المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العلامة العربي ابن عبد ربه الأندلسي وعقده الفريد


Eng.Jordan
11-03-2012, 11:46 AM
http://albahethon.com/photo//shaksiat_arabia/__-4ac9ce0d933dd.jpg في محاضرة علمية قيّمة ألقاها الدكتور (نقولا زيادة) الدمشقي الأصل في مكتبة الأسد في دمشق منذ بضع سنين، على أساتذة وطلاب التاريخ في الجامعات السورية، سأل في نهاية هذا اللقاء المثمر، عن عدد الشهادات العلمية التي يستحق أن ينالها العلامة العربي (ابن عبد ربه) الأندلسي فيما لو كان يعيش في أيامنا المعاصرة؟ فسكت الحضور، فكسر هذا الصمت بقوله السديد (سوف أعطيه عدة شهادات علمية) (أكاديمية) نظراً لعلمه وسعة معرفته وتطرقه إلى اختصاصات علمية وأدبية متنوعة في كتابه الشهير (العقد الفريد)، مما دعاني إلى قراءة هذا السفر التاريخي والحضاري، والتعمق في بعض أجزائه وفروعه وحيثياته.
ورأيت من الواجب القومي أن أستعرض والقراء الأكارم سيرة حياة هذا العالم (أو الباحث) العربي الجليل، ولمحة موجزة عن كتابه الخالد (العقد الفريد) الذي يُعد أثراً هاماً في تراثنا العربي الحضاري.
شخصية المؤلف
هو أبو عُمّر شهاب الدين أحمد بن محمد عبد ربه بن حبيب بن حُدّيد بن سالم القرطبي، مولى هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان في الحكم الأموي.
وُلِدَ سنة 246 هــ، ونشأ في قرطبة وتثقف ثقافة عصره، من فقه وتفسير وحديث ونحو وعروض وتاريخ وأدب، واتصف بصفات الندماء من حب للموسيقى، وغرام بالصوت الحسن والوجه الحسن، وظَهَرَ أثر ذلك كله في كتابه العقد، ففيه الثقافة الدينية واضحة، والثقافة الأدبية واضحة وميله إلى الغناء والموسيقى والإشادة بهما، وبالنبيذ وبالوجه الحسن واضح جلي.
وقد لازم الأمير (عبد الله) الذي تولى عرش قرطبة سنة 275 هـ- ونادمه زمناً، ومدحه بمدائح، فلما مات الأمير عبد الله سنة 300 هــ، تولى بعده (عبد الرحمن الناصر) أول من لُقِبَ بأمير المؤمنين، فاتصل به ولازمه ومدحه، وتوفي (ابن عبد ربه) بالفالج سنة 327 هـ- بعد أن عُمِرَ إحدى وثمانين سنة وشهراً.
وكان ابن عبد ربه أديباً وشاعراً، يقول فيه (الفتح بن خاقان) إنه (حجة الأدب، وإن له شعراً انتهى منتهاه، وتجاوز سماك الإحسان وسهاه) ويقول ابن سعيد (إمام أهل أدب المئة الرابعة، وفرسان شعرائها في المغرب كله): ولم يعرف عن ابن عبد ربه رحلة إلى المشرق، فعلمه الواسع بأدب المشرق جاءه من أشياخه الذين أخذ عنهم بالأندلس أمثال: الخُشني وابن وضاح، ومن طول قراءته للكتبِ والمراجع.
عُنِي ابن عبد ربه بأدب المشرق، وكان الأولى به أن يُعنى بأدب الأندلس منشئه ومرباه، ورووا عن (الصاحب بن عباد) إنه لما وصل إليه العقد وقرأه قال: (هذه بضاعتنا ردت إلينا، ظَننتُ أن هذا الكتاب يشتمل على شيء من أخبار بلادهم، وإنما يشتمل على أخبار بلادنا، لا حاجة لنا فيه) وفق رأي ابن عباد.
أسلوب ابن عبد ربه في تأليف العقد
لقد تَصَّورَ المؤلف كتابه (عقداً) كما سماه، مؤلفاً من خمس وعشرين جوهرة كريمة، اثنتا عشرة في جانب واثنتا عشرة في جانب، ولكن لم يُسمِّ إلا الاثنتى عشرة الأولى، فلؤلؤة وفريدة، وزبرجدة وجمانة، ومرجانة وياقوتة، وجوهرة وزمردة، ودرة ويتيمة، وعسجدة ومجنبة، أما الاثنتا عشرة التي في الجانب الآخر. فهن مكررة، فاللؤلؤة الثانية والفريدة الثانية إلخ.. وفي الوسط وهي الثالثة عشرة - جوهرة تسمى (الواسطة).
