيزياء الجسيمات الدقيقة انتقالاً طورياً يصف انكسار التناظر الفائق. وأخيراً من المتوقع حصول انتقال طوري في درجة حرارة هائلة تصل إلى نحو 1016 جيغا إلكترون فولط والتي تتوحد عندها كافة تفاعلات القوى الأساسية باستثناء الجاذبية. ويسمى هذا الانتقال الافتراضي بانتقال النظرية الموحدة الكبرى. وهو الانتقال الوحيد القابل لإنتاج تشوهات ذات طاقة كافية لتوليد البنى الكونية الكبرى. ويحاول العلماء اليوم التيقن من هذه الانتقالات الطورية وإثباتها رصدياً. وحده الانتقال الطوري الذي أدى إلى التحام النوى والإلكترونات مثبت اليوم. أما الانتقال الكهرضعيف فتتنبأ به النظرية الخاصة بالقوة الكهرضعيفة التي يوجد عليها الكثير من الإثباتات التجريبية. ولكن للتيقن منه مباشرة يجب أن نستطيع توليد بلازما في المختبر درجة حرارتها تصل إلى 200 جيغا إلكترون فولط، وهو أمر بعيد عن التحقيق حتى الآن. أما الانتقالات الخاصة بانكسار التناظر الفائق فهي افتراضية تماماً بلا أي تأييد تجريبي. فالكوزمولوجيا تشكل بما تملكه من آثار التشوهات التبولوجية على الإشعاع البدئي المنفذ الوحيد التجريبي إنما غير المباشر لفيزياء الطاقات العالية.
المجرة M10
في غالب الأحيان يمثل الانتقال الطوري انكسار تناظر ما. فمثلاً الماء السائل لا يتغير بالنسبة للدوران في حين أن القطعة الجليدية تملك بنية بلورية وبالتالي فهي تتغير عندما نُخضعها للدوران الأمر الذي يسمى انكسار تناظر الدوران. وانكسارات التناظر التي تنتج التشوهات التبولوجية موصوفة بشكل عام بواسطة عامل قياسي، أي بواسطة قيمة تساوي الصفر في الحالة المتناظرة في درجة الحرارة العالية والتي تصبح غير معدومة عندما ينكسر التناظر. وهذه القيم غير المعدومة هي التي تشكل ما نسميه بتغير الفراغ. فمثلاً حقل هيغز الرياضي يأخذ قيماً مختلفة لمواضع مختلفة منه. ولأسباب تتعلق بالطاقة يتم تخفيض أو تقليل هذه الانكسارات إلى حدها الأدنى. وفي غالب الأحيان لا يكون من الممكن وفق تبولوجية تنوع وتغير الفراغ الوصول إلى حقل ثابت. وعندها يكون على الحقل لكي يقلص الطاقة الكلية أن يتخذ في بعض المواضع قيماً لا تنتمي إلى تغيرات الحقل أو الفراغ، والتي توافق طاقة أعلى. وهذه المواضع ذات الطاقة المرتفعة هي تشوهات تبولوجية. ويتم تحديد شكل التشوه في الزمكان من خلال تبولوجية التغير الفراغي. وبحسب هذه التبولوجية يمكن أن تتولد أربعة أنماط من التشوهات. وهي الأقطاب والنسج والأوتار الكونية والجدران الكونية. وتصنف هذه التشوهات في فئتين كبيرتين: التشوهات المحلية التي لا تتفاعل فيما بينها إلا عبر مسافات قصيرة جداً، والتشوهات العامة وهي أكثر امتداداً وتتفاعل على مسافات بعيدة جداً. إن الانعكاسات الكونية لهذه الأنماط المختلفة هي ببساطة وفق العلماء المفتاح الذي قد يؤدي إلى تفسير ولادة المجرات والبنى الكونية الكبرى1.
