المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأصل الأيديولوجي الحقيقي للإرهاب: الدّاروينيّة و المادّيّة


Eng.Jordan
11-06-2012, 10:27 PM
هارون يحيى


تعريب: مبارك عامر بقنه

المدخل:

يعتقد كثير من النّاس أنّ تشارلز داروين هو المؤسس الأول لنظريّة التطوّر, وإنها تستند على البحث العلميّ،والملاحظات، والتّجارب . وبالرغم من أنّ داروين لم يكن المؤسس لهذه النظرية, وأنها لا تستند على الدّليل العلميّ . إذ النظرية عبارة عن تعديل لطبيعة المذهب القديم المسمى بالفلسفة المادّيّة, والتي أُيدت بطريقة عمياء باسم الفلسفة المادّيّة

وبسبب بانتشار الدّاروينيّة و الفلسفة المادّيّة معًا ـ والتي يساندها التّعصّب ـ فقد سببت كثيراً من الكوارث. وبذلك تغيّرت إجابة النّاس حول سّؤال ما الإنسان؟ فالذين اعتادوا الرّدّ: بأن النّاس خُلِقُوا من قبل اللّه و يجب أن يعيشوا وفقاً للمبادئ التي علمهم الله. فقدوا بدءوا الآن يعتقدون أن الإنسان جاء لحيّز الوجود بالصّدفة البحتة, وأنه حيوان تطوّر بالقتال من أجل البقاء" . وقد دُفع من أجل تمرير هذا الخداع الكبير أموالاً ضخمة. واستمدت أيديولوجيّات العنف ـ كالعنصريّة, والفاشيّة والشّيوعيّة، وكثير من الرؤى العالمية الوحشية الأخرى التي بنيت على أساس الصراع ـ قوتها من هذا الخداع .

وفي هذا المقال سندرس الدّاروينيّة والتي جاءت بالكارثة إلى هذا العالم وأظهرت علاقتها بالإرهاب, أحد أهمّ المشاكل العالميّة في وقتنا الحاضر.

التصور الخاطئ للدّاروينيّة : الحياة صراع:

أعلن داروين في إحدى مقدماته الأساسية عند تطوير نظريّته : أن تطور الكائنات الحيّة يعتمد على الصراع من أجل البقاء . والأقوى ينتصر في الصّراع . والأضعف يُحْكَم عليه بالهزيمة والاندثار .

ووفقاً لداروين, كان هناك صراعاً قاسياً و نزاعاً أبديّاً في الطّبيعة من أجل البقاء. ودائمًا تكون النتيجة انتصار القوي على الضّعيف, مما يمكّن من حدوث التطور. ويلاحظ أن العنوان الفرعيّ الذي أعطاه لكتابه " أصل الأنواع" : " أصل الأنواع بواسطة التّكيّف الطّبيعيّ أو المحافظة على السلالات المفضلة في الصّراع من أجل الحياة", تلخّيص لتلك الرّؤية .

بالإضافة إلى ذلك، اقترح داروين أن المعركة من أجل البقاء تمثلت أيضًا بين السلالات البشريّة . وطبقًا لهذا الادعاء, كانت "السلالات المفضلة" هي المنتصرة في الصّراع . والسلالات المفضلة, في وجهة نظر داروين, هم الأوربّيّون البيض . أما السلالات الإفريقيّة أو الآسيويّة فقد تخلّفت في الصّراع ؛ بل ذهب داروين إلى مدى أبعد, واقترح أن هذه السلالات قريبًا ستُفقد كلّيّة في الصّراع من أجل البقاء , وبالتالي سيختفون: في الفترات المستقبليّة, وهو قريب في مقياس القرون: الأجناس المتحضّرة الإنسانية ستفنى, ويحل محلها السلالات البدائية في أرجاء العالم. وفي نفس الوقت، القرود المجسّمة في شكل الإنسان ستفنى. وبالتالي ستتسع الفجوة بين الإنسان وأقرب حلفاءه.

ويشرح عالم الأنثروبولوجيا الهنديّ "لليتا فيديارثي" كيف أن نظريّة التطور لداروين فرضت العنصريّة على العلوم الاجتماعيّة فيقول : "نظرية داروين البقاء للأصلح وجدت ترحيباً شديداً من قبل العلماء الاجتماعيّين في هذا العصر, و اعتقدوا أنّ البشريّة قد حقّقت مستويات متعددة من التطور تتوجت في حضارة الرّجل الأبيض. وفي النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر قُبِلَت العنصرية كحقيقة عن طريق الأغلبيّة العظمى للعلماء الغربيّين."

