المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تهديدات النفايات النووية والكيماوية للوطن العربي


Eng.Jordan
11-03-2012, 12:12 PM
- د. خير الدين عبد الرحمن
http://albahethon.com/photo//9/99/1/7-4c7f6846bc6c0.JPG

ظلت المجتمعات الأوربية طويلاًَ في منأى عن حالة الذعر التي كان الجدل الأكاديمي والحزبي والانتخابي كفيلاً بإثارتها نتيجة تركيزه على خطورة التلوث الذي تسبب به التوسع الصناعي الهائل وتعاظم حركة النقل الجوي ومخلفات النشاطات العسكرية. صحيح أن الخط البياني لهذا التلوث يتصاعد، جواً وبراً وبحراً، مشتملاً على الهواء والتربة والمياه السطحية والجوفية، بحيث تتالت الإجراءات التي توافقت معظم الحكومات على اتخاذها لتطويق ما يمكن من آثار هذا التلوث على الإنسان وسائر الكائنات الحية والمناخ والبيئة الأوربية والأمريكية عموماً، وخاصة الأمطار الحمضية والدفيئة. كانت هذه الإجراءات تصطدم أحياناً باعتبارات واحتياجات الأمن القومي وفق احتمالات المواجهة بين الشرق والغرب من ناحية، وبمصالح الرأسمالية الصناعية من ناحية ثانية، وبتدني التزام بعض الدول أو تهربها من تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه من ناحية ثالثة. لكن الوضع شهد منعطفاً حاداً بعد كارثة التسرب الإشعاعي سنة 1986 من المفاعل النووي في تشيرنوبل، قرب العاصمة الأوكرانية كييف، عندما كانت أوكرانيا لا تزال إحدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. لقد انتشرت آثار تلك الكارثة وامتدت بعيداً إلي معظم أنحاء أوربا، بل وما وراءها، ودفعت مقتضيات الحرب الباردة بالإعلام الغربي والدبلوماسية الغربية إلى تركيز شديد على مسببات ومدلولات ونتائج الكارثة، لتهشيم صورة الاتحاد السوفييتي السابق ومعسكره، على الرغم من أن عدة كوارث مماثلة قد حدثت سابقاً في مفاعلات ومنشآت نووية في الولايات المتحدة الأمريكية وعدة دول أوربية غربية قد جرى التهوين من شأنها أو التعمية على أخبارها وتفاعلاتها.
حاولنا تجنب التأثر بسياستي التهويل والتهوين اللتين عالج بهما المعسكران المتصارعان نتائج تلك الكارثة آنذاك، إلى أن لفت نظرنا بعد نحو عشر سنوات تصريح وزير الصحة الأوكراني يوم 25/4/1995 الذي قال إنه كان من ضحايا كارثة تشيرنوبل مئة وخمسون ألف قتيل أوكراني. يقترب هذا الرقم من عشرين ضعف الأرقام الرسمية التي كانت متداولة من قبل، وهو لا يشمل القتلى من غير الأوكرانيين، ولا إلى عشرات الملايين من المتضررين بدرجات متفاوتة أقل من الموت، في عديد من الدول المجاورة. فقد تلوث مثلاً ما نسبته أربعين في المئة من الأراضي الشاسعة لروسيا البيضاء المجاورة مما أثر على المحاصيل الزراعية والحيوانية كالقمح والخضار وسائر المنتجات الزراعية والأعلاف والألبان واللحوم ومياه الشرب الجوفية.
بعد أكثر من عشر سنوات أخرى، أثبتت بحوث جديدة قام بها فريق تابع للأمم المتحدة، ضم مئة عالم وخبير في تخصصات مختلفة، أن الخسائر والأخطار الحقيقية لتلك الكارثة أقل بكثير من التقديرات المبالغ بها التي نشرت فور وقوع الكارثة، وتوالى نشرها سنة بعد سنة. وقد تضمنت الدراسة التي تضمنها تقرير مؤلف من ستمئة صفحة نشره فريق الأمم المتحدة المذكور في منتصف أيلول 2005 تفاصيل دقيقة أظهرت أن الخسائر كانت أقل بكثير مما جرى تقديره وتوقعه (دنيا الاتحاد، أبو ظبي، 16/9/2005، ص1). لكن هذا لا يبرر التهاون إزاء المخاطر الدائمة الكامنة لحالات التسرب والتلوث النووي والكيماوي والبيولوجي، ما قد حدث منها وما قد يحث مستقبلاً.
