المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ملخص لكتاب إدارة الجودة الشاملة البدوية


Eng.Jordan
11-07-2012, 06:39 PM
زياد فرحان

في الفصل الأول سوف يتم تعريف الوطن كدار سلام يتحقق فيه العدل و المساواة والحرية و السعادة و خارجه تعم الفوضى و ينتشر الظلم. سوف نتطرق إلى مناقشة العوامل المؤثرة فيه بما فيها العامل الاقتصادي باعتباره محرك مؤثر لكل فكر ثقافي. وأي خلل فيه يؤدي إلى خلل في العوامل الأخرى مثل الانتماء.الإدارة وماهية إدارة الجودة الشاملة هي موضوعنا في الفصل الثاني ،والمراد الوصول إلى مفهوم إدارة الجودة الشاملة الأكثر صحه ، للفوز بالإنتاجية المطلوبة وتعزيز الانتماء من جميع و لجميع مكونات الوطن الثقافية . تنتهي بنا إدارة الجودة الشاملة إلى أهمية القيم والأخلاق كعناصر أساسية لنجاحها وهو ما يفتح المجال لمراجعة تاريخية لمنظومة القيم في العقل الأخلاقي العربي والإسلامي.الدكتور الجابري حاضر معنا في (المصدر الرئيس لما سنورده فيما يخص الأخلاق والقيم .انتهى إلى أن (المروءة) : هي القيمة المركزية في الموروث العربي الخالص قبل الإسلام و بعده .اشتكى من اختفاءها و عزى ذلك إلى تداخل موروثات أجنبيه مع الموروث العربي والإسلامي الخالص منها: الموروث الفارسي واليوناني و الصوفي أنتجت قيما وأخلاقا لا تنتمي لهويتنا العربية . شكلت تلك الرؤى والقيم (المستوردة ) محاور رئيسيه في الإدارة في حياتنا المعاصرة . يحتم ذلك إعادة تنقية الموروث العربي و الإسلامي الخالص وبعث (المروءة) إلى الحياة العربية والإسلامية. وهو ما شجعني استكمالا للدكتور الجابري (إن سمح فارق المقام والقدر له : بقولي استكمالا له) أن أقدم البدو في الفصل الثالث كنموذج بقي محافظا على الموروث العربي والإسلامي الخالص خلال (تعريفهم أخلاقياتهم ) ، ومقارنتها بأخلاق المروءة المفقودة ،تنتهي الدراسة إلى ضرورة إيجاد نظام إداري "مناسب" يحقق انسجام اجتماعي محلي و(عالمي) بالحد الأدنى نفتقده بسبب الإدارة ويقف برأيي خلف معوقات التنمية.من هذا المنطلق أقدم إدارة الجودة الشاملة طريقة تصل بنا إلى (شركاء في الوطن ) وتعزز المواطنة والانتماء. و أقدم البدو وقبيلتهم كأقرب نموذج للمثالية والحرية و العدالة الاجتماعية وينبغي تبني نموذجهم حيث استطاعت قبيلتهم أن تقارب بسماتها و تنظيماتها المبتغى النهائي للشيوعية من خلال ممارسة إدارة قاربت بصفاتها إدارة الجودة الشاملة. فالقبيلة (كتنظيم اجتماعي قيمي ) و إدارة الجودة الشاملة (كعقد اجتماعي إداري ) ، كلاهما يعتمدان الحرية والعدالة و المساواة والحركة و بناء الثقة المتبادلة و المشاركة والولاء للمنظومة المنتميان إليها.


الوطن
منذ القدم تمكن الإنسان من تكوين تجمعات بشريه تربطها علاقات بين الأفراد. شكلت هذه العلاقات الأسس التي بني عليها مفهوم "الوطن". أخذ الوطن مفاهيم عديدة عبر التاريخ من حيث طبيعة العلاقات بين أفراده. كان الفرد محور هذه العلاقات، الأداة التي يبنى بها الوطن و يهدم أيضا. يسعى (الكل) في الوطن إلى التكامل السياسي باعتباره الغاية الأسمى التي تستهدفها السلطة في المجتمع لتجعل الوطن دار سلام و ما وراءه دار حرب.
الوطن أو" المجتمع السياسي" لا يتكون إلا بتوافر مقومات ثلاثة : التجمع البشري بعنصرية المادي (الأفراد) و المعنوي (الوعي بالمصلحة العليا للجماعة) ، والسلطة السياسية بعنصريها المادي (أدوات الإكراه) والمعنوي (الشرعية لاستهدافها الخير) ، والإقليم بعنصريه المادي (مجال جغرافي) و المعنوي (وطن للآباء و الأجداد).
دي ملبرج عرف دولة القانون بأنها " الدولة التي تحتاج إلى أقل قدر من الإكراه لكسب دعم و مساندة مواطنيها. أو كما كتب هيجل" الدولة هي الفكرة الوحيدة التي يقبل الفرد التضحية من أجلها لأنها هي الحرية بعينها خارج الدولة تعم الفوضى و تنتفي الذات ولايستقيم معنى للحياة إلا داخل الدولة".
و لتكوين المجتمع المدني كما يقول أحمد خروع في الدولة يجب أن لا يفهم فهما سيئا أو منحازا أو مسيساً لأن ذلك يعطل مفهومة و يشل قواه كما هو الشأن اليوم عندنا حيث يحاول البعض بدافع الجهل و الأنانية أن يفهمنا أن المجتمع المدني هو حكر على فئة اجتماعية مستنيرة. المجتمع المدني هو الشعب بجميع فئاته وشرائحه و مكمل لبعضه البعض تجمعه الرغبة في العيش و الإسهام الحضاري و إنجاز القيم و الأمجاد التاريخية التي تشرف البشرية. فالمجتمع المدني إذن هو الحس المدني المشترك بين جميع أفراد الشعب من ضرورة الإتحاد و العمل و الإيمان بحب الوطن و الاستعداد للتضحية من أجله و خدمته بتفان لأن في ذلك كما أكده أدم سميث خدمة أكيدة للمصلحة الفردية و إشباع حاجاتها الأنانية في إطار الشرعية والقانون".
