المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الهجرة النبوية دلالات وعبر


Eng.Jordan
11-03-2012, 09:35 PM
حسن السبيكي ـ المغرب / خاص ينابيع تربوية
يقول الله تعالى :{إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }التوبة40
يستقبل المسلمون بحلول شهر المحرم المبارك سنة هجرية جديدة ، وموسما أخر للنفحات الربانية وفاضل الطاعات والقربات ، وذكرى حدث عظيم القدر والمعنى والمغزى ، وهو الهجرة النبوية ، التي ما زالت وستبقى ترف على الامة الاسلامية بالدروس والعبر الى قيام الساعة . عام هجري ينقضي ، وعام هجري يهل هلاله وما احوج المسلمين الى العزاء والسلوان من تاريخ التجارب والسنن ، في السيرة النبوية العطرة ، وهم يمرون بظروف الوضع المهين تحت ضربات الاعداء الحاقدين الذين يسومونهم التنكيل والاذلال والهوان بشتى وسائل القهر والاستغلال والعدوان ، حتى كأن هلال المحرم يهل بعين دامعة مشفقة على على هذه الاحوال ، كما جاء على لسان الشاعر وهو لسان الحال :
أهـــل ، وألاف العيــون دوامـــــع ولاح وفي كــل القلــوب فـواجـــــع
رأته عيون وهي سكرى قريحــة فلم يبــد الا كالدجى وهو ساطـــع
أطل ،ولما يمسح الشرق دمعــه ولمــا يضمــد جرحــه وهـو راكـــــع
ورضي الله عن عمر الفاروق الذي فتح الله عليه هذا الفتح المبين ، فجعل منطلق التآريخ الاسلامي مرتبطا بحدث الهجرة النبوية ، ليلتقي الحدث العظيم في حجمه وأبعاده بشهر عظيم في قدره وثوابه ، ولا غرابة ، فالاسلام دين الحكمة البالغة والمقاصد النبيلة السامية في كل شيء من شؤونه . فالتأريخ للهجرة هو تأريخ لميلاد الأمة الاسلامية ، والدولة الاسلامية ، والمجتمع الاسلامي ، كما هو ميلاد لتاريخ اسلامي متميز وممتاز بين تواريخ الأمم جميعا ،لأنه تاريخ الدعوة الى الله ونشر أنوار الهداية في الارض لفتح الآذان الصم والأعين العمي والقلوب الغلف على التوحيد والحق والعدل وخير الدنيا والاخرة . فأية أمة هي أجدر بمدارسة تاريخها من هذه الأمة الاسلامية ذات التاريخ العريق في المجد والشرف والفضل . ولذلك تعتبر الهجرة النبوية حلقة دينية وتاريخية مشرقة في التاريخ الاسلامي الطويل ،بوافر المعاني والدلالات والعبر التي تفيد في فهم أسرار الدعوة واصول النشأة الربانية الفريدة للأمة في طريق الامتداد المتميز والممتاز بالخيرية في كل شيء { كنتم خير أمة أخرجت للناس }.
وتحل السنة الهجرية الجديدة ، وتحضر معها نفحات ذكرى الهجرة النبوية ، ولكن ، أين ما يليق بقدرهما من الحفاوة والاهتمام ؟ بل أين شيئا مما نعهده في اهتمام واحتفاء الغافلين من المسلمين المنبهرين بالحضارة الغربية وأعياد النصارى وذكريات عقائدهم وعاداتهم ، الذين يقلدونهم حذو القدة بالقدة ، كما هو الحال في احتفالات ميلاد المسيح على طريقة النصارى بالمنكرات والخمور والفجور . وفي غفلة وانقياد وتقليد أعمى ، ينسون نهي الاسلام الأكيد و الصريح في القرآن والسنة عن تقليد اليهود والنصارى والركون اليهم { ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار }.
