المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إرنست همنغواي الكاتب المغامر الذي أسعد الناس وعجز عن إسعاد نفسه


Eng.Jordan
11-03-2012, 12:28 PM
عبد اللطيف الأرناؤوط

http://albahethon.com/photo//10/39-501e441c13759.jpg

في الثاني من شهر تموز عام 1962م، رحل إرنست همنغواي القصاص والروائي والشاعر عن عالمنا، وقد وضع بنفسه حداً لحياته، هبط في السابعة صباحاً إلى الدور الأسفل من منزله، واختار من مجموعة بنادقه بندقيته المفضّلة المزيّنة بالفضة والتي صُنعت خصيصاً له، ووضع فوهتها في فمه وضغط على زناديها، فأسرعت زوجته لتجده يسبح في بركة من الدماء، وشيّع جثمانه بعد أربعة أيام في بلدة «كتشام» الصغيرة جيرانه وأصدقاؤه الذين لم يتجاوز عددهم خمسين مشيعاً.
هذه النهاية المأساوية المفجعة لا تتلاءم مع ما عرف عن هذا الكاتب في حياته المتقلبة والمغامرة من اندماج كلي في المجتمعات التي عاش فيها، ومغامراته توحي بأنه كان يتخذ من هذا الاندفاع سبيلاً إلى الهرب من موت مؤجل كان يرجئه محاولاً نسيانه بشتى السبل، بمغامراته وترحله بين القارات، وبالْتماس معنىً لحياته من خلال مُثل آمن بها ودافع عنها بالعمل في قلب المخاطر، لا بالأدب وحده، بل من خلال مناصرة الشعوب الطامحة إلى الحرية في مواجهة الديكتاتوريات، ومناصرة الضعفاء من أبناء الطبقات المهمّشة الذين طحنتهم الحرب وتحملوا نتائجها، «إرنست همنغواي» الذي عُدّ بنضاله الإنساني بطلاً عالمياً، وبأدبه مبدعاً متميزاً نال أرفع الجوائز ومنها جائزة نوبل للآداب، وجنى من الشهرة والمال ما وفّر له عيشاً رخياً.
لم يكن ذلك كله ليثنيه عن الإحساس بالتشاؤم، وفراغ الحياة وعبثيتها بسبب لا معقولية العالم الذي يعيش فيه، لكن ذلك كله لا ينفي أننا أمام شخصية سيكوباتية متطرفة ومغامرة كانت تتحدى الموت بمقدار ما تخشاه، والشعور بالموت يلاحقه فيسفّه كل إنجازاته التي حققها، ثمة جذور من المعاناة النفسية ترتد إلى تكوينه النفسي أسهمت في تصرفاته، وواقع اجتماعي إنساني يحيط به كان يلتقط مساوئه بعين المصوّر الفاحصة، أكّدت له أن الحياة في جوهرها، صراع مستمر ينتصر فيها القوي والمبادر، ولا مكان فيها للضعفاء.
طفولته ونشأته:
ولد إرنست همنغواي عام 1898م، ونشأ في ظل أسرة بورجوازية محافظة في العهد الفكتوري، لأب طبيب يُدعى «كلارنس إدمونذر همنغواي»، كان ميالاً إلى المغامرة والأسفار، وقد استقر في «أورك بارك» حيث اجتذب جمهوراً من المراجعين، وكانت أمه «غريس ارنستين هول» مولعة بالموسيقا، وذات شخصية قوية مستقلة، حاولت تنشئة أولادها على الأعراف البورجوازية، وقيم البروستانتية، ويذكر شقيق أرنست الأصغر «ليكستر» في كتابه عن أخيه أن «إرنست» في طفولته كان معافى صحياً، قوي البنية لكنه كثير العبث و«الشيطنة» عاقبته الأم أكثر من مرة لأنه كان يتفوّه بألفاظ نابية لا تليق بابن طبقته، فكانت تقول له: (اذهب واغسل فمك بالصابون).