إشباع الحاجات الأساسية يقودنا بلا شك للاقتصاد و لكارل ماركس : الرأي أن الجدليات التي خاضها بعض تلاميذ ماركس و أنجلز في الغيبيات و هو ما سماه كاتبنا الإقحام كما أسلفنا سابقا , كان هروبا من جواب يعود بهم إلى خالق الكون , و بالتالي يعود بهم إلى الدين النصراني المحرف الذي ساد في أوروبا و أذاقهم الرق و الإقطاع و محاكم التفتيش و صنوف الويل و العذاب. لم يعرفوا الإسلام حق المعرفة و هو ما اعترفوا به. و انطلاقهم ماديا رغم خطأه في نظرنا ، طبيعي جدا فلم تكن أهداف الفلسفة الدينية التي حاربت الماركسية و التي حاولت أن تثبت أن لهذا الكون خالق ، لم تكن أهدافهم البحث عن الحقيقة بقدر ما هو بحثا عن ما يزعزع الأفكار الماركسية و بحثا عن ما يمكن التشبث به لإبقاء الشعوب تحت الاستعباد والإقطاع الديني و الاجتماعي والاقتصادي.....الخ. لذلك تجاهل ماركس و انجلز ولينين و رفاقهم الدين والأخلاق في تلك البيئة لأنها ( و في رأيهم ) أوصلتهم إلى ما هم فيه من رق و إقطاع و فساد و رأسماليه و هي أخلاق و دين تلك الفترة من التاريخ و من المنطق القول أنه إذا لم تتمكن أخلاق و قيم الدين من القيام بواجبها و هو المساواة و العدل بين الأفراد فما الفائدة منها ؟ هل هي لتخدير الشعوب فقط ؟
يؤكد ماركس و أنجلز بأن نظريتهما ليست عقيدة و لا تدخل في الجانب الغيبي بل هي طريقة ودليل عمل كما يذكر جورج طرابيشي في كتاب الدكتور عوايشه :" بيد أن مؤسسا الاشتراكية العلمية فوجئا في أواخر حياتهما بأن الماركسية نفسها مهدده بأن تتحول إلى أيدلوجيا بأن تنحط إلى مذهب يزعم المعرفة المطلقة ويحل نفسه محل الواقع و من هنا أرتفع صوتهما بالتحذير. فاه ماركس بعبارته المشهورة "كل ما أعرفه هو أنني لست ماركسيا"( ) ، و ندد أنجلز بالتلاميذ الذين أذلوا الماركسية إلى أورثوذكسية متشنجة ينبغي على العمال أن يتجرعوها وكأنها عقيدة دينيه" و بلا كلل راح إنجلز و من بعده لينين يردد:إن نظريتنا ليست عقيدة.....عقيدة ينبغي حفظها و ترديدها ميكانيكيا إنها دليل عمل و نظرية للتطور"
هذا الدليل و هذه النظريه و التي مبتغاها النهائي شعب بلا حكومة تكرهه هلى الإنتماء لها نجدها في قبيلة البدو التي تعيش في الطبيعة وقانونها في توفير حاجاتها اليومية بدون أدوات الإكراه المادي. و هو ما يسمى عند ماركس وأنجلز المشاعية البدائية : "المشاعية البدائية الموجودة في القبيلة .....
و يبنى على ذلك ملامح الحياة الإجنماعيه " وهكذا فإن طريقة الإنتاج في الحياة المادية هي التي تحدد بصفة عامه تطور الحياة الاجتماعي و السياسي و الفكري. "إن طريقة إنتاج معينه تقضي بكيان اجتماعي معين و كذلك أحاسيس و أفكار معينه فليس ضمير الإنسان هو الذي يحدد طريقة وجوده وإنما العكس هو الصحيح إن طريقة وجودة الاجتماعية هي التي تحدد شعوره".
حيث يمتد تأثير العامل الاقتصادي الأخلاق بل يصل الأمر إلى أن يخرج الفرد من التصور الأصل الذي ينبع منه السلوك و يستمد منه الأخلاق و يوصله للكفر به. و يؤكد ذلك الفكر الإسلامي الخالص فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوصي عماله بالمسلمين خيرا و من جملة وصيته لهم " ألا تضربوا المسلمين فتذلوهم و لا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم".
الهوية و الانتماء:
أركان الهوية ثلاثة: العقيدة و توفر للإنسان رؤية كونية، لسان ويعبر به عن نفسه. تراث و ثقافة يزودانه و يغذيانه بالذاكرة الأدبية والذاكرة التاريخية. بتلك الأركان تكون الهوية و يكون الانتماء.
وقد أكدت دراسات عديدة أن هناك علاقة إيجابيه بين درجة الانتماء لدى المواطنين و تقدم و تطور التنمية في المجتمع أي أنه كلما زادت درجة الانتماء و معدلاته لدى المواطنين في أي مجتمع زادت معدلات التنمية و تقدم ذلك المجتمع.


و يذكر الجوهري بعض من مظاهر ضعف الانتماء وتدني مستوياته: اللامبالاة والشك السياسي و الاجتماعي و الاغتراب في الوطن و ارتفاع معدلات الجريمة. يؤدي إلى تلك المظاهر عوامل وأسباب نستعرض بعضا منها : ( )
• غلبة القيم المادية في المجتمع و ضعف العلاقات الإنسانية بين الأسرة وكل واحد بالنسبة للأخر شي مادي.
• إجراءات أدت إلى إهدار قيمة العمل و ضعف و انعدام الصلة بين العمل و الأجر الذي يقابله.
• تصرفات من القيادات بأن هناك من هم فوق القانون و من هم تحته فوق النظام العام للمجتمع.
• سيادة القيم الفردية وإعلاء المصلحة الخاصة على المصلحة العامة.
• سيادة قيم النهم الاستهلاكي للمجتمع.
• الافتقار إلى القدوة و الرمز.
• الافتقار إلى مبدأ تطبيق الثواب و العقاب.
• سيادة قيم السلبية و اللامبالاة.
• ظهور التخبط القيمي وفقدان المعايير على مسرح الحياة الاجتماعية في المجتمع
• أسباب تاريخية و هي على المدى تركيز روح الأنانية و الانفرادية.
• ضعف فاعلية وسائل الضبط الاجتماعي و هو (برأينا) ناتج عن ضعف القبيلة و عدم وجود بديل للضبط الاجتماعي.
• عدم توفير المجتمع الحاجات الأساسية لأفراده التعليم السكن العلاج....................الخ.
• ضعف الوازع الديني و انتشار أفكار متطرفة..
وبمراجعة أسباب ضعف الانتماء نجد أن هناك تناسبا طردياً بين تلاشي المفاهيم البدوية القبلية وعلامات ضعف الانتماء. فالانتماء القبلي ليس مادي لأن المهم حول القبيلة هو منظومة القيم الأخلاقية من التزم بها حق له ما يحق للقبيلة و من شذ عنها سقط حتى لو كان من أسياد القبيلة كما حدث و يحدث. و هي بذلك ضابط اجتماعي للانتماء.
