المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حل لغز انبعاثات أشعة غاما


Eng.Jordan
11-03-2012, 12:33 PM
http://albahethon.com/photo//10/24-501e2e669df48.jpg

وأخيراً أدرك علماء الفلك سرّ أقوى انفجارات الكون
منذ اكتشافها قبل نحو 35 سنة من قبل أقمار اصطناعية عسكرية لمراقبة التفجيرات النووية، ظلت انبعاثات أشعة غاما (GRBs) أحد أكبر ألغاز علم الفلك. إنها تظهر كبقع عشوائية التوزع في السماء عدة مرات في اليوم، مطلقة في وقت يتراوح بين جزء من ثانية إلى ما يقرب من دقيقة - انبعاثات هائلة من الطاقة التي تنافس، وفق بعض الأوصاف، الانفجار العظيم ذاته.
أربكت هذه الانبعاثات الباحثين وتحدتهم طوال عقود. لكن الصورة الآن تتجه نحو رؤية أوضح وأدق. لقد وجد العلماء منذ عدة سنوات أن طاقة الانبعاث لا تنتشر في كافة الاتجاهات. بدلاً من ذلك، فهي تتجه بشكل إشعاع ضيّق شبه مخروطي، أو نفاثة jet. وفي وقت أحدث، وجدوا مزيداً من الأدلة على أنماط تتسبب بتوليد كل من نوعي انبعاث غاما- الطويل الأمد والقصير الأمد.
إن معظم هذه النفاثات تحدث دون أن نشاهدها، لكن يحدث أحياناً أن يكون أحدها مصوباً نحونا تماماً. وبعيداً عن الشعور بعدم الارتياح، فإن علماء الفلك الذين يدرسون إشعاعات غاما إنما يعيشون حياتهم من أجل فرصة التقاط أو لمح فوتونات هذه الأشعة العالية الطاقة.
يمكّن إدراك وفهم طبيعة إشعاع غاما المنبعث الباحثين من تقدير، وبدفعة واحدة، كلاً من طاقة الانفجارات وتكرار وقوعها. ويشير شري كولكارني (من معهد كاليفورنيا للتقانة) قائلاً: "إذا كنت لا تعرف الهندسة، واعتبرت الانبعاث كرويّ الشكل، في حين أنه مخروطي فعلاً، فيمكنك تخيل انبعاث طاقة أكبر بقدر 1000 مرة مما هو عليه فعلاً. وإذا كانت إشعاعات حزم الأشعة نحيفة بالقدر الذي نعتقده، فسيكون هناك 1000 انبعاث غاما لا نراه مقابل كل انبعاث نراه".
لقد تم كشف أحد أهم الأدلة بشأن أصل انبعاثات أشعة غاما بتاريخ 29 آذار/مارس عام 2003، عندما التقط مسبار ناسا المسمى (HETE-2) انبعاثاً في مجموعة الأسد النجمية Leo. كشف "التوهج" التالي للانبعاث أن انبعاث أشعة غاما قد حدث على مسافة2.6 بليون سنة ضوئية وأنه ارتبط بمستعر فائق ساطع حدث في الوقت ذاته تقريباً. واليوم، يربط العلماء النظريون صنف الانبعاثات الأكثر شيوعاً (تلك التي تدوم أكثر من ثانيتين) بحوادث ولادة الثقوب السوداء التي تنتج عندما تنهار نجوم لها 30 كتلة شمسية وتنتهي بشكل انفجار مستعر فائق عظيم.
لقد كان الافتراض القائل إن إشعاعات غاما تطلق عبر الفضاء من مدفع كوني ثنائي الاتجاه قائماً لمدة عقد على الأقل، وأن الطبيعة تقدم أمثلة أخرى عن دفقات المادة التي تقذفها النجوم والنوى النشطة للمجرات. ولكن كان من الصعب تحديد ما إذا كانت نبضات أشعة غاما التي تلتقطها دورياً مركباتنا ومعداتنا المدارية، تتم بشكل نفاثات إشعاعية باتجاه محدد، أو أنها تنطلق بشكل أشعة في جميع الاتجاهات.
