المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفلورينات Fullerenes


Eng.Jordan
11-03-2012, 12:41 PM
" الفلورينات " .. نقطة تحول في علم الكيمياء - وهدان وهدان
ليس مبالغة القول أن عنصر الكربون يحتل مكانة ذات أهمية بالغة في علم الكيمياء ، نظرا لخصائصه الفريدة وقدرته على تشكيل عدد كبير جدا ، ومتزايد يوميا ، من المركبات الكيميائية المهمة ، لذلك كان الكربون – ولازال – من أكثر العناصر التي أهتم بها العلماء وبذلوا ، في سبيل دراستها وتوصيفها وسبر أغوارها ، الجهود الكبيرة والأموال الطائلة التي أسفرت عن تصنيع آلاف المركبات التي يدخل هذا العنصر بشكل مباشر في تكوينها ، فالمركبات العضوية قائمة على أساس وجود عنصر الكربون في بنائها الجزيئي والذي أهلها للدخول في كافة مناحي ومناشط الحياة العلمية والتطبيقية . ولم يكن اكتشاف " " إلا ثمرة هذه الجهود الحثيثة التي تواصل العمل ليل نهار في سبيل دفع عجلة التقدم البشري إلى الأمام وتسجيل الإنجازات الباهرة في طريق التقدم العلمي والتقني لصالح ورفاهية الإنسان .


http://albahethon.com/photo//10/1/12-504a0483695d3.jpg


التأصل الكيميائي
من المعروف أن العناصر الكيميائية تظهر بأكثر من شكل ، وهو ما يعرف بالتأصل الكيميائي ، أي أن الجزيء يتكون من نفس ذرات المادة ويختلف في طريقة ارتباط هذه الذرات ببعضها البعض وما يسفر عن ذلك من اختلاف في الصفات الكيميائية والفيزيائية لهذه الأشكال . ولعنصر الكربون شكلان معروفان منذ زمن طويل ، يوجدان في الطبيعة كمواد غير عضوية ، ثم اكتشف شكل ثالث له ، يمكن تصنيعه مخبريا ويحمل صفات جديدة ومتميزة . فالألماس يتكون من الكربون ، وتكون كل ذرة كربون محاطة بأربع ذرات تشكل فيما بينها هرما منتظما رباعي الأوجه ، ويفصل بين ذرة وأخرى مسافات متساوية تماما . وقد أمكن دراسة هذا التركيب المميز بواسطة أشعة إكس ، ويعد الألماس من أصلب المواد وأكثرها صلادة ، وهو عديم اللون ولا يذوب في الحوامض الكيميائية .
الشكل الثاني للكربون هو الغرافيت المعروف منذ زمن طويل والمستخدم في صناعة أقلام الرصاص وفي العمليات الصناعية كمادة ممتازة لتشحيم الأجزاء الميكانيكية للآلات . وترتيب ذرات الكربون في الغرافيت يختلف تماما عن تركيبه في الألماس ، فهي تتجمع كطبقات مسطحة ، تكون كل ذرة كربون فيها عضوا بين ست ذرات مشكلة لحلقة سداسية واضحة المعالم . وهذه الطبقات تترتب فوق بعضها بعضا ، وتتحد برابطة ضعيفة تجعلها قابلة للانزلاق لدى تعرضها لمؤثر خارجي .
ويعد الألماس والغرافيت جزيئات عملاقة ذات أحجام غير محددة لدى مقارنتها بالشكل الثالث للكربون وهو ما عرف لاحقا بالفلورين Fullerene ، الذي لا وجود له كمصدر طبيعي ، بل تم تصنيعه مخبريا في عام 1993 في جامعة " رايز " الأمريكية في ولاية تكساس ، حيث كان العالم الأمريكي " ريتشارد سمالي " وفريقه العلمي المتخصص يجرون أبحاثا ودراسات حول بعض العناقيد الذرية بجهاز يعمل بأشعة الليزر والموجات فوق الصوتية ، والتي تولد طاقة حرارية عالية جدا تصل إلى عشرات الآلاف من الدرجات المئوية موفرة ظروفا مخبرية تشبه " الفرن الكوني " . وقد اقترح عليهم أستاذ جامعي هو " هارولد كرتو " من جامعة ساسكس البريطانية دراسة عنصر الكربون ومركباته ذات السلسلة الطويلة والموجودة في الفضاء الخارجي بين النجوم وهي ما تعرف باسم " العمالقة الحمر " .