مصدر أفكار داروين: نظريّة مالثس الوحشية:

كان مصدر أفكار داروين لهذا الموضوع كتاب "توماس مالثس" العالم الاقتصاديّ البريطانيّ في مبحث عن مبدأ السكّان . ظن مالثس أن السّكّان البشريّين تزايدوا بسرعة . وفي رؤيته, أن العامل المؤثر الرئيسي الذي أبقى السّكّان تحت السّيطرة هي الكوارث كالحرب, والمجاعة، و المرض . باختصار, وفقاً لهذا الادعاء الوحشي, فإن بعض النّاس ينبغي عليهم أن يموتوا من أجل أن يعيش الآخرون. فقد جاء الوجود بقصد "الحرب الدّائمة ".

وفي القرن التاسع عشر, قُبلت أفكار مالثس على نطاق واسع . فقدساند المفكّرون الأرستقراطيّون الأوربّيّون بخصوصية أفكاره القاسية. ففي مقال معنون بـ "جدول أعمال النّازيّين العلميّ السّرّيّ ", متعلق بأهمّيّة القرن التاسع عشر وذلك بأن ترتبط أوروبّا برؤية مالثس حول السكّان والموصوفة بهذه الطّريقة :

اجتمع أعضاء الطّبقات الحاكمة خلال أوروبّا في النصف الافتتاحيّ للقرن التّاسع عشر لمناقشة مشكلة السّكّان المكتشفة حديثًا و لابتكار طرق تنفيذ التّفويض المالثوسي, لزيادة معدّل الوفيات للفقراء: "بدلاً من توصية إزالة الفقر ، ينبغي أن نشجّع العادات المتناقضة . ففي بلادنا علينا عمل الطرق الضيقة , وحشد أكثر الناس في البيوت, وبطريقة ما يُعاد وباء الطّاعون . وفي الدولة ينبغي أن نبني القرى قرب البرك الرّاكدة, ونشجع بشدة المستوطنات في كلّ المستنقعات والأوضاع الضّارّة " وهكذا .

وكنتيجة لهذه السّياسة القاسية, فإن الضّعيف والذين فقدوا الصّراع من أجل البقاء سيُزِيلُونَ, ونتيجة للزّيادة السّريعة في السكّان فسيكون هناك توازن في الخارج . وما يسمى بسياسة " اضطهاد الفقر" ، والذي نُفذ فعلياً في القرن التاسع عشر في بريطانيا. وأنشئ النظام الصناعيّ الّذي جعل أطفال الثّمانة والتاسعة يعملوا ستّة عشر ساعة في اليوم في مناجم الفحم، والآلاف منهم ماتوا في ظّروف قاسية . فسبب نظريّة مالثس، أدّى "الصّراع من أجل البقاء "، الملايين من البريطانيّين أن يعيشوا حياة مليئة بالمعاناة.

وقد تأثّر داروين بهذه الأفكار, فعمم هذا الصراع على كلّ الطبيعة, و اقترح أن الأصلح والأقوى ظهر منتصراً من حرب الوجود هذه . علاوة على ذلك, ادّعى أن ما يسمّى بالصّراع من أجل البقاء كانت مبررة لقانون الطبيعة الثابت . من ناحية أخرى, دعا النّاس لترك معتقداتهم الدّينيّة بإنكار الخالق, ولهذا استهدف كلّ القيم الأخلاقيّة التي يمكن أن تكون عقبةً لهذه الوحشية: الصّراع من أجل البقاء.وبنشر هذه الأفكار الضالة التي جعلت الأفراد قاسيين وبلا رحمة, كلّفت البشريّة قيمة عالية في القرن العشرين .

دور الدّاروينيّة في التهيئة الأساسية للحرب العالميّة الأولى:

عندما سيطرت الدّاروينيّة على الثّقافة الأوربّيّة, بدأت آثار " الصّراع من أجل البقاء" في الظّهور . فبدأت ـ خاصة ـ الدّول الأوربّيّة الاستعماريّة في تصوير الدّول التي استعمروها كـ"دول نامية ارتقائيّة" واعتمدوا على الدّاروينيّة لتبرير ذلك.

وكان الأثر السّياسيّ الأكثر دمويّة للدّاروينيّة هو نشوب الحرب العالميّة الأولى في عام 1914 م.