تزداد هذه المشكلة مع نظرية النسبية الخاصة: ففي نموذج "الكرة النارية" القياسي لانبعاثات أشعة غاما، نرى علماء فيزياء الفلك يعتقدون أن إشعاعات غاما تنتج عن الحرارة المفرطة التي تولدها الاصطدامات الداخلية ضمن تيار من المادة المقذوفة بسرعة تقرب من سرعة الضوء من نجم يموت. إن الفوتونات المنبعثة من مصدر حار عالي السرعة لا تجول هنا وهناك في أنحاء الفضاء. بدلاً من ذلك، فهي تتركز في حزم إشعاعية متميزة، أو منفصلة، شبه ليزرية تنتقل عمودياً إلى سطح النجم الذي يحتضر. وكلما كانت سرعة توسع السطح أعلى، كان الشعاع الصادر أضيق زاوية. ويشرح كولكارني قائلاً إن أحد نتائج نظرية النسبية هي أن "السطوح المتحركة بسرعة عالية جداً، لا تكشف نفسها بشكل كامل. فنحن نرى جزءاً صغيراً فقط منها. وإذا كنا نرى قليلاً فقط، فنحن لا يمكننا القول إن كانت كرة كاملة أو جزءاً صغيراً من كرة، مثل مخروط".
التوهج الأول
لقد برزت صورة نموذج انبعاث إشعاع غاما بقوة في العام 1997 مع اكتشاف توهجات انبعاثات أشعة غاما ـــ انبعاثات أشعة راديوية، وبصرية، وأشعة X، تدوم مدة أسابيع وأشهر بعد الانفجارات. إن هذه التوهجات، بحسب نموذج الكرة النارية، تحدث عندما تلاقي مادة النفاثات المادة التي قذفها النجم في وقت سابق من حياته.
تتباطأ سرعة النفاثات بثبات في أثناء طور التوهج. وعندما تنخفض السرعة إلى ما دون القيمة الحرجة، يصبح ممكناً رؤية "طرف" النفاثة. ولأن الكرات، بالتعريف، ليس لها أطراف، فقد اعتبرت رؤية هذه "الحافة" على أنها دليل على أن الانبعاث ليس كروي الشكل.
في العام 1997، وضع جيمس رودس (وهو عالم فلك في معهد علوم تلسكوب الفضاء (STScI) هذه الأفكار في اختبار تشخيصي بسيط يدعى بـ"انطلاق النفاثة". يقول رودس إن النفاثة ستفقد سرعتها وتبدأ بالتمدد جانبياً بعد الاصطدام بالمادة المحيطة. عندما يحدث هذا، يتضاءل سطوع التوهج بحدة حالما يصبح الضوء المركز في مخروط ضيق أكثر ضعفاً. يجب أن يبدو هذا كتغير في انحدار "منحنى الضوء"- الذي هو مخطط السطوع مقابل الزمن- عند النقطة الدقيقة التي يبدأ عندها السطوع بالانحدار بشكل مفاجئ أكثر.
وفي دراسة أجراها ريم ساري (من معهد كاليفورنيا للتقانة) وزملاؤه عام 1999، وجدوا مؤشرات دالة على "سلوك شبيه بالنفاثة" في ثلاثة انبعاثات غاما رُصدت سابقاً. كان السطوع ينخفض بسرعة بالغة في هذه الحالات لدرجة دفعت العلماء للاستنتاج أن مشاهدات التوهجات يجب أن تكون قد بدأت بعد انطلاق النفاثة.