تكرر تعرض الولايات المتحدة وكندا واليابان ومعظم دول أوربا الغربية إلى كوارث مشابهة في بعض مفاعلاتها منشآتها وغوَاصاتها النووية، قبل وبعد كارثة تشيرنوبل، وظلّت التغطية الإعلامية لهذه الكوارث محدودة أو عابرة، خلافاً لكارثة تشيرنوبل التي استغلها الغرب سياسياً وإعلاميا إلى أقصى مدى للنيل من الاتحاد السوفييتي السابق كما أشرنا. لكن هذا الاستغلال الإعلامي قد أيقظ العقول والنفوس على العديد من الجوانب والمسائل التي طال بقاؤها في الظل. عرف الناس مثلاً أن الإشعاع النووي الناجم عن التجارب الاختبارية للأسلحة النووية والتسرب الإشعاعي من المفاعلات قد أوديا بحياة مليون ونصف المليون من البشر، وأديا إلى إصابة عشرات الملايين بأمراض خطيرة مثل السرطان. بل أن تقريراً لمنظمة الأطباء العالميين لمنع نشوب حرب نووية قد أكد موت أكثر من نصف مليون إنسان نتيجة إصابتهم بالسرطان الناجم عن الإشعاعات الناجمة عن التفجيرات النووية الاختبارية التي أجرتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق وفرنسا وبريطانيا. وهكذا تصاعدت حملات شعبية قادها أنصار البيئة ومؤسسات علمية ومنظمات المجتمع المدني المهتمة بالصحة والسلامة العامة ضد كافة النشاطات المدنية والعسكرية، الصناعية والحربية، التي تسبب التلوث الإشعاعي والكيماوي والبيولوجي، أياً كانت الدولة المتسببة بها. وازداد الوعي العالمي بأن الخطر لم يعد يقتصر على الإصابات المباشرة، وإنما ثبت أن آثاره المدمرة تنتقل عبر الأجيال على شكل مواليد مشوهين، وإصابات بقصور في الوظائف العضوية أو العقلية، وأمراض سرطانية معقدة، وأمراض وراثية ومعدية خطيرة. إنها أخطار متوالدة تمتد عبر المكان والزمان، أفقياً وعمودياً، ولا تستثني أحداً !...http://albahethon.com/photo/x15.JPG

تفاقم الأمر أكثر أثناء حرب الخليج الثانية التي شنتها الولايات المتحدة وحلفاؤها ضد العراق في مطلع العام 1991. ففي حين كانت الدعاية الغربية تروج لمخاطر داهمة وشيكة لاستخدام عراقي مؤكد لأسلحة كيماوية وجرثومية، لم يستخدم العراق أياً من تلك الأسلحة، بل وثبت بعد غزو العراق واحتلاله سنة 2003 أنه لم يكن يملكها، بينما استخدمت القوات الأمريكية أسلحة وذخائر يدخل اليورانيوم المستنفذ في صنعها، إضافة إلى أسلحة وذخائر أخرى محظورة دولياً، مما ضاعف أعداد القتلى والمصابين العراقيين - وخاصة المدنيين - ثم لم يلبث أن ظهر مدى خطورة هذه الأسلحة والذخائر على الجنود الأمريكيين أنفسهم ممن استعملوها، وكذلك على حلفائهم من جنود بريطانيين وسواهم، إذ مات أو أصيب نحو مئة وثلاثين ألف جندي أمريكي وبريطاني من أصل سبعمئة ألف جندي شنّوا تلك الحرب بأمراض غامضة، مثل ما عرف لاحقاً بأعراض حرب الخليج. تفاقم الأمر أكثر مع استمرار التلوث الناجم عن تلك الأسلحة والذخائر، والتي استخدم المزيد منها في العمليات العسكرية الأمريكية – البريطانية ضد العراق على سنين محاصرته عليه، وصولاً إلى غزوه واحتلاله عسكرياً بالكامل، وما أعقب ذلك من احتدام القتال. كذلك حدثت إصابات عديدة في معظم البلدان الأوربية نتيجة استخدام عشرات آلاف قذائف اليورانيوم المستنفد في حرب البلقان، وخاصة في البوسنة والهرسك وكوسوفو، مما عرف لاحقاً بأعراض حرب البلقان. (قانون ومصادر خطرة! الاتحاد، أبوظبي، 25/1/2002)
