المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خصائص الرواية الفرنسية الجديدة


Eng.Jordan
11-03-2012, 12:03 PM
- عبد الباقي يوسف

http://www.albahethon.com/photo//4/7-4eb2601c677dc.jpg

يولد الجديد دوماً، ومن طبع الحياة أن تأتي بالمفاجآت ومن طبع البشر اكتشاف الجديد، فلكل جيل أفكاره ونظرته ومفهومه, وبطبيعة الحال فإن الاكتشافات عملية مشروعة أمام تعاقب الأجيال. هنا سنلقي بعض الأضواء على تجربة أدبية قام بها مجموعة من الكتاب في فرنسا وأسموها. "الرواية الفرنسية الجديدة " وعملوا بنشاط حتى أوصلوها إلى جائزة نوبل للآداب.
من أبرز هؤلاء: ميشيل بوتور - كلود سيمون - ناتالي ساروت - الآن روب غريية.
وقد تبنتهم دار (مينوى) ونشرت أعمالهم الأولى التي لاقت الفشل، وهاجمها النقاد بعنف على أنها: روايات بلا معنى، روايات مملة، أدب فارغ، روايات بيضاء ليست جديرة بالقراءة.
لكنهم تواصلوا بعقلانية في طرح شكل ومفهوم الرواية الجديدة من خلال هذا المشروع الأدبي الجديد.
الرواية الفرنسية الجديدة
في كتابه: "بحوث في الرواية الجديدة" يرى ميشيل بوتور: أن الروائي ليس هو مَن يضع الرواية، بل الرواية هي التي تضع نفسها بنفسها.
وعن تعريفه للرواية الجديدة وكيفية كتابتها يقول: لا أستطيع أن أبدأ بكتابة رواية إلا بعد أن أكون قد درست تنظيمها شهوراً عديدة، والابتداء من اللحظة التي أجدني فيها مالكاً المخططات الضرورية التي تبدو لي فاعليتها معبرة وكافية بالنسبة للمنطقة التي استدعتني في بادئ الأمر. وإذا ما تسلحت بهذه الآلة وبهذه البوصلة، وبهذا المخطط المؤقت، فإني أبدأ رحلتي التنقيبية وأبدأ المراجعة.
إن هذه المخططات نفسها التي أستلهمها، والتي بدونها ما كنت لأجرؤ على سلوك هذا الطريق، قد تسمح لي باكتشافات تجبرني على تغييرها، ويمكن أن يحدث ذلك من الصفحة الأولى، ويمكن أن يستمر حتى آخر تصحيح في المسودات المطبوعة، وهذا التفهم الواعي للعمل الروائي يذهب إلى الكشف عن الرواية بصفته كاشفاً، وإلى جرها لتبدي أسبابها، ويطور فيها العناصر التي ستظهر كيفية ارتباطها بما بقي من الواقع، وبأي شيء توضحه. عندئذ يبدأ الروائي يعرف ما يصنع وتبدأ الرواية بالإعلان عن نفسها.
وبالمقابل فقد تمت المقارنات بين الرواية الفرنسية الكلاسيكية والرواية الجديدة.
تقول ناتالي ساروت في نقدها اللاذع عن الرواية الكلاسيكية:" يعطون للقراء انطباعاً بأنهم في منزلهم بين أشياء مألوفة.. وهكذا يتولد شعور بالتعاطف والتعاون والعرفان بين القراء وذلك الراوي الذي يشبههم والذي يعرف ما يشعرون به، وبما إنه أكثر وعياً وانتباهاً وخبرة منهم، فإنه يكشف لهم أكثر مما يعرفون عن أنفسهم وعن المشاكل المحيطة بهم، ثم يقودهم دون أن يتبعهم كثيراً أو يثبط من عزائمهم.."
في الرواية الجديدة لم يعد الروائي عالماً بخفايا وأسرار شخوصه، ولم يعد يسدي الموعظة للقراء، لم يعد الراوي قادراً أن يكون في قارتين وعالمين في آن معاً.
قبل الرواية لا يوجد أي تصور للمصائر.. فقط هناك خطوط عامة ورغبة للكتابة.. إلى أي مصائر ستودي بالأشخاص الذين سيولدون.. يجهل الروائي تماماً هذه التفاصيل.. وعلى القارئ أن يتدخل ويجاهد ويجادل، فهو يشرك الروائي في الكتابة في أثناء قراءته، والروائي هو الذي يفتح له هذه الآفاق ويترك غالباً النهايات المفتوحة، والأسئلة دون إجابات.
