المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الانتصار على الفشل


Eng.Jordan
11-03-2012, 12:48 PM
د. خير الدين عبد الرحمن
ثمة تجربة واقعية تستحق التمعن، بطلها الرئيس الأمريكي الأسبق فرنكلين روزفلت، وخلاصتها إنه قد سعى يوماً إلى أن يجرب حظه ككاتب قصص. أرسل قصة إلى شركة بارامونت السينمائية، عارضاً عليها شراء القصة لتحويلها إلى شريط سينمائي، في إحدى محاولاته لاحتراف الكتابة. قالت جون بول جونس التي كانت محررة في قسم مراجعة القصص لدى تلك الشركة آنذاك إن رئيس القسم قد استدعاها إلى مكتبه وناولها تلك القصة طالباً منها مراجعتها وإبداء رأيها فيها. سألته إن كان هو قد تصفحها فرد بالإيجاب، وهنا سألته إن كانت القصة قد أعجبته فقال إن موضوعها لا يصلح لشريط سينمائي ناجح لكن أمر فرنكلين روزفلت يهمه كثيراً؛ وأردف قائلاً: ينبغي أن يتم رفض القصة بأقصى قدر من اللباقة والحذر. عندئذ قررت جون التحدث هاتفياً إلى روزفلت، بعدما قرأت القصة، لتحاول تمرير قرار رفض قصته بلباقة، لكن روزفلت لم يقبل أن يتم الحديث هاتفياً، ودعاها لتناول الشاي معه ومناقشة القصة في بيته.



http://albahethon.com/photo//10/1/7-504a0183d5a36.jpg
انبهرت جون بول جونس منذ اللحظات الأولى بالجو العائلي الحميم الدافئ الذي شاهدته في منزل فرنكلين روزفلت. بدأت حديثاً تقليدياً ظلت تديره بعيداً عن قصة روزفلت وموقف الشركة منها، بينما كان هو متلهفاً لمعرفة قرار الشركة ويشرح كيف يعلّق آمالاً كبيرة على بيع القصة لتفتح أمامه باب احتراف الكتابة والتكسب منها. كان باقي أفراد الأسرة أيضاً يتدخلون في الحديث مشيدين بموضوع القصة ومظهرين اعتزازاً بموهبة كاتبها وثقة بأنه سوف يأخذ حقه سريعاً ويصبح من أبرز أعلام الأدب والإبداع القصصي. هذا ما جعل المحررة تغرق في الحرج وتتحاشى إبلاغ روزفلت اعتذار الشركة عن قبول قصته، متذرعة بأن لديها عدداً كبيراً من القصص التي اعتُمدت ويجري إعدادها، أو التي تتم دراستها لاتخاذ قرار بشأنها، وبالتالي لم يأت دور تلك القصة بعد.
غادرت المحررة المنزل بشيء من الارتياح لأنها قد أجلّت إلى حين ما ينتظرها من حرج. لكن روزفلت وأفراد عائلته راحوا يدعونها إلى منزلهم في المناسبات المختلفة، وحتى بلا مناسبة، وهي تتحاشى التصريح بأن قصة فرنكلين روزفلت مرفوضة وغير صالحة لتحويلها إلى شريط سينمائي. في تلك الأثناء كان روزفلت وأفراد عائلته يكررون الاعتزاز بالقصة وبموهبة كاتبها وثقتهم بأن احترافه الأدب خيار صائب، وأنه مكسب كبير للأدب. طالت لعبة التأجيل التي لعبتها جون بول جونس مع فرنكلين روزفلت وعائلته، وكان لا بدّ لها آخر الأمر من قول الحقيقة. جاءت الصدمة قاسية للرجل وأفراد عائلته، بعدما علّقوا آمالاً كباراً على قرب سطوع نجمه في سماء الأدب.
تلقى زوج جونس الذي كان ضابطاً في البحرية برتبة كابتن دعوة لحضور احتفال تكريم لضباط البحرية وزوجاتهم في البيت الأبيض. كان ذلك بعد مرور خمس عشرة سنة على اضطرار المحررة جونس لإبلاغ روزفلت برفض قصته، وكان روزفلت قد انتخب آنذاك رئيساً للولايات المتحدة للمرة الثانية. تذكر الرئيس المحررة بعدما تمعن في ملامحها وهو يصافحها، فسألها: ألست أنت جون بول جونس؟
ردت قائلة: نعم يا سيدي الرئيس.
