المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دور التكنولوجيا الحيوية المبرمجة في تلبية احتياجات الإنسان والبيئة


Eng.Jordan
11-03-2012, 11:58 AM
- عصام مفلح

http://www.albahethon.com/photo//4/15-4eb26887a94c4.jpg

ليس استطراداً القول إن لفظة "التكنولوجيا الحيوية" تغطي مجمل التقنيات المستفيدة من إمكانات العضويات الدقيقة والخلايا الحيوانية والنباتية ومكوناتها، لتحقيق غايات صناعية. ومع أن هذه التقنيات ليست بجديدة إذ كانت موجودة على المستوى التجريبي حتى القرن التاسع عشر. لكنها الآن، مروراً بالقرن العشرين المنصرم، الزاخر بالإنجازات العلمية الباهرة ذات الصلة، أصبحت شأناً علمياً ذا مردود شمولي خصوصاً في مناحيه الاقتصادية والبيئية.
بداية يجب أن نذكر بأن الخلية، وهي الوحدة الأساسية لعالم الحيوان والنبات الحي، تعيش بصورة مستقلة وتتكاثر بسرعة وسط نطاق محدود. وتتحكم الموروثات بكافة أنشطة الخلية، وكل مورثة مسؤولة عن تخليق بروتين يقوم بنشاط ضروري لحياة الخلايا، فالإنزيمات تلعب دور الوسيط في تفاعل الاستقلاب، فيما تنظم الهرمونات الوظائف، وتساهم البروتينات البنيوية في تكوين الأغشية. ويسمح الطابع الشمولي للكود الوراثي بنقل المورثة المكوّدة للبروتين المعني من جسم إلى آخر، إذ توفر الهندسة الوراثية إمكانيات إنتاج مواد حيوية صرفة مماثلة لما ينتجه الجسم المانح للموروثة من مواد.
التقنيات الأساسية
من هنا فإنه يجب إنتاج كميات كبيرة من الجسم المعاد برمجته كي يقوم بدوره على الصعيد الصناعي، وتستعمل عدّة تقنيات لتحقيق ذلك، وتشمل التقنية الأولى التخمّر، فخلال ساعات تلد العضويات الدقيقة والخلايا آلاف الأفراد المماثلة لها، وتتكيف العضوية الدقيقة مع مصادر غذائية متنوعة غالباً ما تكون نباتية، ويتم النمو وفقاً للقواعد التقليدية للتخمر. ويلجأ الإنتاج الصناعي للخلايا الحيوانية والنباتية إلى تقنية مشتقة من تقنية التخمر، ولكنه يستعمل أوساطاً غذائية شديدة التعقيد.
أما التقنية الثانية فهي التهجين اللمفي الخلوي، وفيها تستجيب الخلايا اللمفية لمولد الضد – وهو مادة غريبة عن جسم الإنسان والحيوان – فتفرز جسماً مضاداً نوعياً يتفاعل مع مولد الضد ويبطل مفعوله، ويتم التهجين اللمفاوي بالدمج الخلوي لمجموعة من خلايا شبه لمفية تعود إلى حيوان ممنع بخلايا سرطانية شبه لمفية متكاثرة ينتج هذا المجموع الهجين، وإلى ما لانهاية، الجسم المضاد الأحادي المنشأ المتحدّر من الكلون الخلوي المعين، وهكذا يتم إنتاج جسم مضاد ذي بنية متجانسة انطلاقاً من كلون خلايا مماثلة وقد يتحول هذا الجسم المضاد الأحادي المنشأ إلى عميل علاجي خاص بالخلية السرطانية، أو قد يستخدم في معايرة المواد الحيوية التي يصعب كشفها وتقنيات أخرى، وقد فتَح الاستعمال الصناعي لهذه الأجسام المضادة الأحادية المنشأ آفاقاً أمام وسائل جديدة في التشخيص وطرق التطهير.