فعقد منظوم من جواهر كريمة فيه من كل صنف جوهرتان إلا الواسطة، وهو خياَل شاعر لطيف لا يعرفُ أحداً سبقه إليه، ولا يُظن أنه وقف طويلاً عند اختيار اسم الجوهرة لتشكّل الموضوع، فاللؤلؤة الأولى في السلطان، واللؤلؤة الثانية في الفكاهات،
والمِلح، والفريدة الأولى في الحروب، والثانية في الطعام والشراب... إلخ.
وقد تأثر ابن عبد ربه كثيراً بكتاب ابن قتيبة (عيون الأخبار) واستغله أعظم الاستغلال، سواء في ترتيبه وتبويبه أو في مشتملات أبوابه، ولكنه غمطه حقه في التصريح بما أخذ عنه إلا القليل النادر، وأخذ أيام العرب مما حكاه أبو عبيدة (وغيره) ومن المبرد في (الكامل والروضة) ومن ابن المقفع ومن دواوين الشعراء، ومن غير ذلك مما يصعب استقصاؤه.
وقد كتب باحثون معاصرون آراءهم حول كتاب العقد منهم على سبيل المثال الأستاذ جبرائيل سليمان جبور، والأستاذ أفرام البستاني، والأستاذ محمد شفيع أستاذ العربية في جامعة البنجاب في الهند، والأستاذ (ريتو) المستشرق الألماني، إضافة إلى باحثين ومؤرخين من جمهورية مصر العربية، وغيرها.
يقول (ابن عبد ربه) نفسه في ختام افتتاحية عقده ما خلاصته: وسميته كتاب (العقد الفريد) لما فيه من مختلف جواهر الكلام، مع دقة السلك وحسن النظام، وجزأته على خمسة وعشرين كتاباً كل كتاب منها جزآن، فتلك خمسون جزءاً في خمسة وعشرين كتاباً، وقد انفرد كل كتاب منها باسم جوهرة.
توزيع المواضيع على كتب العقد
وُزعت مواضيع العقد الفريد كما أسلفنا على خمسة وعشرين كتاباً، ووزعت النسخ المطبوعة من العقد الفريد في مطبعة (لجنة التأليف والترجمة والنشر في القاهرة على سبع مجلدات وفق الآتي):
1 - المجلد الأول: مؤلف من 323 صفحة A4 فولسكاب ويحتوي على ثلاثة كتب هي: 1- كتاب اللؤلؤة في السلطان، 2- كتاب الفريدة في الحروب (ومدار أمرها)، 3- كتاب الزبرجدة في الأجداد والأحفاد.
2- المجلد الثاني: مؤلف من 493 صفحة، ويحتوي على ثلاثة كتب هي: 4- كتاب الجمانة في الوفود، 5- كتاب المرجانة في مخاطبة الملوك، 6- كتاب الياقوتة في العلم والأدب.
3 - المجلد الثالث: مؤلف من 498 صفحة، ويحتوي على خمسة كتب هي: 7- كتاب الجوهرة في الأمثال، 8- كتاب الزمردة في المواعظ والزهد، 9- كتاب الدُرة في التعازي والمراثي، 10- كتاب اليتيمة في النسب وفضائل العرب، 11- كتاب العسجدة في كلام الأعراب.
المجلد الرابع: مؤلف من 527 صفحة، ويحتوي على ثلاثة كتب هي: 12- كتاب المجنبة في الأجوبة، 13- كتاب الواسطة في الخطب، 14- كتاب المجنبة الثانية في التوقيعات والفصول والصدور وأخبار الكتبة.
المجلد الخامس: مؤلف من 518 صفحة، ويحتوي على أربعة كتب هي: 15- كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم وأيامهم، 16- كتاب اليتيمة الثانية في أخبار زياد والحجاج الطالبين والبرامكة، 17- كتاب الدرة الثانية في أيام العرب ووقائعهم، 18- كتاب الزمردة الثانية في فضائل الشعر ومقاطعه ومخارجه.