وقد تناول الفريق العلمي عنصر الكربون بالدراسة وتم تحطيم جزيئاته لينتج ، وبشكل مفاجئ ، تركيب عجيب لشظايا كربونية غنية بجزيئات C- 60 و C- 70 ( أي يتكون البعض منها من 60 ذرة كربون متحدة مع بعضها البعض وأخرى تتكون من 70 ذرة كربون ) . هذه المادة الناتجة كانت تنشطر ويتضاعف حجمها إلى ثلاثة أضعاف العناقيد الأخرى ذات العدد الزوجي من ذرات الكربون . وكانت المفاجأة مذهلة للفريق العلمي ، الذي تفرغ بالكامل لدراسة هذا المركب الجديد ، فوجد أن ما تم الحصول عليه ليس عنقودا من الذرات بل جزئ ذو غطاء مغلق وثابت من ذرات الكربون . وبعد الفحص الدقيق للكربون ستين C- 60 ، تبين أنه يشبه إلى حد بعيد كرة القدم ، حيث تكون كل ذرة كربون مركز اتصال بين شكل خماسي وشكلين سداسيين ، ولتحتوي الكرة بالتالي على اثني عشر وجها خماسي الأضلاع ، موزعة على عشرين وجها سداسيا ، ويفصل بين ذرات الكربون مسافات ذات أبعاد متساوية الطول ، أما الكربون سبعين C- 70 فهو يشبه كرة الركبي إلى درجة كبيرة ويتكون من خمسة وعشرين وجها سداسيا . ونظرا للتشابه الكبير بين هذه المركبات وبنايات جيوديسي التي ابتكرها وصممها المهندس المعماري بكمينستر فولر . أطلق أسمه عليها ، كما سميت بكرات ( بوكي ) نسبة للعالم الأمريكي بوكي ، الذي تمكن من وضع تصميم واضح مبكر لها .
إنتاج وتصنيع الفلورينات
يعود أول اقتراح لوجود ذرات الكربون على شكل جزئ كروي مجوف ومغلق كالقفص إلى فترة الستينات ، حيث اقترح بعض الباحثين إمكانية تصنيع وتشكيل مثل هذه الجزيئات ، لكن لم يستطع أحد تحقيق هذه النظرية عمليا وتصنيع مركبات كروية حتى عام 1993 حين استطاع العالم" سمالي " وفريقه العلمي من إنتاج هذه الكرات عن طريق قذف ذرات الكربون الساخنة جدا على الغرافيت ، فيحدث التصاق لذرات الكربون على الحواف الخارجية للغرافيت لتعطي شكلا خماسيا مقوسا ، ونظرا لتجاور الأشكال الخماسية لبعضها البعض فإنها تكون غير مستقرة ، لذلك تتكون طبقات سداسية الشكل تفصل بين الطبقات الخماسية معطية للمركب الناتج الشكل الكروي المغلق المستقر تماما .
إن هذه الآلية الغريبة في تكوين وتشكيل الجزيء هي بالفعل فريدة من نوعها وفي نفس الوقت مرنة ، حيث يمكن التحكم بعدد ذرات الكربون المكونة للجزيء . وبالطبع فإن C- 60 و C- 70 هما أول ما تم إنتاجه . ومع تزايد البحوث والدراسات أمكن إنتاج كرات أخرى احتوت على عدد أقل من ذرات الكربون بلغ 32 ذرة فقط وهي غير مستقرة وتتحلل بسرعة لدى تعرضها لمؤثر خارجي .
ولم تكن الطريقة السابقة لإنتاج هذه الجزيئات ناجحة بشكل جيد وفعال ، حيث أن مجموع ما تم الحصول عليه بالكاد بلغ جزءا من المليغرام ، وهذا بحد ذاته أمر محبط ولا يفي بمتطلبات البحث العلمي ، وفي عام 1996 تم ابتكار طريقة جديدة لتصنيعها عن طريق تسخين قضيب من الكربون الرقيق جدا بقوس كهربائي يعمل على رفع درجة حرارة الكربون إلى درجات عالية جدا في جو من الهيليوم تحت ضغط منخفض . وقد مكّنت هذه الطريقة الباحثين من الحصول على ذرات الكربون على شكل مسحوق نقي أمكن منه تصنيع جزيئات C- 60 وجزيئات C- 70 بسهولة ويسر ، كما تمكن العلماء من تطوير آليات خاصة لإنتاج جزيئات كروية تتفاوت في عدد ذرات الكربون المكونة لها بغية الحصول على جزيئات تحمل صفات مختلفة ومتباينة ، فتم الحصول على C- 76 ، C- 82 ، C- 87 ، كما تم إنتاج مجموعة ما فوق الفلورينات العملاقة وهي C- 240 ، C- 540 ، C- 960 ، التي توفر للعلماء إمكانيات غير متوقعة لما تحمله من صفات جديدة .