بل أين حماس وسائل اعلام المسلمين المقروءة والمسموعة والمرئية من حدث الهجرة النبوية ، وقد عودتنا كل اهتمام باحتفالات رأس السنة الميلادية المسيحية؟ . وسوف تمر هذه الذكرى الاسلامية العطرة على كثير من المسلمين في غفلة أو جهل تام من بعضهم ، أو ادراك بارد باهت ، ولا يكاد يستقبلها بما يليق بها الا قلة من أهل الايمان والتقدير لسيرة النبوة والدعوة والتاريخ الاسلامي عموما ، الذين عصمهم الله تعالى من التبعية العمياء لجاذبية الثقافة الغربية وتمدنها ، وملأ قلوبهم محبة لله وكتابه ورسوله ، وهم الذين يقدرون حدث الهجرة حق قدره ويحسنون استقباله بما يليق من الاهتمام، احتفاء واحتفالا ، بكل ما هو تذكير وادكار واحياء واعتبار بما هو حاضر في وقائع الهجرة و ما تختزن من الدلالات والعبر .
وبعد فان الهجرة النبوية حدث عظيم وعميق المغزى والأثر في رحلة الدعوة الاسلامية ، منذ مبدئها من مكة المكرمة الى منتهاها استقرارا بالمدينة المنورة ، وبين البداية والنهاية من الوقائع والاحداث ما لا تفهم منطلقاته ومعانيه ومقاصده الا ضمن برنامج العناية الالهية الحكيمة في اقامة هذا الدين القيم على قواعد ربانية دقيقة وعملية وواقعية في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أقوالا وأفعالا وأحوالا .
فلقد أمضى النبي ثلاث عشرة سنة بمكة يدعو الى الله على بصيرة ويقاوم رواسب الجاهلية والشرك في العقول والنفوس ، تربية على عقيدة التوحيد لصرف العبودية والعبادة لله وحده ، وتحرير حياة الناس الفكرية والشعورية والاجتماعية من العبودية لأوهام الشرك والخرافة والضلالات ، وانتقلت الدعوة من مرحلة السرية في البداية الى طور الجهر والصدع { فاصدع بما تؤمر } وأخذ الناس يقبلون على دين الله بين الجهر والخفاء أفرادا وجماعات . لكن أساطين الشرك المتعنتين لا يزداد تصديهم للدعوة الا حدة واشتدادا ،خاصة بعد موت أبي طالب عم النبي ، الذي كان على شركه يذوذ عنه أذى المشركين ، ووفاة زوجته خديجة التي كانت له نعم المؤازرة المواسية في المحن والازمات ، واشتد الامر على النبي ، وزادت محنته النفسية بعد أن زار الطائف فطردوه وآذوه ، فسمى ذلك العام عام الحزن . وضاعف المشركون من حصارهم وأذاياتهم للنبي واتباعة المستضعفين، فتوالت عليهم الوان التعذيب والحصار والتجويع والاقصاء والمقاطعة ، وكان أشدها عليهم حصارهم في شعاب مكة لثلاث سنوات من القسوة والمعاناة . وهاجر منهم طائفة بأمر النبي الى الحبشة مرتين فراراً بدينهم، وبقى صلى الله عليه وسلم في مكة يدعو إلى الله ويلاقي من الناس أشد الأذى، وهو يقول: {رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً} [الإسراء:80]. ولما فشلت كل أساليب المحاربة للدين الجديد ،ولا يزداد الا صلابة واتساعا ، وعلم المشركون بانتشار الدعوة في المدينة وهجرة بعض المؤمنين اليها ، فكروا ودبروا المكيدة ،وخرجوا من مداولاتهم بخطة ثلاثية الاختيار ، لم يلبثوا أن مالوا الى اقصاها وهو الاغتيال الحاسم . كذلك يكشف القرأن الخالد :{ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ }الانفال 30 .