وفي الثانية عشرة من عمره، كان يرافق والده إلى البحيرة لصيد السمك، وقد أولع بهذه الهواية، واكتسب ثقافة واسعة حول أنواع السمك.
تلعّق «إرنست» منذ الصغر بالطبيعة ولم يكن تحصيله المدرسي مُرضياً، فقد تأخر في تعلم القراءة والكتابة، فدفعته الأسرة إلى مطالعة مجلات الأطفال، ونما هذا الميل لديه فتحوّل إلى قراءة أعلام عصره دون ملل، أمثال: (مارك توين، وريشارد كبلنغ، وراؤل ستفنسون)..
تعرض «إرنست» في طفولته إلى حوادث عدّة بسبب شقاوته، فقد تعثرت قدمه وهو يحمل عصا حين حاول القفز فوق ساقية، فسقط وانغرست العصا في عنقه، فأسعفه والده، وقد أُصيب بجرح خطير في حنجرته، وكان يعاني قصراً في نظره، ويرفض استخدام النظارة إلا بعد أن أصبح صحفياً ورمى سنارته وهو يصيد مرة فانغرست في عنقه، ومارس مع والده مهنة الممرض مساعداً والده، ودفعه حبه للتمريض فيما بعد إلى الالتحاق بعد دراسته الثانوية بجيش الثورة الجمهوري الإسباني.
حياته الصحفية:
بعد المرحلة الثانوية توسّط له عمه لدى المحرر الصحفي «هنري جاسكل» فألحقه محرراً متمرناً في صحيفة «كنساس سيتي ستار» واكتسب الشاب من عالم الصحافة خبرة كبيرة بالناس، وشؤون المجتمع والحياة، وكانت الحرب العالمية في نهايتها، فعارض أهله رغبته في الانخراط بالجيش.http://albahethon.com/photo/10/A39.jpg

وكان هدفه أن يختبر بنفسه تجربة ويلات الحرب، وأخيراً استقر رأيه أن يلتحق بالصليب الأحمر الأمريكي، فذهب مع وحدته إلى مدينة «باريس» المهدّمة آنذاك، ثم إلى «إيطاليا»، وشهد بأم عينه مآسي الحرب. وفيما كان يوزع الهدايا على المصابين عام 1918م، سقطت قذيفة ألمانية على المجموعة المحيطة به، فقُتل أحد الجنود، وبُترت ساق جندي آخر، وأعقب ذلك إصابته أيضاً بطلقة رشاش في أسفل ساقيه، فأخرج منهما أكثر من عشرين شظية.
عاد «إرنست همنغواي» بعد نهاية الحرب إلى وطنه، فاستُقبل كالأبطال، لكنه لم يعجبه العيش الهادئ في بلدته، فاتصل بقطعته في إيطاليا والتحق بها مجدداً عام 1920م، وبرز آنذاك كصحفي ناجح، فأجرى مقابلات مع أبرز أعلام عصره مثل: كلمنصو السياسي الفرنسي العجوز، ولم يغب عن باله أن يتحوّل من عالم الصحافة إلى عالم الأدب.
وفي إيطاليا تعرف الشاب ابن العشرين من عمره بممرضه زميلة له «إليس فون فونسكي» وكانت حسناء تحب المرح، فأحبها وعرض عليها الزواج، فتمنعت بحجة أنها تكبره سناً، وأنها صديقة لضابط أميركي رفيع الرتبة سرعان ما تخلّى عنها حين عاد إلى بلده، فأمضّها الندم، وأدمنت على الشراب، ولم يلتقِ بها «إرنست» إلا بعد سنوات مع زوجته الأولى في جولة لهما بإيطاليا، فجدّد صلته بها، وكتب لها عدداً من الرسائل يذكّرها بأيامهما السعيدة، ويداوي بها جرح قلبه الأول، واستلهم شخصيتها في رسم صورة «كاترين باركلي» بطل روايته (وداعاً أيها السلاح).
