المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ضوابط العمل بالعقوبات البديلة


Eng.Jordan
11-05-2012, 08:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا . ونصلي ونسلم على محمد المبعوث رحمة للعالمين ، وعلى آله وصحبه وسلم . وبعد:
فهذه ورقة عمل أشارك بها في ملتقى ( الاتجاهات الحديثة في العقوبات البديلة) ضمن مشروع الملك عبد الله بن عبد العزيز لتطوير مرفق القضاء – المراحل العلمية . والذي تقيمه وزارة العدل خلال الفترة من 17-19/11/1432هـ .
وقد اخترت المشاركة بموضوع عنونت له بـ :
( ضوابط العمل بالعقوبات البديلة )
د. رضا متولي وهدان .

أهداف الورقة:
المساهمة في التعرف على الضوابط المتعلقة بالسياسة الجنائية في مجال العقوبات البديلة ، وضوابط سلطة القاضي الجنائي عند تنفيذ هذه البدائل ، لما لهذا الموضوع من أهمية على المستوى الدولي والإقليمي والمحلي.
بيان مدى الاهتمام بالتدابير الواقية وهي نوع من الوسائل العقابية ، وتحمل أيضاً معنى السياسة الشرعية والسياسة القضائية والسياسة التنفيذية.
بيان الضوابط التي يجب أن تصاحب الأحكام بالعقوبات البديلة ، والتي تضمن عند التنفيذ ، إصلاح الجاني والحفاظ على المجتمع آمناً مطمئناً.


تنظيم الورقة :
تنتظم ورقة العمل الموضوعات الآتية:
1- المقدمة .
2- أبعاد المشكلة .
3- الخروج من المأزق.
4- ضوابط سلطة القاضي في الحكم بتنفيذ العقوبات البديلة.

المقدمة:
الجريمة ظاهرة من أشد الظواهر الاجتماعية تعقيداً، حار فيها الفكر الإنساني، وكان أول رد فعل عرفته البشرية عند وقوعها هو العقوبة ؛ لذلك كانت العقوبة ظاهرة اجتماعية .
ولم تأل البشرية جهداً في إعادة النظر باستمرار في العقوبة ، كأداة لمكافحة الجريمة، على ضوء النتائج التي تسفر عن استخدامها، وجاءت نصوص الشريعة الغراء دالة على أنه يمكن استخدام بدائل للعقوبة بضوابط ، وفي حالات بينها شرحاً فقهاء المذاهب الفقهية.
كذلك فإن تطور الفكر الفلسفي والديني والأخلاقي والنظامي حول وظائف العقوبة اتجه إلى الأخذ ببدائل للعقوبة كنوع من السياسة العقابية الحديثة، نظراً للزيادة المروعة للجريمة -كماً وكيفاً- المرتبطة بالتقدم الإنساني، وتنوع النشاط الناتج عن احتياجات الإنسان ورفاهيته.
وقد ظهرت اتجاهات فكرية – نتيجة لهذا القلق –تنادي بالعقوبات البديلة ، سواء على المستوى التقليدي أو المستوى المعاصر للجرائم، لمواجهة أشكال الإجرام الذي يرتكب بوسائل فنية وعلمية متقدمة ، وهو نوع من السياسة الجنائية.
والسياسة الجنائية الحقة، لابد وأن تكون نظاماً متناسقاً لرد الفعل الاجتماعي ضد الجريمة، للعمل على ردع الجاني، وفي ذات الوقت لا يجب أن يقلص الدور الذي يشغله التأهيل والإصلاح ، فهذا هو الجانب الإنساني للعقوبة.
وأمام هذا التوجه ، فإن الأمر يدعونا إلى بيان للضوابط الشرعية والنظامية التي يجب مراعاتها عند تنفيذ البدائل للعقوبة ، حيث نتناولها وفقاً للمحاور الآتية.

