المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مفهوم الأمن القومي


Eng.Jordan
11-05-2012, 09:52 AM
http://www.allofjo.net/image.php?token=4f32abee3890bee42e0569586a15b8ed&size= (http://www.allofjo.net/index.php?page=writer&id=388)
بقلم : الدكتور حسين عمر توقه (http://www.allofjo.net/index.php?page=writer&id=388)
04-11-2012 11:16 AM
لقد كثرت في الآونة الأخيرة المواضيع التي تحمل عنوان الأمن القومي . ويبدو وبكل أسف أن معظم من تحدثوا بهذا الموضوع قد تناسوا أو تجاهلوا لسبب ما عدم التقدمة والتمهيد لهذا الموضوع ولم يعمدوا لتعريفه وتوضيح مفهومه أو مدلولاته لا سيما وأن الأمن القومي هو علم قائم بذاته ونمط حياة لأعلى مستويات صناع القرار لأن اتخاذ القرار يعني نجاح الأمة في الحفاظ على سيادتها ومصالحها و***** حقوق شعبها أو فقدان كل مكتسباتها وانهيار مقوماتها.
الأمن القومي :
إن أي دولة في العالم يدفعها حب البقاء والإستمرار في الحياة لا بد وأن تتصرف تلقائيا أو عن تخطيط مسبق لتحقيق هذا البقاء . وإن كل ما تقوم به الدولة في هذا السبيل هو انعكاس للتفاعل بين مفهوم الأمن القومي للدولة وللظروف أو التهديدات والأخطار التي تحيط بها أو تنبع منها كانعكاسات لسياسات خاطئة من داخل النظام.
ولما كانت هذه التهديدات مختلفة بين دولة وأخرى اختلفت السياسة التي تنتهجها الدول في إطار المفهوم للأمن القومي الخاص بها. ولكن هناك بعض الأسس والمبادىء الأولية التي تلتقي عندها أو على الأقل تتشابه في مدلولاتها وتركيبها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وعسكريا وعقائدياً.
إن السياسة العامة للدولة تهدف الى تحقيق المبادىء والأهداف والمصالح القومية وهي تشكل في مجموعها ما يعرف بالأغراض القومية . كما أن الدستور والقوى السياسية والإقتصادية والحربية تساهم في إعطاء الدولة القوة في الإستمرار وتحمل المسؤوليات ومجابهة الأخطار والتغلب عليها وتخطيها.
وإن السياسة العامة للدولة تتفرع الى ثلاثة فروع رئيسية هي السياسة الداخلية والسياسة الخارجية والسياسة العسكرية وكل هذه السياسات تصب في ينبوع واحد هو الإستراتيجية القومية. ولقد ظهرت في العقود الماضية سياسة إنشاء ما يعرف بإسم ' مجلس الأمن القومي ' وذلك من أجل تنسيق ودمج السياسات الداخلية والخارجية والعسكرية في استراتيجية قومية واحدة. وكان اهتمام المجلس موجها لأمور السياسة التي تؤثر على أمن الدولة.
فلو أخذنا على سبيل المثال لا الحصر مهام وواجبات مجلس الأمن القومي الأمريكي الذي تم إنشاؤه عام 1947 لوجدنا أن هذا المجلس يقوم برسم الإستراتيجية القومية ويشرف على تحديد مسارها . فالمجلس يضع كلا من الدستور والقوى السياسية والحربية من جهة والغايات والمبادىء والأهداف والإلتزامات القومية من جهة أخرى . وبعد الدراسة يستخلص المصالح القومية ويحدد عن طريقها الأهداف القومية وبناء على هذه الأهداف يتم التخطيط لتحديد معالم السياسة القومية . وكما ذكرنا بأن السياسة القومية ترتكز على كل من السياسة الداخلية للدولة والسياسة الخارجية بما فيها من التزامات وتعهدات سياسية واقتصادية وثقافية. والسياسة الحربية بما فيها من التزامات حربية وتحديد الموقف المشترك الإستراتيجي ووضع الخطة الإستراتيجية للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية من أجل تحقيق السيادة والأمن.
وقبل أن نصل الى تعريف مفهوم الأمن القومي يجدر بنا أن نميز بين كل من الإصطلاحين الدارجين في ميادين السياسة والحرب وهما
الإستراتيجية القومية :
والتي تعني الإستغلال الكامل للقوى السياسية والإقتصادية والنفسية والعسكرية والعقائدية للدولة في السلم والحرب لتحقيق الأهداف التي تضمن سلامتها وأمنها والحفاظ على سيادتها واستقلالها.