لكن العلماء احتاجوا إلى عيّنة رصدية أكبر كي يستخلصوا مقارنات ذات معنى بين الانبعاثات. وفي العام 2001، قام ديل فريل (من المرصد الراديوي الوطني) ومعه كل من كولكارني وساري و 11 فلكياً آخر، بفحص منحنيات ضوء لـ17 حادثة توهج لانبعاث إشعاع غاما ضمن مجال متنوع من الأطوال الموجية. وبعد إثباتهم أن النفاثات قد ركزت طاقة أشعة غاما، قام الفريق بحساب الأحجام الزاويّة للنفاثات بالاعتماد على زمن انطلاق النفاثات: كلما كان الوقت أطول بين الانفجار وانبثاق النافورة، كانت "زاوية انفتاح" مخروط النفاثة أكبر. إن معظم النفاثات، كما استنتجوا، كانت بعرض عدة درجات فقط. وقد توصلت دراسة تحليلية مشابهة أجراها آلين - دانيل بانايتيسكو (من جامعة برنستون، ولكنه حالياً في جامعة تكساس بأوستن) وباوان كومار (من جامعة تكساس بأوستن أيضاً) إلى نتائج مشابهة.
قياس طاقة انبعاثات أشعة غاما
إن معرفة زوايا الإشعاع المنطلق أمر مهم لأن العلماء يعتقدون الآن أن زوايا مختلفة تفسر سطوعات مختلفة تشاهد في انبعاثات أشعة غاما. تبدو النفاثات الأعلى تركزاً، أو كثافة، أكثر سطوعاً من النفاثات الأكثر انتشاراً. ويقول ستان ووسلي (وهو عالم نظري من جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز): "لم يدرك العلماء سابقاً مدى صغر نفاثات الأشعة، لقد افترضوا وجود زوايا انفراج، أو خروج، بحجم 20° درجة، لكنها الآن تبدو أقرب إلى زاوية بقدر 4° درجات".
إن حزم الأشعة الضيقة تعني أنه مقابل كل انبعاث لأشعة غاما واحد نرصده يوجد مابين 500 إلى 1000 انبعاث غير مرئي لنا وذلك لأنها تنطلق في اتجاه آخر. وإحصائياً، تفترض المعطيات حدوث 1500 انبعاث كل يوم، وهو مؤشر يكافئ معدل ولادة ثقب أسود واحد بحجم كتلة نجمية في كل دقيقة. ويقول ووسلي إن هذا الرقم يعني فقط أن "واحد بالمائة من النجوم الجسيمة بقدر كاف لتنتهي كمستعرات فائقة إنما تنتهي بشكل انبعاثات أشعة غاما GRBs".
تسمح الحسابات الزاويّة أيضاً للعلماء بتقدير كلي الطاقة التي ينتجها انبعاث أشعة غاما، والتي تبدو ثابتة إلى حد ما من انبعاث لآخر: بقدر يبلغ 1051 إرغة تقريباً. إن انبعاثات أشعة غاما هي مثل "قنابل قياسية" تزيد طاقتها قليلاً فقط عن طاقة المستعرات الفائقة بحسب ووسلي. إنها تحتفظ بلقب "أعظم الانفجارات في الطبيعة" بهامش بسيط، ولكنها ببساطة "أسطع الانفجارات منذ زمن الانفجار العظيم".
وبإسقاط حزم الأشعة هذه من الحسبان، بدت انبعاثات أشعة غاما أنها ذات طاقة هائلة لدرجة المستحيل، وذلك بإصدارها طاقة أكثر بـ 1000 مرة، مع حظ قليل لدى العلماء النظريين لإعداد سيناريوهات عملية لرصدها. كما أن التقدير الأخفض والمعدل يتناسب جيداً مع النماذج التي تساوي بين انبعاثات أشعة غاما والمستعرات الفائقة العادية.