المجلد السادس: مؤلف من 475 صفحة، ويحتوي على سبعة كتب هي: 19- كتاب الجوهرة الثانية في أعاريض الشعر وعلِل القوافي، 20- كتاب الياقوتة الثانية في علم الألحان واختلاف الناس فيه، 21- كتاب المرجانة الثانية في النساء وصفاتهن، 22- كتاب الجمانة الثانية في المتنبئين والمغرورين والبخلاء والطفليليين، 23- كتاب الزبرجدة الثانية في بيان طبائع الإنسان وسائر الحيوان (وتفاضل البلدان)، 24- كتاب الفريدة الثانية في الطعام والشراب، 25- كتاب اللؤلؤة الثانية في (النتف والهدايا) والفكاهات والمُلح.
المجلد السابع: ويحتوي على فهرس الفهارس ومؤلف من 296 صفحة، ويضم اثني عشر فهرساً هي على التوالي: فهرس الآيات القرآنية، فهرس الأحاديث النبوية، فهرس الأعلام، فهرس الأمثال، فهرس الأمكنة والبلدان والبقاع، فهرس الأيام، فهرس الأمم والقبائل والبطون والفرق، فهرس الكتب، فهرس الأشعار، فهرس أنصاف الأبيات، فهرس الأجزاء، فهرس الموضوعات.
* مع التنويه أنه يُلحق في نهاية كل مجلد باستثناء المجلد السابع - فهرس خاص بالمجلد الذي أرفق به هذا الفهرس، الذي تألف من عدد من الأوراق وفق التالي: 88 صفحة للمجلد الأول، 85 صفحة للمجلد الثاني، 7 صفحات للمجلد الثالث، 6 صفحات للمجلد الرابع، 3 صفحات للمجلد الخامس، 3 صفحات للمجلد السادس، فيكون إجمالي صفحات الفهارس في ستة مجلدات ما يعادل 192 صفحة.
نماذج من آراء فكر ابن خلدون في العقد الفريد
قد لا يتسع المجال معنا لشرح آراء وأفكار المؤلف ابن خلدون في موسوعة (العقد الفريد) التي نحن في صددها، وسوف أكتفي بتدوين مقدمات تمهيدية كتبها عن بعض الموضوعات على سبيل المثال وليس الحصر، مستعيناً بما جاء في المجلدات الست التي ضمت بين دفاتها كامل كتب العقد الفريد، وعلى أمل أن نستكمل ما تبقى منها في مقالات لاحقة إنشاء الله.
1. فرش كتاب اللؤلؤة في السلطان:
حاجة العمران إلى السلطان: السلطان زمام الأمور، ونظام الحقوق، وقِوام الحدود، والقطب الذي عليه مدار الدنيا، وهو حمى الله في بلاده وظلّه الممدود على عباده به يمتنع حريمهم، وينتصر مظلومهم، وينقمع ظالمهم، ويأمن خائفهم.
قالت الحكماء: إمام عادل، خير من مطر وابل، وإمام غشوم خير من فتنة تدوم، إن الله يزع بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن.
وقال وهب بن مُنبه: فما أنزل الله على نبيّه داوود عليه السلام: إني أنا الله ملك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فمن كان لي على طاعة جعلتُ الملوك عليهم نعمة، ومن كان لي على معصية جعلت الملوك عليهم نقمة، فحَقّ على من قلده الله أزمّة حكمه، وملّكه أمور خلقه، واختصه بإحسانه، ومَكَنَّ له في سلطانه، أن يكون من الاهتمام بمصالح رعيته والاعتناء بمرافق أهل طاعته، بحيث وضعه الله (عز وجل) في الكرامة وأجرى له من أسباب السعادة، قال الله عز وجل: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) (الحج 22).
وقال حذيفة بن اليمان: ما مشى قوم قط إلى سلطان الله في الأرض ليذلوه إلا أذلهم الله قبل موتهم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم (عدلُ ساعة في حكومة خير من عبادة ستين سنة) وقال أيضاً (كلكم راع وكلّ راع مسؤول عن رعيته) ومن شأن الرعية قلة الرضا عن الأئمة وتحجر العذر عليهم، وإلزام اللائمة لهم، ورُبّ ملوم لا ذنب له، ولا سبيل إلى السلامة من السنة العامة إذا كان رِضا جُملتها، وموافقة جماعته أن من المُعجِز الذي لا يدرك، والممتنع الذي لا يمتلك، ولكل حصته من العدل ومنزلته من الحكم.
وقال عبد الله بن عمر: (إذا كان الإمام عادلاً فله الأجر وعليك الشكر وإذا كان الإمام جائراً فعليه الوزر وعليك الصبر)، قال الله تبارك وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (سورة النساء الآية 59)، وقال أبو هريرة: لما نزلت هذه الآية أُمرنا بطاعة الأئمة وطاعتهم من طاعة الله، وعصيانهم من عصيان الله، وقال النبي صلى الله عليه وسلم (من فارق الجماعة أو خلع يداً من طاعة مات ميتة الجاهلية) وقال (الدين النصيحة، الدين النصيحة، قالوا لمن يا رسول الله: قال لله ولرسوله ولأولي الأمر مِنكم).