لم تخلّف الحرب آلاماً جسدية لدى «إرنست» فحسب، بل حفرت في نفسه جرحاً ناغراً، فكثيراً ما كان يُصاب بالأرق ولا يقوى على النوم إلا والنور مضاء، فقد ظلت صور الصراع التي علقت بذاكرته بين جنود الطاغية «موسوليني» من أصحاب القمصان السود والعصابات الثورية، مثلما ظلت صور الصراع بين الجمهوريين المناضلين الإسبان ضد ديكتاتورية «فرنكو» وما شهده من بطولات الأنصار في فرنسا وبريطانيا ومقاومتهم الاجتياح النازي، والمواجهات التي شهدها في «كوبا» بين الثوار وأنصار «باتستا» تبعث الرعب في نفسه، وتثير تشاؤمه أمام مستقبل الإنسانية. كانت حياته الصحفية مغامرة تنقّل خلالها بين هذه البلدان مدافعاً عن حرية الإنسان وكرامته، ونصيراً للمسحوقين والضعفاء، وكان يجد في الكتابة شفاءً لروحه القلقة، وصخب حياته المتعلقة على شفا الخطر، فهي أشبه بحياة أبطال رواياته وقصصه المغامرين والمراهنين على تحدّي الموت، شأن مصارعي الثيران الذين كتب عنهم، وأبطال المقاومة المهددين بالتصفية، ومتسلقي الجبال، ومطاردي الحيتان في البحار، وآثر أن يكون موته صاخباً يعلن فيه للعالم رفضه لواقع البشرية المتردّي..
شخصية إرنست همنغواي:
آثر «إرنست همنغواي» في حياته عدم الاستقرار، فأمضى عمره متنقلاً بين البلدان والقارات، توجّه بعد الحرب إلى باريس 1920م ليوسّع أفقه الأدبي، وكانت آنذاك مسرحاً لعدد من الاتجاهات الأدبية كالوجودية والسريالية والعدمية، وقد سبقه إليها أكبر شعراء أمريكا وكتّابها مثل: (عزراباوند، وت. س. إليوت، ومادوكس فورد، وأندرسن) التي أرشدته إلى فن كتابة القصة.
وفي عام 1936م عمل مراسلاً لصحيفة «تورانتو» في إسبانيا إبان الحرب الأهلية وتركها بعد عام...
وفي عام 1952م سقطت طائرته الخاصة في مجاهل غابات إفريقيا، أثناء قيامه برحلة صيد، فأُصيب بكسور بالغة، لكنه خرج من الغابة يحمل عنقوداً من الموز وهو يردد: (هذه هي الحياة، المصاعب طريقنا إلى النجاة..!). وفي مرتفعات «كليمنجارو» رافق متسلقي الجبال، فبدا وكأنه يهرب من وسطه وطبقته، وانتمائه البورجوازي، ويختار لحياته أحرج الطرق منذ أن كان طفلاً مشرّداً.
لم يلتزم «هيمنغواي» قيم الطبقة البورجوازية، بل عاش حياة بوهيمية مستجيباً لشهوة الحياة لديه، فعاقر الخمرة وعاش مع السكارى والمومسات، واتخذ له أصدقاء من الطبقة الشعبية، ولم يقم وزناً للمال، فقد عرف عنه سماحة النفس والتبذير، لكنه عرف كيف يلتمس السُبل للكسب، فلم يكن اندماجه بالمجتمعات التي عاش فيها محض دفاع عن القيم التي آمن بها، بل عرف كيف يوجّه هذا التوحّد مع الآخرين لخدمة ذاته، فجنى الشهرة والمال والشعبية العالمية الواسعة، على ما في طبعه من فظاظة وخشونة وتضخم في (الأنا) وعنف وتسرع، وقد أطلق العنان لحياته العاطفية مع المرأة، فكان يفتخر بأنه توصل إلى كل امرأة اشتهاها، وتزوج أربع مرات، ولم تسلم المرأة من خشونة طبعه ومزاجيته، كما لم يسلم أصدقاؤه من شراسته، وقلة اهتمامه بالأناقة والنظافة، ونال أقرانه من الأدباء نصيباً من نزقه، وكثيراً ما كان الصحفيون الذي يجرون مقابلات معه، يتلقون صفعات مهينة من تسفيه لأسئلتهم التي يوجهونها إليه، وكان ينعت أمه
وزوجته الثالثة بالشراسة والاستبداد.