آلام الاحتضار
إن دفقات، أو نفاثات، الطاقة هي ميزة أساسية في نموذج النجم المنهار collapsar model الذي طوره ووسلي ومعاونوه. في هذا النموذج، الذي ربما يكون النموذج الرائد بالنسبة لحوادث انبعاثات أشعة غاما طويلة الأمد، تحدث المستعرات الفائقة وانبعاثات أشعة غاما في ذات الوقت، وتستمد طاقتها من مصدر الطاقة ذاته: الانهيار المميت لنجم جسيم. يحدث الانهيار في مركز النجم ثقباً أسوداً يحيط به قرص مدوم من المادة. ويحدث الثقب الأسود الدوار مع القرص المحيط به حقولاً مغنطيسية تقود الجسيمات من القرص لتشكل نفاثات على امتداد محور دوران النجم. تمزق ريح خارقة تهب من القرص، مع النفاثات، النجم أشلاءً. وتنبعث النفاثات النسبوية من النجم في اتجاهات متعاكسة وتحدث انبعاثات أشعة غاما. يتمدد الغلاف الخارجي للنجم بوتيرة أكثر بطئاً - ويذهب قدر مساو من الطاقة لتحريك كمية أكبر من المادة.
ورغم أن انبعاثات أشعة غاما والمستعرات الفائقة تعتبر عادة ظواهر متمايزة عن بعضها في هذا النموذج، إلا أنها مظاهر مختلفة للانفجار ذاته. إن هذه الحوادث نادرة الحدوث. ربما يرتبط ما نسبته 1 بالمائة من المستعرات الفائقة بانبعاثات أشعة غاما GRBs. ويعتقد العلماء أن بقيتها يستمد طاقته من جسيمات النيوترينو وتشكل النجوم النيوترونية.
إن دعماً إضافياً للصلة بين انبعاثات أشعة غاما والمستعرات الفائقة يأتي من أرصاد تظهر أن الانفجارات تنحو لأن تنشأ في مناطق تشكل النجوم. ويشير العالم النظري ت. بيران قائلاً: "في الأماكن التي يولد فيها كثير من النجوم، سيكون هناك أيضاً موت للكثير من النجوم الجسيمة".
ويوافق آندرو فرتشر (وهو عالم فلك في معهد علوم منظار الفضاء) قائلاً: "تظهر المناطق المضيفة هذه إشارات تدل على كونها مناطق بناء للنجوم على نحو غير عادي: فهي زرقاء اللون ولها خطوط انبعاث طيفية قوية. وهي تظهر أيضاً بنى شكلية مضطربة".
ويأتي دليل موحٍ آخر من دراسة أجريت عام 2002 على توهجات لأشعة X للانبعاثGRB 011211 باستخدام مرصد نيوتن XMM الفضائي. وقد أجرى جيمس ريفز (من ناسا) وزملاؤه تحليلاً طيفياً مفصلاً للتوهج، و وجدوا عناصر كيميائية خفيفة، كالمغنزيوم والسيليكون والكبريت والأرغون والكالسيوم- أي كافة العناصر التي تقذف في الفضاء بفعل مستعر فائق.
وبجمع أجزاء متنوعة من الدليل، يعتقد ووسلي أن قصة ربط انبعاثات أشعة غاما بموت النجوم تبدو مقنعة، ويقول: "لدينا نموذج يعمل، بل وهناك شبه إجماع بين العلماء، لكن ذلك لا يجعل الأمر صحيحاً". وهو يشير إلى أنه قبل عشر سنوات تقريباً، اعتقد كثير من العلماء أن إشعاعات غاما تنتج عن تراكم التحامي سريع للمادة حول نجم نيوتروني. ومع أن الفكرة تبدو معقولة، فهي خاطئة قطعاً، بحسب كلمات ووسلي: "يجب أن أعرف لأن النموذج هو نموذجي".
وتعتري شكوك معظم أوجه نموذج النجم المنهار المفضل حالياً. ويقول ووسلي: "حتى لو عرفنا أن انبعاث أشعة غاما سببه انفجار نجم جسيم، فإن ذلك لا يخبرنا كيف انفجر". وعلى مستوى أعمق، نرى أن الباحثين لا يستطيعون وصف آلية حدوث النفاثات، أو مم تتكون، رغم أنه يغلب كثيراً افتراض أنها تتكون من أوفر عناصر الكون- الهيدروجين.