2. فرش كتاب الياقوتة في العلم والأدب:
قال أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه:.. ونحن قائلون بحمد الله وتوفيقه في العلم والأدب، فإنهما القطبان اللذان عليهما مدار الدين والدنيا، وفَرَق بين الإنسان وسائر الحيوان وما بين الطبيعة الملكية والطبيعة البهيمية، وهما مادة العقل وسراج البدن ونور القلب، وعماد الروح وقد جعل اللهُ بلطيف قدرته، وعظيم سلطانه، بعض الأشياء عَمَداً لبعض ومُتولداً من بعض فإجالة الفكر تنير مكامن الإرادة، والإرادة تُحكم أسباب العمل، فكل شيء يقوم بالعقل ويُمثل في الوهم يكون ذِكراً ثم فكراً، ثم إرادة، ثم عملاً، والعقل متقبل للعلم لا يعمل في غير ذلك شيئاً، والعلم علمان، علم حُمِل، وعلم استُعمل، فما حُمِلَ منه ضرٌ، وما استُعمل نفع، والدليل على أن العقل إنما يعمل في تقبل العلوم كالبصر في تقبل الألوان، والسمع في تقبل الأصوات، إن العاقل إذا لم يُعلّم شيئاً كان كمن لا عقل له، والطفل الصغير لو لم تُعرفه أدباً وتلقنه كتاباً كان كأبله البهائم وأضلّ الدواب.
فإن زعم زاعم فقال: إنا نجد عاقلاً قليل العلم، فهو يستعمل عقله في قلة علمه، فيكون أشدّ رأياً، وأنبه فطنة، وأحسنَ موارد ومصادر من كثير العلم مع قلة العقل، فإن حجتنا عليه ما قد ذكرناه فما حمل العلم واستعماله، فقليل العلم يستعمله العقل خير من كثير، يحفظه القلب، وقد قالت الحكماء: العلمُ قائد، والعقل سائق، والنفس زوْد فإذا كان قائد بلا سائق هلكت الماشية، وإن كان سائق بلا قائد أخذت يميناً وشمالاً، وإذا اجتمعا أنابت طوعاً أو كرْهاً.
3. كتاب الجوهرة في الأمثال:
قال أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه: وما يتولد منهما، قد مضى قولنا في العلم والأدب وما يتولد منهما ويُنسب إليهما من الحكم النادرة، والفطن البارعة، ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في الأمثال التي هي وشي الكلام، وجوهر اللفظ، وحلي المعاني، والتي تخيرّتها العرب وقدمتها العجم ونطق بها في كل زمان، وعلى كل لسان، فهي أبقى من الشعر، وأشرف من الخطابة، لم يَسرْ شيء سَيَرها، ولا عَمَ عمومها، حتى قيل: أسْير من مثل، وقد ضرب الله عز وجل الأمثال في كتابه، وضربها رسول الله في كلامه، قال الله عز وجل: (يا أيها الناس ضُرِب مثلٌ فاستمعوا له) سورة الحج الآية 22 - وقال (وضرب الله مثلاً رجلين) ومثل هذا كثير في أي القرآن الكريم.
وأول ما نبدأ به أمثال رسول الله فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً وعلى جنبي الصراط أبواب مُفتحة، وعلى الأبواب سُتور مرخية، وعلى رأس الصراط داعٍ يقول ادخلوا الصراط ولا تعوجّوا، فالصراط الإسلام، والستور حدود الله، والأبواب محارم الله، والداعي القرآن). وقال النبي: (مثل المؤمن كالخامة من الزرع، يُقلبها الريح مرةً كذا ومرةً كذا، ومثل الكافر مثل الأرزة المجذية على الأرض حتى يكون انجعانها بِمَرة، وسأله حذيفة: أبعد هذا الخير شرٌ يا رسول الله ؟ فقال: (جماعة على أقذاء وهدنة على دَخَن) وقوله حين ذكر الدنيا وزينتها فقال: (إن ما يُنبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يُلم).