http://albahethon.com/photo/10/B39.jpg

ورث «همنغواي» بعض صفات أبيه الذي ختم حياته بالانتحار مثله، وكان أقرب في تصرفاته إلى الشخصية الشعبية الأمريكية في ذرائعيتها والتصاقها بالحياة البسيطة والانسجام مع الذات وفعالياتها التي لا تعرف اليأس أو الملل، واعتدادها الفردي بالذات وتمسكها بالكرامة الإنسانية، مع انفعالية شديدة جعلته أقرب إلى النموذج الطموح، فوجد في عالم الكتابة مشروعه الإنساني الذي كافح طويلاً لتسنّم قمته، فخاض تجربته الأدبية خمسة عقود، وبنى أسسها على ما وفّر له الصحافة وتجربته الحياتية العنيفة من خبرات..
إرنست همنغواي الأديب:
كان أدب إرنست همنغواي اختباراً لشجاعته في مواجهة الحياة، فالإنسان في عالمه يشقّ طريقه كما النملة التي تسير فوق خشبة تحترق، إذ لا وجود للأخلاق في عالمنا المعاصر إلا عند حفنة من الأبطال أو الرموز، ومنهم المغامرون من مصارعي الثيران، والمقاتلون عن الحرية، ومتسلقي الجبال الذين يتحدّون الموت، والبطل الرمز في نظره شجاع مغامر، ومتكبر وقح يختبر تحدّيه بشجاعته ويكمن جوهره في سلوكه حين يواجه الأزمات، فهو يتصرف مستهيناً بحياته، البطل الرمز في سلوكه صورة عن همنغواي الذي أبدى استعداده لمبارزة كل من يضايق الممثلة الحسناء (آفا غاردنر)، أو يحاول مغازلة زوجته دون أن يحسب حساباً للموت.. لقد كانت حياته كلها اختباراً لشجاعته وفي أعماقه خوف من الموت، حاول أن يعالجه بالكتابة والمغامرة.
لم يغب عن بال همنغواي منذ يفاعته طموحه إلى أن يكون أديباً فشرع في العشرينات من عمره يكتب القصص، وينظم الشعر الحر، وأمدّه عمله الصحفي ببراعة الإيجاز في اللفظ، والالتزام بتصوير الواقع الذي خبره، فلم يكتب إلا ما خبره وما رآه بأم عينه، ونظم في تلك المرحلة ست قصائد نشرها في مجلة «شعر» ونشر مجموعة من القصص والشعر تحت عنوان (ثلاث قصص وعشر قصائد).. وأخذ النقاد يهتمون بمحاولاته حينذاك.. لكنهم سرعان ما أهملوا نتاجه، فتحول إلى نشر نتاجه في مجلات مغمورة.
في عام 1926م نشر قصة عنوانها (سيول الربيع) متأثراً بالكاتب الروسي «تورجنيف» وجعل لها وجهين: ظاهر يقوم على السخرية، وباطن عميق ينقد فيه عصره.
ثم أصدر كتابه النقدي بعنوان (إفساد الأمريكيين) وعرّى فيه ضياع الشبان الأمريكيين في ملاهي باريس، غير إنه مع ذلك لم يحقق ما كان يصبو إليه من المجد الأدبي، وإن كان قد برهن عن استقلاله الأدبي.
ومع صدور قصة (والشمس تشرق أيضاً) وقصة (وداعاً أيتها الحرب) حظي أرنست همنغواي بالشهرة، وبرهن إنه كاتب قصصي جاد، منح العملين قيمة تاريخية وجمالية، وضمّنهما كثيراً من المعاني الرمزية الخفية التي لم يتناولها النقد بالكشف والتحليل.
