المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدماغ الأمومي - الدكتور حسان المالح


Eng.Jordan
11-03-2012, 11:48 AM
http://albahethon.com/photo//human_/-4b688d5fcb32d.JPG

إن الحمل والأمومة يغيّران من بنية دماغ أنثى الثدييات، مما يجعل الأمهات أكثر اهتماماً بصغارهن وأحسن رعاية لهم. حيث تحدث تغيّرات وظيفية أثناء الحمل والأمومة عند أنثى الثدييات كافة (من الفئران والقردة إلى البشر)، وهي تتحول من تأمين احتياجاتها وبقائها إلى رعاية أولادها وحمايتهم.
وقد بيّنت الدراسات الحديثة على القوارض أن التغيرات الهرمونية التي تحدث أثناء الحمل والولادة والإرضاع تؤدي إلى إعادة ترتيب دماغ الأنثى بحيث يزيد حجم الخلايا العصبية في بعض المناطق كما تحدث تغيرات بنيوية في مناطق أخرى. وهذه المناطق الدماغية بعضها مسؤول عن تنظيم السلوكيات الأمومية مثل بناء المأوى وجمع الطعام والعناية بالصغار وحمايتهم من الحيوانات الأخرى. والمناطق الدماغية الأخرى مسؤولة عن ضبط الذاكرة والتعلّم والاستجابات تجاه الخوف والخطر. وهذه التغيرات الدماغية تنعكس سلوكياً بتحسن سلوك جمع الغذاء واصطياد الفرائس، ويمكن لها أن تستمر وتبقى إلى مرحلة متقدمة من العمر.
وفي التجارب تبيّن أن الفئران الأمهات يتفوقن على الفئران العذارى في اجتياز المتاهات وفي اصطياد الفرائس، مما يعني أن مهارة البحث عن الطعام قد تحسنت (مثل ذاكرتها المكانية للتعرف على بيئتها) وهذا يخفض الزمن الذي تغيب فيه الأم بعيداً عن المأوى الذي يضم صغارها. ويعني أيضاً أن خوفها وقلقها قد قلّ مما سهّل عليها مغادرة المأوى وجمع الطعام سريعاً وهيَّئها لمواجهات ناجحة أثناء الصيد مع محيطها العدواني.
ويبدو أن الهرمونات التناسلية الإستروجين والبروجستيرون اللذين ينظمان الاستجابات الجنسية والعدوانية عند الفئران والقطط والكلاب، ضروريان لإظهار السلوك الأمومي حيث يعتمد ظهوره على تفاعل هذين الهرمونين وتناقصهما االلاحق. وأيضاً فإن هرمون الحليب (وهو الهرمون المحرض على إدرار الحليب)، ينبّه السلوك الأمومي عند إناث الفئران التي سبق أن أشبعت بالبرجسترون والإستروجين.
كما يبدو أن الإندورفينات (وهي بروتينات مانعة للألم تتولد في الدماغ)، تزداد طوال مدة الحمل ولاسيما قبيل الولادة. وبذلك فهي تعد الأم لتحمل مشقة الولادة وأيضاً يمكن لها أن تحضر لابتداء السلوك الأمومي.
وتضيف بعض الدراسات أن هرمون الأوكسيتوسين (وهو الهرمون الذي يسبب تقلصات الولادة وإدرار الحليب) له تأثيرات في تحسين الذاكرة والتعلم حيث يؤدي حقنه داخل أدمغة إناث الفئران العذارى إلى تحسين ذاكرتها طويلة الأمد، كما أن حقن مضادات الأوكسيتوسين في أدمغة الفئران الأمهات يؤدي إلى تدهور أدائها في المهمام المرتبطة بالذاكرة.
وتدل الدراسات على أهمية بعض المناطق الدماغية في السلوك الأمومي مثل المنطقة الأنسية قبل البصرية من الوطاء (Medial Preoptic Area of Hypothalamus)، حيث يؤدي إحداث أذية فيها أو حقن المورفين إلى إفساد السلوك المميز للفئران الأمهات. وأيضاً المسارات العصبية التي تربط الوطاء بالقشر الحزامي الذي ينظم الانفعالات (Hypothalamus-Cingulate Cortex)، حيث يؤدي إتلاف القشرة الحزامية في الفئران الأمهات إلى إزالة السلوك االأمومي عندها.
