المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الخريطة الجديدة للأفكار


Eng.Jordan
11-03-2012, 12:08 PM
ت.د. ماري شهرستان
http://www.albahethon.com/photo//4/13-4eb264ee5c5fb.jpg

خلال عقدين من الزمن انقلب العالم إلى عصرٍ جديد. وعلى جبهة الأفكار أيضاً ثمة انقلاب قد حصل. فهناك كلمات جديدة, حاملة رؤى جديدة للعالم فرضت نفسها أثارت وغيّرت رؤانا الذهنية.
عندما تمَّ إطلاق مجلة العلوم الإنسانية في الأكشاك في شهر تشرين الثاني عام 1990, كنا نعيش في عالم آخر: عالم دون هاتف جوال ولا شابكة(إنترنت)! كان الفاكس موضوع تباهٍ بالنسبة إلينا:"فمع الفاكس, يمكننا أن نتلقى مباشرة ودون أي تأخير, نصاً مرسلاً من قبل باحث موجود في الطرف الآخر من الكرة الأرضية, ثم نقوم بإصلاحه وإعادة إرساله مباشرة!" وكان إدغار مورانEdgar Morin قد قال لنا مازحاً: "سيكون لنا مقابلات فاكس لفاكس" (وكنا نعِّدُ سوية العدد الأول). لا أحد كان يتخيّل أن الفاكس سيُستبدل بهذه السرعة بالبريد الإلكتروني الذي انتشر استخدامه في أواسط عام 1990. وترافق البريد الإلكتروني مع ابتكار عظيم وهو: الشابكة (الويب ***), والذي كان تيمبيرنر- لي Tim Berners-Lee قد أنشأ الصفحة الأولى فيها قبل بضعة أشهر. الإنترنت, القارة الرقمية الجديدة كانت قيد البزوغ. كان ذلك بداية ثورة قلبت أوضاع العالم الثقافي ووسائل الإعلام. في تلك الفترة, لم يكن هناك بعد حديث عن "اوتوسترادات المعلومات".
في عام 1990, بينما كنا نهيئ ونحن مضطربون صدور العدد الأول من المجلة, حصل على الساحة الدولية أحداث أخرى كبيرة. في شهر آب, اجتاح الرئيس العراقي صدّام حسين الكويت, رافضاً الامتثال لقرارات المجتمع الدولي, فقام تحالف من 34 دولة بقيادة الولايات المتحدة والرئيس جورج بوش بشن هجوم باسم: "درع الصحراء". وللمرة الأولى, كانت الآراء العامة والمفكرون مؤيدين له.وكانت باعتقادهم حرباً "عادلة" كما شرحها بعد ذلك الفيلسوف ميكايل والتزرMichael Walzer, حرب شُنت باسم حق الشعوب وحقوق الإنسان. ربما انطلاقاً من هذه الحرب بزغ "نظام عالمي جديد".
وفي تلك الفترة نفسها كانت أحداث عالمية تجري أمام أعيننا المندهشة. فالعام المنصرم أي عام 1989, كان جدار برلين قد سقط. وفي الأشهر التي تلت هذا الحدث, انهار كل النظام السوفييتي مثل قصر من ورق. وجب حينذاك التفكير بـ"التحوّل" من حال إلى حال: تحوّل مذهل لا يصدَّق وهو انتقال من الشيوعية إلى الرأسمالية, خصوصاً بالنسبة لنا حيث كنا ماركسيين قدامى!. هذا "التغيّر الكبير" الجديد لم يطل بلدان الشرق فحسب بل كل آسيا بمجملها. في تلك الحقبة, لم يكن يحكى عن الصين بقدر ما كان يحكى عن اليابان الذي فتن الغرب بتطوره العاصف وطرقه الجديدة بإدارة الأعمال. شيء واحد كان مؤكداً, وهو أن الرأسمالية كانت في طريقها إلى الانتشار في كل القارات وبسرعة كبيرة مشكِّلة قاعدة لـ"اقتصاد- عالمي économie-monde" جديد, (كان هذا عنوان عدد من أعدادنا لعام 1992, وهذا دليل على أنه: وإن كانت الفكرة حاضرة لكن التعبير "عولمة mondialisation" لم يكن متداولاً بعد من قبل الجميع).