وتكون الخواص الوسيطية للكائنات الحية العنصر الخلوي الثالث الذي تستثمره الصناعة، وتقوم الإنزيمات بوظائفها في ظل حرارة المحيط وضغطه دون مشاركة طاقوية سوى تلك الناتجة عن الاستقلاب الخلوي، كما تستعيد هذه الإنزيمات تكاملها بعد العملية ويمكن استعمالها مجدداً، وتستعمل هذه الإنزيمات على الصعيد الصناعي إما معزولة أو داخل الخلية في المفاعلات. وهكذا يكون قد تحقق إنجاز في علم الأحياء بإقحام جزء من مورثة غريبة في عضوية دقيقة، مما أتاح تخليق سلسلة أحماض أمينية تكون وفقاً لطولها إما ببتيداً أو بروتيناً، كما قد تسمى "هرموناً أو ناقلاً بين خلوي أو بروتيناً بنيوياً أو إنزيماً".
تطوير التكنولوجيا الحيوية
هناك خمسة قطاعات معينة بتطوير التكنولوجيا الحيوية لتمنحها بعداً اقتصادياً وحتى استراتيجياً، ويأتي قطاع الصحة العامة في مقدمتها، إذ تملك المنتجات المستثمرة تجارياً قيمة مضافة مرتفعة جداً، فصناعيو الصيدلة يستغلون كل الإمكانيات التي توفرها الهندسة الوراثية أو التهجين اللمفي الخلوي في مجال صناعة المضادات الحيوية أو الفيتامينات أو الهرمونات أو اللقاحات أو البدائل الدموية أو الكواشف التشخيصية وفي حين يتم اليوم إنتاج الأنسولين بالاستخلاص أو التخليق الكيميائي أو تخليخ العضويات الدقيقة أو التعديل الإنزيمي، فإنه سيتم في المستقبل القريب حقن المصابين بمرض السكري بخلايا بنكرياسية بشرية بواسطة برشامات محكمة الإفرازات. وبالإضافة للأنسولين، هناك مجموعة من الببتيدات والبروتينات (كالكلسيتونين وهرمون النمو العامل VLLL، ولاحقا الانثرفرون وعامل النمو) مرشحة لتطبيقات علاجية جديدة.
إلا أن أثر التكنولوجيا الحيوية على قطاع الزراعة يقل أهمية عنه في القطاع الطبي الحيوي، حيث المسألة أشد بساطة إذ إنها تهدف إلى إنتاج عضويات دقيقة تحل مشكلة الأسمدة وذلك وفقاً لتقنية تطورات منذ عقود ألا وهي التخمر. كما أن هذه التكنولوجيا لم تجد بعد حلولاً للزراعة التي تتطلب العمل على عدد كبير من المورثات التي تحدد الخواص التي يبحث عنها المهندس الزراعي، ويعمل العلماء في المختبرات على دراسة النظام الحيوي الذي تستعمل فيه القرنيات (كالبسلى والصويا والفاصولياء) عضوية دقيقة تعايشية لتثبيت النتروجين الهوائي، وذلك بغية تطويره ونقله لاحقاً للحبوب مما يقلّص إلى حد كبير، استهلاك الأسمدة الآزوتية ويحد من تلوث البلدان الصناعية، كما يضع نهاية لمأساة الجوع في البلدان النامية. من جهة أخرى فإن التكنولوجيا الحيوية تهدف إلى اختصار عدد السنوات الضرورية للحصول على بذار جديد متقن، وتأتي زراعة الأنسجة من ضمن التقنيات المستعملة في الصناعة لتحسين أجناس النبات، وهي تؤمن استقلالية عن مصادر المواد الأولية وإنتاجاً مستمراً يخضع للطلب مما يغني التجهيزات ومعرفة التقنين ويحدّ من تكاليف النقل.
وأخيراً، وفي قطاع الزراعة أيضاً، تجد التكنولوجيا الحيوية صعوبة في معالجة المنتجات البيطرية، إذ تعمل للتوصل إلى لقاح متقن لمكافحة الأمراض الطفيلية التي تصيب المواشي في المناطق المدارية. وعلى صعيد الصناعات الزراعية الغذائية فإن التكنولوجيا الحيوية النباتية تقدم لصناعات الأغذية موادّ أولية أكثر قابلية للتكيف مع التحول الصناعي، وقادرة على تلبية طلب المستهلك وحاجاته، وذلك يشكل زيادة نسبة الحموض الأمينية الضرورية لبروتينات الذرة وتعديل الخاصيات الكيميائية والفيزيائية لغلوتن القمح، بالإضافة إلى إزالة العناصر المعيقة للتغذية في بذار اللفت الجديد. وستتيح التكنولوجيا الحيوية لاحقاً رفع قيمة الإنتاج الزراعي الإجمالي. وفيما بعد يفاد حالياً من 50% فقط من الجزيئات المصنوعة من النبات، تعمل التكنولوجيا الحيوية على الإفادة من القسم الباقي المكوّن من مواد خشبية سليلوزية، وهو مصدر كامن للسكريات وللركازات الملائمة لصناعات التخمر.
