المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مومياءات حيوانية - المهندس ملاتيوس جبرائيل جغنون


Eng.Jordan
11-03-2012, 11:44 AM
http://albahethon.com/photo//5-4e12eef5c43e9.jpg

لدى سماعنا لكلمة "مومياء"، فإن أول ما يتبادر لأذهاننا فراعنةُ مصر القديمة المحنطة أجسادهم. وقلما يخطر ببال غير المتخصصين من السواد الأعظم من عامة الناس، حقيقة.. إن الحيوانات أيضاً كان لها نصيب من التحنيط. والواقع إن عدد المومياءات الحيوانية المكتشفة حتى الآن يصعب حصره نظراً لكِبَرِه وليس ما يمكننا مشاهدته في المتاحف المصرية أو سواها إلا النذر اليسير منها ناهيكم عما سيكتشف منها مجدداً مع تقدم أعمال التنقيب مستقبلاً. وأكثر من ذلك، فإن أعداداً أكبر بكثير من المومياءات الحيوانية التي قُدِّر لها أن تجد طريقها إلى المتاحف قد فُقِد لأسباب شتى على مر العصور. فقد استُخدِمت كسماد في الحقول. وكانت تشكل مصدراً هاماً للدخل بالنسبة لنهابي القبور الذين كانوا يُخرِجون هذه المومياءات من نواويسها البرونزية النفيسة غالب الأحيان ليطحنوها ويدخلوها في تراكيب عقاقير "دوائية" كان يتوقع منها أن تفعل "المعجزات" ومازالت الاستخلاصات الموميائية تُعَدّ من بين العقاقير البديلة التي ما برحت بعض المجتمعات البشرية تؤمن بفعاليتها وجدواها.
عملية التحنيط:
كيف كانت المومياءات الحيوانية تُحنَّط في القِدَم؟ كان يُتَّبع الأسلوب ذاته المستخدم في تحنيط أجساد البشر: يجري تنظيف الجثة بالكامل أولاً وتفرغ من أحشائها ومن ثم يتم انتزاع الماء والرطوبة منها باستخدام طبقة سميكة من النطرون الذي كانت تُملأ الجثة به أيضاً. أما المعدة والرئتان والكبد والأمعاء فكانت تتلقى معالجة مستقلة. وبعد تمام عملية انتزاع الماء بالتجفاف الكامل، كانت الجثة تُعالَج بالأصماغ والبلاسم ومن ثم يتم لفها بشكل مبالغ به بأشرطة الخام إلى حين بلوغ الشكل البشري (أو الحيواني) المناسب المرغوب وبعد ذلك يصار إلى وضع الجسم المحنط ضمن ناووس تتم بعده عملية الدفن.
في مصر القديمة، كانت أصناف الحيوانات التي تُحنَّط لا يقل عددها عن 69 صنفاً [الشكل 3]. ولعل حقيقة أن هذه الحيوانات كان بإمكانها، كالبشر تماماً، أن تحيا "حياة أخرى رائعة" في "الآخرة" هي مرتبطة بِكُنْهِ الطبيعة الداخلية للحيوان نفسه. فالحيوان لا يبتدع شيئاً ولا يدمِّر شيئاً، عن سوء نية على الأقل. والحيوانات لا تتحول ولا تتبدل لأن التطور والافتجاء غير ملحوظَين عليها على مدى بضعة آلاف من السنين. وكنتيجة لذلك، فإن ديمومة الحيوان تشبه ديمومة الآلهة التي تتميز بالخصائص ذاتها. والحيوانات ليست من صنف البشر. وفي ديانة تلك الأيام، أقصد المصرية، كانت الآلهة التي لها رؤوس حيوانات وأجسام بشرية أمراً مألوفاً للغاية. ولعل أكثر الأمثلة شيوعاً هو الإله "حورُس" برأس العقاب و"طْحوْطْحْ" برأس الطائر "أبو منجل" و"سخْمِتْ" برأس اللبوة. وبالتالي فإنه كان من الطبيعي جداً أن تُحَنَّطَ الحيوانات التي كانت تحظى بعض الآلهة المصرية برؤوسها.
البقاء والاستمرار في الحياة الآخرة:
ثمة حشد كبير من الحيوانات التي تحظى بحقها في المشاركة بامتياز التحنيط، وبالتالي بالحياة الآخرة، الأمر الذي يستعصي على مفاهيمنا اليوم. إذ كيف بنا أن نفكر حين يأتي الأمر إلى العظايات والأفاعي والميثينيات (مئويات الأرجل centipedes) وأمهات أربع وأربعين والعقارب والجرذان والأنقليسات؟ فهذه المخلوقات كانت تُحَنَّط بانتظام بعناية فائقة وتُدَثَّرُ وتُلَفّ بالخام شأنها شأن المومياءات من البشر وبقية أصناف الحيوانات. وكانت توضع هذه المومياءات في "نواويس" من البرونز الفاخر التي يتباهى اليوم الكثيرون من هواة جمع التحف باقتنائها.