ثورة تقنية, ثورة اقتصادية, نظام جيو- سياسي جديد, لقد انهار عالم وظهر عالم جديد أمام ناظرينا.
حالة الأفكار
وعلى صعيد الأفكار, كان يبدو أيضاً أن كل شيء قد انقلب, كان هناك صفحة على وشك أن يتم قلبها, وهي صفحة: "العصر الذهبي" للعلوم الإنسانية الذي أصبح وراءنا, مع نماذجه الكبيرة(البنيوية, والفرويدية, والماركسية(4)) ومع أرباب فكره. واختفى كُتَّابه المؤلَّهين بشكل عنيف أحياناّ: رولان بارت Roland Barthes مات دهساً بسيارة عام 1980, وجاك لاكان Jacques Lacan مات بمرض السرطان عام 1981, وميشيل فوكو Michel Foucault أصيب بمرض السيدا عام 1984, ولوي آلتوسهLouis Althusser, اختفى عام 1990 بعد أن ارتكب فعلاً جنونياً (فقد قتل زوجته).
خلُص بعضهم إلى أن هناك أزمة خطيرة في "العلوم الإنسانية". بالنسبة إلينا, بما أننا كنا نريد أن نمثل الحرس الجديد, ظهرت هذه الأزمة كفرصة مناسبة لنا. فقد كان العصر الجديد يبدأ بالانفتاح, وقد تميز بنهاية "العقائد الكبيرة" (وهي الفكرة التي شكلناها عنه, على أقل تقدير). فاجتهدنا في أعمدة العلوم الإنسانية على شرح معنى التعبير: "ما بعد الحداثة", الذي يعني أننا كنا نخرج من حقبة طويلة باتجاه التقدم وتحديث محتم للمجتمعات للدخول في عصر جديد, عصر التعدد الثقافي ونسبية القيم. وقد تزامن ذلك مع أسلوب جديد في النظرة إلى العالم: ليس انطلاقاً من أصناف نقية وحقائق كونية بل انطلاقاً من مفاهيم هجينة ومقاربات تعددية. كان الزمن زمن التعقد.
لم تكن الأفكار الحديثة غائبة. وكان الحديث في أوروبا عن "العلوم المعرفية" العجيبة قد بدأ؛ وعاد الفرد إلى واجهة المشهد, لكن كان ينبغي التفكير فيه بأدوات ذهنية جديدة. لقد كنا قد خرجنا من عصر النظريات الأحادية الجانب: لم يكن الموضوع يعني الاعتقاد بفرد حر وسيّد نفسه كما أراده "سارتر", بل برؤية اجتماعية شاملة(5) لدمية متحركة مفرطة الاجتماعية. وكان التفكير متجه أيضاً نحو أزمة الرابط الاجتماعي, ومجتمع المعرفة, والحكم, والهوية, وعودة الضمير..
بعد عشرين عاماً
لقد كان هناك ميل كبير لوصف تقلب الأفكار وكأنه تغيير فكري وميل للتبجح والتكلم بغرور باستخدام التعابير التالية:(لقد اعتقدنا أنه.., نعلم في يومنا هذا..). تقلب الأفكار ليس حركة تحوّل نظامية الشكل ترسم لنا الـ" ما قبل والـ ما بعد ذلك". لقد كان التاريخ على الدوام فوضوياً, مصنوعاً من تشابك ميول وتداخل بنى وأشكال غير مكتملة. وهذه الحالة تنطبق على حالة الأفكار أيضاً. فالتركيبة الذهنية لعصر من العصور لا تترك نفسها حبيسة شِباك بسيطة جداً لـ"إيديولوجية سائدة". فهي مصنوعة من صفائح أساسية وأمواج واضطرابات سطحية, وثورات صامتة وأحياناً تراجعات غريبة إلى الخلف. وحده الإنسان الحاذق الماكر هو الذي باستطاعته أن يستخلص تصوّراً واضحاً ودقيقاً من كل ذلك.