ومن اللافت للنظر أنه بعد أن تستهل الهرمونات التناسلية استجابة الأمومة، يتضاءل اعتماد الدماغ على تلك الهرمونات، وأن الأولاد وحدهم يتمكنون من تنبيه السلوك الأمومي.. حيث يزداد نشاط النواة المتكئة (Nucleus Accumbens) وهي منطقة مهمة في الإثابة والمكافأة، حين ترضع ضغارها. ومن الممكن أن الرضاعة من خلال التصاق الصغار بحلمات أثدائها، أنها تطلق كميات ضيئلة من الإندورفين في جسم الأم. وقد تعمل هذه الإندورفينات المضادة للألم كعقار أفيوني يستجر الأم مجدداَ للاتصال بصغارها.
وفي دراسات على الأم البشرية تبيّن أن المناطق الدماغية التي تنظم الإثابة والمكافأة تتنشط وتتفعل حينما تحدق الأمهات البشريات في أطفالهن. كما تشير دراسات أخرى حديثة إلى أن الدماغ البشري يعاني من تغيرات في أجهزة التنظيم الحسي توازي التغيرات المشاهدة عند الحيوانات، وأن هناك مشابهات بين استجابات البشر واستجابة الفئران مما يوحي بوجود دارة عامة للأمومة في دماغ الثدييات..
وقد بيّنت إحدى الدراسات أن الأمهات البشريات قادرات على التعرف على عديد من روائح وأصوات أبنائهن، ربما بسبب اكتسابهن مقدرات حسية محسنة.. وأن الأمهات اللواتي يمتلكن مستويات عالية من هرمون الكورتيزول يكنّ أكثر انجذاباً وتحفزاً بروائح أطفالهن وأحسن قدرة على التعرف على بكائهم. ويدل ذلك على أن الكورتيزول الذي يزداد نمطياً في حالات الاكتئاب، يمكن أن يتصف بتأثير إيجابي في الأمهات حديثة الولادة حيث يزيد الانتباه والحذر والحساسية على نحو يقوي الرابطة بين الأم ووليدها..؟؟
وفي دراسة أخرى أن النسوة الحوامل في سن الأربعين أو بعد ذلك، امتدت أعمارهن حتى سن المئة بنسبة أربعة أضعاف الحوامل في سن مبكرة..؟؟ ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن وتيرة الشيخوخة تكون أبطأ عندهن، وربما أن الحمل وخبرة الأمومة قد تكون حسنت أدمغة النسوة في فترة حاسمة من تراجع الهرمونات (سن اليأس) وقد تساعد المكاسب المعرفية للأمومة على تلافي نضوب الهرمونات الحافظة للذاكرة مما يؤدي إلى صحة عصبية أفضل وإلى تعمير أطول ؟؟
وقد بينت إحدى الدراسات أن النسوة الحوامل كانت نتائجهن في بضعة اختبارات للذاكرة اللفظية، دون المستوى الطبيعي، وسرعان ما عادت درجاتهن إلى المستوى الطبيعي بعد الولادة. ولكن نتيجة الدراسة إنه لم يكن هناك فرق ذو دلالة بالنسبة للذكاء العام.
ومن المنظور التطوري يبدو أن سلوكيات الأمومة قد تطورت بحيث تزيد من فرص نجاح الأنثى، وهذا لا يعني أن الأمهات أفضل من نظيراتهن العذارى في جميع المهام، ولكن في جميع الاحتمالات لا تتحسن إلا السلوكيات التي تؤثر في الإبقاء على حياة النسل.
كلمة أخيرة.. مما لاشك فيه أن ما سبق عرضه لبعض الدراسات والنظريات والآراء، مثير ويمكن له أن يزيد من فهمنا لسلوك الأمومة.. ومن الواضح أن هناك نقاطاً قابلة للجدل والنقد، ونقصاً واضحاً في الدراسات الدقيقة على البشر في هذا العرض.. ولابد من التحفظ والتريث على الاستنتاجات المتعلقة بالبشر.. لأن ما سبق عرضه اعتمد على دراسات الفئران ولم تكن الدراسات على البشر كافية أو ذات دلالة واضحة أو شاملة.. والنظرة العلمية المتوازنة تؤكد دائماً على دراسة الإنسان وفهمه ضمن إطار عضوي – نفسي – اجتماعي (BioPsychoSocial) متكامل.
المراجع:
- موقع حياتنا النفسية
- The Maternal Brain, Craig Howard Kinsley & Kelly G. Lambert, Scientific American,Jan 2006




المصدر : الباحثون العدد 49 تموز 2011