في عام 1929م نشر مجموعة قصصية بعنوان (الطابور الخامس) ثم أتبعها بكتابه (موت بعد الظهيرة) عن مصارعة الثيران، وأصدر بينهما كتابيه (تلال إفريقيا الخضر) و(مَنْ يملك ومَنْ لا يملك) ولم يوفّق في كتابه الأخير، إذ عدّ نكسة فنية، لأن موضوع القصة لا يحتمل أن تكون قصة طويلة. فقد بدت الحبكة مهلهلة النسج، بعيدة عن الترابط بالقياس إلى رائعتَيه (الشمس تشرق أيضاً) و(وداع للسلاح)..
في عام 1934م كتب همنغواي روايته الرائعة (لمن تقرع الأجراس) استعاد بها اعتراف النقّاد بموهبته واعتبروها أثراً خالداً يبلغ الكمال في دقة صوغها، وروعة أسلوبها، ثم كتب (عبر النهر وفي الغابات) فلم تنل من الحظوة ما نالته قصته السابقة.
في عام 1953م أصدر قصته الشهيرة (الشيخ والبحر) جسّد فيها إرادة التحدّي، وجعل من بطليها الشيخ «سنتياغو» والحوت الذي يطارده بطلان رمزيان يمثلان الشجاعة والصبر والجلد وإرادة الحياة، وربط فيها بين الطبيعة والفن، وأمدته خبرته الطويلة بالصيد، وخبرته العملية بعالم البحار وكائناته، بلغة ثرية واقعية، وتجسيد للمهارات العملية في الحياة.. فمُنح جائزة نوبل للآداب في عام 1954م.
رؤية دراسية
تعرض إرنست همنغواي لكثير من النقد بسبب تحلله الاجتماعي، وبخاصة النقّاد الذين يرون في الأدب رسالة لخدمة القيم الاجتماعية العليا. بينما دافع عنه نقاد آخرون رأوا أن مسؤولية الفنان تنحصر في تقديم الحقيقة من التجارب الإنسانية التي مرّ بها، فالكاتب «همنغواي» كان أكثر إطّلاعاً بمسؤولية ما خبره وجرّبه وعاناه في عصرنا القلق الذي بدا وكأنه يسير نحو الهادية.. بعد حربين عالميتين..

http://albahethon.com/photo/10/C39.jpg

الحياة في أدب همنغواي مغامرة يكتنفها الخطر ويتربص بها الموت، والشجاع البطل هو الذي يتحدّى لعبة الحياة، ويتحمل الصبر لينال هدفه، وهي لعبة لم يعد الإقدام وحده والجرأة فيها سبيلين للنصر، لا بدّ من التسلح بمهارات عملية وتقنية تضمن السلامة، لأن لعبة الحياة بحد ذاتها سير فوق العدم، وليس للفرد أن يأمل في عصرنا بخلاص وقدر ينشدهما من المجتمع، فهو يختار طريقه بحرية، ويحدّد مصيره..
كان همنغواي متشائماً كبيراً ويائساً من المستقبل البشري شأن «نيتشه، وفرويد» وقد أدار ظهره لكل معطيات الحضارة ولكل قيم البورجوازية والنقاء البروتستانتي، وآثر أن يقدم أدباً إنسانياً يعرّي فيه قيم عصره، ويناصر الطبقات المسحوقة والمهمشة، ووجد في أفرادها النقاء الذي ينشده، والشجاعة على الصبر والتحمّل من خلال الشخصيات التي جسّدها في أعماله الأدبية، وهي شخصيات عرفها وصادقها وارتهن لنظرتها إلى الحياة، وهم في نظره أبطال شجعان يتساوى لديهم الوجود والعدم..