وقال :إياكم وخضراء الدمن، قالوا: وما خضراء الدمن؟ قال: (المرأة الحسناء في المنبت السوء، وقال أيضاً (الولدُ للفراش وللعاهر الحجر) وقال أيضاً: (إن من البيان لسحراً) وقال: (لا ترفع عصاك عن أهلك)، وقال أيضاً (لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين) وقال: (الحرب خدعة) وله أمثال كثيرة غير هذه، ولكننا لم نذهب إلى كل باب إلى استقصائه وإنما ذهبنا إلى أن نكتفي بالبعض ونستدل بالقليل على الكثير ليكون أسهل مأخذاً وأبرأ من الملالة والهرب.
4. فرش كتاب التوقيعات والفصول والصدور وأدوات الكتابة وأخبار الكُتاب:
قال أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في الخطب وفضائلها وذكر طوالها وقصارها، ومقامات أهلها، ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في التوقيعات والفصول والصدور وأدوات الكتابة وأخبار الكُتاب، وفضل الإيجاز، إذ كان أشرف الكلام كله حُسْناً وأرفعه قدراً، وأعظمه من القلوب موقعاً، وأقله على اللسان عملاً، ما دلّ بعضه على كله، وكفى قليله عن كثيره يشهد ظاهره على باطنه، وذلك أن تقلّ حروفه وتكثر معانيه، ومنه قولهم (رُبّ إشارة أبلغ من لفظ) ليس أن الإشارة تُبيّن ما لا يبينه الكلام، وتبلغ ما يقصُر عنه اللسان، ولكنها إذا قامت مقام اللفظ وسدت مسد الكلام، كانت ابلغَ لقلة مؤونتها وخفة حملها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم (أبغضكم عليّ الثرثارون المتشدقون) يُريد أهل الإكثار والتقصير في الكلام.
وفي كلام العرب الاختصار والإطناب والاختصار عندهم أحمد في الجملة، وإن كان الإطناب موضعاً لا يصلح إلا له، وقد تومئ إلى الشيء فتستغني عن التفسير بالإيماءة، كما قالوا (لمحة دالةٌ).
5. فرش كتاب الزمردة الثانية في فضائل الشعر:
كان الشعر ديوان العرب والمفيد لأيامها، والشاهد على أحكامها، حتى بلغ من كلف العرب به وتفضيله له أن عمدت إلى سبع قصائد تخيرتها من الشعر القديم، فكتبتها بماء الذهب في القباطي المدرجة، فعلقتها بأستار الكعبة فمنه يقال: (مذهبة امرئ القيس، ومذهبة زهير، والمذهبات سبع، وقد يقال لها (المعلقات) قال بعض المحدثين يصف قصيدة له ويشبهها ببعض هذه القصائد التي ذكرت:
بزرةٌ تذكر في الحــــــ ـن من الشعر المُعلق
كل حرف نادر من ـها له وجه مُعشق
والمعلقات هي:
لامرئ القيس: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل.
ولزهير: أمن أم أوفى دِمنة لم تكلّم.
ولطرفة: لخولة أطلال ببرقة ثمهد.
ولعنترة: يا دار عبلة بالجواء تكلّمي.
ولعروة بن كلثوم: ألا هبي بصحنك فاصبحينا.
ولبيد: عفت الديار محلها فمقامها.
وللحارث ين حلزة: آذنتنا ببينها أسماء.
قال النبي صلى الله عليه وسلم (وذُكر عنه امرئ القيس بن حجر: هو قائد الشعراء وصاحب لوائهم، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لوفد من غطفان عن النابغة الذبياني: هو أشعر شعرائكم، ويقصد بذلك أشعر شعراء غطفان، وقال عمر بن الخطاب لابن عباس: أنشدني لأشعر الناس، الذي لا يعاظل بين القوافي ولا يتتبع حواشي الكلام قال من ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال زهير بن أبي سلمى، فلم يزل ينشده من شعره حتى أصبح، وكان زهير لا يمدح إلا مستحقاً، كمدحه لسنان بن أبي حارثة وهرم بن سنان، وقيل للحطيئة: من أشعر الناس؟ قال: النابغة إذا وهب، وزهير إذا رغب، وجرير إذا غضب، وقالوا: أيضاً: إن لحسان بن ثابت أفخر وأحكم بيت قالته العرب.. فأما أفخر بيت قالته العرب فقول حسان:
وبيوم بدرٍ إذ يرد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد
أما أحكم بيت قالته العرب فقوله:
وإن امرأً أمسى وأصبح سالماً من الناس إلا ما جنى لسعيد

المراجع:
موسوعة العقد الفريد (6 مجلدات) لابن عبد ربه



المصدر : إبراهيم بن إسماعيل كاخيا