يقول كلود سيمون الحاصل على جائزة نوبل للآداب وهو أحد أبرز رواد هذه الرواية:"إنني أكتب كما يقوم المصور بعمل لوحة، وكل لوحة هي أولا عبارة عن تكوين"، أما الناقد الفرنسي (كلود روا) يفسر أسلوب سيمون قائلاً: إنه يصيغ جملا متراكمة تراكم أشياء الحياة.. هذه الجمل لا تنتمي أبداً.. إنها متلاصقة لا تتفكك وكأنها كابوس تاريخي.. أعشاب لا نهاية لها.. تذكرنا هذه الجمل بأننا نسينا هويتنا". إن الرواية الجديدة مولعة بالوصف وتعتمد بشكل هام على أربعة عناصر هي: الجو.. الوصف.. الزمن.. الألوان. لم تعد الرواية تحكي حدوتة أو حكاية.. لقد أصبحت تمثل المغامرات اللغوية والفكرية والإنسانية.. لا شيء منتظم.. حتى الزمن. يقولون:"نحن لا نعيش انسياب الزمن أو مسيره.. بل نعيشه متقطعاً.. إن كل قطعة منه تبدو لنا موجهة ذات مدة معينة ومتوجهة نحو قطع أخرى... ولكنها تبدو لنا دائما كقطعة، ترسم فوق نسيج من النسيان أو عدم الانتباه. فلكي نستطيع دراسة الزمن في استمراريته, أي لكي نستطيع إظهار ثغراته.. من الضروري أن نطبقه على مسافة مكانية". وسأقدم مثالاً حياً من إحدى روايات كلود سيمون وهو مولع بالفن التشكيلي منذ طفولته وشغوف بألوان الطبيعة: "كان الجو ربيعاً.. أذكر أن الريح ظلّت تعصف دون هوادة مدة ثلاثة أشهر لدرجة أنها حينما كانت تتوقف صدفة يخيل للمرء إنه مازال يسمعها، تئنّ وتعصف ليس من الخارج، ولكن كأنها تعصف داخل الرؤوس ذاتها أصوات مجلجلة، أصوات خيالية خالية من مضمونها.. مليئة بالضوضاء فحسب، مليئة بذلك الغبار الذي كان يتوغل في كل مكان.. رواية الريح.
تقنية الحوار الداخلي
إن ميشال بوتور الذي كاد يتخصص في البحوث عن الرواية بدل كتابتها يرى أن المجال في الحوار الداخلي فسيح أمامنا، حتى في كتابة اليوميات، يقول: لنستعيد في خاطرنا أكثر من مئة مرة ذكر الحوادث قبل انتقالها من حيز العمل إلى حيز الرواية، إنهم هنا يقدمون لنا الواقع عند حدوثه، نابضاً بالحياة، مع ماله من امتيازات عجيبة تمكننا من تتبع مجريات الحادثة في ذاكرة الراوي، وجميع التحولات التي طرأت عليها، والتأويلات المتتابعة فيها، والتطور في تعيين موقعها، منذ اللحظة التي حدثت فيها إلى لحظة تدوينها في اليوميات.
لكن المشكلة في الحوار الداخلي العادي هي بكل بساطة ووضوح، موضوعة بين هلالين، ومطموسة معزولة، فكيف يحدث لهذا الكلام أن يصبح كتابة وفي أي زمن تمكنت الكتابة من استعادته.
ضمير المخاطب
ولهذا تمّ التركيز أو لنقل تم اكتشاف ضمير المخاطب وبوتور نفسه استخدم هذا الضمير بقوة وجرأة مثال على ذلك النص الآتي لبوتور: "لقد وضعت قدمك اليسرى على المزلق النحاسي، وبكتفك الأيمن تحاول دون جدوى أن تدفع باب القاطرة المنزلق: تدخل من الفتحة الصغيرة، وأنت تحتكّ بجانبها، ثم حقيبتك المغطاة بجلد حبيبي قاتم ذي لون قنينة سميكة، حقيبتك الصغيرة كرجل معتاد على الأسفار الطويلة، تنتزعها بمقبضها اللزج بأصابعك التي سخنت".
يعلق بوتور على هذه المسألة قائلاً: "عندما يكون هناك شخص تروى له قصته الذاتية، أو أي شيء عن نفسه لايعلمه أو على الأقل لا يعرفه بعد على مستوى الكلام، عندها تروى حكاية بضمير المخاطب، وتكون دائماً حكاية تعليمية، وهكذا ففي كل مرة نريد أن نصور تقدماً للوعي، وتشكلاً للكلام أو لكلام ما، يكون ضمير المخاطب هو الأنسب".