اعترف ناطق عسكري إسرائيلي لصحيفة يديعوت أحرونوت في هذه الأثناء بأن الجيش الإسرائيلي يستخدم قذائف أمريكية الصنع تحتوي على يورانيوم مستنفد، وأنه قد أطلق عدداً من تلك القذائف مثلاً في العام 1985 ضد مجموعة فلسطينية في جنوب لبنان، كما أن قوات البحرية الإسرائيلية تستخدم مثل هذه القذائف بكثرة، وقد أطلقت سفنها العديد منها ضد مجموعات لبنانية في جنوب لبنان (المصدر السابق). ولئن تأكد استخدام قوات الاحتلال الصهيوني قنابل عنقودية ومسمارية وانشطارية وأسلحة محرمة أخرى في جنوب لبنان على امتداد العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، على الرغم من طمس ملفات هذه الجرائم بضغوط أمريكية أساساً كلما تمت الدعوة إلى تحقيق تدخل دولي بهذا الخصوص، فإن النفايات الصهيونية وقذائف اليورانيوم المستنفد لم تكن أقل خطراً على سكان جنوب لبنان. لقد تم تسجيل إصابة ثلاثين من أصل مئتي لبناني يقطنون قرية زوطر الجنوبية القريبة من قلعة الشقيف بأمراض سرطانية، مما عزز ترجيح الأطباء والخبراء بأن هذه الإصابات السرطانية مرتبطة بكثافة القصف الصهيوني لتلك المنطقة بقذائف اليورانيوم المستنفد. هذه القرية ليست حالة وحيدة، فقد أكد د. يحيى غدار، رئيس هيئة الطوارئ الطبية في جنوب لبنان التي أسست في العام 1996 أن حالات الإصابة بسرطان الدم (اللوكيميا) وسرطان الكبد والرئة والجهاز الهضمي في القرى اللبنانية القريبة من شمال فلسطين المغتصبة قد تضاعفت ثلاث مرات عن المعدلات التي كانت سائدة قبل تكثيف القصف الصهيوني وتلويث المياه الجوفية والسطحية والمحاصيل الزراعية والهواء في المنطقة بالغبار المشع الناجم عن قذائف اليوارنيوم المستنفد. كذلك ارتفعت نسبة التشوهات الخلقية بين المواليد الجدد ارتفاعاً كبيرا. وقد اعترف الجنرال ايهود باراك، عندما كان رئيساً للحكومة الإسرائيلية - بعدما عمل أيضاً رئيساً لأركان الجيش – باستخدام أسلحة وذخائر مشعة ضد الفلسطينيين واللبنانيين، رداً على استجواب تقدم به النائب العربي في الكنيست عصام مخول بشأن تصنيع وتخزين أسلحة مشبعة باليورانيوم المستنفد واستخدام القوات الإسرائيلية لهذه الأسلحة في جنوب لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967. توالت مثل هذه الاعترافات، إلى أن وصل الأمر حداً أقرّت معه دراسة إسرائيلية صدرت يوم 18/5/2005 عن معهد الشؤون العامة لمحاربة الانتهاكات في المناطق الفلسطينية بعنوان (نفايات في المناطق الفلسطينية) بدفن النفايات النووية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967. وقد أكدت الدراسة التي وضعها عدد من كبار خبراء البيئة الإسرائيليين أن السلطات الإسرائيلية تدفن نحو ثمانين طناً من النفايات النووية والكيماوية شديدة الخطورة في مناطق الضفة الغربية وغزة، وخاصة قرب المدن الكبرى: نابلس والخليل وغزة، في سياق سياسة تلويث ممنهجة ومتعمدة بدأت منذ بدء احتلال هذه المناطق في حزيران من العام1976 لتدمير الحياة المجتمعية الفلسطينية ودفع أكبر عدد من الفلسطينيين إلى المنافي للخلاص من ظروف معيشية تكاد الحياة تستحيل في ظلها. أدى هذا التلويث المتعمد لتلك الأراضي الفلسطينية إلى تشعب النفايات النووية تحت السطح وتدمير خلايا التربة وجعلها غير صالحة للزراعة أو للاستخدام الآدمي أو الحيواني، مما دمر مساحات واسعة جداً من الأراضي الزراعية وأتلف المحاصيل وأضرَّ بالحيوانات.، ليضاف هذا التدمير إلى اقتلاع قوات الاحتلال أكثر من نصف مليون شجرة من المزارع الفلسطينية بذريعة احتياجات الأمن الإسرائيلية، وتجريف مزروعات فلسطينية على مساحة مئات الآلاف من الهكتارات.