هنا نظر في عينيها مبتسماً وهو يسألها: هل تذكرين قصتي التي قدّمتها لشركة بارامونت؟ لقد كانت أشد لحظات حياتي قسوة وإظلاماً تلك التي أبلغتني فيها رفض الشركة لقصتي!
ردت جون معتذرة: لا أشك في أن الشركة قد ندمت أشد الندم على قرارها الخاطئ ذاك. قاطعها روزفلت قائلاً بزهو واعتزاز: ربما ندمت الشركة، لكن رفضها قد علمني أن الفشل مهما كان مؤلماً وجعل المستقبل يبدو حالكاً في عيني المرء؛ فتلك ليست النهاية، إذ لا يزال هناك غد يحمل فرصة أخرى، وخير وسيلة للتغلب على الفشل هي نسيانه وطي صفحة أسبابه وملابساته وكل ما يذكّر به، واستئناف العمل بإصرار وثقة لتحقيق النجاح.
علقت جون بول موافقة بقولها: إن نجاحك السياسي دليل أكيد على صحة نظريتك.
ابتسم الرئيس فرنكلين مجدداً وقال وقد عكست ملامح وجهه ونبرات صوته أسىً عميقاً اختلط بغطرسة اقتضاها المنصب: هل تظنين هذا؟ لا شك في إنه لو قبلت شركة بارامونت قصتي لما كنا نتحدث اليوم أنا وأنت في البيت الأبيض!
هل من معنى للسؤال اليوم فيما إذا كان روزفلت قد حلم عندما فاته قطار احتراف الكتابة، فلم تدركه حرفة الأدب (!)، أن البديل الذي كان متاحاً له بأسهل مما فاته هو توليه رئاسة أقوى دولة في العالم، أم أن عوامل أخرى غير إصراره القوي على استبدال الفشل المؤلم بنجاح أكبر قد تدخلت لتوصله إلى رئاسة بلاده؟ بكلمات أخرى: هل ثمة من يصدّق أن رئيساً - أميركا خاصة- يفوز في انتخابات الرئاسة لمواهبه وكفاءته وقدراته الذاتية فقط؟
* * *
عندما سئل رجل الأعمال الملياردير تشارلز شارب أن ينصح جيل الشباب بشأن سر النجاح، قال إن أهم عامل يعين الشاب لتحقيق النجاح هو التصميم على بلوغ الهدف المراد، فالإرادة القوية هي سبيل النجاح، بل هي الجسر الذي يفصل النجاح عن الفشل. لكن عوامل أخرى لا يمكن إغفالها هنا، فالاقتناع بالهدف يجب أن يسبق أي اعتبار آخر، ولو من ناحية التسلسل الزمني. بعد الاقتناع لا بد من الاهتمام بتحقيق الهدف والتعامل بحب مع قضية إنجازه، وحسن التفكير في أفضل السبل والوسائل لبلوغ هذا الهدف، والتصميم القوي على بلوغه. أما السعي إلى الهدف بتثاقل، دون اهتمام، أو دون تفكير كاف وسليم، ودون توفير الطاقة والقوة التي يحتاجها تحقيق الهدف، فجهد ضائع حصاده الفشل، مهما توفرت الرغبة والإرادة. ولعل من أبرز مظاهر قوة الإرادة الاعتراف بالفشل وتحمَل مسؤوليته، خلافاً لما استشرى فينا من مكابرة وخداع للذات وللغير بالتنصل من مسؤولية الفشل وتحميلها لآخر ما، أو حتى إنكار الفشل أصلاً مهما كان صارخاً وشديد الوضوح.