ولكن ينبغي بالنتيجة، لسبب أو لآخر، ألاّ يتمكن هذا الشخص من رواية قصته وأن يُمنع عنه الكلام. هكذا يفعل المحقق ومفوض البوليس في استنطاقاتهما، فإنهما يجمعان مختلف عناصر القصة التي يرفض الممثل الأساسي أو الشاهد أن يرويها، أو لا يستطيع أن يرويها، ثم ينظمان هذه العناصر في قصة تروى بصيغة المخاطب لتفجير الكلام الذي رفض الراوي الإفصاح عنه، أو لم يستطع الإدلاء به مثال ذلك: "لقد عدت من عملك عند الساعة... ونحن نعلم من هذا الانقطاع أو ذاك أنك تركت منزلك عند الساعة... فماذا فعلت بين هاتين الفترتين"؟
أو "تقول إنك فعلت كذا، ولكن ذلك مستحيل لهذا السبب أو ذاك، فلا بد إذن أنك فعلت كذا.".
لو كان الشخص يعرف قصته بكاملها، ولو لم تكن لديه موانع لسردها للغير، أو لروايتها لنفسه، لوجب استعمال صيغة المتكلم: إنه يدلي بشهادته، ولكن الأمر يتعلق بأن تنتزع منه إفادته انتزاعاً، إما لأنه يكذب أو لأنه يخفي الحقيقة عنّا، أو يخفي عن نفسه شيئاً ما.
وهكذا ففي كل مرة نرغب فيها وصف تطور حقيقي في الضمير، أي خلق اللغة نفسها، أو أية لغة كانت، فإن صيغة المخاطب هي التي تكون أكثر فعالية.
بطبيعة الحال فإن هذا الضمير لا يصطدم مع مسألة الوصف الخارجي للأشياء فيمكن من خلاله أيضاً التصوير الخارجي.
يعتمد كلود سيمون على التصوير بشكل أساس في أعماله الروائية، وللدلالة على ذلك أقدم هذا الجزء من سيمون الذي يقول فيه وكأنه يصور سحر الطبيعة: تضاعفت الريح، ظلت تعوي مدة ثمانية أيام وثماني ليال متتالية كالإعصار، تكسو الشوارع بالأوراق الجافة وأفرع الأشجار المكسورة، تكسر دعائم أشجار الكروم وتخر الدعائم الأخرى التي كانت تصمد لها بعنف.
تقنيات استعمال الضمائر في الرواية الجديدة
استطاعت هذه الرواية أن تبتكر تقنيات فنية ملفتة لاستخدام الضمائر في مشروعها الجديد، فكانت الضمائر تتداخل بشكل منسق ومدهش بحيث تقدم خدمة جيدة لعملية السرد الروائي.
يقول ميشيل بوتور: إن أبسط الصيغ الأساسية للرواية هي صيغة الغائب، وفي كل مرة يستعمل الكاتب فيها صيغة أخرى يكون ذلك، نوعاً ما، على سبيل "المجاز" فعلينا ألاّ نتقيد بها حرفياً، بل نردّها إلى صورتها الأساسية المضمرة، وهكذا نرى أن مارسيل بطل رواية "البحث عن الزمن الضائع" يستعمل صيغة المتكلم، ولكن بروست نفسه يصر على أن هذه الصيغة "أنا" هي شيء آخر، ويقدم على ذلك حجة دامغة بقوله: "إنها رواية".
في كل مرة تكون القصة خيالية تدخل الضمائر الثلاثة حتماً في الموضوع: ضميران حقيقيان: الكاتب الذي يروي القصة، ويقابله في المحادثة الضمير "أنا" والقارئ الذي نروي له القصة، ويقابله الضمير "أنت"، وأخيراً شخص وهمي هو البطل الذي نروي قصته، ويقابله الضمير "هو".
يوضح بوتور قائلاً: يعلم كل منا أن الروائي يبني أشخاصه، شاء أم أبى، علم ذلك أو جهل، انطلاقاً من عناصر مأخوذة من حياته الخاصة، وأن أبطاله ما هم إلا أقنعة يروي من ورائها قصته ويحلم من خلالها بنفسه، وأن القارئ لا يقف موقفاً سلبياً محضاً، بل يعيد من جديد بناء رؤية أو مغامرة ابتداءً من العلاقات المجمعة على الصفحة، مستعيناً هو أيضاً بالمواد التي هي في متناول يده، أي ذاكرته، فيضيء الحلم الذي وصل إليه بطريقته هذه كل ما كان يغشاه شيء من الإيهام، ففي الرواية إذن يكون ما يروونه لنا هو دائماً شخص يروي قصته ويقص ما وقع معه، ووعي واقع كهذا يسبب انتقالاً في الرواية من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم.