كما تهدف التكنولوجيا الحيوية في تطبيقاتها إلى تنويع المواد المستعملة في الصناعات الغذائية، ومثالاً على ذلك صناعة البروتينات انطلاقاً من عضويات دقيقة مزروعة على البارافين العادي أو على الميتانول، وتحول الهندسة الإنزيمية النشويات التي تحتوي عليها الحبوب إلى فركتوز، وهو أعلى السكاكر، وتطبيق هذه الطريقة في الولايات المتحدة واليابان حيث لا تستعمل شركتا بيبسي كولا وكوكا كولا إلا هذا النوع من السكر.
توظيف إمكانات الهندسة الوراثية
وتستفيد التكنولوجيا الحيوية على صعيد الأغذية من إمكانات الهندسة الوراثية بصورة أخذت تتسع يوماً بعد آخر، ولعل أبرز مثال جرى مؤخراً في صناعة الأجبان، حيث تمكن الباحثون اليابانيون، ثم الأمريكيون، من عزل المورثة المكوّدة منفحة العجل بغية تخليق الكيموزين، وإدخالها بعد ذلك إلى عضوية دقيقة تتواجد فيها، وبذلك أصبح من الممكن اليوم تصنيع الكيموزين من خلال زراعة عضويات دقيقة معدلة، وبهذا الصدد فإن التكنولوجيا الحيوية تعتبر الملاذ الأخير للكيمياء الثقيلة في مواجهة النقص في المنتجات الكيميائية، فخلال الحرب العالمية الأولى عمد علماء الكيمياء إلى تخمير مواد زراعية ثانوية من أجل إنتاج الغليسرول والاستون وذلك بغية صنع المتفجرات، أما على المدى الطويل فسوف تتجه الكيمياء نحو جيل جديد من التكنولوجيا الحيوية بعد أن تكون قد سيطرت مخبرياً على الوظائف الحيوية للتخليق الضوئي، وتثبيت النتروجين، والانحلال الضوئي الحيوي للمياه، ولن يتطلب عندها إنتاج السكريات والحموض الأمينية والهيدروجين سوى الطاقات والمواد الأولية المتجذرة والمتوافرة بكثرة كالشمس والهواء والمياه وثاني أكسيد الكربون. هذا وتدرس مختبرات أمريكية وفرنسية وإنكليزية إمكانية الإنتاج الحيوي للزيوت والشموع إذ قد توفر طحالب دقيقة إمكانية الحصول على مواد بديلة لبعض الزيوت المستعملة في مواد التجميل، كما وتتدخل التكنولوجيا الحيوية على صعيد الانتقاء الوراثي لأنواع موجودة داخل كتل حيوية ذات طابع صناعي (خشب، مطاط)، فيما تولدت عن الحاجات العالمية المتزايدة للطاقة صناعة ثقيلة تعنى باستخراج كميات مهمة من المنتجات الطاقوية ونقلها وتحويلها واستغلالها كالنفط والغاز الطبيعي والفحم والكهرباء.