الإستراتيجية الحربية :
والتي تعني الإستغلال الكامل للوسائل العسكرية لتحقيق أهداف الإستراتيجية القومية بالإستخدام المباشر أو غير المباشر للقوات العسكرية للدولة أثناء السلم والحرب .
وتجدر الإشارة هنا بأنه يتم استخلاص الإستراتيجية الحربية من الإستراتيجية القومية للدولة . وإن السياسة الحربية السليمة للدولة هي التي تحقق القوة للدولة بما يكفل منع نشوب حرب أو تحديد مداها إذا نشبت وتمكينها من شن الحرب بنجاح. وبمفهوم أعم حسب تعريف جوهان كوينز ' هو دفاع شعب ضد جميع أنواع الأعمال العدوانية من الخارج'. ولو حاولنا كباحثين في الأمن القومي اختيار قاسم مشترك أعظم للتعاريف المختلفة لمفهوم الأمن القومي لخرجنا بتعريف مبسط للغاية هو ' حماية سلامة أراضي الدولة وسيادتها واستقلالها وكرامتها وإزدهارها والمحافظة على حقوق شعبها في الحياة الحرة الكريمة '

الجانب العسكري لمفهوم الأمن القومي:
إن عدداً كبيراً من الباحثين والمحللين العسكريين يحاولون ربط مفهوم الأمن القومي بالمفهوم العسكري سيما وأن مفهوم حماية الدولة من الخطر الخارجي يحتم على الدولة أن تكون أقوى عسكرياً من الدول المنافسة لها وفي هذه الحال يكمن التركيز على البناء العسكري باعتباره وحده جوهر سياسة الأمن القومي . ولكن هناك أكثر من وجهة نظر وأكثر من رأي والعديد من التحفظات التي يتوجب علينا أن نستعرض بعضاً منها
1: إن الدول القوية في النظام الدولي لا ترضى بما تمتلكه بل تسعي الى تعظيم وتوسيع ما بين يديها وهو المفهوم الذي تستند اليه 'نظرية القوة' وهذه النظرية أدت الى ظهور ما يعرف 'بدولة الأمن ' ولعل أفضل تعريف لدولة الأمن هو التعريف الذي أورده دانيال يارغن في كتابه ' السلام الممزق' حيث يعرف دولة الأمن بأنها الدولة التي نشأت نتيجة الحرب أو الخوف من الثورة أوالتغيير أو الأسلحة النووية أو التكنولوجيا العسكرية والهدف من وجود دولة الأمن هو ***** الإستقرار واستمرارية النظام والسيطرة الأمنية الشاملة على الشؤون الداخلية والدفاع عن الوضع القائم في العلاقات الدولية. . في مثل هذه الدولة والتي يسيطر عليها ماديا ونفسياً وفكريا مفهوم الأمن العسكري فإن دور المدنيين يكون محدوداً للغاية إذ يُنظر اليهم على أنهم عنصر تهديد للأمن وليس عنصر دعم ومساندة لهم . وعليه فإن كل تطوير للإدارة أو محاولة للتقدم في مضمار الديمقراطية ينظر اليه على أنه خروج على الدولة ومخالف لها .
2: في نظام دولي يتميز بالتنافس الشديد بين أعضائه . فإن القدر الأعظم من الموارد سيتم تخصيصه لمواجهة الصراع وهكذا فإن معضلة توزيع الموارد بين متطلبات التنمية الإجتماعية والإنسانية من جانب وحاجات الدفاع والأمن العسكري من جانب آخر. ومن الطبيعي جداً أن يتم بناء وتلبية احتياجات الدفاع والأمن العسكري على حساب التنمية الإجتماعية والإنسانية . أي أن الأمن القومي يساء استخدامه من قبل أصحاب القرار حيث يعمدون الى إختيار البندقية قبل تأمين الرغيف ويهدفون الى حماية أنظمة الحكم قبل الإهتمام بأولويات الشعوب.
3: إن الإنشغال الشديد بالقوة وتعظيمها من شأنه أن يضع الدول المتنافسة في مأزق لا تستطيع التخلص أو الفكاك منه . وحسب رأي رودلف رومل في كتابه ' فهم النزاع والحرب ' تبرز فيما تعارف على تسميته علمياً ' معضلة السجين ' والتي ينجم عنها الشعور بعدم الإطمئنان وعدم توفر الأمن وهي تدفع بالدول الى سباق لا يرحم حول اكتساب الأسلحة لغرض الدفاع دونما اعتبار لأية قيم اجتماعية أو اقتصادية.