وتبقى أسئلة أساسية حول مصدر النفاثات الغامض الذي يسرّع المادة إلى سرعات نسبوية ويركّز بإحكام حزم الأشعة. ويسأل كولكارني: "ما عساه يكون المحرك الغامض الذي يولّد قدراً من الطاقة كهذا. إنه اجتماع نادر للقوي جداً مع الضعيف". وما يهمه بالذات هو آلية تركيز الحزمة الشعاعية. ويقول: "إن إطلاق مخروط أشعة بزاوية انفراج قدرها درجة واحدة (1°) يشبه أمر تقطيع قرص بيتزا إلى 360 قطعة. كيف تستطيع الطبيعة أن تصنع مثل هذه البيتزا؟".
ونرى العالم كومار حائراً بأمر الثبات الظاهري للطاقة بين الانبعاثات التي يعتقد أنها يجب أن تكون مفتاحاً مهماً لفهم مسألة الانفجار. ويسأل: "لماذا لا يوجد تباين أكبر في الطاقة، ولماذا يخرج نحو 1 بالمائة فقط من مجملها؟". إن القصة تشبه أن يكون لديك مبلغ 100 ألف دولار في حساب جماعي في بنك، ويستطيع كل شخص آخر أن يأخذ مبلغ 1000 دولار فقط. يجب أن يكون هناك سبب. فبخلاف ذلك قد يأخذ بعضهم 10 دولارات أو 100 أو 10 آلاف دولار".
ويحاول كومار أيضاً إدراك خصائص النفاثات بصورة أدق. ويقول: "في نماذجنا، نفكر بصورة مخروط أخذ من كرة، لكن الأشياء قد لا تكون دقيقة مثل مخروط متجانس. إن أجزاء مختلفة من النفاثات ربما تنتشر بسرعات مختلفة".
مستقبل مشرق أمام انبعاثات أشعة غاما
مع بقاء جميع الأسئلة التي لا إجابات لها بعد تدور حول الانبعاثات والنفاثات، فقد عقد علماء فيزياء الفلك آمالاً عالية على بعثة مسبار سويفت Swift mission الذي أطلقته وكالة ناسا بتاريخ 20 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2004. وقد سميت البعثة بشكل مناسب لعملها: فمجرد أن يصيب إشعاع غاما منظار التنبيه على متن سويفت، يتم توجيه وإدارة المسبار (عادة في مدة دقيقة) كي يرصد انبعاث أشعة غاما ضمن مجال الإشعاعات البصرية وفوق البنفسجية وأشعة X. ومع حلول شهر آب من عام 2006، تمكن المسبار من اكتشاف نحو 140 انبعاث لأشعة غاما. كما رصد سويفت أيضاً توهجات نحو نصف هذه الانبعاثات بشكل جيد بما يكفي لتحديد مواقعها. إن هذا يزيد كثيراً عدد الانبعاثات ذات المواقع المعروفة.
ونرى أعضاء فريق البعثة يمسكون بهواتف تنبيه خاصة يحملونها معهم بعيداً لتعطيهم أخبار اكتشاف المسبار لأي انبعاث. ويقول ساري إن مواقع الانبعاثات "تعطى للعلماء على الأرض في ثوان بدلاً من ساعات، وبذلك نستطيع مشاهدة التوهجات بسرعة بالغة. إن هذا يعني أننا نستطيع التقاط النفاثات ذات زوايا الخروج الأصغر وأوائل الانبعاثات".