وكذلك كان قرارهم الذي انتدبوا له من كل قبيلة من أقوى الفتيان من يشارك في التنفيذ حتى يتفرق دم الاغتيال في القبائل فيتعذر المطالبة به على بني هاشم. ومكروا ومكر الله ، والله خير الماكرين .وفي ليلة العزم على التنفيذ ، وقد حاصروا بيت النبي ، يخرج من بينهم وهم لا يبصرون بعد أن ترك عليا بن أبي طالب في فراشه للتمويه ، وفي ذلك من شجاعة علي وفدائه للنبي برهان وصدمة خيبة كبيرة للمشركين الذين ثارت ثائرتهم وأرسلوا أعوان البحث والمطاردة في كل الجهات . لكن النبي الذي أذن الله له بالهجرة ، يلتحق بأبي بكر وقد كان يهم بالهجرة من قبل فيستوقفه النبي ويقول :" لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحباً .وبقي على أمل الرفقة الطيبة ، ينجز مقتضيات الاعداد والاستعداد للرحلة الطويلة القاسية، بتوفير الراحلة والزاد والدليل ووسيلة التمويه والتضليل ، عملا بتوجيهات النبي . وبدأت الرحلة فكان الأختباء بغار ثور لثلاث ليال في الاتجاه المعاكس لوجهة الرحيل، ريثما تركد جذوة البحث الشديد،تمدهما أسماء بنت أبي بكر بالزاد ، و أخوها عبد الله باستكشاف الاخبار ،بينما يطمس عامر بن فهيرة أثارهما بآثار القطيع . ثم انطلقت الرحلة عبر متاهة الصحراء على عين من الله وعناية ، مسترشدين بالدليل المستأجر عبد الله بن أريقط الذي سلك بهم المسالك الطرقية المجهولة للمشركين ، حتى وصلوا الى المدينة بعد مشقة شديدة وتضحيات كبيرة . فكان الاستقبال التاريخي الاحتفائي العجيب الذي هيأه أهل المدينة من الانصار للطلعة النبوية الكريمة. وقد أكرمه الله بهم ايواء ونصرة وهيبة ، كما أكرمهم به دينا قيما وخيرا وبركات وسلاما بين الاوس والخزرج بعد عهود من الصراعات العصبية والحروب بينهما .
تلك كانت نبذة مقتضبة من حدث الهجرة ، وهي أوسع بكثير في تفاصيل أحداثها ووقائعها المعلومة في كتب السيرة . لكن غايتنا في هذا الموضوع هو الوقوف على بعض ما تجود به الهجرة المباركة من الدروس والدلالات والعبر التي نحن أحوج الي تمثلها والعمل بمقتضاها في اصلاح أحوالنا الدينية والدنيوية .
فالهجرة النبوية لم تكن انهزاما ولا هروبا أمام طاغوت الشرك وطغيانه ،ولم يخرج النبي مغاضبا ، وانما هي حكمة الله في تدبير عملي لتقوية الدعوة بالانتقال من طور البناء العقدي في العقول والنفوس ، الى طور الدعوة البانية للأمة والدولة والمجتمع .وهي بذلك نقلة استراتيجية كبيرة وعميقة الأثر في نفس النبي وصحابته وفي مسيرة الدعوة التي ستتغير معها الوضعيات والامكانات والمواقف، من حال الضعف المادي والذلة والتخفي ، الى حال القوة والعزة والمواجهة . وكذلك كان بعد فرضية الجهاد ومسلسل الغزوات الكثيرة المتواصلة في مواجهة قوى الشرك والضلال خلال عشر سنوات في المدينة .
وكانت من دروس الهجرة هجر الشرك والمشركين ، والظلم والظالمين ، بصورة عملية ، طلبا لبديل في بلد آخر وعند قوم رضوا بالدعوة الجديدة واعتنقوها وناصروها،بعد أن أثمرت فيهم رسالة سفراء الدعوة النبوية من قبل كمصعب بن عمير ،فكان ذلك خيرا وبركة للجميع مهاجرين وانصارا، كما هي سنة الله تعالى : { وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً } النساء/100 .وما أكثر دواعي الهجر والهجرة اليوم في حياة المسلمين المحاصرين بعناصر العدوان وظواهر الضلال والفساد في كل واد.
والهجرة النبوية درس بليغ في التوفيق بين مقتضى العمل بالأسباب والسنن، وتمام التوكل على الله، كما هو مبدأ الاسلام عقيدة وشريعة ، فكان العمل بالاسباب حتى كأن لا توكل كما كان التوكل حتى كأن لا أسباب.