4: ينظر هذا الإتجاه الى النظام الدولي على أنه نظام طبقي يتسم بالتدرج الهرمي . وتصبح غاية الدولة العسكرية الإبقاء والحفاظ على هذا النظام ومن ثم يتم تكريس مظاهر تبعية العالم الثالث للدول الكبرى وذلك بخلق صراعات اقليمية وصراعات داخلية تُبقي دول العالم الثالث بحاجة مستمرة وملحة الى التكنولوجيا العسكرية للدول العظمى . وإن تهافت الدول على شراء هذه الأسلحة يؤدي الى صراعات اجتماعية تشكل اليوم أكثر من 90% من الصراعات في العالم الثالث. حيث تكون البداية الحصول على الأسلحة من أجل مقاومة التهديدات والأخطار الخارجية ولكنها تنتهي الى استخدامها في قمع أي إصلاح اجتماعي أو أي محاولة لتوجيه أموال الدولة في تطوير التنمية الإجتماعية والإقتصادية.

الجانب الإقتصادي في مفهوم الأمن القومي:
هناك بعض المفكرين الذين يخصون الإنسان وعلاقاته المختلفه وحاجاته الأساسية بالبحث والتنظير. فهناك علاقة الإنسان بخالقه من خلال الأديان السماوية . وهناك علاقة الإنسان بالإنسان من خلال القوانين الإنسانية والإجتماعية . وهناك علاقة الإنسان بالأرض وهي من خلال القوانين الإقتصادية . وإن الهدف الرئيس لهذه القوانين تأمين الإطمئنان النفسي والأمن الجسدي. وعليه فإن المدرسة الإقتصادية الإستراتيجية تتأرجح بين اتجاهين أساسيين .الأول هو الأمن الخاص بالموارد الحيوية ذات الطبيعة الإستراتيجية وهي ترتبط بالوظيفة الإقتصادية لنظام الحرب . والثاني هو التنمية الإقتصادية كجوهر للأمن ومن أجل طرح أمثلة على الأساس الأول فإن الدول الغربية وخاصة بعد تصاعد أزمة الطاقة بدءاً بحرب 1973 أصبح تأمين البترول والطاقة جزءاً لا يتجزأ من نظرية الأمن القومي باعتبار أن السيادة الإقتصادية هي لب الأمن القومي وهي تعني القدرة على التحكم في أكبر عدد ممكن من أدوات السياسة في المجال الإقتصادي . فتنظر الدول المتقدمة الى أي تهديد يتعلق بقدرتها على التأثير في بنائها الإقتصادي على أنه تهديد للأمن القومي. ولقد ظهرت في الدول الغربية وبالذات الدول الصناعية أهمية موضوع أمن الطاقة المتمثل في تأمين مصادر الطاقة وبالذات البترول والغاز كجوهر للأمن القومي.
أما بالنسبة الى الأساس الثاني المتمثل في جعل التنمية الإقتصادية كجوهر للأمن يقابله في دول العالم الثالث التأخر التكنولوجي واعتبار قضايا الغذاء والتسلح والمحافظة على أنظمة الحكم هي حاجات أساسية من أجل تحقيق الإستقرار. وهنا يبدأ العد التنازلي في نظرية العرض والطلب فالدول الفقيرة تبيع ثرواتها الطبيعية ومعادنها وبترولها مقابل المنتجات لتكنولوجية المتقدمة والأسلحة المختلفة وتتحول هذه الدول دونما تخطيط مسبق الى أسواق تجارية لمصنوعات ومنتجات غربية.
فلنأخذ الوظيفة الإقتصادية لظاهرة الحرب في الشرق الأوسط فهي ترتبط بمعضلة الإختيار بين الخبز أو السلاح . فهناك من يرى أن نفقات الدفاع لا تعتبر عبئا على الإقتصاد القومي بينما يرى آخرون أن نفقات الدفاع لا يجب النظر اليها على انها تشكل خسارة اقتصادية وهو ما يطلق عليه أحيانا ' الفرصة الضائعة ' يضاف الى ذلك الوقوع في مصيدة سباق التسلح والمنافسة في الحصول على أفضل أنواع الأسلحة وأكثرها تقدما تكنولوجياً مما يسبب مشكلات أمنية لا حد لها لا سيما إذا كان ثمن هذه الأسلحة على حساب التطور الثقافي والإجتماعي والصحي والسياسي فضلا عما يسببه من تبعية عسكرية وفنية للدول المصدرة للسلاح . كما أن نوعية السلاح المباع لاتكفي في أغلب الأحيان لتحقيق أهداف الإستراتيجية القومية للدول المستوردة ولو أخذنا على سبيل المثال النفقات العسكرية ونفقات التسلح للدول العربية لهالنا هذا الكم الهائل من النفقات ولهالنا أكثر أن كل هذه الأسلحة في الجانب العربي تأتي في المرتبة الثانية من حيث النوعية الفنية والقتالية لما هو متوفر عند إسرائيل .