التكنولوجيا الحيوية وبدائل الوقود
وهكذا تبدو الآن التكنولوجيا الحيوية معنية بعمليات التخليق الدقيقة السهلة التنفيذ، في ظل شروط معتدلة (حرارة منخفضة، تمديد شديد) لتلائم تجهيزات صغيرة.. فهل يؤدي الاستيعاب الكامل للعضويات الدقيقة بكل تفاصيلها إلى التحول نحو تكنولوجيا حيوية ثقيلة وموارد للكتلة الحيوية موزعة جغرافياً بشكل أفضل مما هي عليه الموارد الأحفورية ؟.. عندها، تستفيد التكنولوجيا الحيوية دورها السابق حيث كان الاتانول المخمر أول وقود للسيارات وذلك قبل أن تتفوق عليه الهيدروكاربونات البترولية، وتكمن أهمية هذا الدور في سببين: الأول اقتصادي ويعود إلى ارتفاع كلفة استخراج النفط في بعض المناطق كبحر الشمال مثلاً. أما الثاني فاستراتيجي، حيث أمسى قطاع النقل قطاعاً حيوياً ينبغي معه اللجوء إلى الموارد الوطنية المحلية. ويبرز دور التقنيات الحيوية في التصدي لعملية استخلاص الكحول من الهيدروكاربونات في وجود الماء وفي ظل انخفاض الحرارة، ولذلك نراها تعمل على المزج ما بين نوعين من الكحول: الاتانول والبوتانول، أو المتانول والبوتانول.
وانطلاقاً من هذا، ظهر اتجاهان في هذا الميدان، الأول معني بالتخمر الاتيلي الذي يحول السكر النباتي المنشأ، وهذا الاتجاه هو الأقدم وبلغ درجة عالية من النضوج. وتستعمل البرازيل هذه الطريقة منذ عام 1984 لتنتج سنوياً 3.5 ملايين طن من الاتانول المستخرج من قصب السكر، مما خفض واردات النفط بشكل أساسي. كما بلغ إنتاج الولايات المتحدة لوقود الاتانول المستخرج من الذرة 3 ملايين طن سنوياً ويستعمل في صناعة الوقود الخالي من الرصاص، مما ساهم في القضاء ولو جزئياً على فائض الحبوب. أما الاتجاه الثاني وهو التخمر الاستوائي – البوتيلي، فيقضي بتحويل السكر إلى مزيج من الاستون والبوتانول وهو مزيج يعتبر وقوداً ممتازاً مهما كما كانت طريقة استعماله، نقياً أم ممزوجاً بالهيدروكاربونات أو بكحول أخرى.
يبقى توافر المواد الأولية (السكر النباتي الأصل) عاملاً حاسماً في تقييم إمكانية استعمال هذه المنتوجات إذ يبدو الاعتماد على فائض الزراعة (في الولايات المتحدة وأوروبا) محدود النتائج باعتبار أن هذه المواد الأولية موجهة بالدرجة الأولى لتغذية البشر. لذلك تم اللجوء إلى السليلوز وهو المكون الأساسي للنباتات وسوق الحبوب والأخشاب. ويتحول السليلوز إلى سكر مخمّر بواسطة إنزيم وذلك على مرحلتين إذ تتم مسبقاً معالجة المادة الأولية معالجة تستهدف اللغنين وبعدها يحول السليلوز إلى مزيج من السكر (هكسوز وبنتوز) يخضع لاحقاً للتخمر.
وهكذا تساهم التكنولوجيا الحيوية في إدخال مواد بديلة للوقود، وتبدو هذه الإمكانية مغرية بالنسبة للبلدان الغنية بالكتلة الحيوية والفقيرة بالموارد التقليدية للطاقة كما هو شأن البلدان المدارية الذي يتيح مناخها نمواً سريعاً للنبات. وإن كانت هذه البلدان تجد في ذلك وسيلة لتوفير أموالها لاستخدامها في مشاريع التنمية، إلا أن ذلك لا يجب أن يتم على حساب المواد الضرورية للتغذية (سكر، حبوب) أو على حساب الحياة المنزلية التقليدية (خشب التدفئة). كما تجدر الإشارة إلى أن الهيدروماربون البترولي ما يزال متكيفاً إلى حد كبير مع النقل بسبب ميزاته وكلفته ومساحة احتياطية، بالإضافة إلى أن عملية استبداله بطاقات أخرى يجب أن تجعله أكثر توافراً للاستعمال في وسائل النقل.