. ففي كل تدابير الهجرة وأحوالها ، من بدايتها الى منتهاها ، كان النبي يعمل بكل مستلزمات التفكير والتخطيط والمشورة والحيطة والحذر ، والاعداد والاستعداد ، في منتهى السرية والاتقان ، وهو المؤيد بالعناية الالهية ، عملا بقوله تعالى { إِنَّ اللَّهَ (http://www.bdr130.net/vb/t385097.html)لا يُغَيِّرُ (http://www.bdr130.net/vb/t385097.html)مَا بِقَوْمٍ (http://www.bdr130.net/vb/t385097.html)حَتَّى (http://www.bdr130.net/vb/t385097.html)يُغَيِّرُوا (http://www.bdr130.net/vb/t385097.html)مَا بِأَنْفُسِهِمْ }. فتدبر لوازم الرفقة والراحلة والدليل والممون والمخبر والمموه ومكان الاختفاء وزمان الرحيل ومسالك الطريق .ومع ذلك كان منه التوكل في اعلى مستوياته واثقا من عناية ربه كما وعده { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا }الطور 48 . وحين استفرغ كامل الجهد في العمل بالاسباب متوكلا، و بلغ بعض المطاردين باب الغار ،ارتجف أبوبكر وهو يقول :( لو نطروا موضع أقدامهم لرأونا ) فيجيبه النبي في وثوق المتوكل على ربه يقينا:( يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن ان الله معنا ) . وتدخلت العناية الالهية لصرف الاعداء عنهما . ذلك المشهد الذي خلده القرآن الكريم : { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } التوبة40. . وما أحوج الامة اليوم الى هذا الدرس البليغ وهي تتذبذب بين ضعف التوكل وفقر العمل بالسنن على غير دراية ولا بصيرة . فاما هي على توكل سلبي أو تواكل عقيم ، او على ركون نسبي الى الاسباب بغير مدد التوكل على الله ، ولا شيء من ذلك يجدي وحده في واقع المسلمين بغير التوفيق المتكامل بينهما على الوجه الاسلامي الصحيح :{ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين}[آل عمران:159].










§ والهجرة درس عقدي عميق في الثقة بالله تعالى و عنايته وتوفيقه ، واليقين في وعده الحق بانتصار دينه وانتشاره { ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون }، وتلك ثمرة التوكل الصحيح . فحين أدركهما سراقة بن مالك في الصحراء ، طامعا في مكافأة قريش المغرية بقتل النبي أو أسره ، كانت تسيخ قوائم فرسه في الرمال كلما اقترب منهما ، وبعد ان رآى من برهان الحماية الالهية لنبيه ما أبهره ، جاء مستسلما ، ليحصل من النبي على عهد أمان ، لكن النبي الواثق من وعد الله ،يزوده برسالة مؤثرة من نبوءة اليقين في انتصار دين الله وسيادته في أمد قريب ، فقال : ( كيف بك يا سراقة اذا لبست سواري كسرى ؟) قال : كسرى بن هرمز ؟ قال :( نعم ، كسرى بن هرمز )، وذلك يومئذ مما لا يطيقه الخيال، وقد كانت دولة الفرس بقيادة كسرى ثاني أعظم دولة في العالم الى جانب أمبراطورية الروم . وشاء الله بعد حين من خلافة عمر الفاروق أن ينعم على المسلمين بفتح بلاد فارس ، فقضوا على ملك كسرى وغنموا كنوزه، وأتي بها الى الخليفة الذي تذكر قصة سراقة فنادى عليه و ألبسه سواري كسرى تجسيدا لنبوءة من لا ينطق عن الهوى . وفي هذا الدرس شفاء للنفوس المكلومة بوضعية المسلمين الحالية المهينة ،لو تحركت فيها حوافز الثقة بوعد الله في القرآن والسنة بما هو آت من انتصار الاسلام وانتشاره حتى لا يبقى بيت وبر ولا مدر الا دخله ولو كره الكافرون وجندوا كل قواهم لمحاربته :{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ }(الانفال 36).