* * *
نقف هنا عند حالة إفريقية نادرة، على الأقل في التاريخ والراهن الإفريقي والعالمثالثي عموماً، دون أن نغبن حالة عبد الرحمن سوار الذهب، الشذوذ الجميل في زمننا العربي المدمى، حقه تذكراً وامتناناً.. تلك هي حالة ليفي مواناواسا، رئيس الجمهورية السابق لزامبيا، الدولة الإفريقية الغنية بالنحاس الواقعة إلى الجنوب من خط الاستواء، والمحاطة بجنوب إفريقيا وموزامبيق وتنزانيا وزمبابوي ومالاوي وأنغولا وناميبيا وبوتسوانا والكونغو. فهذا الرئيس الذي تم انتخابه ديمقراطياً بأغلبية كبيرة، بعد سقوط الرئيس المزمن كينث كاوندا الذي حكم البلاد عقوداً منذ استقلالها إلى أن خذله الناخبون وانتخبوا منافسه مواناواسا. بعد فترة من فوزه وممارسته مهام الرئاسة وقف مواناواسا خطيباً ليقدم حكومة جديدة قام بتشكيلها، فقال مخاطباً شعبه: "لقد أخطأتم الاختيار عندما انتخبتموني.. اعترف بأنني فشلت فشلاً ذريعاً. لقد فشلت في الوفاء بالتزاماتي لكم.. لم أتمكن من تحقيق الوعود التي أطلقتها في حملتي الانتخابية، والتي انتخبتموني على أساسها. أعدكم بأنني سوف أغادر القصر الرئاسي دون رجعة فور انتهاء ولايتي القانونية العام القادم.. أرجوكم التحلي بالصبر إلى ذلك الحين، وأعدكم أنني سوف أبذل كل جهد ممكن في الفترة المتبقية لي محاولاً تنفيذ بعض المشروعات الاقتصادية التي تعين في تخفيف حدة الفقر الذي أدرك كم تعانون منه..".. لكم أتمنى أن يقيض الله عز وجل لكل من هؤلاء الحكام فرصة التفكر بمدى ذكاء الرئيس مواناواسا ونبل أخلاقه وسلامة عقله إذ اتخذ هذا الموقف، عسى أن تصيبهم عدوى أو غيرة منه، بدلاً من لعنات ملايين الناس التي تلاحقهم ليلاً ونهاراً. لقد اعتذر مواناواسا من شعبه لأنه فشل في تخفيض مستويات الفقر في البلاد، بعدما كان قد جعل مكافحة الفقر والقضاء عليه محور برنامجه الذي حقق له الفوز بالانتخابات الرئاسية. كان الرجل قد أعلن في خطاب سابق قبل ذلك بنحو سنة إنه ضاق ذرعاً بمقتضيات المنصب الرسمي الأول، فحياته صارت لا تطاق بسبب طقوس المنصب، وأنه يتطلع إلى التحرر منها والعودة إلى الحياة الطبيعية.. لذلك لن يترشح لفترة رئاسة ثانية تحت أي ظرف، على الرغم من أن الدستور يتيح لها الترشح لفترة رئاسية ثانية. وكان مواناواسا يشكو باستمرار من استشراء الفساد والرشوة، مما جعل الدخل الفردي لثلاثة أرباع شعبه أقل من دولار واحد للفرد في اليوم، وبالتالي فهم تحت خط الفقر على الرغم من ثروات بلادهم. وكان شديد الأسى لاستفحال انتشار نقص المناعة المكتسب (الإيدز) بين مواطنيه، إذ أصيب أكثر من خمسهم.
اعترف هنا بأنني لم أتعاطف مع مواناواسا لدى ترشحه، وخاصة لأنه تحدث في حملته الانتخابية عن إعجابه بالكيان الصهيوني. لم أستطع في المقابل قمع التعاطف مع الرئيس المزمن كينث كاوندا، على الرغم من تشبثه بتجديد رئاسته مرات ومرات، مديراً ظهره لحقيقة أن تداول السلطة وتغيير الأسلوب وتبدل البطانة صاحبة النفوذ ضرورات حيوية للتجديد والتصويب والمحاسبة وتطوير البلاد. أثرت عليّ لقاءات لي مع كاوندا في العقد الأول لرئاسته في سبعينيات القرن العشرين، ثم مشهده المتكرر وهو يبكي ويمسح دموعه بمنديل أبيض يحتفظ به دائماً في كم قميصه، فهزت تلك الدموع موضوعيتي ونزاهة تقييمي وملت إلى كاوندا الذي حقق استقلال بلاده.نعم، ضعفت أمام دموع كاوندا، المدني الذي أجهض عدة محاولات انقلابات عسكرية، وظل يخوض الانتخابات أمام مرشحين آخرين مرة بعد الأخرى لتجديد رئاسته، وازددت ميلاً إليه عندما رافق الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بيلا إلى بغداد - على الرغم من شيخوختهما - لكسر الحصار المفروض على العراق على الرغم من القصف الجوي الأنكلو أمريكي له قبيل غزوه.