توزيع ذري فريد ومعقد
يعد توزيع ذرات الكربون في هذه المركبات فريدا ومعقدا في نفس الوقت ، من هنا فقد تطلب دراستها جهدا كبيرا ، وما زاد من صعوبة التعرف الدقيق عليها هو سرعة دورانها المحورية التي تتجاوز ألف مليون دورة في الثانية الواحدة ، لذلك تم استخدام مقبض كيميائي من عنصر ( الأزميوم ) لكبح حركتها وتثبيتها بشكل دقيق للتعرف بوضوح على صفاتها وخصائصها الفيزيائية والكيميائية ، بعد ذلك تم استخدام الأشعة السينية التي أعطت صورا وبيانات تم تحليلها بالكمبيوتر وبينت بالتالي طريقة تركيبها السابقة الذكر ، كما مكنت فريق البحث من إدراك ماهيتها وصفاتها .
يمتلك جزئ C- 60 صفات وخصائص مميزة ( ما ينطبق على هذا الجزيء ينطبق على باقي جزيئات الكربون الكروية بنسب ودرجات متفاوتة ) ، فهو مرن وقابل للضغط بنسبة 70 % لدى تعرضه لضغط يبلغ ثلاثة آلاف ضغط جوي وعند زوال هذا المؤثر يعود من جديد إلى حجمه الأصلي ، أما بعد زيادة الضغط إلى درجات أكبر من ذلك ، فإنه يصبح صلدا جدا ، ويفوق الألماس بدرجات كبيرة ، وإذا تم رفع قيمة الضغط إلى درجات عالية للغاية يتحول ألماس . وللتدليل على مرونة هذا الجزيء ، تم قذفه في صندوق مصنوع من الصلب بسرعة 24 ألف كيلو متر في الساعة ، وهذه السرعة العالية كافية لتحطيم أي جزئ آخر ، أما هذا الجزيء فقد كان مفاجئة للجميع ، حيث أرتد إلى الخلف دون أي ضرر ودون أي تشوه في بنائه الجزيئي ، وهذه الميزة مهمة جدا في عالم المركبات والجزيئات الكيميائية .
أما عند اختباره كيميائيا فقد أظهر مقاومة واضحة للتآكل الكيميائي وللإشعاعات النووية ، كما أظهر قدرة على امتصاص الإلكترونات واحتوائها بشراهة عالية ، وفي نفس الوقت لم يبد ممانعة في إعادة إطلاقها من جديد والتخلي عنها . وصفاته الكهربائية متميزة أيضا ، فعند تبريده إلى 255 درجة مئوية تحت الصفر وإضافة ذرات من البوتاسيوم إليه يتحول إلى موصل فائق Super Condductor يمر التيار الكهربائي به دون أي فقدان أو ممانعة ، كما لاحظ الباحثون أن لدى C- 60 القدرة على امتصاص 2200 وحدة ضوئية ، وإذا ما أضيف إلى بعض البوليميرات يمكن أن ينتج موصلات كهربائية ضوئية . أما نقطة الضعف في هذا الجزيء فهي عدم قدرته على تحمل درجات الحرارة العالية ، حيث يتحطم بناؤه الجزيئي عند 2000 درجة مئوية ويتبخر ويفقد بالتالي كافة صفاته السابقة الذكر .