وفي الهجرة درس المحبة للبلد والوطن وما يقتضي ذلك من جاذبية التعلق بهما شوقا وولاء ، كذلك عبر صلى الله عليه وسلم حين خرج من الغار ووقف في أطراف مكة مناجيا ومودعا في حزن على فراق الوطن مكرها وهو يقول:« أما والله إني لأعلم أنك أحب بلاد الله إلي وأكرمها على الله ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت ». ذلك معنى يؤصل حب الوطن ومكانته في النفوس. فهو المهد الذي ولدنا فيه وعلى أرضه نعيش، وفوق ترابه نركع ونسجد . وقد أوجب الله تعالى الدفاع عنه بالنفس والمال. فأين حب الاوطان اليوم عند كثير ممن يدعون الوطنية بغير محبة ولا غيرة ولا فداء ، في زمن الغزو الصهيوني والصليبي لديار الاسلام .
§ والهجرة درس عملي في معاني ومقاصد الابتلاء والاختبار، حيث يبتلى المهاجرون ، بعد سنين من الصبر على الأذى والحصار ، بترك أعزّ ما يملكون من الديار والأموال والأقارب والعشيرة، فضحوا بكل ذلك في سبيل الله ابتغاء مرضاته. وفي ذلك تمحيص لصدق الايمان ، وتربية على التضحية والفداء من أجل الدين ،الذي لا يسمو عليه شيء من متاع الدنيا . كذلك يقرر الحديث النبوي الفاصل بين المقبلين على الله والمقبلين على الدنيا . ( فمن كانت هجرته الى الله فهجرته الى الله ، ومن كانت هجرته الى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته الى ما هاجر اليه ).(البخاري). . وكذلك تجسد في قصة صهيب بن سنان الرومي الذي خير بين الدين والدنيا فاختار الدين ، حين منعه المشركون من الهجرة بماله الذي نماه في مكة وقالوا: أتيتنا صعلوكاً حقيراً ، فكثر مالك عندنا ، وبلغت الذي بلغت ، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك ، والله لا يكون ذلك ،فقال لهم (أريتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي ، قالوا : نعم ، قال : فإني قد جعلت لكم مالي . فبلغ ذلك رسول الله صلى عليه وسلم فقال :( ربح صهيب ، ربح صهيب ) .ومن ذلك نتعلم كيف نضحي من أجل الدين بكل شيء ، ولا نضحي بالدين لآجل أي شيء ، ونحن في زمن يبيع بعض الناس دينهم بعرض من الدنيا حقير .
وفي الهجرةدرس من تضحيات الشباب لنصرة النبي ودعوته : وقد سطروا في ذلك صفحات مشرقة من الايثار والفداء بالأنفس والأموال . فيوم أن بات علي في فراشه صلى الله عليه وسلم وغطى رأسه كان يعلم أن سيوف الحاقدين قد تبادر إلى ضرب من في الفراش ، ويوم أن قام آل أبي بكر عبدالله وأسماء وعائشة ومولاه عامر بتلك الأدوار البطولية كانوا يعلمون مخاطر مغامراتهم لو انكشف أمرهم للمشركين ، لكن حب الله ورسوله أعظم وأغلى ويستحق كل تضحية وفداء. كذلك كان شباب الصحابة والتابعين ، فهل من صحوة في شبابنا تحيي عزائمهم وتقوي اراداتهم ، وتحررهم من قيود التبعية العمياء للسخائف والملاهي المهلكات ، وتجعلهم يبادرون ويتنافسون في الفضائل والمعالى وعظيم المنجزات .