ذكرتني دموع كاوندا برئيس بلد آخر في غرب إفريقيا، أدهشني في المرتين اللتين استقبلني فيهما لكثرة ما ذرف من دمع وراح يمسحه بمنديله، كلما حدثته عن معاناة الشعب الفلسطيني وجرائم الغزاة الصهاينة. كانت نظراتي تتنقل بين الدموع التي تسيل على وجنتيه ونجمة سداسية تتأرجح من سلسال رفيع يربطها إلى إسورة في معصمه كلما حرك يده. كنت واثقاً من صدق مشاعره التي تطلق العنان لدموعه، دون أن يقمعها حرصه على هيبة الرئاسة والصلابة المفترضة لرتبة الجنرال التي كان يحملها. لم أكن واثقاً من الطريقة التي تسللت عبرها النجمة السداسية إلى معصم توماس كيريكو، رئيس جمهورية بنين السابق، التي كان اسمها داهومي عندما منحها الاستعمار الفرنسي استقلالها، والتي تقع بين نيجيريا شرقاً وتوغو غرباً، وتحدها النيجر وبوركينا فاسو شمالاً. تقتضي الموضوعية والدقة إشارة إلى أن دموع كيريكو لم تسل فقط في حضوري عندما سمع عن مآسي فلسطين، بل سالت أيضاً عندما حدثني عن بؤس أحوال شعبه، والعقبات التي توضع في وجهه كلّما حاول تنمية بلاده، أو على الأقل كلما حاول مكافحة البعوض في عاصمته كوتونو الذي لم أر ما يماثله حجماً في أي بلد آخر !
* * *
كيف لمن له عقل سليم أن لا يدرك ما أدركه السياسي البريطاني المحافظ إينو كباول مثلاً عندما كتب قائلاً: "الفشل هو المصير المحتوم لسيرة كل زعيم سياسي، ما لم تنته هذه السيرة نهاية سعيدة في منتصف الطريق حين يكون السياسي في أوج مجده"؟
* * *
تجرأ نيقولا بوالو قبل ثلاثة قرون على القول: "حين يجب أن أهزأ أجد لدي كل ما أبتغي.. حينئذ أتعرف يقيناً على نفسي شاعراً". ارتبط بوالو بصداقة مخلصة وثيقة مع كل من موليير وراسين ولافونتين، صداقة حمته إلى حد ما من حملات أدباء كثر ونقمتهم عليه لشدة ما عانوا من دفق هجائه اللاذع وسخريته المرة وتهكمه الموجع عليهم. لم يكترث الرجل بتضافر معظم أعضاء الأكاديمية الفرنسية في الاعتراض على انضمامه إليها كلما جرى ترشيحه لعضويتها، إلى أن تدخل الملك لويس الرابع عشر بنفسه علناً لصالحه، عندما بلغ بوالو الثامنة والأربعين، فاختاره ضمن مؤرخي الملك.
لعب مسار حياة هذا الشاعر دوراً جوهرياً في توجهه نحو الأدب من ناحية، وفي تغذية موهبة السخرية اللاذعة لديه. فقد حرمه الموت من أمه سنة 1637 وعمره سنة ونصف فقط، فعاش طفولته في عزلة. وقد ساقه والده لدراسة اللاهوت قبل إتمام تعليمه في المدرسة، لكنه نفر مما أرغمه والده على دراسته وراح يتقلب من تخصص إلى آخر، حتى استقر عند دراسة الحقوق، ثم التحق بمكتب محام من أقاربه. تدخل الموت مرة أخرى مغيباً والده الذي ترك له ثروة ضخمة، بعد سنة واحدة من ممارسته المحاماة. هنا ترك بوالو مهنة المحاماة على الفور، وتفرّغ تماماً للأدب دون خشية تبعات أن تدركه حرفة الأدب أو بالأحرى أن يدركها هو طائعاً. وهكذا مارس حريته وقناعاته، فكان حاداً في انتقاد انحرافات الآخرين وأخطائهم، مثلما كان صارماً في ممارسة النقد الذاتي. لقد أكدّ مثلاً إنه كلما كتب أربع كلمات يشطب منهن ثلاثاً. ولئن أثار بوالو نقمة الأدباء الذين طالتهم سهام نقده الساخرة الموجعة، فإن براعته قد أثارت تساؤلات عديدة عمّا إذا كان أدب السخرية أكثر ملاءمة ورعاية للإبداع.
