المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التربة والغذاء


Eng.Jordan
11-03-2012, 12:58 PM
- المهندس فايز فوق العادة
لازال الإنسان يعتمد في تأمين غذائه على التربة بشكل كامل، على الرغم من التقدم التكنولوجي الهائل.. بدورها تعتمد كل الكائنات الحية الأخرى على التربة. كيف تتكون التربة؟




http://www.albahethon.com/photo//15/6-4ff9487302cb4.jpg
تتكسر الصخور الصلبة وتتجزأ إلى حبيبات صغيرة على الدوام، يجري ذلك بفعل التبريد والتسخين وتجمد الماء وذوبان الجليد ضمن الصخور. إن بمقدور الماء الجاري والجليد طحن الأحجار والرمال وتحويلها إلى طين وغضار. يمتزج غاز الفحم بماء المطر متحولاً إلى حمض الفحم. على الرغم من ضعف هذا الحمض فإن له فعلاً تراكمياً يتمثل بتفكيك أقسى الصخور كالبازلت أو الغرانيت، تغتني التربة عادة بالفلزات المعدنية التي تضمها الصخرة الأم. يتوقف احتفاظ التربة بهذه الفلزات على أحوال الطقس، فالماء الجاري عبر التربة مثلاً يمكنه أن يفصل هذه الفلزات. عندما تتفتت الصخور تتحول إلى حبيبات كروية تترك فيما بينها فراغات مهما كانت درجة انضغاطها. تمتلئ الفراغات بالماء والهواء. يتبخّر قسم من الماء ويهبط قسم آخر إلى الأحوال الجوفية. تمتصّ جذور النباتات بعض الرطوبة.. يُعاد هذا الماء إلى الجو عبر أوراق النباتات. تشكل العملية المذكورة جزءاً أساسياً من دورة الماء في الطبيعة.
تفكك النباتات الماء باستخدام ضوء الشمس إلى هيدروجين وأوكسجين. أما الأوكسجين فينطلق إلى الجو بينما يُستخدم الهيدروجين في تصنيع السكر. يحترق السكر على الفور في عملية التنفس أو يتحول إلى الجذور ليزود بالطاقة اللازمة لامتصاص بعض الفلزات من التربة. إذا انخفض محتوى التربة من الأوكسجين فإن النبات لا يستطيع التنفس على نحو سليم وقد ينتهي به الأمر إلى الموت.
إن ردم التربة بطبقات إضافية تصل حتى 15 سنتمتراً يحول دون وصول الهواء إلى مناطق نمو الجذور الأمر الذي يهدد حياة النباتات في المنطقة المردومة. نشير هنا إلى أن إزالة الغابات تؤدي إلى انجرف التربة وتغطية مناطق واسعة مجاورة بردميات تُفضي إلى موت النباتات فيها على النحو المذكور. كما قد يؤدي ازدياد تركيز غاز الفحم والملوثات الأخرى في الجو إلى زيادة كبيرة في حامضية الأمطار وتفتيت كميات إضافية من الصخور وتغطية مساحات من التربة وقتل النباتات فيها.
تضمّ التربة مكونات عضوية تُعرف بالدبال تضفي على التربة خصوبتها. يتكون الدبال من مواد حيوانية ونباتية مختلفة، يتناسب إسهام الكائنات الحية بالدبال عكساً مع حجومها فالحيوانات الأكبر حجماً تسهم بكميات أقل بينما تتزود التربة بكميات كبيرة من الدبال عن طريق الفئران والحشرات والديدان والبكتيريا والعوالق. تتحلل المركبات العضوية والفلزات بشكل تدريجي في التربة متحولة في النهاية إلى شوارد تتخلل التربة وتتجاذب وتتعلق بفعل حبيبات الغضار والدبال. تحدد هذه الشوارد خصوبة التربة.