من هذه الرؤية، بدا همنغواي في حياته «ميتادوراً» يبارز النظام الراهن وما أفرزه من ديكتاتوريات ونيران إنسانية مفترّة بما تملك من وسائل القوة، فهل كان انتحاره وتصفية حياته ثمرة يأس وأزمة نفسية عابرة، أم كان حصيلة تجربة طويلة مع الموت المحتوم الذي كان يرجئه وهو بين شدقيه إلى أن عجزت وسائله عن دفعه، ويئس من التغيير الذي ينشده؟
يقول في مقابلة أجريت معه (الكاتب بلا حسٍّ بالعدالة أو الظلم سيكون من الأفضل له أن يؤلِّف كتاباً مدرسياً لتلاميذ استثنائيين أفضل من كتابة الروايات.. إن أعظم هبة أساسية للكاتب هي القدرة على البناء وهزّ المألوف، وفعالية الكاتب هي راداره، وكل الكتّاب الكبار يملكون هذا الرادار).
ويشير «هوتشتر» إلى دواعي انتحاره (فقد فتر عطاؤه في آخر عمره، وكفّ عن السفر، وارتفع ضغط دمه، ولم يعد واثقاً من إبداعه، ولم يغادر البيت أو يستقبل أصدقاءه كعادته، كان يشكو من رجال المخابرات يلاحقونه في تنقلاته، ومكالماته الهاتفية ومراقبة رسائله، وحاول أربع مرات متتالية الانتحار دون أن يفلح، لكنه لم يفشل في محاولته الخامسة، كان موته ثمرة إحساس بأنه استنفد رسالته في الحياة وليس له إلا الرحيل).
وفي حوار مع زوجته الأخيرة «ماري» المرأة التي عاش معها سبعة عشر عاماً، وكانت صحفيّة مثله تنفي عجز زوجها عن الكتابة، وترفض أن يكون قتَل نفسه منتحراً لهذا السبب، وتؤكد أنه استمر في الكتابة حتى يوم انتحاره، وأنها تحتفظ بمسودات نتاجه الأخير، وظلت ترفض الاعتراف أن يكون زوجها مات منتحراً، بل نتيجة قضاء وقدر، وكأنها تدافع عن نفسها من جريرة تحمّل مسؤولية انتحاره، وهي التي احتضنته ورعته، واستماتت لتوفير سبل الحياة السوية له، ومعالجة نزواته وفوضويتيه، دون أن تكون قادرة على إسعافه من أزمته النفسية.
لقد طبع العنف عدداً كبيراً من أقارب همنغواي.. فقد كان يؤمن أن العنف يتجدد إليه بالوراثة، فالكتابة لديه خير علاج للتخلص من الكبت والعقد.
ولعل أبرز النقاد الذين دوّنوا سيرة همنغواي الكاتب «كارلوس بيكر» وقد رفض فيه النظريات التي ترى فيه إنساناً شريراً متحللاً يتعايش مع إنسان نقي، وقد أفاد من مسودات آثاره التي آلت إليه بعد رحيله.. أن هذه الازدواجية كانت ثمرة إحساسه بأن الإنسان مهدد بالموت قبل انهياره بوقت طويل، وهو إحساس لم يستطع الشفاء منه.
ويعزو «بيكر» حياة الكاتب العظيم إلى أعماله وحدها مؤمناً بنظرية موته.. ويتساءل إن كان همنغواي سيظل في نظر دارسيه كاتب قصص قصيرة أم يُعد من روّاد كتّاب الرواية الخالدين، فيعيد النقاد النظر في الأبعاد الرمزية لكتاباته التي لم تنل حقها من الدراسة..
ولما يتساءل همنغواي في مقدمة روايته: لمن تُقرع الأجراس؟ يجيب: إنها تُقرع لي ولك..
كان يؤمن بالضمير الإنساني، وقدرته على الاستجابة لتغيير عالمنا المجهد والممزق بسبب تصدع قيَمه، وأن على البشر في عصره أن يسعوا إلى تغييره بدافع من ضميرهم الإنساني المبني على قيم الحرية والحق والعدالة..




المصدر : الباحثون العدد 62 آب 2012