لقاء التكنولوجيا الحيوية والمعلوماتية
تحقق خلال السنوات الأخيرة تقدم ملحوظ في ميدان التكنولوجيا الحيوية مما أغنى الهندسة الوراثية والمجموع الهجيني. وأفاد مجموعة من التقنيات الحيوية التي قد تقل أهمية إلا أنها تؤمّن عبر تكاملها وتشابكها مداخل لوسائل جديدة للبحث والتطوير وضعت بتصرف مراكز الأبحاث العامة والشركات المعنية، وتقضي هذه الاستراتيجية الجديدة بتجميع الأدوات الضرورية لمعالجة المعلومات الحيوية بغية الإفادة منها لاحقاً، إذ أصبح من الممكن الآن "قراءة" هذه المعلومات في النص (تحليل سلسلتي البروتينات والموروثات) و"كتابتها" (تخليق السلاسل) ومقارنتها في مجمع المعطيات. وتعتمد مجموع هذه الوسائل على كل من المعلوماتية والتكنولوجيا الحيوية الكلاسيكية والكيمياء العضوية والكيمياء الحيوية. ويرتبط أحد العوامل الهامة لنجاح مثل هذه المقارنة بالقدرة الراهنة لدى علماء الأحياء والمعلوماتية على تحقيق عمليات أساسية متممة وتشمل على الصعيد الإلكتروني السلاسل الجزيئية على الكمبيوتر حيث تخزّن وتقرأ وتقارن وتفرز وتدمج وتنتقى. أما على الصعيد المادة، فهي معينة بالاستعمال المتزايد للآلات التي تخلق الموروثات والبروتينات أو تحللها، مما يسمح في المختبر، بكتابة المعلومات الحيوية وقراءتها وفرزها ودمجها، وذلك على شكل جزيئات يمكن استعمالها لاحقاً مخبرياً أو طبيعياً.
لقد أدت الأجهزة الجديدة التي تم تطويرها خلال السنوات الأخيرة، إلى جعل عملية تحليل الجزيئات الضخمة وتخلقها أكثر كثافة وأكثر دقة. كما تم تعميم آلة "التسلسل الدقيق" على معظم الأبحاث، إذ إنها توفر إمكانية تحليل 10 بيكومولات (أي بضع عشرات من نانوغرامات البروتينات) وتسبب تطور التكنولوجيا الحيوية إلى ازدهار آلات أوتوماتيكية لتخليق المورثات. هذا وظهرت عدة بنوك للمورثات وعدة معاجم للبروتينات يمكن الاتصال بها مباشرة بواسطة الهاتف، وأنشئت شبكة "بيونيت" لتجميع الجهود المبذولة لتحليل سلاسل الحموض النووية، وهي تهدف إلى تحسين الاتصالات بين علماء الأحياء على الصعيد الدولي عبر شبكات مسافية تستخدم أساساً لمقارنة سلاسل المورثات والبروتينات، وفرزها إلكترونياً.
أما آلات سبر التهجين والأجسام المضادة الأحادية المنشأ، فتستند إلى خاصية التفاعل الجزيئي بين البروتينات أو الحموض النووية وتسمح بفرز المورثات والبروتينات المطلوب عزلها. وقبل المباشرة باستعمال هذه الآلات كان تحديد موقع مورثة بشرية في المجموع المورثي الكامل يتطلب البحث، دونما دليل، عن صفحتين من صفحات آلاف الموسوعات الضخمة. ويتم تثبيت الأجسام المضادة الأحادية المنشأ الموجهة ضد عناصر متمايزة من فصيلة بروتينات، ضمن أعمدة. وهكذا تدرج البروتينات المطلوبة دون غيرها في العمود. وتتيح تقنية الرحلان الكهربائي على هلام ثنائي الأبعاد، بسط عشرات الآلاف من صفوف البروتينات الموجودة في الخلية على صفيحة. هذا ويسمح المسح الإلكتروني للصفيحة الفوتوغرافية التي تحمل آثار مجموعات البروتينات المحددة المواقع بواسطة التصوير الإشعاعي الذاتي، بتحديد مواقع البروتينات المعدلة إذ أنها تحتل مواقع مختلفة على الهلام. وهكذا يمكن ربط التعديل المحقق على مستوى المورثة بما يقابله في البروتين المناسب الذي يمكن عزله.