يشرح الأستاذ المؤرخ البريطانيّ المعروف جيمس في كتابه "أوروبّا منذ 1870" , أن أحد العوامل التي هيئت الأرضية للحرب العالميّة الأولى كان إيمان الحكّام الأوربّيّين في ذاك الوقت بالدّاروينيّة. فعلى سبيل المثال، رئيس أركان أوسترو-هنجريا , كتب في مذكّراته ما بعد الحرب :

"إن الدّيانات الإنسانية, والتّعاليم الأخلاقيّة، والمذاهب الفلسفيّة قد تؤدي أحيانًا إلى إضعاف صراع بقاء البشريّة في شكلها القاسي، لكنهم لن ينجحوا في إزالته كمحرك محفز للعالم، إنه يتوافق مع هذا المبدأ العظيم، أن كارثة الحرب العالميّة حدثت كنتيجة للقوى المحفزة في حياة الدول والشّعوب, كالعاصفة الرعديّة التي يجب أن تفرغ شحناتها بذاتها."

بهذا الأساس الأيديولوجيّ, ليس من الصعوبة فهم لماذا كونرد, كان ينبغي عليه أن يشجّع إمبراطوريّة أوسترو- هنجريان لتعلن الحرب . كانت مثل هذه الأفكار في ذاك الوقت ليست محصورة على القوّات المسلّحة . كورت ريزلر, السّكرتير الخاصّ لفون ثيوبالد وصديق المستشار الألمانيّ بيثمان-هوللويج, كتب في عام 1914م :" العداوة الأبديّة المطلقة ملازمة أساسًا للعلاقات بين الشعوب, و العداء الذي نلاحظه في كلّ مكان ليس نتيجة لفساد الطبيعة الإنسانية ولكنّه جوهر العالم و منبع الحياة نفسه."

وعمل جنرال الحرب العالميّة الأولى، بيرناردي فون فريدريش, علاقةً متشابهةً بين الحرب و قوانين الحرب في الطّبيعة . إذ أعلن بيرناردي أنّ الحرب حاجة بيولوجيّة, وإنّها بمثل ضرورة صراع عناصر الطبيعة, وبما أن قراراته تستند على طبيعة الأشياء ، فإنه فقط يعطي قرارًا بيولوجيًّا.

وكما رأينا, اندلعت الحرب العالميّة الأولى بسبب أن المفكّرين الأوربّيّين، والجنرالات والمسئولين الذين شاهدوا الحرب, وإراقة الدّماء، والمعاناة اعتبروا ذلك نوعاً من " التطور", و اعتقدوا أنهم لم يغيروا "قانون الطبيعة". فالأصل الأيديولوجيّ الذي جرّ كلّ ذلك الجيل إلى الدّمار لم تكن سوء مفاهيم داروين للصّراع من أجل الحياة والسلالات المفضلة .

وخلفت الحرب العالميّة الأولى ثمانية ملايين قتيلاً, ومئات من المدن المدمّرة، وملايين من الجرحى, والمقعدين, والمشردين والعاطلين . والسّبب الرئيسي للحرب العالميّة الثّانية والتي اندلعت بعد 21 سنة وخلفت 55 مليوناً قتيلاً, كان أيضًا مبنياً على أساس الدّاروينيّة .

ثمرة "قانون الغابة" : الفاشيّة:

في القرن التاسع عشر غذت النّازيّة الدّاروينيّة العنصريّة, وشكّلت القاعدة الإيديولوجيّة التي ستطوّر وتغرّق العالم في الدّم في قرن العشرين .

فالنفوذ الدّاروينيّ القويّ يمكن أن يُرَى في الأيديولوجيّين النّازيّين . فعندما يدرس أحدٌ هذه النّظريّة ـ والتي أُعْطِيَتْ الشكل من قبل أدولف هتلر و ألفريد روزنبرج ـ يصادف مثل هذه المفاهيم كالتّكيّف الطّبيعيّ, واختار التّزاوج, و الصّراع بين السلالات من أجل البقاء. وهتلر عندما سمى كتابه ( كفاحي ), والذي يتكلّم عن الصّراع خصوصًا بين السلالات، كان ملهمًا بالصراع الدّاروينيّ من أجل البقاء ، و مبدأ أن النّصر للأصلح: في الألفيّة الجديدة سيبلغ التاريخ الذروة في روعة فريدة للإمبراطوريّة, وذلك على أساس سلسلة عرقية جديدة.

أعلن هتلر، في اجتماع حزب نريمبيرج سنة 1933م, أن موضوعات الجنس الأعلى بنفسه جنس أقلّ ... الحقّ ما نراه في الطّبيعة هو الحقّ الوحيد الذي يمكن أن يتصور.