§ والهجرة النبوية درس أكيد في قيمة المسجد في الاسلام وفي وجود المسلمين وحياتهم الدينية والدنيوية. لذلك كان أول ما بدأ به النبي الكريم حين وصوله الى المدينة ، هو بناء مسجد قباء قبل أي شيء، ولا حتى بيته ، لأنه ركن الايمان والعبادة ، ومؤسسة تربوية واجتماعية ، لا تقوم الحياة الاسلامية ولا تستقيم بدونها :{ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ}. التوبة 108. ولا غرابة ان تكون المساجد الى اليوم معالم اسلامية عظيمة الدلالة والمغزى ، بما تؤدي من أدوار ووظائف دينية تعبدية وتربوية واجتماعية بليغة الأثر في الحياة الاسلامية .{ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ } النور 36ـ37
§ والهجرة درس ثمين وعجيب في مبدأ الأخوة الاسلامية، كما أنجزها المربي العظيم عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين والانصار ، في صورة واقعية فاضلة لا مثيل لها في التاريخ . مؤاخاة أقبل الأنصار فيها على أخوانهم المهاجرين بمنتهى المحبة والايثار ، يقاسمونهم الديار والأموال والمتاع ، وخلد الله بالقرآن فعلهم والثناء عليهم :{ وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }(الحشر:9). فأين نحن اليوم من مقتضيات أخوتنا الاسلامية التي هي شاهد ايماننا بالمحبة والتعاون والتكافل، استجابة لأمر الله تعالى { انما المؤمنون اخوة فأصلحوا بين أخويكم } وقول النبي الكريم : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لآخيه ما يحب لنفسه ).
§ وفي التأريخ بحدث الهجرة نفسه درس التخليد لهذا الحدث العظيم ، وقد كان ذلك الهاما ربانيا من فتوحات عمر بن الخطاب الذي استشار الصحابة حول منطلق التأريخ الاسلامي المناسب ، بين ولادة النبي وبعثته وهجرته ووفاته ، فكان اختياره الأنسب الحكيم هو حدث الهجرة النبوية . وظل ذلك تأريخا للمسلمين قرونا ، الى أن استلبهم التقويم الافرنجي ،فعملت به كثير من الدول الاسلامية، زاهدة في أصالة التأريخ الاسلامي وما يقترن به من مقاصد نبيلة ودلالات وعبر .
جعلنا الله تعالى ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب
الخطبـة الثانيـــة
عن عائشة (ض) قالت : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الهجرة فقال :( لاهجرة بعد الفتح ،ولكن جهاد ونية ، واذا استنفرتم فانفروا ) (رواه البخاري).
لا هجرة بعد الفتح على طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته المهاجرين من مكة الى المدينة ، اذ المسلمين في ديار الاسلام. لكن الهجرة بمقاصدها النبيلة ذات مدلول أوسع وأنسب لزماننا ،أمام واقع الفساد الذي ساد والانحرافات التي راجت والفواحش التي انتشرت واستشرت ، كل ذلك وغيره يستدعي الهجرة ، لا بالرحيل ، ولكن بالرفض والاستنكار ، والمقاطعة والحصار ، تمثلا لحديث النبي : ( ولكن جهاد ونية ) وعملا بالصورة المميزة للمسلم الحق المهاجر باستمرا الى ربه ،طاعة واستقامة وتعففا، كما قال عليه الصلاة والسلام : ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ) (البخاري).
ذلك درس اخر عظيم المعنى والمغزى بين معاني الهجرة النبوية ، ينفتح على حياة المسلمين في كل زمان ومكان ، في أمورهم العقدية والعبادية والاخلاقية والعملية . مقبلين على الله تعالى ايمانا والتزاما ، بهجر الشرك وأوثانه القديمة والحديثة ، و المناكر وأهلها، والمعاصي وأصحابها وأوكارها وأجوائها، والظلم وأهله ووسائله وأحواله ،والمذاهب والافكار والعادات الهادمة للدين والاخلاق . وهكذا تسري روح الهجرة في حياة المسلمين بمعانيها وآثارها الطيبة باستمرار في كل زمان ومكان، كما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لاتنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة،ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها ) رواه أبوداود.
فلنحي بروح الهجرة في نفوسنا نخوة الاسلام ، وغيرة الايمان ، وعزائم القرآن ، اعتزازا بدين الله ، واستعدادا للتضحية والفداء من أجل نصرته واعلاء كلمته وتحكيم شريعته، حتى نتحرر من رواسب الغثائية التي رانت على القلوب والعقول فجمدت فينا حوافز الجهاد والاجتهاد في الدين والدنيا ، مهتدين بهدي النبي الكريم ودروس سيرته العطرة، فهو وحده قدوتنا كما أمرنا ربنا : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)(الأحزاب:21)
وصلى الله تعالى وسلم وبارك على سيد المرسلين وآله وصحبه أجمعين .