وبفضل الكمبيوتر أصبح ممكناً، وانطلاقاً من تحليل السلسلة، توقع بعض المعوقات في إعادة بسط البروتين. كما قد يتحقق وبواسطة كمبيوتر ذي سعة عالية وأجهزة تمثيل بياني دقيقة، التمثيل التشكيلي الثلاثي الأبعاد للبروتين وذلك انطلاقاً من المعلومات حول السلسلة الأولية. وسيصبح العلماء قادرين على ابتكار بنى جزيئية تتكيف مع بعض الوظائف. كما قد تقوم بعض الآلات الأوتوماتيكية بتخليق المورثات الملائمة ووضعها في العائل المناسب. وفي المستقبل ستتمكن المكننة المتطورة لأجهزة تحليل البروتين والمورثات وتخليقها من اختصار المهل وإقامة تغذية مرتدة أفضل بين فرضيات البحث والنتائج التجريبية. بالإضافة إلى أن طرق تحليل متعددات السكريد، ستصبح في السنوات المقبلة شبه آلية قبل أن تمسي آلية تماماً. هذا وسيعمل علماء الإلكترونيات الحيوية على وضع دارات حيوية – إلكترونية، بعد أن دخلت بعض عناصر هذه الدارات مرحلة التجربة العملية، ومنها الخيوط الجزيئية، والذاكرات الكيميائية، والمحولات البصرية – الإلكترونية.. غير أنه لم يتم حتى الآن تطوير أو بناء أية دارة منطقية.
ويؤشر اللقاء بين علم الأحياء والمعلوماتية إلى ولوج مرحلة جديدة من الهندسة ألا وهي مرحلة الآلات الجزيئية، وتعمل هكذا آلات داخل الخلايا الحية، إذ سيتم تطوير الآلات الجزيئية بالاستناد إلى علوم الأحياء الجزيئية والأحياء الدقيقة والإنزيمات والكيمياء الكهربائية والكيمياء العضوية والهندسة الوراثية والإلكترونيات.
التكنولوجيا الحيوية والآفاق الصناعية
أدى تحوير تسلسل الحموض الأمينية وفي نقاط محددة، إلى الحصول على منتجات جديدة منحت علم الأحياء ازدهاراً صناعياً لم يعرف لها مثيلاً في السابق. إزاء هذا التطور العلمي المطل على آفاق واسعة وخطيرة، انكب الخبراء ومكاتب الاستشارات الدولية على تقويم أسواق "التكنولوجيا الحيوية". واصطدم الاقتصاديون بصعوبات نجمت عن التباين في وجهتي النظر الاقتصادية والعلمية، إذ لا يميّز الاقتصاديون بين مادة أنتجها التخمر وأخرى مماثلة أنتجها التخليق الكيميائي، بالإضافة إلى الصعوبات النابعة من عدم وضوح معالم ميدان التكنولوجيا الحيوية الذي يتناول من ناحية منتجات الهندسة الوراثية المتطورة جداً ومن ناحية أخرى، أنواع المنتجات الشديدة القدم والمرتبطة بعمليات التخمر العادية، كالخبز والخمر والجبنة، إلا أن هؤلاء الخبراء أجمعوا على أهمية هذا الميدان وتوقعوا أن يشهد تطوراً سريعاً ويحقق أرباحاً طائلة، وإن لم يتوصلوا إلى توافق حول وتيرة نموّه ومعدلات الأرباح المتوقعة.
تستهدف استراتيجية التكنولوجيا الحيوية مجموع القطاعات الصناعية ذات المنتوجات القابلة للتجدد النابع من التقدم العلمي. وإذا بها اليوم تشمل الصناعة الصيدلة والكيمياء الدقيقة والزراعة والصناعة الغذائية والطاقة لا بل إنها تطال العلوم الإلكترونية، وتشكل التكنولوجيا الحيوية تهديداً للشركات الموجودة ضمن القطاعات المذكورة لما تحمله من مخاطر محتملة قد تصيب الإجراءات والشروط الاقتصادية، دونما أيّ تأثير على التجديدات التي في وسع المستهلك إدراكها. هذا وأثبتت بعض الشركات التي أنشئت بغية المساهمة في مغامرة التكنولوجيا الحيوية، مكانتها بين الشركات الصناعية المهمة، بينما أصيب البعض الآخر بالانهيار. ولا يلتفت الصناعيون إلى نتائج بعض المنتجات المذهلة (كالعقاقير "المعجزة" التي لم تثبت فعاليتها بعد)، إنما يولون اهتمامهم للبرامج الجديدة للأبحاث المرتبطة بعلوم الحياة، ووسائل الإنتاج الحديثة بالإضافة إلى إمكانية خفض تكلفة المنتجات، ويحيطون مظاهر اهتمامهم هذا بالكتمان، إذ فيها تكمن المنافسة.