أنّ تَأَثَّر النّازيّون بالدّاروينيّة من الحقائق التي يقبلها كثير من المؤرّخين. فيصف المؤرّخ هيكمان تأثير الدّاروينيّة على هتلر كما يلي :

"كان هتلر مؤمن للغاية بالتطور وداعياً إليه . وبغض النظر عن عمق, وتعقيدات هوسه, فإنّه من المؤكد أن. كتابه, (Mein Kampf), وضع بوضوح عدداً من الأفكار الارتقائيّة, خصوصًا تلك التي تؤكد الصّراع، والبقاء للأصلح والإبادة للأضعف وذلك لإنتاج مجتمع أفضل . "

وبهذه الرّؤى التي أظهرها هتلر, جرّ العالم إلى العنف الذي لم يحدث له مثيل من قبل. وكثير من المجموعات السّياسيّة و العرقيّة, و بخاصّة اليهود, عُرِّضُوا لقسوة رهيبة ، ومذبحة فظيعة في المعتقلات النّازيّة خلال الحرب العالميّة الثّانية والتي بدأت بالغزو النّازيّ وأدت إلى قتل 55 مليون شخص . وكان خلف هذه المأساة الفظيعة في التّاريخ العالميّ المفهوم الدّاروينيّ للصّراع من أجل البقاء .

التّحالف الدموي: الدّاروينيّة و الشّيوعيّة

كان الشّيوعيّون دائمًا بين أشرس مدافعين لنظريّة داروين، فالفاشيّون يُوجَدون في حزب اليمين للدّارونيّة الاجتماعيّة, ويُحْتَلّ الحزب اليساري من قبل الشّيوعيّين .

وتذهب العلاقة بين الدّاروينيّة و الشّيوعيّة إلى كلا مؤسّسي هذين المذهبين .ماركس وإنجيلز, مؤسّسي الشيوعيّة, فقد قرآ "أصل الأنواع" لداروين بمجرد أن ظهر, و أُذْهِلَا بموقف المادّيّة الجدليّة . وظهر التوافق بين ماركس وإنجيلز بأنهما رأ نظريّة داروين كـ " احتواء أساسي للتّاريخ الطّبيعيّ للشّيوعيّة " . وإنجيلز في كتابه جدليات الطّبيعة ــ والذي كتبه تحت تأثير داروين ــ كان يثني كليةً على داروين, و حاول عمل مساهمته للنّظريّة في فصل " الدّور الملعوب من قبل العمالة في الانتقال من القرد إلى الإنسان ".

والشّيوعيّون الرّوس الذين ساروا على خطوات ماركس و إنجيلز, مثل بليخانوف, ولنين, وتروتسكي وستالين, اتّفقوا جميعاً مع نظريّة داروين للتّطوّر . فبليخانوف الذي يُعْتَبَر كمؤسّس للشّيوعيّة الرّوسيّة, اعتبر الماركسيّة كالدّاروينيّة في تطبيقاتها في علم الاجتماع .

قال تروتسكي: "اكتشاف داروين هو أعلى انتصار للمنطق الجدليّ بالكامل في مجال المادّة العضويّة "

وكان للتعليم الدّاروينيّ الدور الأكبر في تكوين الكوادر الشّيوعيّية . على سبيل المثال, يلاحظ المؤرّخون أن ستالين كان متديّنًا في شبابه, لكنّه أصبح ملحدًا بسبب كتب داروين .

ماو ـ الذي أنشأ الحكم الشّيوعيّ في الصّين وقتل الملايين من النّاس ـ صرّح علانية أن الاشتراكيّة الصينيّة تُنْشَأ على داروين و نظريّة التطوّر .

ويذهب المؤرّخ جيمس ريف في جامعة هارفارد في تّفصيل متسع بخصوص أثر الدّاروينيّة على ماو والشّيوعيّة الصّينيّة في بحثه في كتاب "الصّين و تشارلز داروين" .

"باختصار, هناك رابطة غير قابلة للانشطار بين نظريّة التطوّر والشّيوعيّة. فالشّيوعيّة ـ كأيديولوجيّة إلحادية ـ ترتبط بقوة بالدّاروينيّة. وتستمد بما يسمّى بالدّعم العلميّ للإلحاد من نظرية داروين والتي تدّعي أن الكائنات الحيّة هي نتاج لصدفة بحتة. وعلاوة على ذلك, نظريّة التطوّر تؤيد المفهوم الجدليّ الضّروريّ للشّيوعيّة إذ تقترح نظرية التطور أن التطور في الطّبيعة ممكن بفضل الصراع ( بعبارة أخرى الصّراع من أجل البقاء )."