ولعل أكثر المومياءات إدهاشاً هي مومياءات البيض!! التي يمكننا مشاهدة إحداها في جامعة "غرونوبل" Grenoble بباريس، وليس يُعرَف أي طائر تخص هذه البيضة، ولكن المُحنِّط قام بعملية التحنيط بكل عناية وإتقان ولفِّها بأشرطة الخام بحيث أمكنه إعادة إخراج السطح الأملس المفترض للبيضة بكل براعة. وقد عَمدَ المحنط إلى إحاطة المومياء تلك بشبكة من الخيوط الرفيعة لحبك أشرطة الخام بإحكام وإتقان بديع الصنعة والإحساس.
أما أضخم المومياءات الحيوانية حجماً فهي بلا شك تلك التي تخص تماسيح يبلغ طولها الأمتار الخمسة من "كوم أمبو". ومن البراعة بمكان الكيفية التي تمكن بها المُحَنِّط لهذه الحيوانات من الحفاظ على حالتها بكل إتقان بحيث تَشْعُرُ بالرهبة وأنت تنظر إليها اليوم وكأنها على قيد الحياة.
وأيضاً، فقد حُنِّطَت أعداد لا حصر لها من الأبقار والثيران والخراف والكبوش [انظر الشكل 1] والقطط والكلاب [انظر الشكل 2] والوعول والغزلان كما توضح الخارطة المرفقة لوادي النيل [انظر الشكل 3]. ولكن العجول المقدسة التي كانت تُعرَف بالـ"أبيس" Apis هي أشهر هذه المومياءات.
عبادة الـ"أبيس" أو العجل المقدس:
كانت عبادةُ العجل المقدس المعروف باسم "أبيس" Apis [ الشكل 4] سائدةً في مصر منذ أقدم العصور (نحو العام 3200 ق.م). وقد استمرت هذه العبادة دون تغيير أو انقطاع حتى العام 362 الميلادي. ولئن كانت للمصريين رؤيتهم الخاصة جداً حول الكيفية التي يلد بها الـ "أبيس" وهي أن البقرة المقدر لها أن تحمل هذا العجل ومن ثم تلِدُه، سيضربها شعاع القمر ويخصبها لكي تحمل وتَلِدَ العجل المقدس الوليد، فإنه من هنا أتت تسمية "أبيس" باللغة المصرية القديمة، هذا الاسم الذي يعني حرفياً: "أنت يا من بلا أب".
وقد اعتُبِر "أبيس" ممثلاً لإله "أوزيريس" [ الشكل 5]، وهو العجل المختار بعناية فائقة، وليس أي عجل أسود اللون، بل ذلك العجل الذي من أهم علاماته وجود رقعة بيضاء مثلثة الشكل على جبهته وبقعة بيضاء على شكل هلال على جانبه الأيمن وتحت لسانه عقدة تشبه الخنفساء. وعندما يُعْثَر على عيّنة كهذه فإن العجل يؤخذ ويوضع في بيت خاص ينفتح بمواجهة الشرق حيث تتم تغذيته لأربعة أشهر. وعند ظهور الهلال الأول يُساق بموكب كلّي الوقار والرصانة إلى سفينة فاخرة ويتم نقله على صفحة مياه النيل إلى هيليوبوليس (1) (مدينة الشمس) حيث يتم إطعامه كل يوم من قبل الكهنة حصراً ومن ثم يقاد إلى مدينة "ممفيس"(2) حيث المعبد المخصص له وبه حجرتان ليقيم بهما إضافة إلى قاعة كبيرة للتمارين البدنية. وكانت لحركاته دلالة نبوية. وكان يُحتَفَل بيوم ميلاده كل سنة عندما يبدأ النيل فيضانه.
وعلى الرغم من كل هذه التوقيرات، فإنه لم يكن يسمح للعجل المقدس أن يتجاوز عمره الخامسة والعشرين. ويكمن السبب وراء هذا في الإبقاء عليه بصحة جيدة بعيداً عن تهتك "الشيخوخة". وكان يتم بعد ذلك تحنيط جسده ودفنه لتبدأ دورة جديدة من البحث عن خلَف له قد تستغرق سنوات إلى حين العثور على العلامات الألوهية الفارقة التي أوضحنا أعلاه.