ليس هناك تعارض بين المواطنة و القبيلة كما يحاول أن يطرح البعض للإيحاء بوجود انتمائين. الانتماء يتدرج من القبيلة إلى مكونات الشعب الذي هو من مكونات الجمهور من مكونات العرب. إلقاء أي جزء منه هو إلقاء للشعب و الجمهور و الجذم و بالتالي إلقاء الوطن و الذوبان كأقليات في العالم مثل شعوب كثر انتهت.

المهم هل المرحلة بعد إلغاء اللقب القبيلي إلغاء أسم العائلة المالكة التي تعتمد سمات النظام القبلي ؟ ولم يكن ذلك عائقا أمامها لبناء الكل تحت لوائها و قبول ثقافات متعددة ؟ لا بل كانت ولا تزال رمزا للقبلية التي تحترم و تشارك و تشرك الأخر في الرأي و القرار؟
إيجاد أسباب المواطنه والانتماء و العمل على تعزيزها هو ما يقودنا لتقديم فلسفة إدارة الجودة الشاملة بصفتها طريق إلى الاقتصاد المنظم و المساواة التي تؤكد العدالة في الوطن وترسخ الانتماء.




















إدارة الجودة الشاملة
لقد "قتلت" الجودة بحثا منذ الثمانينات في جامعاتنا كمحاولات لتعريفها ووضع منهج علمي إداري يمكن من تطبيقها . و بناء على الشواهد الحالية إداريا واجتماعيا واقتصاديا فإننا في وضع يقرر التصريح بفشلنا في الوصول إلى الوصفة المطلوبة وفهم إدارة الجودة الشاملة.فما هي هذه الجودة الشامله:
نستطيع القول بأنه في العصر الحديث وضعت أسس إدارة الجودة الشاملة في الولايات المتحدة الأمريكية نظريا ، بينما ظهرت المبادرات التطبيقية في دولة اليابان . وتطورت الجودة لدرجة اعتبارها فلسفة إدارية حيث شهد عام 1970م تحولاً ملموساً في مجال إدارة الجودة من التركيز فقط على الأساليب الإحصائية في الرقابة على الجودة ، إلى اعتبار الجودة فلسفة إدارية
و نختصر بالأتي: إن الجودة تاريخيا بدأت كإدارة بعناصرها الأساسية تلاها اجتماعات مناقشة و تفكير للتطوير و التحسين من خلال حلقات الجودة ودوائرها . ثم تحسين وضع المعامل و المصانع من خلال الفترة "الجودة الشاملة" . إلى الاهتمام بالعملاء الخارجيين حيث مساهمتهم في عمليات الإنتاج و هو ما سمي عقد الكفاية والفاعلية. تطورت في الستينات و السبعينات نظرية السكس سيجما و هي محاولة الوصول إلى أقل عدد من الأخطاء نسبيا مع حجم الإنتاج . أخيرا التوجه كأساس إلى الطبيعة الإنسانية للعملاء داخليين وخارجيين وهم : الفرد كأساس للجودة فمتى ما صلح أنتج و بكفاءة عاليه و هو من يتحكم في عمليات الإنتاج و جودتها على جميع المستويات و في مختلف العمليات وهو ما قاد إلى الانتهاء بأن الجودة شخصية أو QUALITY PERSONNAL . مما يعني أن الاتجاه لتحسين الجودة و السعي لها هو " اتجاه لتحسين جودة الإنسان".
الجودة بشكل عملي ، تعرف على أنها فعل يحتوي قوة قانونيه ، تعني اقتناع واتفاق الكل ، ويكون الاستثناء حالة شاذة ، بالتالي تمارس الجودة بشكل طبيعي كثقافة سائدة. مما يأخذنا إلى حقيقة أخرى في إدارة الجودة الشاملة و هي ضرورة اقتناع الفرد البسيط بأن تطبيقه نظام الجودة ينتج له حالا أفضل .
قانون طبيعي ذكره ابن خلدون في مقدمته الشهيرة "إنما مصلحتهم فيه من حيث إضافته لهم"
نرى أن تنسجم بيئة المنظمة مع فلسفة ومفهوم إدارة الجودة الشاملة عن طريق تبني قيم ومفاهيم قائمة على العمل التعاوني من خلال إشراك جميع العاملين في المنظمة في فرق العمل بحيث ينعكس ذلك على الطريقة التي يتصرفون بها عند أدائهم لوظائفهم ومهماتهم اليومية. ولبناء ثقافة الجودة في المنظمة ينبغي إجراء تقييم شامل للثقافة السائدة في المنظمة وتحديد ماهية المتغيرات المطلوب إحداثها وإعداد قائمة لها.
و من قراءة ما كتبه مؤسسي فكر إدارة الجودة الشاملة (الحديث) وتحديدا قراءة المستوى الثقافي الأخلاقي و الإنساني لشخصياتهم في ما كتبوه و (هو مجال بحث واسع)، نجد أن الصدق الذاتي و صدق التوجه لأعمار الأرض و مساعدة الإنسان كائنا من كان كانت الأسس التي بني عليها تصورهم للإدارة في مجتمعاتهم ، وهي صفات تتعلق بالإنسان والقيم أكثر من الأرقام و الأرباح.
جوزيف كلادا لاحظ قدرة الجودة الفائقة علي التحسين المستمر والتغيير وتقديم الأفضل حتى أنها أصبحت في مصاف العقيدة: "لقد أصبحت الجودة عقيدة مثل الدين تقريبا ، ومع ديانتي، لها قساوستها ، ومعلميها ********ين ، بالنسبة إلى المعلمين ********ين سيطر الأمريكيين كلهم على مجال الجودة : إدواردز ديمنج، جوزيف جوران ، أرماند فيجين باوم و فيليب كروسيي وفي مقالة نشرت في مجلة فورتشن كتب جيرمي مين : أن كل هؤلاء الناس يبدو أن لديهم شعور برسالة مسيحية مقتنعين أن أمريكا في حاجة ماسة إلى نصيحتهم
will make a difference in the quality of life for everyone".