أولاً : أبعاد المشكلة:
إن أهداف العقوبة في الشريعة الإسلامية ، أهداف خاصة تتعلق بكل عقوبة على حده ، كما في القصاص ، لقوله تعالى : ( ولكم في القصاص حياة ) وكذلك سائر العقوبات على جرائم الحدود .
وأهداف عامة: تشترك فيها كل العقوبات ، ومن أهم ذلك :
1-المحافظة على الضرورات الخمس ، وهذا من مقاصد الشريعة ، وجاءت النصوص من الكتاب والسنة مؤكدة على ذلك .
2- إقامة العدل بين الناس .
3- تحقيق الردع والزجر .
4-مجازاة الجاني وتطهيره وتكفير جرمه.
5-تطبيب وشفاء نفس المجني عليه .
ولذلك قد يقال بأن العقوبات البديلة لا يمكن لها تحقيق هذه الأهداف الخاصة أو العامة ، خاصة في ظل النصوص القاطعة المطالبة بإنزال العقوبات الرادعة بالجاني ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) .
إلا أن السياسة الجنائية تحمل في المقام الأول معنى الوقاية من الجريمة كما تحمل معنى الوقاية من العود إليها ، سواء كانت تنطوي على وسائل عقابية أو وسائل وقائية كالتدابير ، كما أن مشكلة العود إلى الإجرام تشغل بال كل الحكومات ، لأنه ثبت أن جانباً ضخماً من الإجرام من فعل العائدين.
لذلك أدرك الكثير من الباحثين قصور عقوبة السجن مثلاً عن حماية المجتمع ومعالجة المذنبين ، لما ينطوي عليه من مساوئ على المستوى الشخصي والمستوى الأسري والمجتمعي والاقتصادي ، فتعالت صيحات بأن تحل محله عقوبات مقيدة للحرية فقط وليست سالبة ، وهو ما يسمى بالعقوبة أو المعاملة في البيئة المفتوحة، وهذا ما يدفعنا للبحث عن مخرج من هذا المأزق أمام بعض المجرمين الذين يوصفون بالخطرين المهددين لأمن المجتمع ، حيث إن الإلغاء الكامل للعقوبات النصية يصبح أمراً مستبعداً .

ثانياً : الخروج من المأزق :
كانت الشريعة الإسلامية أسبق في وضع نظام للعقوبات البديلة وفقاً لضوابط شرعية تعمل على تحقيق الأهداف المبتغاة من العقوبة ، سواء كانت مقدرة أو غير مقدرة ، ومن ذلك في مجال الجناية على النفس عمداً ، تقرير عقوبة الدية كبديل عن القصاص : ( فمن عفي له من أخيه شيء فإتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ) .
وكذلك عقوبة التعزير عند سقوط القصاص، وعقوبة الصوم : ( فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله ) وكذلك كانت العقوبة البديلة في الجناية على ما دون النفس الدية أو الأرش أو التعزير ، وكانت العقوبة البديلة في الشجاج والجراح، الأرش ، وكذلك في إذهاب منافع الأطراف ، الأرش أو التعزير .
من هنا كانت الشريعة الإسلامية الأسبق من كل النظم في وضع النظام الأمثل لبدائل العقوبات، وتركت للقاضي السلطة التقديرية للحكم بالعقوبة البديلة التي تتناسب وحال الجاني وأهداف المجتمع وسياسة الإصلاح والتي تمثل في مجموعها خروجاً من المأزق.
ومن هذا المنطلق صدرت أنظمة عديدة في المملكة العربية السعودية تقرر العقوبة البديلة من ذلك نظام الاستبدال الصادر بالمرسوم الملكي رقم 22 وتاريخ 26/8/1380هـ ، وغيرها من الأنظمة التي تضمنت نصوصاً تقرر الأخذ بالعقوبة البديلة دون الأصلية، منها نظام الجمارك ، ونظام أمن الحدود، ونظام العقوبات العسكري، ونظام مكافحة التزوير.
وإذا كان القاضي في مجال الحكم بالعقوبة مقيد بالنصوص الشرعية من الكتاب أو السنة ، ولا يملك سلطة تغيير أو تبديل ، فإن النصوص التي أجازت الانتقال إلى العقوبة البدل تبيح للقاضي إعمال سلطته التقديرية بضوابط من هدي الشريعة الغراء، ومن نصوصها العمل بالسياسة الشرعية عملاً على تحقيق المصلحة، عندما تقيد عقوبة محددة فهذا لا يتعارض مع نصوص الكتاب أو السنة .
وبجانب ذلك قد توجد نصوص يصدرها ولي الأمر من باب السياسة الشرعية ، والعمل بالمصلحة المشروعة ، فأحكام الشريعة الإسلامية " أجملت ما يتغير ، وفصلت ما لا يتغير " ، والقاضي في ذلك يملك سلطة تقديرية واسعة على ضوء من ضوابط هذه النصوص .