التركيبة الذهنية هي أقرب إلى شكل غيوم من "كلمات – رمزية" وكأنها تصف محتوى لموقع على الشابكة. هذا الركام الضبابي المؤلَّف من كلمات متعانقة ذات ألوان وأحجام مختلفة, يشكل خريطة أفكار مهيمنة ومواضيع جانبية. وهذا الكم الهائل من الكلمات والأفكار تختلط فيه المواضيع الفضفاضة مع المفاهيم المركبة ومع اللغة الخاصة والأفكار الجديدة. كل ذلك مجتمعاً يرسم روح العصر. كلٌ ينهل من عناصره الخاصة به ويرسم بأسلوبه خريطته الذهنية. فإن وجب علينا أن نرسم خريطة عصرنا لتبادرت إلى ذهننا بضع عشرات من الكلمات – الرموز. ما هي؟
من العولمة إلى الفرد
لا شك أن التعبير "عولمة" ظهر في مكان مناسب وسط الغيم. في عام 1990 عندما ظهر (في كتاب لروبيرت رايشRobert Reich), أشركوا معه رموزاً أخرى مثل العالم الثالث, التجارة العالمية, الليبيرالية الجديدة, أفول الدول, شبكات.. ونرى اليوم إلى جانبه ظهور تعابير مثل: "المال العالمي", "أزمة", "الصين". لقد غاب "العالم الثالث" عن أفقنا الذهني لتحل مكانه رؤية جديدة تماماً لجنوب الكرة الأرضية. ويتم طرح مسألة قوة الصين الصاعدة, والهند, والبلاد البازغة. مع هذه التعابير برزت خارطة جديدة للعالم, مع مراكز ثقلها الجديدة وعلاقات القوى.
لقد أثرت العولمة على الأفكار أيضاً. وبدأ تاريخ عالمي جديد يشق طريقه إلى الظهور, وكذلك العلوم الإنسانية فقد حذت حذوه إلى العولمة(6).
أما التعبير "تطوّر" فلأنه كان مرتبطاً بالعولمة ظل حاضراً دون شك, لكن مترافقاً مع صفة "مستدام". كان مفهوم التطوّر عام 1990 مماثلاً أو مرادفاً للتعابير "نمو", وإغناء, وتحديث(7). أما اليوم فالتعبير تطوّر مستدام يتم طرحه مع كوكبة التعابير المرافقة له والمواضيع المرتبطة به مثل: "التنوع الحيوي", "التناقص", "البيئة". من كان ليصدِّق؟ في الوقت نفسه الذي شخَّص فيه الفلاسفة "نهاية العقائد الكبيرة", كانت إيديولوجية عالمية جديدة في طريقها لتفرض نفسها!. عقيدة كبيرة جديدة مع سيناريو كارثي خاص بها, ومع آمالها المتعلقة بمجيء المسيح, وفنها المسرحي, وشعاراتها, وأبطالها وشياطينها.
مع فارق بسيط أن هذه الرواية الكبيرة تُكتب اليوم بالرمادي والأسود لأنها أتت من أفكار ظلامية: فكر الأزمة, وصولاً إلى فكر الانهيار, إنها"كلمة – رحالة" بزغت واستولت على الألباب منذ عام 2000.
كلمة "انهيار", تجعلنا نفكر بسقوط برجي التجارة العالمية, وبإفلاس الأنظمة المالية في عامي 2008- 2009. في الواقع, "انهيار" (Collapse) كان عنواناً لكتاب جارد ديامون Jared Diamond الذي وصف كارثة أخرى: انطواء الحضارات التي حطمت نفسها في الماضي بعد أن استهلكت مواردها.