لقد طال التسرب الإشعاعي المياه الجوفية في العديد من المناطق المكتظة بالسكان الفلسطينيين الذين يستخدمون تلك المياه مصدراً وحيداً للشرب. اعترفت الدراسة أيضاً بأن قوات الجيش الإسرائيلي تتعمّد إلقاء أجسام شديدة الإشعاع، بالقرب من المخيمات والتجمعات السكنية الفلسطينية الأخرى لكي تلفت نظر الأطفال وتغويهم باللعب بها، فتسبب فوراً لكل من يلمسها انفجار الأوعية الدموية وتدفق الدماء من الفم والعينيين والموت المحتم. عرضت الدراسة مثلاً حادثة مقتل طفل اسمه شادي وطفلة اسمها حنين بهذه الطريقة فور التقاطهما جسمين من أجسام غريبة ألقتها سيارة عسكرية إسرائيلية ضخمة على مشارف مخيم جنين. قالت الدراسة الإسرائيلية إن دفن النفايات النووية الإسرائيلية في أراضي الضفة الغربية وغزة قد أدى حتى ذلك الحين إلى وفاة أو إصابة أكثر من خمس وثلاثين ألف فلسطيني، مما جعلها أخطر سلاح إسرائيلي يجري استخدامه ضد الفلسطينيين وأشدها فتكاً. إن الأرقام التي أوردها الخبراء الإسرائيليون في دراستهم تؤكد أن هذه النفايات الإسرائيلية تستخدم على نحو متعمد كسلاح إبادة جماعية. وقد جاءت الحرب الإجرامية الصهيونية الأخيرة على غزة المحاصرة في نهاية العام 2008 ومطلع العام 2009 لتشكل تصعيداً بالغ الخطورة، فلم يقتصر الأمر على استعمال قذائف اليورانيوم المنضب وإنما شملت استخداماً واسع النطاق لقنابل وقذائف فسفورية وأسلحة محرمة أخرى دون اكتراث بالقانون الدولي الذي يحرّم هذا الاستخدام الذي يمثل إبادة جماعية. كان هذا الاستهتار الصهيوني المستند إلى حصانة أمريكية مفتوحة وتخاذل دولي مهين متوقعاً بعد ما استخدمت القوات الأمريكية وبعض القوات الحليفة لها أسلحة محظورة في جرائم إبادة جماعية أدت إلى مقتل أكثر من مليون عراقي، سواء بعد غزوها العراق في العام 2003 أو أثناء سنوات الحصار الخانق والغارات الجوية والصاروخية ضد العراق التي سبقت ذلك الغزو.