يقول جوزيف كلادا "عليك أن تفهم جيدا أن الجودة ليست مقصدا بل رحلة"( ). و الرحلة تعني الاستمرار و الاستمرار لا يعني الوصول فقط و الذي يأتي بأي طريقة و على حساب الأخلاق المستهدفة أحيانا
ويحدد ديمنج طريقين لتنفيذ إدارة الجودة الشاملة إحداهما تطبيقها كفلسفة لها مدخلات محددة و تطبق عالميا و تنقل كما طبقت في اليابان لتطبق في الدول الأخرى . و الأخر وهو ما يعنينا أنها فلسفة غير محددة المعالم و الأهم فيها أنها نوع من الإدارة " مناسب" متى ما طبقت أنتجت و حققت الأهداف المرجوة مما يعني تطبيقها بأكثر من طريقة و مناسبتها لأكثر من ثقافة( )
ويقودنا ذلك إلى حقيقة (نسبيه) الجودة دائما
مما يأخذنا إلى التقرير بأن إدارة الجودة الشاملة ليست فكرة أو حتى إستراتيجيه بل هي طريقة حياة
Tqm is not strategy or concept: it is a way of life
يقول أحدهم "أن التطور الاقتصادي أنتج الكثير من المفيد للبشر و أنتج معه الكثير من المشكلات. مما يحتم ضرورة التأكد من عولمة حلول المشكلات و ليس المشكلات وخصوصا بالنسبة للمستوردين . في ظل تراجع الدور التقليدي للدولة ولسيادتها المطلقة. . . . . . . . . . . لحساب فاعلين آخرين أصبحوا شركاء في هذه السيادة مثل المجتمع الدولي من جهة و الشركات الاقتصادية متعددة الجنسيات من جهة أخرى و منظمات المجتمع المدني غير الحكومية"
مما يحتم وجود إدارة واعية تأخذ في الاعتبار أن الإدارة مجموعة كيانات و آليات اجتماعية سلوكية فنيه معلوماتيه والكثير من الأخطاء تنتج بسبب فشل المدير في التوصل إلى هذه الآليات من خلال ممارسة عملة الإداري و تعني الفشل الإداري في جميع الكيانات ، والتي تعتبر كما سبق أن أشرنا متكاملة في أدائها و مترابطة في محتوياتها . فالفشل في أي قرار خاص بأي كيان إنما يكون تأثيره سلبيا على باقي الكيانات الأخرى و بالتالي على الأداء الشامل للمؤسسة. فمثلا فشل قرارات بناء و إدارة الكيان المادي تنعكس على قرارات إدارة وتشغيل الكيان الاقتصادي و فشل أي قرار من قرارات الكيان الأخير تؤدي إلى فشل قرارات الكيان الاجتماعي و السلوكي و هكذا.
يقول ديمنج "يخطئ من يعتقد أن المشكلة بسبب الأفراد و العاملين في المنظمة أو الشركة أو المصنع . فالأفراد ينتجون من ضمن نظام و النظام مسؤولية الإدارة( ).
Our trouble lie entirely in the work force، pleasant dreams.
The workers are handicapped by the system and the system belongs to the management
نجاح الإدارة يشترط فهم البيئة فهما واضحا عميقا صادقا فهي تشكل الأساس لنجاح إدارة الجودة الشاملة "خمسة شروط يجب أن تتحقق إذا أريد لمحاولات تنفيذ إدارة الجودة الشاملة أن تنجح : رغبة الإدارة العليا في التغيير، الفهم "الصحيح" لكل من الجودة والجودة الشاملة . معرفة كيف تنفذ الجودة الشاملة. معرفة كيف تتحقق الجودة الشاملة . معرفة كيف يتم الحفاظ على الجودة الشاملة"( ) . واضعين في الاعتبار أنه "ولا توجد طريقة واحدة في التفكير التنموي. لذا يجب أن تختار كل دولة الطريقة التي تناسبها
الدكتور عبدالرحمن توفيق يتهم العقل العربي الإداري بخلوه من مجموعة القيم الإنسانية والمهارات العقلية التجريدية و الاهتمام بالجزئيات أكثر من الكليات وتفضيل الإنجاز على التأمل والتخطيط وتطبيق نسبة قليلة من الأفكار الابتكارية وطغيان الفردية و افتقاد قيم مثل : احترام وقت العمل ، وتقبل النقد و إرجاع الأثر ، فن الحوار ، القدرة على الإقناع ، الإنصات ، واحترام مشاعر الآخرين، كل ذلك لابد أن يقودنا إلى إجمال مقتبس ومختصر من كتاب الدكتور محمد عابد الجابري "العقل الأخلاقي العربي –منظومة القيم العربية" لمناقشة العقل العربي أخلاقه ومجموعة القيم الإنسانية التي يتصف بها في الفصل التالي .
الدكتور الجابري يطرح تساؤل على أي أساس تقوم الأخلاق؟ علام نستند عندما نحكم على هذا السلوك أو ذلك بأنه خير أو شر حسن أو قبيح ؟ هل على مجرد كونه يحقق لنا ألما أو مضرة ؟ هل لأنه يتفق – أو لا يتفق – مع ما تجري به العادة و العرف الاجتماعي؟ هل لأن الدين يأمر به أو ينهى عنه ؟ هل لأن العقل يستحسنه أو يوجبه أو يستشنعه أو يمنعه؟ هل لأن الضمير يقبله أو يرفضه يرتاح له أو ينفر منه؟كل هذه العناصر"(اللذه، العرف، الدين، العقل، الضمير...الخ) تصلح بهذه الدرجة أو تلك لأن تعتبر أساسا و محددا للأخلاق والقيم.
وينسب" أندريه بريدو"إلي عقل الإنسان لعب دور فعال في تكوين القيم بما يقوم به من دور نقدي فالقيم" مصدرها الأحكام الشخصية أولا، فالقيمة التي يصدرها الشخص على الأشياء بناء على حاجته إليها أو منفعتها أو ما تلبيه لدية من ميول ورغبات الخ.