كانت حياة "أبيس" ترتبط مباشرة بخير الأمة ورفاهها. فإذا مات العجل المقدس فإن نذيراً سيئاً يطل بغمامته السوداء على المصريين حيث يسود الحِداد عامة الشعب ولا يُسمح في هذه الفترة إلا بتناول الأطعمة النباتية. ويُشْرَع بعملية البحث الحثيث عن الخَلَف بأن تنطلق حشود من الكهنة إلى الأرياف للعثور على العجل المقدس الجديد في مزارع الفلاحين وحقولهم. وما أن يتم العثور عليه، فإن فترة الحِداد تأتي إلى خاتمتها وتُعقد احتفالات وطقوس كبرى يشارك فيها العجل وأمه التي يَسمح لها بالبقاء مع ولدها طيلة حياتها.
تحنيط الـ "أبيس":
كانت مدينة "ممفيس" هي مركز عبادة العجل المقدس. وهناك، في مدينة الأموات (أو المدافن) التابعة لها والمعروفة بـ"سَقَّارَة"، تم العثور على الطاولات التي كانت تتم عملية تحنيط الحيوان الميت عليها. وكانت هذه الطاولات مصنوعة من قطعة كبيرة واحدة من المرمر يحمل جانبها نحتاً نافراً على هيئة الأسد [ الشكل 6] وتحت الطاولة زبدية كبيرة لتلتقف سوائل الجسد. وكانت عملية تجفيف الجثة تستغرق زمناً طويلاً قد تمتد إلى أربعين يوماً تحت الشمس وباستخدام النطرون معاً بسبب ضخامتها. وكانت العملية باهظة التكلفة نظراً لانخراط عدد كبير من المحنطين والكهنة فيها ومئات الأمتار من أشرطة الخام ناهيكم عن المواد المستخدمة لإعطاء المومياء الشكل الأمثل للعجل المقدس كاملاً مع رأسه وقرنيه وعينيه المعاد طلاؤهما وأخيراً يتم تنزيل المومياء في ناووسها الغرانيتي الذي يجمع بين الضخامة والفخامة بما يثير إلى اليوم دهشة وإعجاب السياح الذين يزورون "سيرابيوم" (3) سقّارة(4) الشهير. هذه النواويس البالغة من الحجم ما يمكن مقارنته بغرفة متوسطة الحجم كانت تنقل على زحافات لتُسَجّى في مواضعها في ممرات ضخمة تحت الأرض.
لم تطرأ إلا تبدلات طفيفة على الأسلوب الذي كان يعالج به العجل المقدس الميت. فحتى السلالة التاسعة عشرة (1314 – 1200 ق.م) بدا وكأن العجل الميت كان يؤكل طقسياً لتبقى منه الأرجل والرأس فقط ليعاد تشكيل المومياء بمساعدتها. وكانت، إذ ذاك، توضع في نواويس خشبية كبيرة. وكانت عادة ما تُرفق بتمائم (أو تعاويذ) ومجوهرات بالإضافة إلى تماثيل صغيرة من البورسلين لها شكل رأس العجل المقدس.
ومن القرن التاسع عشر ق.م وصاعداً، كانت تَلقى مومياءات العجول المقدسة معاملة المومياءات البشرية، وكانت، إذا ذاك، تُعامَل بالطريقة التي تأتي بالدرجة الثانية في تكلفتها بعد المومياءات البشرية. فقد كان يتم حقن أحشائها من فوهة مخرج البدن بزيت الأرْز Cedar Oil الذي من شأنه أن يحل الأحشاء ويسيّلها خارج البدن. واعتباراً من السلالة السادسة والعشرين (663 – 525 ق.م) أصبح تحنيط العجول المقدسة مماثلاً لتحنيط البشر حيث كانت تتم في جناحين ترتفع فيهما أصوات صلوات الكهنة التي ترافق كافة العمليات مرددين الأدعية والتراتيل الدينية الجنائزية.
وفي عهد بطليموس الأول (نحو العام 300 ق.م) كانت تكلفة تحنيط العجل الواحد تتجاوز المئة طالين (وحدة وزن من الفضة) أو ما يعادل 2000 كغ من هذا المعدن النفيس، وهي تكلفة عالية جداً في تلك الأيام.