كتب ماكس أبوسوسكي منذ سنوات أن حيازة إسرائيل لليورانيوم المنضب ليست جديدة، فطائرة شركة طيران العال الإسرائيلية التي اصطدمت يوم 4/10/1992 بإحدى البنايات بعد تزودها بالوقود في مطار أمستردام الهولندي أثناء رحلتها من نيويورك إلى تل أبيب كانت تحمل كمية كبيرة من اليورانيوم المنضب ومادة أولية لصنع غاز الأعصاب - أشهر الأسلحة الكيماوية – هي داي ميثيل فسفونيت Dimethyl Methyl Phosphate DMMP. وهذا ما أكدته الكاتبة كارول وليام في صحيفة لوس أنجلس تايمز (Los Angles Times,80101998)، وكذلك جون كاتالينوتو الذي أثبت حصول إسرائيل على كميات من اليورانيوم المنضب استخدمتها في قذائف طائرات أباتشي وكوبرا العمودية وقذائف دبابات صابرا المماثلة للدبابة MIAI. وقد أكد وفد المعهد العالمي للفعل International Action Center برئاسة سارة فلوندرز مشاهدته العيانية يوم 28/11/2000 لطائرات أباتشي الإسرائيلية تطلق صواريخ وقذائف على مقرات السلطة الفلسطينية ودبابات إسرائيلية تطلق قذائفها على تجمعات الفلسطينيين. وقد تأكد الوفد من احتواء تلك القذائف والصواريخ على اليورانيوم المنضد، لذلك جمع عيّنات من بقاياها لتحليلها في مراكز مختصة في أوربا، لكن السلطات العسكرية الإسرائيلية أصرت على مصادرة تلك
العينات لدى تفتيش أعضاء الوفد في مطار بن غوريون.

http://albahethon.com/photo/x16.JPG

لم يقتصر الأمر على استخدام متعمّد للنفايات النووية سلاحاً ضد السكان الفلسطينيين، وإنما امتد إلى استخدام منهجي مدروس للنفايات الصناعية وغيرها للإيذاء المتعمد للسكان الفلسطينيين، طمعاً في قتل وتهجير مزيد منهم. كتب المحلل الإسرائيلي ديفيد راتنير في هذا الصدد (هآرتس، 17/5/2005) قائلاً:" قررت الحكومة الإسرائيلية لأول مرة نقل النفايات التي تتجمع داخل إسرائيل إلى أراضي الضفة الغربية في العام 1967، على الرغم من أن القانون الدولي يحظر على إسرائيل استخدام تلك الأراضي لأغراض لا تعود بالنفع على السكان الفلسطينيين. كان الخبراء في شؤون التلوث وفساد البيئة قد حذروا من استخدام مقالع مهجورة في كيدوميم بالقرب من مدينة نابلس كموقع لدفن النفايات، لأن هذا يلوث مياه الشرب في تلك المنطقة. وتحاول إسرائيل بموجب خطة معدة تخزين ما يزيد على عشرة أطنان من النفايات التي يتم جمعها كل شهر من منطقتي دان وشارون بالقرب من تل أبيب - أكبر تجمع سكاني إسرائيلي، ودفنها قرب نابلس - أكبر تجمع سكاني فلسطيني في الضفة الغربية. تنفذ الخطة شركة باك بارون الصناعية التابعة لمجلس مستوطنات كيدوميم وشومرون وكارنيه شومرون. وتنقل إلى هذا المجمع نفايات تخرج من محطة حاداريم التي تديرها شركة DSH المملوكة من عائلة فالينسي الإسرائيلية، بترخيص وتسهيلات من السلطات الإسرائيلية، على الرغم من أن هذا المشروع يخرق القوانين الدولية، ويخرق حتى القوانين والأنظمة التي وضعتها وزارة البيئة الإسرائيلية ولجنة المياه الإسرائيلية.. سوف تتلوث المياه الجوفية الموجودة في أسفل المنطقة الجبلية، والتي تشكل أكبر خزان مياه طبيعي في الضفة الغربية.. ".
وقال وزير البيئة الإسرائيلي الأسبق وزعيم حركة ميرتس، يوسي ساريد، بهذا الصدد: " إننا نشهد هنا جريمة مزدوجة هي منع الفلسطينيين من استخدام المقلع ومصادره، ثم ملؤه بنفايات إسرائيلية. هذا خرق فاضح للمعاهدات الدولية". بينما أكد وزير البيئة الفلسطيني آنذاك لوكالة الشرق الأوسط المصرية أن السلطات الإسرائيلية قامت خلال السنوات الأخيرة بدفن كميات ضخمة من النفايات السامة والكيماوية في نحو خمسين موقعاً في الضفة الغربية وغزة، منها موقع جنوب مدينة الخليل طردت سكانه البدو ومنعت الدخول إليه أو التجول قريباً منه، بعدما دفنت فيه حاويات ضخمة مغلقة. وموقع آخر دفنت فيه نحو خمسين ألف طن من النفايات الخطرة بالقرب من مستوطنة غوش قطيف في غزة في حفرة مساحتها خمسة آلاف متر مربع وعمقها ثلاثين متراً. وقد قام فلسطينيون بتصوير عملية الدفن.