" ثم إن اختلاف الناس في تقدير القيمة الأخلاقية لبعض الأعمال يدل دلالة واضحة على عدم إتحاد الإدراك الأخلاقي وعدم إتحاد الإدراك الأخلاقي يعود أساسا إلى درجات الوعي بأهمية أو (عدم أهميه) أخلاق معينه لثقافة معينه.وخير مثال للاختلاف في قراءة الأخلاق في النظم الإدارية والاقتصادية المختلفة حين نتحدث عن الأخلاق الشيوعية بهذا المنطق: "والشيوعيون على أتم الاستعداد لارتكاب أي عمل مناف للأخلاق من أجل تحقيق مكاسبهم و طموحاتهم و هم بهذا ينطلقون من نظرية ميكافيلللي التي تقول بأن الغاية تبرر الوسيلة. ناسين أنهم (الشيوعيون) يتحدثون هنا عن أخلاق الفترة التي عاشوا بها و التي كان معمولا بها كما يؤكدها أنجلز حيث يقول : "إن الأخلاق التي نؤمن بها هي كل عمل يؤدي إلى تحقيق انتصار مبادئنا مهما كان هذا العمل منافيا للأخلاق المعمول بها
و شيئا فشيئا تتموضع القيم مع الحياة الاجتماعية لتعمم وتصبح ذات طابع اجتماعي تنتقل من المجال السيكولوجي إلى المجال الاجتماعي و من هنا الدور المهم الذي يقوم به المجتمع في تحديد القيم وترتيبها ففي كل مجتمع نجد سلما من القيم مرتبا وهذه القيم تأخذ طبيعة الظاهرة الاجتماعية كيف تكون الثقة بالعلوم و الأخبار لولا فضيلة الصدق ؟ كيف يكون التعايش بين الناس في أمن و استقرار لولا فضيلة الأمانة ؟ كيف تكون جماعة مؤهلة لبناء مجد عظيم لولا فضيلة الشجاعة في رد عدوان المعتدين و ظلم الظالمين و لولا فضائل العدل و الرحمة والإحسان و الدفع بالتي هي أحسن.........لقد دلت التجارب الإنسانية والأحداث التاريخية أن ارتقاء القوى المعنوية للأمم و الشعوب ملازم لارتقائها في سلم الأخلاق الفاضلة وتتناسب معه و أن انهيار القوى المعنوية للأمم و الشعوب ملازم لانهيار الأخلاق و متناسب معها. فبين القوى المعنوية والأخلاق تناسب طردي دائما صاعدين و هابطين
ومن الممكن هنا أن نصف إجمالا الأخلاق ونظام القيم بأنه "ليس مجرد خصال حميدة أو غير حميدة يتصف بها الفرد فتكون خلقا له , بل هو بالدرجة الأولى معايير للسلوك الاجتماعي و التدبير السياسي و محددات لرؤية العالم و استشراف المطلق
ومن هنا أيضا "الإجماع في الثقافة العربية على اعتبار العقل أساسا للأخلاق. هذا الإجماع يؤسسه المعنى اللغوي لكلمة عقل ابتداء. هذا فضلا عن أن القرآن دعا العرب إلى استعمال العقل ليس فقط من أجل استنتاج وجود الله نفسه من خلال مخلوقاته : العالم و ظواهره و أشيائه، بل أيضا للتمييز بين الخير و الشر الخ.لنترك القرآن إلى حين فهو ينتمي إلى الموروث الإسلامي الخالص بل هو أساس هذا الموروث. و لننظر إلى ما يتكون منه الموروث العربي الخالص أعني اللغة والأدب...........................ونجد الجانب الأخلاقي القيمي في كلمة عقل ليس في الكلمات التي جذرها ع ق ل فحسب، بل أيضا في جميع الكلمات التي ترتبط معها بنوع من القرابة في المعنى مثل: ذهن نهى حجا فكر فؤاد... و هذه أمثله. قال في لسان العرب: العقل: الحجر والنهى ضد الحمق و العاقل هو الجامع لأمره ورأيه مأخوذ من عقلت البعير إذا جمعت قوائمه و أيضا :" العاقل من يحبس نفسه و يردها عن هواها أخذ من قولهم اعتقل لسانه إذا حبس و منع الكلام... و سمي العقل عقلا لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك أي يحبسه! و في "الفروق في اللغة" : العقل هو العلم الأول الذي يزجر عن القبائح. و كل من كان زاجره أكبر كان أعقل. و قال بعضهم : العقل يمنع صاحبه من الوقوع في القبيح و هو من قولك عقلت البعير إذا شده فمنعه من أن يثور. و لهذا لا يوصف الله تعالى به عند المتكلمين أما عند الفلاسفة فالله عندهم عقل وعاقل و معقول و لكن بمعنى أخر. و قال بعضهم العقل الحفظ:عقلت دراهمي حفظتها".
تأثر العقل الأخلاقي العربي حتى أنه لم يبقى على حاله العربي الخالص قيمياً أخلاقاً وثقافة لان التعدد والاختلاف الذين صبغا مفهوم كلمتي الأخلاق والأدب في الثقافة العربية إنما كانا انعكاسا لصراع بين موروثات ثقافية متعددة فرضت نفسها علي الحياة العربية بسبب الفتوحات والغزوات الإسلامية المتعددة وما نشأ عن التجارة من احتكاك حضاري ، أدي إلي تعدد واختلاف في نظم القيم في الحياة الثقافية العربية و نتيجة لذلك ترتب علي تعدد الثقافات في الحضارة العربية الإسلامية تعدد في " نظم القيم فيها، لأن أهم ما يشكل كيان كل ثقافة و ما تتميز به عن غيرها هو نظام القيم الخاص بها والواقع أن أدراك النظام القيمي العربي بحاجته إلي الاستعانة بقيم أجنبية علي أي صورة ولو متسترة تحت عباءة عربية شئ غريب تماما،ويدل دلالة واضحة علي أنه كان تحت ضغوط أزمة أو شبه أزمة ثقة يعانيها " فإذا وجدت نفسك مضطرا لاستيراد مفهوم غيرك للخير لتحكم به على أشياء تخصك فهذا ما يقع خارج الأحوال العادية تماما.
في خضم ذلك تم تبني قيم فارسية منذ أيام الدولة الساسانية و عهد أردشير على سبيل المثال قيمة الطاعة العمياء و تأليه الحاكم و الطاعة العمياء حيث وبخصوص أية الطاعة "يقول الأمام الشافعي بصدد الآية المذكورة: قال بعض أهل العلم : أولو الأمر :أمراء سرايا رسول الله و يرجح الشافعي هذا التفسير استنادا إلى واقع :أن كل من كان حول مكة من العرب لم يكن يعرف الإمارة و كانت العرب تأنف أن يعطي بعضها بعضا طاعة الإمارة" فلما دانت لرسول الله لم تكن ترى ذلك يصلح لغير رسول لله فأمروا أن يطيعوا أولي الأمر الذين أمرهم رسول الله.لا طاعة مطلقة بل طاعة مستثناة فيما لهم و عليهم.