نستذكر ما ذهب إليه (هوراس) في رسالته إلى ابني (بيسو) الشابين اللذين سألاه في السنة التاسعة عشرة قبل الميلاد النصيحة بشأن كتابة الشعر والتأليف المسرحي. ركزت تلك الرسالة التي اشتهرت باسم (فن الشعر Ars Poetica) على الوحدة والمواءمة بين الموضوع والشكل في الشعر وسائر الفنون، وعلى حرية الإبداع في حدود هذا المبدأ، بما يراعي ويرعى حسن الاختيار وجمال الانسجام وفتنة الغموض، شرط الإحاطة المسبقة بالموضوع. فبهذا ضمان مجيء الألفاظ بعفوية وسلاسة بعد ذلك – كما قال كاتو. إن ترتيب الشاعر لأفكاره، وموهبة الذوق والدقة لديه في اختيار الألفاظ المعبرة عن الأفكار والمشاعر، وحسن اختياره الأوزان الملائمة لنوع الشعر ومناسبته ودوافعه، كالوزن السداسي في الملاحم والشعر التعليمي، والوزن الخماسي في الرثاء وشكوى المحبين وأنينهم، وهو أيضاً شأن الشعر الحماسي والشعر الغنائي والشعر المسرحي...إلخ، إذ للملهاة أسلوبها وأدواتها، وللمأساة أسلوبها وأدواتها. بل لكل موقف في هذه وتلك أسلوب يلائمه أكثر من سواه. وفوق هذا وذاك، التفكير الصحيح هو منبع الإبداع الأدبي. لا ينفصل هذا التفكير الصحيح مثلاً عمّا أظن أن المتنبي قصده وجعله قيمة الإنجاز بقوله:
ولم أر في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام
وصلتنا مثلاً روايات عديدة عن بخل أبي الطيب المتنبي وحرصه على جمع المال. ولئن أعادت هذه الروايات - بغض النظر عن مدى صحتها - الرجل إلى واقع إنسانيته التي لا يملك امرؤ التعالي عليها مهما ذاع صيته وسما إبداعه، فإن من أطرف تلك الروايات واحدة نقلت عن أبي الطيب تفسيره لما شاع عن بخله. لقد ردّ المتنبي الأمر إلى حادثة وقعت له في مطلع شبابه رواها للشاعر أبي البركات بن أبي الفرج مفسراً حرص المتنبي الشديد على المال وجمعه، وإمساكه في إنفاقه، وإجهاد الذات في السعي إليه. قال أبو البركات إنه سأل أبا الطيب المتنبي عن سر بخله، فأجابه: "إن لبخلي هذا سبباً، ذلك أني أذكر وقد وردت في صباي من الكوفة على بغداد، فأخذت خمسة دراهم، وخرجت أمشي في أسواق بغداد، فمررت بصاحب دكان يبيع الفاكهة، فرأيت عنده خمساً من البطيخ باكورة، فاستحسنتها، ونويت شراءها بالدراهم التي معي، فتقدمت عليه، وقلت: بكم تبيع هذه البطاطيخ؟
فقال بغير اكتراث: اذهب، فليس هذا أكلك.
فتماسكت معه وقلت: أيها الرجل دع ما يغيظ واقصد الثمن.
فقال: ثمنه عشرة دراهم، فلشدة ما جبهني ما استطعت أن أخاطبه في المساومة. فوقفت حائراً، ودفعت له خمسة دراهم، فلم يقبل. وإذ بشيخ من التجار قد خرج من الخان، ذاهباً إلى داره، فوثب صاحب البطيخ من دكانه ودعا له، وقال: يا مولاي، هذا بطيخ باكور، بإجازتك أحمله إلى منزلك.
فقال الشيخ : ويحك، بكم هذا؟
فقال: بخمسة دراهم.
فقال: بل بدرهمين.
فباعه بدرهمين، وحملها إلى داره، ودعا له، وعاد إلى دكانه مسروراً بما فعل.
فقلت له: يا هذا! ما رأيت أعجب من جهلك، استمتّ علي في هذا البطيخ، وفعلت فعلتك التي فعلت، وكنت قد أعطيتك في ثمنه خمسة دراهم، فبعته بدرهمين محمولاً.
قال: اسكت، هذا يملك مائة ألف دينار!