لنترك الساحة الدولية وننظر إلى العالم من خلال الطرف الآخر للمنظار: نظرة إلى الفرد. لقد كانت أعوام 1960- 1970 هي أعوام عودة الفرد بقوة ليكون إنساناً فاعلاً, ليكون مواطناً. "الفردية" هي تعبير آخر يعتبر "الرمز – الكبير" خلال هذه العقود الثلاث. في عام 1980, المنحدر الإيجابي: التحرر, انتصار الحريات(النساء, الأطفال, المتع, والاستقلالية في العمل). وفي نهاية عام 1990, أصبحت الفردية الصاعدة إشارة لخطر داهم: "أزمة الرابط الاجتماعي", تفكك أطر الانتماء: ظهور العائلة المتفرقة, "المرونة" في العمل(8), وبدت الدولة - العناية في أزمة. وصل الأمر لدرجة أنهم وضعوا تشخيصاً لهذه الحالة على أنها "أفول المجتمع(9)" أو أنهم يتحدثون عن "المجتمع السائل" الذي فيه تذوب جميع المؤسسات (في عام 2006, وضعنا عنواناً لملف "أين ذهب المجتمع؟"). ومنذ فترة وجيزة تغيرت الصورة الإجمالية. الأزواج يتفككون ثم يعيدون التشكل؛ ويظل العمل قيمة ومكان الاجتماع الرئيسي. تشكلت "شبكات اجتماعية" على الشابكة (الويب***), وبعكس الأفكار المتلقاة, فهي ليست البديل عن الاجتماعية الحقيقية, إنما ترافقها. الدولة – العناية في أزمة, تعيد تنظيم نفسها, لكنها لا تختفي أبداً. والمدينة ليست ذلك المكان الذي يبعث على الحزن حيث يهيم فيه الناس لوحدهم. فنسيج التجمع والروابط والجمعيات غير الحكومية لم يكن في حياته بمثل هذه الحيوية. بعد الانقلاب الكبير للصفحة الليبيرالية, عادت إلى الظهور في المقدمة كلمات مثل:"تضامن", "معرفة الغير", "أخوة", "العيش المشترك", حيث أحيت أوهاماً جديدة. علماء الاجتماع يراقبون بدقة تطور هذا الرابط الاجتماعي المنقوص الأطر, والأكثر مرونة لكنه غير غائب. علماء العصبية يحاولون كشف الدعائم العصبية والهرمونية لمعرفة الآخر, وللثقة, وللغرائز الاجتماعية داخل الدماغ.
الدماغ تحديداً هو التعبير الآخر أو الكلمة – المنار لطبيعتنا الذهنية. لقد تقدمت العلوم العصبية بنجاح كبير, مرتبطة بكوكبة من المفاهيم (انفعالات, مرونة, ضمير) وبمناهج وأبحاث تختص بالـ "الجهاز العصبي" (مبحث في فلسفة- الجهاز العصبي, الأخلاق في الجهاز العصبي,اقتصاد الجهاز العصبي, التربية والجهاز العصبي, وحتى اللاهوت والجهاز العصبي, أو أنتروبولوجيا الجهاز العصبي(10)). هذا التقدم القوي للعلوم العصبية والعلوم الطبيعية إجمالاً أعاد إثارة الجدل في المواضيع مثل: طبيعة/ وثقافة, نفس/ وجسد, مادة/ وروح, حيواني/ وإنساني. هل هي العودة الأزلية للأفكار البالية؟ لا يخفى عن المراقب والمدقق المتشدد الإشارة إلى بروز مفاهيم جديدة – "مرونة", "تخلق متعاقب", تطور مرافق" مع التنويه عن تجاوز ممكن للنزاعات القديمة.
وماذا عن الغد؟
وكلمات كثيرة أخرى فرضت نفسها في غيمة لائحتنا الذهنية تخصّ أفكار حاضرنا الراهن: "جسد", "مدينة", "عنف", "صحة", "نوع". كما اتخذت لها مكانة متعاظمة داخل العلوم الإنسانية. وبرزت مفاهيم جديدة أو شكلت أنواعاً من مزيج الكلمات غريبة الشكل كما حصل في اللغة الفرنسية على سبيل المثال: كلمة "simplexité""التعقيد المبسط"وتتألف هذه الكلمة من مزج بين كلمتي البساطة simplicité والتعقيد complexité, وكلمة coopétition”" "التعاون التنافسي" وهي حصيلة مزج بين كلمتي التعاون coopération والتنافس competition, وكلمة "ما بعد الإنسان posthumain" أي بعد تفاعل الإنسان والإنسان الآلي homme-robot, إلخ. إلى جانب ذلك عادت كلمات أخرى إلى الظهور مثل: حرب, سلطة, ديانة, ونعلم اليوم أن هذه الكلمات غير مستعدة لمغادرة المشهد.