هذا الدور قام به ابن المقفع في إعادة تكوين الأخلاق والقيم العربية الخالصة ويظهر بجلاء من خلال كتابه الذي نال شهرة كبيرة في ذلك الوقت وحتي وقتنا الحاضر وهو كتاب كليلة ودمنه فمنذ
لماذا تم ترسيخ هذه القيم الأخلاقيه : الواقع أن الدافع السيكولوجي لابن المقفع كان وراء إرساء تلك النظم القيمية ،فهو رجل لانسب له ، وليس له قبيلة تحميه وتشد أزره كما هو متعارف عليه في النظم القيمية العربية، فكونه شخصا مرموقا لن يفيده بشئ طبقا للمقاييس القيمية السائدة ،فان لم يكن صاحب جاه ،فعليه أن يمشي في ظل صاحب الجاه والسلطان ويستمد القوة من ظل مصدر القيم الاجتماعية في البلاد لذلك حاول ابن المقفع أن يرفع نفسه إلى "مرتبة قمة الخاصة بالنظر إلى أنه قريب أو متقرب من السلطان الذي هو مصدر القيم الاجتماعية فهو الذي يوزع الجاه و المراتب و المناصب و الأعطيات و الخير إذ أنه هو الذي يعطي الكلمة لأنه وحده صاحب الكلمة...وقد يكون الكاتب أقرب إلى السلطان من غيره و قد يكون أقدر على التأثير عليه من غيره فيكون على رأس هرم طبقة الخاصة و مع ذلك فهو يعلم حق العلم أنه لا يستمد وجوده ولاقيمته من الخاصة نفسها بوصفها قوة اجتماعيه ( أعيان المدن، الفقهاء و العلماء...) بل هو يعي تماما أن قيمته كلها ترجع إلى صاحب نعمته السلطان. و بالتالي فوضعه مهزوز تماما لأنه يتوقف فقط على مزاج السلطان و ردود فعله فإذا غضب عليه تشفت فيه الحاشية و الخاصة كلها و اطرحوه جانبا.أما العامة فخوفه منها أكثر لأنه يعلم أنه في الأصل أحد أبنائها فانفصل منها و تنكر. و هكذا لا يبقى له إلا الفرار أو الموت " كما قال ابن المقفع نفسه"،إذا هو خوف من الموت أو حنين إلى دولة ساسان ؟ يقول الجابري "و لا يملك المرء و هو يقرأ ما سجل من سيرة ابن المقفع الذي كان غنيا كريما يعيش عيشة الارستقراطية الفارسية إلا أن يرى فيه صاحب مشروع حضاري قوامه إلباس الدولة العباسية الناشئة لباس الدولة الساسانية"
اختراق و بخبث لنظام القيم والأخلاق العربية من قبل ابن المقفع الذي بذل كل جهده في أن تأتي جميع نصوصه خالية من العناصر الإسلامية أو العربية ،فقبل الإسلام لاوجود لشئ يمت بصلة إلي العرب من قريب أو بعيد،وبعد الإسلام فسور وآيات القرآن لاوجود لها وكذلك الحديث والسيرة النبوية وسيرة صحابة رسول الله، ويظهر خبث ابن المقفع في سكوته أيضا عن ذكر أي مرجعية فارسية " إنه لا يذكر لاأردشير و لا انوشروان و لا بزرجمهر ولا يشير إلى أية مرجعية فارسية و لو كانت من قبيل " قال حكيم فارسي" و هذا سكوت غير برئ إن السكوت عن المرجعيات الفارسية لايمكن أن يفسر إلا بكونه كان من أجل السكوت عن المرجعيات العربية والإسلامية"

Eng.Jordan
11-07-2012, 06:40 PM
وإذا نظرنا إلي الموروث الصوفي الذي لايهتم بالحياة الدنيا إلا كوسيلة للترقي روحيا مع الانقطاع عن شهوات وملذات الحياة تدريجيا واضعا في اعتباره لحظة الموت وما بعدها "وإذا أضفنا إلى ذلك أن الدين الذي قامت هذه الحضارة على أساسه يبشر بقيم إيجابيه نحو الحياة و باسم هذه القيم قامت تلك الفتوحات واتجهت تلك الحضارة اتجاها عالميا ( دعوة على الناس كافة )، أدركنا أي لغز ينطوي عليه انتشار أخلاق الفناء في الحضارة العربية الإسلامية منذ العصر الأموي. و بما أن هذا النوع من الأخلاق يتناقض –بما ينطوي عليه من موقف سلبي من الحياة- مع القيم الإسلامية و العربية التي قامت على أساسها الدعوة المحمدية و دولة الخلفاء الراشدين و دولة الأمويين، دولة الفتوحات فإن التفكير لا بد أن يتجه بالباحث إلى العامل الخارجي.
كما أشرنا إلى ذلك من قبل ومهما يكن فالبلاغة على مستوى أدب اللسان في المنقول من التراث الفارسي تبدو وكأنها تقوم بدور" جواز المرور للمضمون" الذي يخص "أدب النفس". و من هنا التداخل الذي لا حدود له بين الموروث العربي الخالص والموروث الفارسي في مصادرنا.