تشير هذه الصورة إلى تطور شكل مجرة
لكن كيف استطاع العلماء تحديد أشكال وأنماط المجرات، وما هي الأسس التي يضعها علم الكونيات لفهم بنية المجرات الكونية؟ في عام 1924 برهن عالم الفلك إدوين هابل أن المجرات عالم قائم بذاته يتألف من مئات مليارات النجوم، وليس سدماً من الغاز والغبار في مجرتنا. وبذلك طرح رؤية جديدة للكون لم يكن أحد قد استطاع التوصل إليها قبله. وتظهر هذه المجرات بأشكال عديدة: عدسية متطاولة قليلاً، أو أقراص مفلطحة تلتف في حلزونات، أو غيوم عديمة الشكل. ومنذ ذلك الوقت ساد تصنيف هابل للمجرات من العدسية البسيطة إلى الحلزونية المعقدة. وكان هذا التصنيف يعتمد على تسلسل زمني بدءاً من المجرات الفتية إلى المجرات الهرمة. أما اليوم، فنعلم أن الترتيب يجب أن يكون معكوساً. فالمجرات تبدأ حياتها بشكل غير منتظم أو حلزوني، ثم بمساعدة تشكيلات مثل الأذرع الحلزونية، التي تحرضها التفاعلات بين المجرات، فإنها تكتسب كتلة وتتكاثف وتشكل كرات أكبر فأكبر. ثم يؤدي اندماج مجرات كثيرة إلى ولادة مجرات عدسية. وفي هذه الحالات كلها، فإن التحليل الشكلاني للمجرات يبيّن بنى تنمو آنياً بواسطة اللا استقرارية الثقالية. أن الجاذبية هي القوة الرئيسية التي تحفظ تجانس المجرة. فالنجوم تنجذب فيما بينها ووحدها سرعاتها النسبية تمنعها من التجمع في نقطة واحدة. لكن هذه السرعات ليست كافية مع ذلك لتمنع التجمعات المحلية على شكل أذرع حلزونية مثلاً. ومناطق التجمع هذه هي التي توافق اللا استقراريات الثقالية.
مجرة حلزونية
تُعد المجرات الحلزونية أكثر المجرات انتشاراً في الكون، إذ تصل نسبتها إلى الثلثين. فدوران قرص مجرة حلزونية حول محوره يؤدي إلى قوة مركزية توازن الجذب الثقالي. والدوران في مجرة لا يتم كما في قرص صلب: فمركزها يدور بسرعة أكبر من طرفها، مما يؤدي إلى تحول البنية الدائرية إلى بنية حلزونية. ورغم أن ذلك يبدو واضحاً، لكن هذا الدوران التفاضلي هو الذي يطرح المشكلة. ففي حين أن نجماً يقع قرب مركز المجرة يُتم دورة في بضعة ملايين سنة، فإن نجماً آخر قرب حافتها سيحتاج إلى نحو مليار سنة. ولكن خلال مليار سنة يجب على كل تشكيل حلزوني أن يلتف ويتبدد في القرص: وهذا يعني إنه علينا ألاّ نرى اليوم مجرات حلزونية، بعد عشر مليارات سنة من تشكلها. وفي الستينات اقتُرح التفسير التالي: الحلزونات هي أمواجُ كثافةٍ تدور بسرعة زاوية ثابتة، من المركز حتى حافة المجرة. وتجتاز نجومُ القرص المجري الموجةَ دورياً؛ فتدور بسرعة أعلى من الموجة في المركز وبسرعة أبطأ منها عند الطرف. ومن جهة أخرى، فإن موجة الصدم التي يتعرض لها الغاز ما بين النجمي عند اجتياز الأذرع الحلزونية يحرض تشكل النجوم. ولا تحيا النجوم ذات الكتلة الأكبر، والأكثر لمعاناً بالتالي، إلا زمن اجتياز الذراع، أي نحو عشرة ملايين سنة، الأمر الذي يجعل الأذرع الحلزونية لامعة جداً بالنسبة لبقية القرص. فدوران مجرة بتأثير ثقلها يعمل على تركيز كتلتها باتجاه مركزها. وبالتالي فإن هذا المركز سيدور بسرعة أكبر لأن الكتلة ستزداد في هذا الموضع، أي أن قوة الثقالة ستزداد أيضاً. وتستجيب المادة لذلك بالدوران بسرعة أكبر بحيث أن قوة النبذ المركزي توازن القوة الثقالية. ويشكل هذا الدوران حاجزاً أمام تركيز الكتلة. وبما أن العزم الحركي يجب أن يكون محفوظاً عموماً، فلا بد من منظومة تسمح بنقل هذا العزم الحركي نحو الخارج، وبعبارة أخرى كبح جسيمات المركز وتسريع جسيمات الطرف. والأذرع الحلزونية فعالة جداً من أجل ذلك. فمن السهل برهان أن الحلزونات التي تلتف بالاتجاه المعاكس للدوران هي وحدها تسمح بتفريغ العزم الحركي نحو الخارج. وهذا هو سبب دوران معظم الأذرع الحلزونية في الكون في هذا الاتجاه. وتقود هذه الأذرع عموماً إلى تشكيل عوارض متطاولة في مركز المجرة. وتوجد هذه البنى المستعرضة في ثلثي المجرات الحلزونية. وكان يعتقد لفترة طويلة أنها تشكل نوعاً متميزاً من المجرات، لكن النظرية الحديثة تقول إن العوارض يمكن أن تظهر وتختفي عدة مرات خلال حياة المجرة، مع مشاركتها في الوقت نفسه في بنائها.