ونحن نستطيع نفهم أفضل بُعد الكارثة الدّاروينيّة التي حلت على كوكبنا إذا فكّرنا في المفهوم الشّيوعيّ "للصراع الجدليّ " كماكينة قتل والذي قتل قرابة 120 مليون شخص خلال قرن العشرين.

الدّاروينيّة و الإرهاب

بما رأيناه حتّى الآن, فالدّاروينيّة هي أصل أيديولوجيّات العنف المختلفة والتي قدمت الكارثة إلى البشريّة في القرن العشرين. ومع ذلك, بالإضافة لهذه الأيديولوجيّات, فالدّاروينيّة أيضًا تعرّف " المفهوم الأخلاقي" و "الطّريقة" التي يمكن أن تؤثّر على الرّؤى العالميّة المختلفة . فالفكرة الرئيسة وراء هذا المفهوم والطّريقة هو " قتل هؤلاء الذين ليسوا منا".

ويمكن أن نشرح هذا بالطّريقة التّالية : هناك معتقدات مختلفة, وفلسفات ووجهات نظر عالمية. وهؤلاء يمكن أن ينظروا إلى بعضهم البعض بإحدى طريقتين :

الأولى: يمكن أن يحترموا وجود هؤلاء الذين ليسوا منهم، ويحاولوا بطريقة إنسانيّة تأسيس حوار معهم.

الثانية: يمكن أن يختاروا محاربة الآخرين ، ومحاولة إنقاذ الأصلح عن طريق إبادة الآخرين ، أي بعبارة أخرى، التّصرّف كحيوان برّيّ .

الرّعب الذي نسمّيه "الإرهاب" هو لا شيء سوى عبارة الرّؤية الثّانية .

عندما ندرس الاختلاف بين هذين الاتجاهين, نستطيع أن نرى أنّ فكرة " الإنسان كحيوان مقاتل" والذي فرضته الدّاروينيّة فيما دون الوعي في عقول الناس، فالأفراد و المجموعات التي تختار طريقة الصراع ربما لم يسمعوا أبدًا عن الدّاروينيّة ومبادئها الأيديولوجيّة؛ لكنّهم في التّحليل النّهائيّ, يتّفقون مع الرؤية الفلسفية والتي تستند على الدّاروينيّة، مما يقودهم ذلك للإيمان بأحقّيّة العنف كالشّعارات الموجودة في الدّاروينيّة مثل:

في هذا العالم, البقاء للأقوى
السّمك الكبير يبتلع السمك الأصغر.
الحرب فضيلة.
يتطور الإنسان عن طريق الحرب.

وهذه الشعارات تكون فارغة إذا جردناها من الدّاروينيّة.

في الواقع, عندما تُؤْخَذ الدّاروينيّة بعيدًا, فإن فلسفة الصراع تتلاشى. فالديانات الثّلاثة التّوحيديّة التي يؤمن معظم النّاس بها, الإسلام, والنصرانية، و اليهوديّة, كلها تعارض العنف. وتتمنّى *** السّلام والانسجام إلى العالم، وهي تعارض قتل الأبرياء، أو تعذيبهم. فالصراع والعنف ينتهك الأخلاقيّة التي جعلها اللّه للإنسان, و بينما الدّاروينيّة ترى و تصوّر الصراع والعنف كمفاهيم صحيحة ومبررة وطبيعية يجب أن توجد.

لهذا السّبب, إذا ارتكب بعض النّاس الإرهاب باستخدام مفاهيم ورموز باسم هذه الأديان الثلاثة: الإسلام, والنصرانية، و اليهوديّة, فتأكد أن هؤلاء النّاس ليسوا مسلمين, أو نصارى، أو يهود؛ وإنما هم في الحقيقة دّاروينيّون اجتماعيّون، يختبئون تحت عباءة الدين, فهم ليسوا مؤمنين حقيقيّين، حتّى وإن ادّعوا أنهم يخدمون الدّين فهم في الواقع أعداء للدين وللمؤمنين، وذلك لأنهم يرتكبون الجريمة التي يحرمها الدّين ، ويشوهون صورة الدّين في عيون النّاس .

لهذا السّبب, أصل الإرهاب الذي أصاب عالمنا اليوم ليس في أيّ من الدّيانات التّوحيديّة, ولكنّه في الإلحاد, و تعبير الإلحاد في أوقاتنا هو : "الدّاروينيّة" و "المادّيّة ".