و بطبيعة الحال كان لا بد لهذه النظم و هي تتزاحم على مسرح الثقافة العربية من أن يحصل بينها احتكاك و تداخل و تلاحق و منافسة وصراع...الخ و بالتالي لا بد من بروز هيمنة هذا النظام من القيم الخاص بهذا الموروث أو ذلك في هذا العصر أو ذلك فينتج عن ذلك ما نسميه هنا بالمحصلة التي تبرز كممثل للثقافة العربية الواحدة و بالتالي " كعقل أخلاقي عربي "و الحق أن الأمر هنا يتعلق بـمحصلة اعتبارية أما في الواقع المعيشي فالتنافس و الصراع بين نظم القيم لا يكاد يهدأ حتى يستيقظ في جميع المجتمعات خاصة منها تلك التي شيدت لنفسها إمبراطوريات. و من هنا القلق شبه الدائم الذي تعاني منه هذه المجتمعات.و المجتمع العربي كان طوال تاريخه المديد مجتمعا قلقا على مستوى القيم على الأقل و إذا كان من الممكن إرجاع هذا القلق لعدة عوامل فإن صراع القيم الراجع إلى تعدد الموروثات الثقافية على الساحة العربية قديما و حديثا كان له دوره الذي لا يجوز إغفاله و لا التقليل من أهميته. إن كثير من الصراعات التي عاشها و يعيشها المجتمع العربي كانت في جملتها عبارة عن أزمة في القيم إذا هدأت في ناحية من نواحي الوطن العربي أو في حقبة من تاريخه فهي تبقى مستعرة في نواحي أخرى أو تنبعث في الحقبة الموالية. إن أزمة القيم كانت و ما تزال من الأزمات التي تبقى كامنة لمدة من الزمن في نسيج الحياة الاجتماعية المتموجة لتنفجر بعد حين في شكل خروج على النظام القائم المادي أو الروحي أو هما معا، وإما في شكل أزمة نفسية تضرب الكيان الروحي و الفكري للشخص الواحد
النظام الأخلاقي العربي الخالص لم يتغير على مستوى الكيف و النوع و يناسب نمط الحياة للعرب و هذا يعني أن كثيرا من القيم التي يحملها هذا الموروث و يمجدها مثل الكرم و الشجاعة و الوفاء الخ قيم تناسب تماما نمط حياة العرب في الجاهلية و صدر الإسلام و العصر الأموي هذا فضلا عن كونها قيما عامة مشتركة لا تخص شعبا بعينه و لا عصرا دون أخر "
المروءة بهذا الاعتبار قيمة مركزية في الأخلاق الارستقراطية و في القبلية.وإضافة إلى الأرستقراطية الأموية، التي يمكن اعتبارها امتداد للأرستقراطية القبلية العربية في الجاهلية وصدر الإسلام،
في هذا المجال ينسب إلى عمر بن الخطاب الذي يمكن اعتباره أول عربي قومي، أنه قال " تعلموا العربية فإنها تزيد في المروءة و تعلموا النسب فرب رحم مجهولة قد وصلت بنسبها". اللغة والنسب عماد الهوية القومية والمروءة جزء من الهوية العربية"
و يقرر الدكتور الجابري أخيرا "و بعد فهل نحتاج إلى القول بأن المروءة قد بقيت تمثل في الفكر العربي منذ العصر الأموي إلى اليوم القيمة العليا التي لا تتحقق" المدينة الفاضلة العربية " بدونها؟
ولن نجد لنختم هذه النقطة أفضل من قول الدكتور الجابري الذي ختم به بحثه لفصل الموروث العربي الخالص بهذه الجملة " و بعد فيبدو أننا كنا على صواب عندما اخترنا " المروءة"كقيمة مركزيه في الموروث العربي الخالص و يبدو أننا لن نبتعد عن الصواب إذا أضفنا الخالد.
أما بالنسبة للموروث الإسلامي الخالص فيورد السبتي:" و المروءة عندي خصلتان: اجتناب ما يكره الله و المسلمون من الأفعال، و استعمال ما يحب الله و المسلمون من خصال". " ما يحب الله و المسلمون" و "يكره الله و المسلمون" هو جوهر أخلاق الإسلام. و هذا يعني أن المروءة هي جوهر الدين الإسلامي
كيف تم توظيف الأيات و الأحاديث لترسيخ قيم أجنبيه :الراغب الأصفهاني من خلال مشروعه الذي يعبر عنه ب"أسلمه الأخلاق اليونانية". هذا يعني أن بنية الأخلاق اليونانية الأفلاطونية يجب أخذها كما هي في صياغتها " الصناعية" العلمية و إلباسها لباسا إسلاميا. و من أجل هذا الغرض يوظف الراغب نحو "450 آية قرآنية و200 حديث نبوي".

هنا ورد لفظ " الإيمان" و ما اشتق منه مقرونا في القرآن في الأغلب الأعم بألفاظ وعبارات أخرى تشير إلى وجهته الاجتماعية و مضمونه الإنساني. و من العبارات التي تتكرر في القرآن بعد لفظ الإيمان و كأنها ترتبط معه بعلاقة شرط بمشروط عبارة "العمل الصالح". و يكفي أن يقوم المرء باستعراض سريع للخطاب القرآني حتى يلاحظ أن عبارة " الذين أمنوا و عملوا الصالحات" التي تتكرر مرارا بهذه الصيغة أو بصيغ أخرى ترمز حقا إلى أن " العمل الصالح" هو محور القيم الإسلامية القرآنية".
التقوى هي القيمة المركزية في كل دين فإن ما يشكل خصوصية الإسلام في هذا المجال مكون التقوى فيه يؤسسها العمل الصالح و من هنا يبدو واضحا انه إذا كانت التقوى هي القيمة المركزية في الإسلام كـ"دين" شأن جميع الأديان فإن العمل الصالح هي القيم المركزية في "الأخلاق" التي تنتمي إليه : " الأخلاق الإسلامية" و لذلك وجب وصفها بأنها " أخلاق العمل الصالح"
وهذا المعني أبرزه الجابري في محاضرة ألقاها وأبدي فيها أسفه لكون المرء لايملك إلا أن يلاحظ " أن التراث العربي الإسلامي يخلو أو يكاد من دراسات و مؤلفات في أخلاق المروءة و العمل الصالح التي هي بحق الأخلاق العربية الإسلامية.