ثالثاً: ضوابط سلطة القاضي في الحكم بتنفيذ العقوبات البديلة :
منذ مؤتمر الأمم المتحدة السادس والذي خصصته للوقاية من الجريمة ومعاملة المجرمين، في كراكاس بفنزويلا عام 1980م كان من أبرز موضوعاته بدائل السجن وقد انتهى إلى أن البدائل يمكن أن تكون في حالات عديدة أكثر فعالية من السجن ، ودون تعريض السلامة العامة للأخطار ، بل ويمكن تطوير هذه البدائل .
وقد مضى ما يزيد عن ثلاثة عقود من الزمن على التوصيات التي صدرت عن هذا المؤتمر ، وكافة الدول على اختلاف مذاهبها، تصدر من الدراسات الحديثة والأنظمة التي توصي بإدخال مجموعة من الجزاءات والإجراءات لتحل محل سلب الحرية، من ذلك إيقاف التنفيذ ، والاختبار القضائي ، والعمل بغير مقابل للمصلحة العامة، والغرامة ، ودفع مبلغ من المال إلى بعض المؤسسات ، والحرمان من بعض الحقوق الخاصة أو العامة، والنفي والجزاءات المعنوية ، وغيرها مما يدخل في صميم سلطة القاضي التقديرية عند تنفيذ العقوبة.
وإذا حكم بالفعل بتنفيذ العقوبة السالبة للحرية ، فإن بعض البدائل يمكن اللجوء إليها وأهمها بجانب ما تقدم : الإفراج الشرطي ، ونظام شبه الحرية والعفو الشخصي المشروط ، والعفو العام بترخيص أو بتعهد .
علماً بأن السياسة الجنائية الصائبة ينبغي ألا تستبعد العقوبة السالبة للحرية من حيث المبدأ ، إذ ينبغي أن تظل موجودة بين الأدوات الأخرى لتفريد العقاب، يتم اللجوء إليها إذا لزم الأمر في حالات محددة.