كذلك تم افتضاح أمر لجوء سلطات الاحتلال الإسرائيلي وقواته إلى تسميم آبار المياه في العديد من القرى الفلسطينية، أو تلويثها بمواد كيماوية مختلفة لاختبار منتجات مصانع الأسلحة الكيماوية الإسرائيلية. تسببت بعض تلك الأسلحة الكيماوية بنشر إصابات بالعقم أو الشلل أو الاضطرابات الهضمية أو الاضطرابات النفسية بين سكان القرى التي تم تلويث مصادر المياه فيها. كما نشير إلى تكرار قيام قوات الاحتلال بتعمد إلقاء أطعمة أطفال فاسدة أو ملوثة، بما فيها حلوى للأطفال ورقائق البطاطا (تشيبس) وعلب عصير لتتسبب بتسميم الأطفال الذين يلتقطونها ويتناولونها. تم مثلاً تحليل مواد غذائية ألقتها وحدات عسكرية إسرائيلية في محيط قريتي رمانة والطيبة الفلسطينيتين القريبتين من مدينة جنين في شهر آب1999 فثبت فسادها وتلوثها.
كما نقلت صحيفة الاتحاد الإماراتية أن الاحتلال الإسرائيلي قد أقام ثمانية عشر موقعاً في مرتفعات الجولان السورية المحتلة لتخزين أسلحة ومواد نووية، ولدفن نفايات نووية.
في نفس الوقت، حذرت وزارة البيئة الإسرائيلية من كارثة تسرب كيماوي مدمرة نتيجة الهزات الأرضية التي لم تتحسب المصانع ومستودعات التخزين الكيماوية المدنية والعسكرية لتأثيراتها. وقد حددت وزارة الصحة الإسرائيلية 439 مخزناً للمواد الكيماوية في عسقلان وخليج حيفا بشكل خاص، تشكل خطراً داهماً على السكان. كما حذرت الوزارة من ارتفاع نسبة المصابين بالسرطان في المناطق القريبة من الموانئ، وبالقرب من مفاعل ديمونا النووي المتهالك، الذي أكدت عدة دراسات أن تأثيراته الإشعاعية الخطرة أصابت عدة مدن ومناطق في الأردن ومصر.
من ناحية أخرى، تأكد لوزارة الدفاع الأمريكية أن قراراً إسرائيلياً قد اتخذ بالفعل للانتقال من مرحلة تخزين قنابل نيوترونية والاكتفاء باستخدامها سلاح ردع، إلى مرحلة الاستخدام الحربي لهذه القنابل ضد الفلسطينيين (المحرر العربي، بيروت، 25/6/2005، ص 2). المعروف أن صمويل كوهين قد حرص على تزويد إسرائيل بتصميم تلك القنبلة وكافة المعادلات والدراسات ونتائج التجارب المتعلقة بها أولاً بأول، حتى قبل إنجازه إياها في العام 1979، وقبل استكمال الاختبارات الأولية عليها في الولايات المتحدة. وهكذا تم صنع هذه القنبلة - التي تبيد الكائنات الحية ولا تؤثر في المباني والتجهيزات والمنشآت والمعدات - في مصانع ومختبرات إسرائيلية قبيل إنتاجها في الولايات المتحدة التي كانت قياداتها السياسية والعسكرية شديدة الحرص على إبقاء هذا الاختراع احتكاراً أميركا يشكل عامل قوة مضاعفة في الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي آنذاك. هذا ما كان من شأن معظم الاختراعات والابتكارات الأمريكية والأوربية التي شارك يهود بطريقة ما في إنجازها أو إنتاجها أو تطويرها، أو توصل بعضهم إلى أسرارها ودراساتها بأي سبيل، إذ ينقلون الدراسات والأسرار والمعلومات والمخططات والتصاميم الخاصة بتلك الابتكارات والمخترعات إلى الجهات المعنية في الكيان الصهيوني.