نشير هنا مرة أخرى إلى الأمطار الحامضية إذ تستطيع شوارد الفحمات في هذه الحالة تجريد التربة من شواردها المخصبة واستبدالها بشوارد الهيدروجين. ماذا يحدث إذا استمر الأمر على هذا المنوال؟ تفقد التربة ولاشك خصوبتها في النهاية. تفيد أوراق الأشجار المتساقطة في تعويض الشوارد المخصّبة التي تفقدها التربة، ما يحدث الآن أننا نحرم التربة من هذا المصدر الهام أي الأشجار وأوراقها.
حدث ذات مرة في أميركا أن جردت مناطق واسعة من الأشجار لاستخدامها في زراعات مختلفة منها زراعة التبغ، هكذا فقدت التربة هناك شواردها المخصبة بفعل الهطل المطري وقطع أوراق التبغ حيث إن الأوراق هي المصدر المعوض الرئيسي. وكان أن هُجرت الأرض بعد فترة لانخفاض خصوبتها إلى حد غير مقبول. مع ابتعاد المزارعين عن تلك المنطقة بدأت الطبيعة عمليات الترميم فكان أن زحفت غابات الصنوبر لتعيد الحياة إليها إلا أن إعادة الحياة لم تكتمل إلا في غضون قرنين تاليين من الزمن.
نشير في سياق الحديث عن التربة إلى وجود النباتات في السوية الأدنى من السلسلة الغذائية إذ إنها تصنع أنسجتها بنفسها مباشرة باستخدام ضوء الشمس. أما السوية الغذائية فهي بالتعريف مجموعة من الكائنات تستمد الطاقة الضرورية للبقاء بنفس الطريقة. تشكل الحيوانات آكلة النباتات أو الأعشاب السوية الغذائية الثانية. تزداد كلفة الأغذية المستجرة في السويات الأعلى وتتنامى الأضرار المترتبة على تناولها، يشهد عصرنا على ذلك، فقد بات من المؤكد أن صعود السلسلة الغذائية هو السبب المباشر لأمراض شائعة كأمراض الأوعية الدموية والأورام. ينخفض عدد المصابين بهذه الأمراض بين الأفراد الذين يعتمدون السويات الأدنى من السلسلة الغذائية. تفيدنا إحدى النظريات الطبية بأن النباتيين يعمرون أكثر ويتمتعون بصحة أفضل. إن المتقدمين بالسن من النباتيين لا يصابون بمرض هشاشة العظام مثلاً.
إننا لا نستطيع اعتماد حاسة التذوق كمبرر لصعود السلسلة الغذائية. نذكر هنا أن الكثير من السموم الفتاكة تملك طعماً ورائحة محببين. إن تعاطي الأغذية من عدة سويات غذائية هو أمر قاتل. لذا فإن من يمتنع عن الطعام لفترة استنهاضاً لغريزة الجوع ثم يُقبل على وجبة شديدة التنوع تلبية للغريزة المستنهضة يواجه النتيجة المحتمة لمثل هذا السلوك ألا وهي الإصابة بالأمراض المستعصية. إن لهذا الأمر جانباً سيئاً فقد تبين للعلماء بما لا يدع مجالاً للشك أن تركيز المواد الضارة يزداد بشكل مطرد مع الانتقال إلى سويات غذائية أعلى. إن علماء البيئة قلقون جراء التركيز على أنماط غذائية أعقد فقد تصبح وجبة مستقبلية من الطعام سامة بكاملها.