إن وجود الغاز في المجرة يبدد الطاقة المكتسبة في البنى اللامستقرة، مما يجعل المجرة حساسة للااستقراريات أخرى. وبالعكس، فبتحريض حركة الجسيمات في مجرة خالية من الغاز، فإن اللا استقراريات تزيد من ضغط السرعات وتسكّن الوسط. وبعبارة أخرى، فإن مجرة تملك الغاز تبقى فتية وحيّة. وعندما ينفد الغاز، تهرم النجوم ولا تعود تشارك في لاإستقراريات حلزونية: وهذا هو حال المجرات العدسية. وعندما يتشكل حلزون مستعرض في مجرة تحتوي على الغاز والنجوم، فإن العزم الحركي ينتقل نحو الخارج وتتكاثف المادة ويتضخم المركز. فإذا كان كبيراً جداً فإنه يدمر العارضة. ويتم ذلك بعد مرحلة انتقالية يتم خلالها تشكل بنى حلزونية أيضاً بسويات أصغر ضمن البنية الأساسية. وكلما تزايد تراكم المادة نحو المركز، تزداد سرعة دوران المركز بالنسبة لسرعة حافة القرص كما وتزداد السرعة الزاوية للأمواج التي يمكن أن تتطور في المركز. ويكون اختلاف السرعات كبيراً جداً بحيث أن القرص المركزي ينفصل عن القرص الخارجي، وتتطور موجتان بشكل منفصل، بحيث تدور الموجة المركزية أسرع بثلاثة إلى عشرة أضعاف الموجة الخارجية. وهكذا، مع استمرار تدفق المادة نحو المركز تختفي تدريجياً العارضة الأساسية. لكن إذا كانت المجرة تتلقى الغاز من الخارج فإن استقرارية جديدة تتطور وتخلق عارضة جديدة. ويمكن للمجرة أن تطور ثلاثة أو أربعة عوارض خلال عشرة مليارات سنة. وتتالي هذه العوارض والحلزونات هو الذي يسمح للمجرة بتركيز المادة نحو المركز وبالتطور بالتالي وفق متتالية تصنيف هابل.
كان الفلكيون يعتقدون أن المجرات العدسية تتألف من منظومات نجمية مسطحة بسبب الدوران. ومنذ السبعينات بات معروفاً أن المجرات العدسية بطيئة الدوران وأن توازنها الثقالي مرتبط بالحركة العشوائية للنجوم، الذي يولد الضغط. ولكن على عكس الضغط الغازي الذي يكون موزعاً بشكل متجانس دائماً، فإن ضغط النجوم يمكن أن يكون أقوى في اتجاه معين، ومن هنا الشكل العدسي. إن بنية هذه المجرات لا تقل تعقيداً عن الحلزونية. فهي يمكن أن تكون مفلطحة أو متطاولة أو عدسية غير متناظرة الدوران بحيث يكون لها ثلاثة محاور مختلفة. إن الأشكال المتنوعة جداً للمجرات باتت تسمح لنا بتتبع تطورها عبر سلسلة هابل. ويكون هذا التطور أسرع عندما تكون المجرات أعظم كتلة وتقع في محيط غني بالمجرات. وقد بات من الثابت الآن أن تناسبات مختلف الأنماط الشكلية قد تطورت خلال الأزمنة الكونية، كما ازداد العدد الإجمالي للمجرات2.
حشد مجرات
1- La Recherche, hors serie, 1998
2La Recherche No 305 Janvier 1998 -



المصدر : الباحثون - العدد 50 آب2011