وأنا ما أزال على ما تراه حتى يقول الناس: أن أبا الطيب قد ملك مئة ألف دينار"!
( في: الشيخ يوسف البديعي، الصبح المنبي عن حيثية المتنبي، دار المعارف، القاهرة، ط2،ص96)
في هذه الحادثة ما يفسر الكثير من تصرفات المتنبي اللاحقة، وربما من شعره أيضاً كقوله:
أف لرزق الكتبة أف له ما أصعبه
يرتشف الرزق به من شق تلك القصبة
إن ألم الشعور بالامتهان أو الظلم وسوء المعاملة الذي أسهم في تفجير إبداع المتنبي وطموحاته ليس استثناء، فاستعراض معاناة عديد من مشاهير المبدعين تؤكد أن هذا هو حال أكثرهم.. كان الشاعر رامبو مثلاً منبوذاً ومكروهاً، مما جعله يكثر الترحال والهرب، وكانت معاناة بودلير أيضاً هائلة من اضطهاد زوج أمه له في صباه وشبابه، فاختزن ألماً هائلاً. وظل المسرحي الشهير أبو لينير يعاني معاناة قاسية لكونه ابناً غير شرعي. ومما أجج إبداع دانتي فقره في طفولته وصباه وزواج الفتاة التي أحبها من رجل سواه ثم وفاتها وهو في الثالثة والعشرين من عمره. وإذا كان المركيز دي ساد قد أمضى ربع قرن في السجن، فقد عانى مبدعون آخرون من الاعتقال والسجن والنفي على نحو أثر على إبداعهم، ففرانسوا فولتير قد حكم عليه بالسجن مراراً، وقد كتب مسرحيته (أوديب) في سجن الباستيل، كذلك كتب عدة كتب لاحقة في فترات أخرى أمضاها سجيناً. لم يخفِ فرانز كافكا بدوره إنه يشعر بنفسه بعمق حشرة كبيرة مكروهة. ومن اللاحقين اعترف دستويفسكي في رسالة من رسائله إنه لم يكن يملك كوبيكاً واحداً أحياناً لكتابة رسالة، مما جعله يقترب من فقدان عقله والجنون، وقد كتب مراراً إن كل من يحمل القلم يحمل ألماً في قلبه يحاول التعبير عنه بقلمه. وإذا كان ألم دستويفسكي قد أوصله إلى تخوم الجنون، فإن الألم العظيم الذي عاشه نيتشه قد أوغل به في الجنون. كذلك اعترف جان بول سارتر أن من ضمن نتاج تجارب طفولته كونه يصاب بالرعب من قراءة عنوان مسرحية، ولا يميز بين (مئذنة) جامع و(مدخنة) مصنع.
تتعدد الأمثلة.. وفي كل الأحوال، نجرؤ على القول إن آلام المبدع لا تفجر مكنونات إبداعه فحسب، وإنما تمتحن مدى قدرة الاحتمال لديه، وتعاليه على مسبباتها ونتائجها تمسكاً بالقيم التي يدعو الآخرين إليها، وتشبثاً بمعايير أخلاقية تنتظر العامة منه التزامها.
* * *
ليس جديداً ولا هو من قبيل التفرد ما ذهب إليه القائل إن الشعر مثل الموسيقى، محكوم بقوانين إيقاعية محددة. ولكنه مع ذلك ليس عبداً لهذه القوانين. ذلك أن ما هو مطلوب للشعر من حرية لا يكون شعراً بدونها يفوق ما هو مطلوب لأي صنف آخر من أصناف الإبداع والمعارف والفنون. وإذا كان الشعر من ناحية أخرى هو من قبيل التصوير بالكلمات، فإن ما يميزه عن نتاج آلة تصوير (فوتوغرافي) أو عن نتاج ريشة رسام هو أن الشعر يبدع بكلماته وموسيقاه في تصوير مشاعر وأحاسيس داخلية لا تلتقطها آلة التصوير مهما بلغ صدق انعكاسها على وجه صاحبها أو في عينيه. كذلك لا ترقى خطوط الرسام وألوانه وريشته غالباً إلى مقدرة كلمات الشاعر على عرض تلك المشاعر والأحاسيس. إن حرفاً من حروف اللغة العربية قادر على التنقل من تعبير إلى آخر، ومن مدلول إلى آخر، ومن غرض إلى آخر، وفقاً لموقعه أو طريقة استخدامه، وهذا ما لا تعرفه أكثر اللغات الأخرى. بل ولا يعرفه كثير من المثقفين العرب، فيفشل بعضهم في الارتقاء إلى الحد المعقول من الإمساك بناصية لغتهم. نأخذ مثلاً حرف اللام، الذي يستعمل للتوكيد كما في قوله تعالى (لنسفعن بالناصية)، ويستعمل للاستهانة كما في (يا للرجل!)، ويستعمل للتعجب كما في (يا للذكاء)، ويستعمل للدلالة على الملكية كما في قولنا (مدرسة للمتفوقين)، ويستعمل للسببية كما في قوله عز وجل (إنما نطعمكم لوجه الله)، وقد يستعمل للتوقيت كما في قولنا (لثلاث خلون من شهر رمضان)، ويستعمل للعاقبة كما في قوله تعالى (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً).... يعكس هذا التنوع الواسع الفريد في الدلالة التعبيرية لحرف واحد فقط عبقرية اللغة من ناحية، ويشكل معياراً لقدرة الشاعر الموهوب على حسن استخدام أداته اللغوية.