طائر "أبو منجل" المقدس:
حيوان مقدس آخر في مصر حُنِّط منه الملايين هو طائر "أبو منجل" ذو الرقبة الطولية المنحنية والمنقار الطويل المعقوف نحو الأسفل والظهر المحدودب نحو الأعلى والقائمتين الطويلتين نسبياً": وهو طائر الإله "طْحوطْحْ" إله الحكمة و"مبتكر الكتابة" وقائس الزمن ومُدَوِّن الحساب الأخير في كتاب الأموات. وباختصار فإنه إله الفكر والذكاء [ الشكل 7]. وتشكل مومياءات "أبو منجل" الأغلبية المطلقة من بين المومياءات الحيوانية جميعها. وتغطي مقبرته الضخمة قرب "تونا الجبل" (الواقعة إلى الشمال من أسيوط على ضفة النيل الغربية بحوالي 80 كليومتراً) على سبيل المثال مساحة تفوق الخمسة عشر هيكتاراً. ولكن، وبالقرب من سقّارة أيضاً، ثمة دهاليز تحت الأرض يصعب إحصاء أطوالها لكثرتها عُثِرَ على الملايين من مومياءاتها وهي ملفوفة بالكتان بكل عناية وموضوعة ضمن جرار فخارية ومكدسة بعضها فوق بعض. غير أن لصوص القبور قد نهبوا أعداداً لا تحصى فيما مضى، وهم ما زالوا ينهبونها إلى اليوم.
لابد وأن المراكز التي كانت تتخصص بتحنيط "أبو منجل" كانت تعمل بدأب ليلاً نهاراً. فهي كانت كناية عن غرف صغيرة لا تتجاوز أبعادها 2×3 أمتار تقوم في وسطها طاولة التحنيط مع جرار النطرون والملح وزيت البطم بمتناول اليد حيث كانت هذه تستخدم لحل الأمعاء.
ما أكثر طيور"أبو منجل" المحنطة وما أكثرها!! كل مصري كان يعثر على طائر نافق في الريف ويقوم بتحنيطه كان يستحق أجراً على عمله التقي بتعامله مع مخلوق أقلّ قداسة بكثير من الطيور الكبيرة التي كانت تخص المعبد بصفة رسمية. وكانت هذه الطيور النافقة توضع في جرة تحتوي على أربعة أو خمسة منها في حين تلقى الطيور المقدسة الحقيقية معاملة خاصة بأن توضع إفراداً في جرة جميلة أو في ناووس خشبي بديع الصنعة.
الجُعَلُ المقدس:
الجُعَلُ المقدس أو "خنفساء الرَّوث" كان مُكَرَّماً حيثما اتجهت في مصر القديمة حيث كان منذ أقدم العصور مكافئاً للإله الكوني البدئي "آتون" أو الإله الشمسي. وحتى الجُعَل، على صغر حجمه، كان يتحول إلى مومياء ويلف بالكتان. ولا يمكننا اليوم مشاهدة إلا بضعة نماذج منها يقل عددها عن أصابع اليد الواحدة في العالم بأسره. ويمكننا مشاهدة عيّنة منها في متحف ألارد بيرسون بأمستردام Allard Pierson Museum وعينتين أخريين في بريطانيا.
القطة المقدسة:
والقطة أيضاً كانت، هي الأخرى، حيواناً مقدساً في مصر القديمة حيث كانت مكرسةً للربة "باسْتِت" [ الشكل 8]، التي لها رأس قطة، وهي – أي "باسْتِت" - تحوير أكثر لطفاً من الربة "سِخْمِت" برأس اللبوة الأكثر قساوة. وتخبرنا السجلات المدونة كيف أن مواطناً رومانياً قَتَل قطة بشكل عَرَضي بدون قصد، وكان عليه أن يدفع حياته ثمناً لفعلته بإعدامه بغير محاكمة. وقد انتشرت عبادة القطط نحو العام 900 ق.م لدرجة أنه أصبحت هناك معابد مخصصة لهذه العبادة مع كهنتها ولتكريم الربة "باسْتِت" كانت التقدمات النذرية تُحضَر على شكل قطة مؤنثة وليس على شكل هرّ مذكر بكل الوضعيات بما في ذلك القطط الحامل أو القطط اللواتي يُرضِعن الهُرَيرات الصغيرة. وقد عُثِر على كميات هائلة من هذه التقدمات النذرية وهي تنضوي تحت أبدع ما وصلنا من تماثيل صغيرة من مصر القديمة. وقد عثر أحد الفلاحين على 300.000 مومياء من هذه القطط وأرسلها إلى بريطانيا لتحويلها إلى سماد اصطناعي. أما الأغلفة، (أو النواويس) الخشبية منها والبرونزية التي كانت تضم هذه المومياءات فقد ذهبت إلى أسواق التجارة بالقطع الأثرية ويا للأسف. وأخيراً نشير إلى عادة حلاقة حواجب العيون التي كانت الأسرة تمارسها بكل أفرادها حين الحداد على "وفاة" قطتهم المدللة.