أية كلمات منها سترسم مشهد الغد؟ فإن كان هنالك درس من التاريخ, فعبث البحث عن التنبؤ به. لكن مع ذلك هناك اليوم يقين وشعور متبادل على مستوى واسع الانتشار: مفاده أننا اليوم في حالة تغيير العصر. القرن العشرين ذهب والقرن الواحد والعشرين حاضر, وأفكار الغد في طريقها للبزوغ.
في العلوم الإنسانية, سوف نستمر بمتابعة مجرى الأفكار, وبسبر أغوار الأفق, وإثارة المفاهيم والنظريات حاملة المستقبل. تاريخ الأفكار لا يمكن التنبؤ به: فهو يُبتنى ويُبتكر.
تغيير العصر. مستقبل العلوم الإنسانية
العالم يتأرجح ونحن في حالة تغيير حقبة. كلّ عصر جديد يستوجب أفكاراً جديدة. فقبل أكثر من قرنين من الزمن, قامت مجموعة من فلاسفة الأنوار بإطلاق مشروع تأسيس علم جديد: وهو علم الإنسان.
استوجب الموضوع قرناً من الزمن بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين, كي تتشكل الفروع العلمية الناشئة وكي تتبلور, وكي تبصر العلوم الإنسانية النور– من علم الاجتماع إلى علم التاريخ, ومن علم النفس إلى علم الإنسان (الانتروبولوجيا). وكل منهج علمي مجهز بطرقه ومفاهيمه ونماذجه وبيئته, كما بأوهامه وآماله الخاطئة أيضاً. وبعد مرور قرن: أين نحن الآن؟
في بداية القرن الواحد والعشرين, الحكم النهائي متناقض ومضلل. فنحن أصبحنا أغنياء بتراكم هائل من الوقائع والأبحاث والنظريات والنماذج التي تتتالى في حركة كبيرة من التهديم الخلاق. ومع ذلك, فنحن حيارى مضطربون لأنه ينتابنا أحياناً شعور بأن الفكر معطَّل ويغوص في جدالات لا تنتهي, وأن الذكاء انحسر خلف دفق المعلومات.
لكن منذ بضع سنوات تحصل تغيرات عميقة قد تقلب أسلوبنا في التفكير بالشأن الإنساني وبالمجتمع والعقل والعالم المحيط بنا.
لقد أقبلت الطبيعة الإنسانية الجديدة. الفصل المؤسس الكبير طبيعة/ ثقافة, الذي أسس الفكر الغربي, قد انهار. وهناك نظرية جديدة قيد التشكل, مع إعادة النظر بشكل أساسي بالوضع البشري ومع إعادة إحياء فكرة "الطبيعة البشرية" باستنارة فائقة التوقع.
هناك إعادة للتفكير بالروح والعقل والذهن. والضمير, الذي تم طرده لمدة طويلة كما تم تجاهله في الحقل النفسي, ردَّ اعتباره وأعيد اليوم إحياؤه. والانفعالات والخيال والفكر التماثلي, كانت من المواضيع التي تمَّ اعتبارها لفترة طويلة وكأنها حثالة الفكر, عادت تلعب اليوم دوراً مركزياً في الفكر المعرفي الإنساني. التفريق التقليدي بين جسد/ نفس, وبين مادة / وروح هي مفاهيم سيتجاوزها الزمن.
الفرد والمجتمع كانا القطبين الكبيرين المتواجهين والمتنافسين في العلوم الإنسانية. يبدو الفرد اليوم, أي الفرد المعاصر, بوجه جديد, قاطعاً صلته برؤية تجعله الفرد، الحر والمستقل, وبرؤية تجعل منه عنصراً ****اً خاضعاً للقوى الاجتماعية.