ضوابط التنفيذ:
يملك القاضي الجنائي عادة سلطة تقديرية واسعة في اختيار نوع العقوبة من الخيارات المتاحة ، وهو ما يسمى بالاختيار النوعي للعقوبة، كما يمكن له اختيار قدر العقاب بين حديه الأدنى والأقصى ، وهو ما يسمى بالاختيار الكمي ، بالإضافة إلى ذلك يمكن له التبديل النوعي للعقاب بتدبير أو أكثر من التدابير التهذيبية المقررة للأحداث على سبيل المثال ، وقد يخول القاضي في جرائم معينة استبدال تدبير بالعقوبة المقررة أصلاً للجريمة ، وقد أشرنا إلى بعض هذه التدابير .
وتخول التشريعات الحديثة للقاضي الجنائي سلطة تقديرية في استبعاد بعض العقوبات الأصلية لمدة قصيرة ، وهذه العقوبات البديلة تتمثل في العقوبات السالبة والمقيدة للحقوق .
بيد أن الإسراف في استعمال السلطة التقديرية للقاضي من شأنه أن تتلاشى معه صفة اليقين في العقوبة ، وبالتالي يضعف تأثيرها في تحقيق الردع العام ، بسبب التفاوت الذي يمكن حدوثه في الأحكام بين قاض وآخر في الأفعال المتشابهة ، أو عندما يتعدد المساهمون في الجريمة ، وهذا التفاوت قد ينعكس على مصداقية نظام إدارة العدالة الجنائية في الدولة فيقلل من درجة الاحترام والثقة في هذا النظام ، ويقلل أيضاً من النظام الجنائي كوسيلة لتحقيق الضبط الاجتماعي.
لذلك كان من الأهمية وضع الضوابط لهذه السلطة حتى تحول دون انحرافها عن مقصدها الأصلي، وهذه الضوابط يمكن للقاضي أخذها في الاعتبار عند استعمال سلطته التقديرية في البحث عن البدائل للعقوبة التي تتناسب مع الجريمة.
وهذه الضوابط منها ما يتعلق بالنطاق الموضوعي للجريمة كمدى المساس بالمصلحة محل الحماية ، والآثار التي تخلفها الجريمة بعد تنفيذها، وكذلك الظروف المادية الملابسة للجريمة، وطبيعة العلاقة بين الجاني والمجني عليه ، فمثل هذه العوامل يجب أن يراعيها القاضي عند الحكم بتنفيذ العقوبة تشديداً أو تخفيفاً أو عندما يلجأ إلى البدائل.
أما بالنسبة للضوابط المتعلقة بالجانب الشخصي لمرتكب الجريمة :
فهي الصفات التي يكتشفها القاضي في المجرم ، مثل درجة الإثم الجنائي لدى الجاني، والمرحلة النفسية التي تسبق تنفيذ الجريمة، وكذا البواعث على الجريمة والغاية منها، ومدى تمتع الجاني بإرادة حرة واعية وقت ارتكاب الجريمة ، كما يمكن للقاضي مراعاة مدى الاستجابة المتوقعة من قبل الجاني لتحقيق أغراض العقوبة معه. ومدة خضوعه لتأثير العوامل الإجرامية وخطورته .
فمثل هذه العوامل سواء في الجانب الموضوعي أو الشخصي تؤثر في استعمال السلطة التقديرية للقاضي تغليظاً للعقوبة أو تخفيفاً أو عند استعمال البدائل، فأي البدائل تأتي بثمارها مع حالة الجريمة وظروف الجاني.
ومن ضوابط تنفيذ بدائل العقوبة مراعاة التحديد القضائي لكيفية التنفيذ ، حيث يمكن للقاضي الذي ينطق بالحبس أن يأمر بتنفيذ بعضه خارج السجن وفقاً لنظام شبه الحرية ، أو يأمر بتشغيل المحكوم عليه خارج نطاق السجن.
كما يمكن أيضاً النطق بالعقوبة والأمر بتجزئة تنفيذها على فترات متعاقبة تتخللها بصفة منتظمة فترات إيقاف ولا تحتسب ضمن مدة التنفيذ للعقوبة.
كما يمكن للقاضي أن يأمر بإيقاف تنفيذ العقوبة وفق ضوابط بعضها يتعلق بالجريمة ذاتها وبعضها يتعلق بالمحكوم عليه ، والآخر يتعلق بالعقوبة سواء تعلق الأمر بالعقوبات الأصلية أم بالعقوبات التبعية والتكميلية أم بالآثار الجنائية الأخرى للحكم. وذلك بحسب سلطة القاضي التقديرية، بيد أنه يجب أن ينص على إيقاف التنفيذ في الحكم وإلا تم التنفيذ وفقاً للأصل العام ، وإذا قرر إيقاف التنفيذ عليه أن يذكر الأسباب التي تبرره .
وعلى ما سبق فإن التنفيذ للعقوبات البديلة يتم وفقاً للضوابط المنصوص عليها في الحكم القضائي ، ولا شك في أن من أولى أوليات هذه الضوابط مراعاة الأحكام الشرعية ، وأن يتم ذلك تحت الرقابة القضائية الكاملة وفقاً للهدف من العقوبة البديلة ، والعمل على عدم إهدار الطاقات وتعطيل الإنتاج وإرهاق ميزانية الدولة في تنفيذ العقوبات الأصلية التي قد تؤدي بانعكاسات خطيرة على الفرد والمجتمع .
وختاماً : فإن أهم ما نوصي به من خلال هذا الملتقى ، ما يلي :
1- العمل على تنوع العقوبات البديلة ، ووضع الضوابط لها بما يعود بالنفع على الجاني وأسرته وعلى المجتمع ، فسياسة الإصلاح أهم من سياسة العقاب.
2- التوسع في سياسة تشغيل السجناء في المصانع والمزارع وأعمال المقاولات مما يكسبهم الخبرة العملية التي تعود عليهم بالمنفعة في المستقبل حتى لا يعودون لارتكاب الجرائم مرة أخرى .
3- إعادة النظر في تقدير الدية كعقوبة بديلة في الوقت الحاضر لتغير القيم الاقتصادية ، والأسعار السوقية للأشياء .
4- الاهتمام بالتدريب القضائي على طرق وضوابط استخدام السلطة التقديرية في مجال العقوبات البديلة .





أهم مراجع ورقة العمل :
1- القرآن الكريم .
2- التشريع الجنائي الإسلامي : عبد القادر عودة : مؤسسة الرسالة 1415هـ .
3- أحكام السجن ومعاملة السجناء في الإسلام : حسن أبو غدة ، مكتبة المنار الكويت 1407هـ .
4- الجزاء الجنائي : أحمد عوض بلال : دار النهضة العربية 2001م .
5- السجن كجزاء جنائي في ضوء السياسة الجنائية الحديثة : عبد الرؤوف مهدي ، مجلة القانون والاقتصاد كلية الحقوق جامعة القاهرة ، العددان 1، 2