التطبيقات العملية للجزيئات الجديدة
ما كاد فريق البحث الأمريكي يعلن عن اكتشافه الجديد ، حتى أخذ العلماء يطرحون أفكارهم وتصوراتهم حول طرق الاستفادة من هذه الجزيئات ومدى إمكانية توظيفها في المجالات الصناعية والتقنية المختلفة . وقد تم بالفعل تصنيع بطاريات كهربائية خاصة ، خفيفة الوزن وصغيرة الحجم من الليثيوم والفلور ، ثم تم تغليفها بالفلورينات لمنع تلامس مواد التفاعل مع الأكسجين لجوي الذي يعمل على أكسدة مكوناتها وبالتالي إفقادها بعض قدراتها الكهربائية وكانت النتيجة ممتازة ومشجعة ، حيث تم الحصول على تيار كهربائي ثابت لفترة زمنية طويلة دون أن تصاب مكونات البطارية بالتلف . وسوف يشهد هذا الإنجاز تطبيقات واسعة في القريب العاجل . إذ سيوظف لإنتاج بطاريات السيارات التي تعمل على الطاقة الكهربائية . كما اقترح فريق آخر من العلماء إمكانية استخدام هذه الكرات في المجال الطبي والتشخيصي . إذ استعمل جزيئات الكربون الكروية على احتواء وحمل النظائر المشعة داخل جسم الإنسان بغرض تشخيص بعض الأورام وتطوير العلاجات المقاومة للأورام السرطانية . والهدف من استخدام هذه الكرات هو حماية النظائر المشعة من خطر تحطمها وفقدان قدراتها العلاجية أثناء عبورها داخل الجسم البشري .
وعلى صعيد آخر فقد تم استخدام الفلورينات للكشف عن بعض الأماكن الملوثة بالعناصر السامة ، حيث تعمل كأقفاص لاحتواء بعض الذرات والعناصر الكيميائية الخطرة والموجودة في مياه البحار والأنهار ، حيث يتم اقتناص هذه المواد وبالتالي فصلها عن الوسط المحيط بها منعا لانعكاساتها الخطرة على البيئة والإنسان . كذلك اقترح الباحثون إمكانية استخدام هذه الجزيئات في عالم الصناعة ، فنظرا لصلادتها العالية وقوة تحملها الكبيرة التي تفوق الألماس ، فإنها مؤهلة للدخول في تركيب بعض الآلات الصناعية التي تخضع لضغوط ضخمة وهذه الميزة دفعت علماء وكالة ناسا الأمريكية إلى التفكير في استخدام الفلورينات لزيادة طاقة دفع صواريخ الإطلاق الحاملة لمركبات الفضاء . بالإضافة إلى ذلك ، وجد علماء الكيمياء إمكانية استخدام هذه الكرات لحمل بعض المجموعات الوظيفية كالهيدروكسيل والكاربوكسيل لإنتاج مركبات جديدة ذات مواصفات واستخدامات متعددة
الفلورينات ووعود المستقبل
يمكن القول أن هذه الجزيئات العجيبة تفتح أمام الإنسان آفاقا واسعة وتبشر بالكثير من الإنجازات التي ستكون ملموسة في السنوات القادمة . ويؤكد الباحثون أن العديد من المشكلات والصعوبات التقنية سيتم تجاوزها بفعل ما تمتلكه هذه الجزيئات من خصائص فريدة ، فعملية نقل التيار الكهربائي من مكان إلى آخر ما زالت تواجه إلى الآن معضلة وجود فقدان عال في الطاقة ، لذلك يأمل العلماء في التغلب على هذه المشكلة مستقبلا باستخدام موصلات فائقة مصنوعة من الفلورينات المخلوطة ببعض العناصر كالبوتاسيوم . وتتجه الأنظار ، اليوم ، إلى رقائق حاسوبية دقيقة جدا من هذه الكرات ذات كفاءة عالية تفوق مائة مرة الرقائق المستخدمة الآن . ويعلق الكثير من الكيميائيين الآمال على صناعة بعض اللدائن والمواد الصناعية من جزيئات الكربون الكروية المفيدة للإنسان في حياته اليومية .
وفي الواقع فإن ما سوف تحمله السنوات القادمة من اكتشافات سيكون بالفعل نقطة تحول في علم الكيمياء والصناعة ، وقد لا يمضي وقت طويل حتى ينشأ مجال جديد في الكيمياء هو مجال مركبات الكربون الكروية ذات الخصائص الفريدة والمتميزة ، والتي ستعمل على تحقيق الكثير من طموحات الإنسان للوصول إلى حدود الحلم البشري .



المصدر : الباحثون العدد 63 - أيلول 2012