الرواية الفرنسية الجديدة وجائزة نوبل للآداب
لقد استبشر بهذه الرواية كبار النقاد والمفكرين أمثال جان روسيه، ورولان بارت، وجان بول سارتر, وجون ستوروك، وكلاوس نيتزر، وكورت ويلهم، وغيرهم، فأصبحت تأخذ دور الصدارة في الترجمة والمبيعات.
وفي عام 1971 انعقد مؤتمر كبير ناقش خصوصية الرواية الفرنسية الجديدة، وتم تخصيص جائزة سنوية باسم مدسيس تمنح لأفضل رواية جديدة، فكان ذلك بمثابة الاعتراف المبدئي الهام لهذه الرواية على صعيد وسائل الإعلام مما يجعلها تتهيأ للنظر نحو أبرز جائزة أدبية في العالم، وهي جائزة نوبل للآداب.
تتواصل منجزات الرواية الجديدة على أيدي روادها، ويأتي عام الاعتراف الدولي الأهم، عام الاعتراف العالمي بهذا المولود حيث منحت أكاديمية استوكهولم في يوم الحادي عشر من أكتوبر جائزة نوبل للآداب لسنة 1985 للرواية الفرنسية الجديدة تسلمها الرائد كلود سيمون على مجمل أعماله الروائية وأبرزها: الحبل المشدود 1947 – قدسية الربيع 1954 – الريح 1957.
كلمة ختام
نحن لا نحتاج أن نقرأ رواية لمجرد أننا نرغب في قراءة رواية، إننا نحتاج أن نرى عالماً كاملاً لم نره، ولم نقرأ عنه من قبل في الرواية، ذلك لأن الرواية معنيّة بفتح عالم جديد أمام قارئها. الرواية التي لا تحمل بين غلافيها شمساً وقمراً ونجوماً وبحاراً وصيفاً وربيعاً وخريفاً وشتاءً، كثير عليها أن تحمل اسم رواية.
الرواية تحمل عبق الإنسان، تحمل رائحته الزكية، إنها أكثر الحالات صفاء وانسجاماً مع تفاصيل الحياة.
تتغلغل الرواية في أعماق أرضها سنوات طويلة من العواصف والرعود والأمطار وتقلب الفصول حتى تخرج إلى النور حاملة ريح الأرض والناس والبيئة التي ولدت فيها.
تحقق أي رواية في العالم الخلود على قدر ما تفوح بروائح تربتها، فالرواية تقدم زمناً وأرضاً ومجتمعاً، ولذلك فإن الصدق ينفجر من أكثر الكتابات التصاقاً بتفاصيل المحلية، وليس ثمة سبيل أقرب إلى العالمية من محلية الأفكار والتعابير.
تبقى الرواية الفرنسية الجديدة جهداً مميزاً طوره الرواد وحققت منجزات أدبية وتقنية ولغوية هامة أثرت في جنس الرواية في العالم، وأصبح لها تلاميذ بحيث تحولت الرواية الفرنسية الجديدة حالياً إلى سمفونية وطنية يعزفها المشهد الروائي الفرنسي في غالبيته.
يقول ميشيل بوتور: إن لتعبير "رواية جديدة" معنى تاريخياً واضحاً والأمر يتعلق ببعض الروائيين الذين اشتهروا فجأة حوالي سنة 1956.
ومن الواضح أنه كان لهؤلاء الروائيين، على اختلافهم، نقاط مشتركة، وليس من قبيل الصدف أن يكون القسم الأكبر من كتبهم قد قامت بنشره دار نشر واحدة، وفي الدروس التي ألقيتها عن فن الرواية الفرنسي في القرن العشرين كنت مجبراً على تقديم الأشياء على هذه الصورة، وعلى القبول بالانتماء إلى "الرواية الجديدة".
إن الأعمال التي تقوم بها المجموعة التي تنتمي إلى هذه الرواية تستحق، على ما يبدو لي، كل اهتمام، ولدي شعور أن شيئاً ما يختمر في نفوس بعض مَن هم أصغر سناً.
*************************************



المصدر : الباحثون العدد 53 تشرين الثاني 2011