مع ذلك يظل صحيحاً أن التشابه كبير بين مهام أدوات التصوير وأدوات التشكيل التي تنتج نصوصاً بصرية والأداة اللغوية للشعر التي تنتج صوراً مقروءة ومسموعة، لكن التكوين التشكيلي اللغوي أو البصري أو المسموع يظل إبداعاً جمالياً مشترك المقاصد والنتائج في التحليل النهائي. إن المساحة المشتركة كبيرة جداً بين شعر وفن تشكيلي وموسيقى، سواء في التعبير عن أحاسيس ومشاعر، أو في إبراز تجارب إنسانية أو تشكيل صور جمالية.
هنا نعود إلى الارتباط الوثيق ما بين إبداع الشاعر وتمتعه بالحرية وتشبثه بحقه الطبيعي فيها، حتى لو كانت حرية صنعها خياله فتعامل معها باعتبارها واقعاً راسخاً، وهو مدرك أنها غير موجودة، كما كان حال كسينغيان الذي جعله فرانز كافكا يهرب من المستشفى إلى الغابة فيغرق في حرية متخيلة لم تكن موجودة فعلاً.
عرف تاريخنا العربي مبكراً اللجوء إلى الرمز وتجنب الصراحة والمباشرة "منذ كانت الوشاية والتقويل بالمرصاد لكل كلام لا يشبه الكلام، وما كان لكل هذا المكبوت بكل أبعاده السياسية والنفسية والجسدية أن يتفاقم لولا تلك المواعظ التي حرضت الإنسان على تجنب ما ي*** له الصداع، فالأسهل هو وضع الرأس بين الرؤوس وتقليص مساحة الجسد وبتر الساقين إذا تطلب الأمر كي لا يفيض الإنسان عن فراشه القصير. وحسب ما يرى علماء الاجتماع فإن العهود التي يسود فيها الاستبداد يلجأ الناس فيها إلى المجاز اللغوي، وأحياناً استنطاق الحيوان والطير كي ينوبا عن الإنسان في البوح من خلال حكايات ملغومة بالإيحاءات كتلك التي كتبها ابن المقفع والعطار والفرنسي لامارتين وإن كانت رواية مزرعة الحيوان لجورج أورويل ليست خارج هذا المدار"، كما كان قد كتب خيري منصور( بوح مؤجل، الخليج، 21/4/2007).
وإذا كان الكاتب البريطاني أندي رويل قد رأى أن "السلطة تعبث بالناس وتفقدهم الوعي وتدفعهم إلى الجنون قبل أن تفسدهم" فكثيراً ما يجيء إبداع الشاعر في مرحلة ما تتفاعل فيه بواكير ومقدمات الجنون التي تقترب مهاجمة تخوم بقايا وعيه الذي نجا من العبث السلطوي، ومن السقم المجتمعي في آن واحد. وبهذا ينفر لقب الشاعر من أولئك الذين يوثّنون الأفراد في زمن سقوط الأصنام والأوثان، ويبيعون كلماتهم في سوق النخاسة، كلمات مهما غلفوا تلك الكلمات بمشاعر زائفة أو أفلحوا في طلائها بطلاء صدق زائف وحماس مزور!


المصدر : الباحثون العدد 63 - أيلول 2012