العالم في ورشة عمل: وعالم جديد قيد البزوغ أمام ناظرينا, يعيد طرح تفوق الغرب في التاريخ وفي الأفكار التي نسبت إليه. إننا في عصر يتغيّر والأفكار تتغير أيضاً.
مناقشة رقمية
منذ بضعة أسابيع, ظهر موقع جديد على الشابكة باسم "تغير العصر ومستقبل العلوم الإنسانية. غاية هذا الموقع توفير مساحة للفكر والتأمل حول مستقبل العلوم الإنسانية, وحول الأفكار الجديدة التي ينبغي طرحها لإحياء المشروع المؤسِّس للعلوم الإنسانية.
يقيم هذا الموقع ندوة رقمية تم تنظيمها بمبادرة من العلوم الإنسانية ومن مؤسسها جان- فرانسوا دورتييهJean-François Dortier. مشروع هذه الندوة تشجيع البحث في بعض الأفكار الرئيسة التي تقوم بتجديد مفهومنا للكائن البشري. الندوة الافتراضية تهدف إلى عرض الأفكار الراجحة التي يتم الدفاع عنها من قبل المشاركين المدعويين.
لقد ظهرت حتى الآن مشاركات عديدة من قبل شخصيات منهم: مارسيل غوشه?: Marcel Gauchet, وفرانس دي فال، Frans de Waal, وآلبيرإيرنبرغAlbert Ernberg, ودومينيك لونا – برات Dominique Iona-Prat, وفرانسوا دو سينغليFrançois de Singly وسيريل لوميوCyril Lemieux.
جان فرانسوا دورتييه(2)
Jean-François Dortier
هوامش:
(1)La nouvelle carte des idées- اللائحة الجديدة للأفكار: موضوع مصدره مجلة العلوم الإنسانية Sciences Humaines
(2) جان فرانسوا دورتييه, رئيس مؤسسة العلوم الإنسانية, Sciences Humaines
(3) الدكتورة ماري شهرستان, مترجمة وباحثة.
(4)structuralisme, freudisme, marxisme
(5)Totalisante: قضية شاملة تقوم حقيقتها على مراقبة مسبقة لكل من أفرادها.
(6) انظر جان فرانسوا دورتييه, "أفكار للغد" العلوم الإنسانية, العدد رقم 200 كانون الثاني 2009, وفيكتور فيرّي, "العلوم الإنسانية في مواجهة العالمي", العلوم الإنسانية العدد رقم 221, كانون الأول 201- Voir Jean-François Dortier (coord.), «?Pensées pour demain?», Sciences Humaines, n° 200, janvier 2009, et Victor Ferry, «?Les sciences humaines face au global?», Sciences Humaines, n° 221, décembre 2010.
(7) انظر كاترين آلبيرنوكزافييه مولينا, "إعادة التفكير بالتطوّر" العلوم الإنسانية, العدد رقم 206, تموز 2009. Voir Catherine Halpern et Xavier Molénat (coord.), «?Repenser le développement?», Sciences Humaines, n° 206, juillet 2009.
(8) روبير كاستل, تحولات المسألة الاجتماعية. أخبار الإجراء- Robert Castel, Les Métamorphose de la question sociale. Unechronique du salariat, Fayard, 1995.
(9) لقد كرست العلوم الإنسانية أعداداً لـ"الفرد المفرط الحداثة" (العدد رقم 154) ولـ"أين ذهب المجتمع؟" (العدد رقم 165). ومنذ ذلك الحين استبدل التعبير "مجتمع" بالتعابير التالية: "شبكات", "قبائل", "طوائف". Sciences Humaines a consacré des numéros à «?L’individu hypermoderne?» (n° 154) et à «?Où est passée la société???» (n° 165). «?Société?» a depuis été plutôt remplacé par «?réseaux?», «?tribus?», «?communautés?».
(10)neurophilosophie, neuroéthique, neuroéconomie, neuroéducation, et même neurothéologie ou neuroanthropologie




المصدر : الباحثون العدد 53 تشرين الثاني 2011