إن النفايات الإسرائيلية المختلفة سلاح إبادة جماعية، يضاف إلى أسلحة الإبادة الشاملة الأخرى التي في حوزتها، والتي يتعامى من ادعوا أنهم سدنة العدالة والسلام في العالم عنها، ويتشاغلون بتجنيد العالم لقمع الفلسطينيين أو العراقيين الرافضين احتلال بلادهم. إن النفاق شديد الوضوح في هذه المسألة، فالدول والقوى والشركات ذات المصلحة في التغطية على مخاطر النفايات الإسرائيلية إنما تهدف في الوقت نفسه إلى التغطية على ما تسببت به نفاياتها واستخداماتها هي، ولازالت، من خسائر ومخاطر مدمرة للإنسان والبيئة.
لقد تثبتت دراسة ميدانية أجراها المركز الطبي لأبحاث اليورانيوم، وهو مركز علمي دولي مستقل، من وجود تلوث إشعاعي خطير جداً في عشر مدن في وسط العراق وجنوبه. تجاوز هذا التلوث الحد الأقصى المسموح به عالمياً بمئات الأضعاف. أجرى الدراسة المنشورة في أيلول من العام 2005 فريق برئاسة العالم الأمريكي آساف دوراكوفيش، بالتعاون مع العالم الألماني سيغفرت هورست غونتر والباحث العراقي محمد الشيخلي والباحث الكندي تيد ويمان.
قبل ذلك، أكد تقرير أعده برنامج الأمم المتحدة للبيئة مؤرخ في 20/10/2003، لكنه لم ينشر سوى يوم 7/1/2005، أن الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة ضد العراق قد تسببت بمشكلات بيئية بالغة الخطورة، وخاصة بسبب استخدام اليورانيوم المنضب في العمليات الحربية. أكد التقرير أن العمليات العسكرية الأمريكية والبريطانية في العراق قد فاقمت مشكلات بيئية يتعاظم خطرها يوماً بعد يوم، وخلقت ضغطاً هائلاً على البيئة وعلى المجتمع، مما لن تختفي تفاعلاته إلاّ بعد عدة قرون. كذلك فإن الحرائق في المنشآت النفطية والصناعية وأنابيب نقل النفط والغاز أدت إلى إطلاق كميات هائلة من الغازات التي تؤذي البشر والحيوانات والنباتات. كما أن احتراق ثلاثمئة وخمسين ألف طن من الكبريت الصافي والخام بالقرب من الموصل تسبب في انتشار الغازات والأبخرة السامة المشبعة بالكبريت إلى سورية وتركيا وعدد من جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية !
لقد أنذرت دارسات برنامج الأمم المتحدة للبيئة ومنظمات ومؤسسات أخرى من تفاقم الكارثة البيئية والصحية الناجمة عن الحروب في فلسطين والعراق ومناطق أخرى (انظر مثلاً: صحيفة تشرين، دمشق، 27/9/2005، ص10)، وهي مخاطر تتجاوز البلدان التي تقع العمليات الحربية على أرضها وفي أجوائها ومياهها إلى مجتمعات وأراضي ومياه وأجواء البلدان المجاورة، وبلدان بعيدة كذلك أحياناً. فإذا ما أضفنا اتساع نطاق جرائم دفن النفايات المشعة والكيماوية، بتواطؤ حكومات وشركات وسماسرة من دول صناعية مع فاسدين مرتشين من أصحاب النفوذ في العديد من البلدان الفقيرة في العديد من دول إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، مما زاد مخاطر التصحر وتلوث المياه وانتشار الأوبئة والأمراض ندرك أن المسألة مصيرية وتمس مستقبل أجيال عديدة لم تولد بعد.
إن مشكلة البلدان المستباحة والنامية كامنة في أن الدول الفاعلة القاهرة خاضعة لأنانية قوى متحكمة براسمي السياسات وصناع القرارات، وهي أنانية أثبتت قصر نظر أصحابها الذين لا يتورعون عن التضحية بمصالح ومصائر مليارات البشر من أجل مصالحهم الآنية أو قصيرة المدى.
وهكذا لا يبدو الحل المتاح خارج إطار وحدة الضحايا ورفع مستوى وعيها وتنسيق دفاعها عن الذات، وبالتالي عن البشرية جمعاء، على كافة المستويات.



المصدر : العدد 39 أيلول 2010