في أثناء ذلك، يتابع بعض الفلكيين مسعاهم بطريقة مختلفة، تقوم على اختبار آخر طرحه رودس في العام 1997. إذا كانت انبعاثات أشعة غاما تصدر في حزم إشعاعية منفصلة، فيجب إذن أن نكون قادرين على مشاهدة التوهجات في بعض الحالات التي يستحيل فيها مشاهدة الانبعاثات ذاتها. إن هذه "التوهجات اليتيمة"، كما يدعوها رودس، ستكون صعبة الرصد لأنها أكثر خفوتاً بكثير وأكثر ندرة من المستعرات الفائقة. ويقول: "لكنها يجب أن تكون موجودة إذا كانت هذه الصورة صحيحة". وحتى دون مشاهدة التوهج اليتيم، فما يبدو بعد 35 سنة من العمل البحثي هو أن العلماء الباحثين يصلون أخيراً إلى نهاية لغز انبعاثات أشعة غاما، لكل من نوعي الانفجار- الطويل الأمد والقصير الأمد.
تعريف آخر
في السنة الماضية، تمكن الباحثون من تحديد السبب المرجح للانبعاثات قصيرة الأمد- أي تلك التي تدوم أقل من ثانيتين. إن الانبعاثات قصيرة الأمد تستلزم آلية مختلفة- اندماج نجمين نيوترونيين أو نجم نيوتروني وثقب أسود. لقد اشتبه العلماء في كون هذه الطريقة سبباً لبعض انبعاثات أشعة غاما لسنوات عدة، لكن كان ينقصهم الدليل المباشر. فحيث أن الانبعاثات قصيرة الأمد هي قصيرة للغاية- إذ تدوم عادة مجرد عشرات من ميللي ثانية- نرى أن المناظير والمسابر لا يمكنها التحرك بسرعة كافية لتحدد موضع هذا الانبعاث.
وفي أثناء صيف عام 2005، رصد كل من مسباري سويفت و HETE-2 ثلاثة انبعاثات قصيرة الأمد بشكل جيد بما يكفي لتحديد مواقعها. وتمكنت مراصد أخرى، أرضية وفضائية، من رصد التوهجات ضمن مجال من الترددات. وبتحليل التوهجات، اكتشف العلماء أن تلك الانبعاثات القصيرة الأمد كانت توجد على مسافات تتراوح بين 2 و 3 بلايين سنة ضوئية، وهي مسافة أقرب من مسافة الانبعاثات طويلة الأمد. وكانت الانبعاثات القصيرة الثلاثة هذه جميعها تقع على أطراف مجراتها المضيفة، ويقول جورج ريكر (المشرف الرئيس على بعثة HETE-2): "تماماً حيث توقعنا وجود الثنائيات الاندماجية القديمة".
إن عمليات الرصد التي ستنجز في السنوات القليلة القادمة من خلال بعثات سويفت و HETE-2 ومنظار GLAST ، يجب أن تحسم مسألة أصل انبعاثات أشعة غاما مرة واحدة وإلى الأبد.
إن انبعاثات أشعة غاما ليست المصدر الوحيد لأشعة غاما في الكون. إذ يسجل سويفت إشارات أخرى كثيرة تمثل مجالاً واسعاً من "الومضات البصرية" التي تصدر عن المستعرات والمستعرات الفائقة والنجوم المتوهجة ونوى المجرات النشطة. وبالإضافة إلى ذلك، كما يقول ووسلي، فإنه "من المرجح أن يكون هناك ومضات خاطفة أخرى من أشعة غاما لا نعرف بعد شيئاً عنها".
هكذا نرى أن العلماء الذين يتقصون مصادر أشعة غاما لن يكونوا من دون عمل في أي وقت قريب. فبمجرد أن يتمكنوا من فك أحد ألغاز انبعاثات أشعة غاما، تبرز أسئلة أخرى لتعود فتشد انتباههم إلى هذه النفاثات عالية الطاقة الشاردة هنا وهناك في أقاصي الكون البعيدة.

- المؤلف:
*ستيف ناديس Steve Nadis: محرر يساهم في الكتابة لمجلة Astronomy. يعيش في كامبريدج، ماساتشوستس.



المصدر : ترجمة حازم فرج