ولقد أدرك العلماء أهمية اكتشافهم، فحاولوا المحافظة على إشرافهم على هذا الميدان من الأبحاث الدقيقة، وراحوا يطبقون علم الأحياء الجزيئية في تخليق منتجات جديدة، وكان من الصعب الحد من تطلع بعضهم نحو الربح السريع والشهرة العلمية، إذ خرقوا التقاليد العلمية السائدة بلهفتهم وراء الكسب المادي من خلال حفاظهم على جزء هام من رأسمال شركتهم من ناحية، ومطالبتهم بقيمة خيالية مقابل رخص اكتشافاتهم من ناحية أخرى، فكان أن سارعت الجامعات إلى ضبط أساتذتها الذين أغرتهم شركات الهندسة الوراثية، فحددت لهم الساعات التي يكرسونها لهذه الشركات. وفي هذا المجال أيضاً برز اتجاه نحو بنية جديدة متعددة التوجهات والاختصاصات تحلّ مكان تجمع الاختصاصيين في مجال واحد، فكان من الضروري دمج جهود علماء الرياضيات واختصاصيي اللغات والإلكترونيات من أجل تدريب علماء المعلوماتية الحيوية والإلكترونيات الحيوية.
ويرتبط نجاح المشاريع الصناعية بقدرتها على الإنتاج مما يتطلب استثمارات ضخمة في منشآت ثابتة قد لا تناسب التطور السريع للتقنيات الحيوية. كما أن المراحل الصناعية المتعددة لاستخراج عنصر فعال أنتجته عضويات دقيقة ومن ثم تنقيته هي أشد تعقيداً منها في الكيمياء التخليقية حيث تحل عملية " التبلّر" العديد من المشاكل. إن عمليات تعديل العضويات الدقيقة، والانتقال بالجراثيم من مستوى الأبحاث إلى مستوى الصناعة، بالإضافة إلى التخمر والعمليات الوسيطة الحيوية، تتطلب كلها تكيفاً مع مصانع الإنتاج، وهكذا لا تكون عملية التصنيع مربحة ما لم يكن للمنتجات النهائية قيمة مضافة مرتفعة، وقد يعرف هذا "النشاط الحيوي" نجاحات تجارية إذ أنشئت عدة شركات هدفها تخليق أجزاء المورثات أو الببتيدات بواسطة أجهزة ممكننة كلياً، لا بل أدى البحث عن الببتيدات أو البروتينات التي تملك نشاطاً حيوياً، إلى وضع أجهزة تسلسل للبروتينات انطلاقاً من كميات دقيقة للمواد، ولكن يبقى استعمال الأجسام المضادة الأحادية المنشأ، هو الأهم على صعيد المنتجات التجارية.
هذا وقد قلب علم الإلكترونيات المفاهيم الكلاسيكية في تمويل الصناعات الناشئة، إذ أثبت رأس المال المغامر في الولايات المتحدة فعاليته في اكتشاف العباقرة الصغار وتسويق اكتشافاتهم، لكن إنجاز المنتجات الحيوية يتطلب وقتاً أطول مما يتطلبه إنتاج المكونات الإلكترونية، ولن تتمكن شركات الهندسة الوراثية من استعادة توازنها المالي قبل مدة طويلة، إذ ليس أكيداً أن يصبر المستثمرون حتى تحقق هذه الشركات أهدافها التجارية، ولتفادي هذا العائق، أنشأت بعض الشركات الفاعلة صناديق اعتماد للأبحاث والتطوير مما دعم ميزانيتها وأمن استمرارية نشاطاتها على مستوى مقبول. هذا واستثمرت كلّ من الصناعة البترولية وصناعة الكيمياء الثقيلة رؤوس أموالها في هذه الشركات الجديدة، بينما لم تساهم الصناعة الصيدلانية في التمويل إلا بشكل محدود من خلال عقود أبحاث، إلا أنها طورت أعمالها الخاصة ووطدت علاقتها بالجامعات.



المصدر : الباحثون العدد 53 تشرين الثاني 2011