مومياءات الحيوانات الأخرى:
كانت الكلاب تُعامَلُ بالاحترام ذاته التي كانت تعامل به القطط. فمنذ الأزمنة قبل التاريخية كانت تدفن بكل عناية وهي مستلقية على جانبها في قبور ضحلة بالرمال الساخنة وعلى مقربة من القبور البشرية. ففي "أبيدوس" و"طيبة" كانت التكريمات للكلاب أكثر من اعتيادية. في "طيبة" عُثِرَ على آلاف مومياءات الكلاب في مدفن كبير مبطن بالقرميد حيث أدَّت حفرة عميقة إلى سراديب تنفذ إلى حجرات دفن الكلاب. وكانت المومياءات مُنَضَّدةً على عشرة صفوف، الواحد فوق الآخر إلى ارتفاع متر ونصف المتر.
ثمة فرق كبير بين أساليب تحنيط الحيوانات المنزلية المقدسة وغير المقدسة، وهذه الأخيرة جعلت حياة مالكيها أكثر سروراً وبهجةً في حياتها. فالقرد الربّاح المقدس [ الشكل 9] كان يُلَفُّ بنفس الطريقة الجميلة بالأشرطة القماشية التي كان يُلَفُّ بها ربّاح مدلل يقتنيه رجل ثري، ولكن الرباح الأول، أقصد المقدس، هو الذي كان يحظى بطقوس دفن مميزة، أما الثاني فكان يدفن في قبر سيده على مقربة من القبر قدر الإمكان بحيث ينال سيده الحياة السارة ذاتها التي تمتع بها هذا السيد بقرب ربّاحِهِ في الحياة الدنيا. وقدعُثِرَ في "تونا الجبل" على مقبرة جماعية مخصصة للقرود الربّاحة [ الشكل 10] وثمة موقع آخر دُفِنَت بها القرود المقدسة هو مقبرة قرود في مرتفعات "طيبة". وقد أفرغ لصوص القبور حجرات الدفن المتموضعة في سرداب ضيق هناك حيث عثروا على تمائم ومجوهرات ثمينة بأعداد كبيرة وُضعت مع المومياءات لتستخدمها القرود في حياتها الأخرى. وغالباً ما كان القرد يغطى بزخارف ذهبية.
لم تكن القرود الربّاحة تستوطن مصر بل كانت تُجلَبُ من النوبة أو من مناطق أكثر توغلاً باتجاه الجنوب. فالنوبيّون – الذين كانوا روافد لمصر- كانوا يسددون ضرائبهم للبلاط الفرعوني على هيئة قرود ربّاحة مكرسة للإله "طْحوطْح". وقد ظلت عادة تحنيط القرود الربّاحة سائدة حتى أدوار متقدمة وصولاً إلى اليونانية (البطلمية) والرومانية أيضاً.
ومن أبرز عينات مومياءات الكلاب هي مومياء كلب الصيد ذي اللون الأصفر البني الذي كان يمتلكه الفرعون أمنحوتب الثاني الذي قام ما بين (1436 و1413 ق.م) [ الشكلان 11 و12]. فالكلب يقف على قوائمه الأربع ومازال جلدُه ووَبرُهُ بحالة جيدة وهو محفوظٌ اليوم في المتحف المصري بالقاهرة.
هوامش:
(1). هيليوبوليس القديمة أصبحت اليوم إحدى أحياء مدينة القاهرة في الشمال الشرقي لمركز المدينة.
(2). مدينة "ممفيس" كانت عاصمة لمصر القديمة وهي تقع على الضفة الغربية للنيل على بعد حوالي 32 كم إلى الجنوب من مركز مدينة القاهرة اليوم.
(3). السيرابيوم هو المعبد المخصص لعبادة الإله المصري "أوزيريس" المَعَرَّف باسم "سيرابيس" Serapis في الكتابات اليونانية والذي هو التجلي البشري للإله أبيس Apis أو العجل المقدس. وقد ظلّت عبادة سيرابيس المتمثل بالعجل المقدس قائمة حتى زمن متأخر في الدور الروماني حتى العام 362 م حيث تم تدمير معبد سيرابيس في الإسكندرية وانتهت بذلك العبادات الوثنية في مصر.
(4). سقّارة هي نكروبول أي مقابر مدينة "ممفيس" حيث توجد بعض الأهرامات أيضاً.