إن اعتماد النباتات في الغذاء هو أمر يضرب جذوره في التاريخ المغرق في القدم لبني البشر. لعل الإنسان كان نباتياً في البدء وتحول إلى أكل اللحم منذ العصر الجليدي الأخير. لا يعني ذلك أن الإنسان غدا كائناً لاحماً، ذلك أن الكائن اللاحم يلتهم اللحم دون طهي. ما حدث أن النباتات اختفت آنذاك تحت الغطاء الجليدي الذي غطى كامل كوكب الأرض. تحولت التجمعات البشرية إلى اصطياد الحيوانات، لكن أكل لحوم تلك الحيوانات لم يكن سهلاً فالأنياب التي زُود بها الإنسان وأسنانه بصورة عامة لم تكن معدة لمثل هذه المهمة. كان إشعال النار بهدف التدفئة قد شاع على نطاق واسع ولاشك أن لحوم بعض الحيوانات قد قذفت في النار إما صدفة وإما عن عمد من قبل بعض الأفراد.. أرّخت تلك الحادثة لبدء الطهي.
غدا اللحم المشوي ممكن الأكل، وأخذ الإنسان بالتعود على أكل اللحم المشوي والمطهي بعد ذلك. لنلاحظ أننا نستطيع أكل النباتات نيئة ونجد متعة في ذلك، لكن يستحيل أكل اللحم دون شيِّه أو طهيه كما أن المتعة المستجرة من ذلك تُعزى إلى الإضافات والمنكهات لا إلى طعم اللحم بحد ذاته وهو غير مستساغ من حيث المبدأ. يدل وجود الزائدة الدودية على الموروث النباتي للجنس البشري فالزائدة ضرورية لهضم السللوز، كما لابد من توفر أمعاء دقيقة طويلة لهضم النباتات بصورة عامة.
التربة والنباتات هي محرك الاستمرار، يُلحق التطور الاستهلاكي المعاصر أضراراً بالغة بالتربة والنبات، إنه يكسر التوازن الطبيعي الضروري للاستمرار ويضع الجنس البشري وكافة الأجناس الحية الأخرى على كوكب الأرض أمام خطر الانقراض. لا يمكن للنباتات أن تتواجد دون الكائنات المجهرية القادرة وحدها على تثبيت الآزوت في الجو. ويتوقف وجود الحيوانات وبشكل كامل على وجود النباتات التي تزودها بالأوكسجين وبالغذاء اللازم لنموها وبقائها. ماذا يمكن أن يكون مآل الإنسان دون النباتات وكل أسلافه الحية التي يعتمد عليها اعتماداً كلياً. تستثمر النباتات طاقة الشمس وأملاح التربة لبناء خلاياها مباشرة ودون وساطة.
أما الإنسان فينتظر الْتهام النباتات عبر طريق طويل وغير مباشر حيث توفر له النباتات ما يلزمه من طاقة شمسية للاستمرار. إن هدف الحياة في النهاية هو تحصيل الطاقة الشمسية، وبينما تحقق النباتات الهدف بشكل مباشر، يسعى الإنسان إليه عبر فعاليات معقدة ومديدة كالزراعة والري والصرف والحصاد وتبادل المحاصيل وسواها. بعد كل ذلك يجتزئ الإنسان من الوجبة التي توفرها النباتات الطاقة اللازمة ويعيد إلى الطبيعة نسبة كبيرة من الوجبة لعدم ضرورتها بل ولضررها أيضاً. إن أزمة التربة والغذاء آخذة بالتعاظم مع الازدياد المطّرد لتعداد سكان كوكب الأرض من بني البشر، ولا تلوح حتى الآن على صعيد العالم أية باردة إيجابية لاستدراك الأزمة ومعالجتها قبل فوات الأوان.
المراجع
- بيلت، جان ماري، ترجمة السيد محمد عثمان: عودة الوفاق بين الإنسان والطبيعة 1994، سلسلة عالم المعرفة.
- براهيك، أندريه: ترجمة موسى الخوري: أجمل تاريخ للأرض 2005: أكاديميا.
- موليسون، بل: ترجمة أحمد رمو: مدخل إلى الزراعة الدائمة: 2002: دار علاء الدين.
- Fox, Ronald f.: energy and the evolution of life: 1988: w.h.freeman



المصدر : العدد 61 تموز 2012