المحصلة "نظم للقيم متنافسة متصارعة مما جعل الثقافة العربية الإسلامية ككل تتحول إلى سوق للقيم تعكس بتعددها و تنافسها واختلاف مشاربها تفكك وحدة الأمة و انقطاع استمرارية الدولة مما كان لا بد أن ينعكس أثره بقوة على ميدان القيم. أقصد غياب نظام واحد للقيم.....أجل لم تعرف الثقافة العربية نظاما واحدا للقيم. بل كل ما عرفته منذ بدأ فيها الكلام في القيم عقب الفتنه الكبرى أي منذ 1380 سنه هو " أسواق" للأدب و الأخلاق و معارض للقيم. و ما من شك في أن هذا التعدد في نظم القيم داخل الثقافة الواحدة يمكن النظر إليه على إنه ثروة و غنى. و لكن غنى من ذلك النوع الذي يقوم على مجرد الكثرة و يفتقد القدر الضروري من النظام الذي يخرجه من الفوضى ويجعل منه قوة. إنه في هذه الحالة يعكس خللا بنيويا ووضعا قلقا
ختاما لهذا الفصل لا داعي للتقرير بأن نتاج تلك المحصلة من القيم المتداخلة كان عقلا قيمي مشوه و سمي (العقل العربي ) و يقف خلف فشل الإدارة. و ذلك يست*** السؤال والبحث عن العقل العربي الخالص ( و خاصة القيمي المفقود) والمروءة و أخلاق العمل الصالح، و البحث عن ثقافة عربية إسلامية خالصة لم تتأثر بصراع الموروثات الفارسية و اليونانية و الصوفية و احتكاك التجارة و الهند والسند و إندونيسيا ! فإذا كانت سوق القيم و معارضها في المدن و القرى فما حال العرب الذين غاصوا في بطون الصحراء في الجزيرة ؟ هل كانوا بعيدين عن هذه الفوضى ؟هل نجد مدرسة المروءة المفقودة على حد تعبير الكتاب السابقين ؟ هل نجد أخلاق العمل الصالح ؟ هل الصحراء وهل بدوها الرحل و التي فرضت الحياة والإبل ورعايتها بقائهم في بطون الصحراء بعيدين عن هذه الاحتكاكات ؟ هل يكفي هذا الانعزال و الانغلاق في الصحراء للاحتفاظ بأخلاق المروءة و ألعمل الصالح كما كانت في (العصر الذهبي) ؟

الفيلسوف "هربرت سبنسر" يرى أن التجارب النافعة إذ تكون منسقة و معززة بفضل تعاليم ودروس الماضي الجماعية : تستثير في الجهاز العضوي للإنسان تغيرات عصبيه تنتقل من طريق الوراثة وتتراكم جيلا بعد جيل لتصبح ملكات أخلاقيه جوانية مندمجة تماما في شخصية الإنسان كما تصبح انطلاقا من ذلك مشاعر موازية للأفعال سواء أكانت الأفعال أفعالا جيدة أم سيئة.و بقاء الإنسان معزولا يحتم بقاءه بعيدا عن التأثيرات الإجتماعيه"
لنناقش البدو والقبيلة:
يا أيها الناس إنا جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم"
فمن لا يعرف النسب لم يعرف الناس و من لم يعرف الناس لم يعد من الناس)
" أنا النبي لا كذب أنا أبن عبد المطلب" وقال "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثرأة في المال منسأة في الأجل").وقال عمر رضي الله عنه "تعلموا النسب ولاتكونوا كنبط السواد إذا سئل أحدهم عن أصله قال من قرية كذا. وقال عمر بن الخطاب : "البدو أصل العرب و مادة الإسلام
و لقد ميز ابن خلدون ثلاث فئات من السكان هم البدو و الأعراب و الحضر . فالبداوة ترتكز على القبيلة و الترحال الدائم ، أما الأعراب فهم تجمعات البدو المستقرين في قرى الأرياف والواحات و يقيمون نمط إنتاج زراعي و هم نواة مرحلة انتقاليه بين نظام البداوة والتحضر"
يقول وليفريد ثيسيقر يعرف الكلمة عربي كما يلي "و منذ خمسين سنه لم تكن كلمة عربي نعني سوى قاطن في الجزيرة العربية و قد اعتبرت مرادفة لكلمة بدوي ورجال القبائل الذين هاجروا من الجزيرة إلى مصر و غيرها و ظلوا عائشين كالبدو فيها قد اعتبروا ، بينما غيرهم من الذين أصبحوا مزارعين أو من سكان المدن لم يعتبروا كذلك . إني لأستعمل كلمة عربي في هذا المعنى القديم و ليس بالمعنى الذي تحمله الكلمة-حديثا- و مع نمو القومية العربية أصبح كل من اتخذ العربية لغة يشار إليه كعربي دون اهتمام بأصله......
يقول الرجوب "و لقد رأيت بعد الاختبار في دراستي للأدب العربي القديم من جاهلي و أموي أن الحياة التي عاشها أصحابه من العرب من أهل الوبر لايزال يحياها إلى اليوم أحفادهم أهل الوبر ولايزال أدب هؤلاء الأحفاد يعبر عنها كما كان يعبر عنها أدب أجدادهم . فهؤلاء البدو يعيشون اليوم في خيام كالتي عرفها أجدادهم منذ ألفي سنه وأزيد – بيوت سود من شعر المعزى كخيام قيدار التي ذكرتها التوراة –تضرب في جوانبها الأوتاد و قد شدت إليها الأطناب و تقوم على أعمدة من الخشب ثم توقد فيها النيران لقرى الضيفان و تعقد في أفنيتها مجالس الحديث و السمر فإذا قل الكلأ في المراعي أو أنقطع الماء في الأودية أو الغدران دعا داعي النجعة أهل القبيل إلى الرحيل فحلت الأطناب واقتلعت الأوتاد و قوضت الخيام و هيئت الهوادج و حملت الأحمال و علت الضوضاء فمن منادي ينادي و من خيل تصهل و من إبل ترغو:
أجمعوا أمرهم بليل فلمـا أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
من مناد و من مجيب ومن تصهال خيل خلال ذاك رغاء
حتى إذا جلوا عن منازلهم و خلفوا الطلول ورائهم كان هناك من يمر على تلك الطلول فيقف عليها يستنطقها و يوقف رفيقة فيتصفحان الآثار ويستعرضانها بل قل يقرأنها كما لو كانت كتابا مسطورا في رق منشور فمنازلهم و ما تخلف فيها حين انتجعوا أرضا أخرى و من أثار الأوتاد وأواري الخيل و الإناء التي حفرت حول الخيمة و مرابض الإبل في أعطانها و ما نثر في باحات الطلول من بقايا الصوف و العهن والوبر لاتختلف عن تلك التي وصفها أدب الشعراء القدامى و هي كالطلول في الشعر القديم أقوت و طال عليها الأمد ترددت الغزلان إليها و انتثر بعرها في عرصاتها كما وصف امرؤ القيس طلل حبيبته حيث قال
ترى بعر الأرام في عرصاتها و قيعانها كأنه حب فلفل
وأرأيت أن أيضا أن الشاعر البدوي اليوم يصف الحياة البدوية كم كان يصفها زميله في العصر الجاهلي و الأموي و لا يقصر في وصف ناقته الذلول الكريمة الشراريه عن زملاؤه القدامى فهي الناقة المرقال المفتولة الساعدين المؤللة الأذنين الماويه العينين المزينة بالرحال الجدد قد تدلت من جوانبها نسائل الإبريسم و ربطت رؤؤسها بالأرسان الجميلة ولاتختلف عن نياق زملائه الشعراء القدامى أمثال طرفة و لبيد والراعي و ذي الرمة و يصل الشاعر البدوي اليوم إلى ممدوحة بعد أن يصف المفازات التي قطعها و ما لاقاه من مشقة و عناء كما كان يفعل هؤلاء الشعراء القدامى".
و يقول المستشرق فالين في كتابه رحلات فالين " ففي نجد و في الدرجة الأولى في هذه المناطق عينها اجتمع فرعا الأمة العربية الرئيسيان: القحطانيون و العدنانيون و ربما جاز لنا القول : القبائل اليمانية و السورية و أندمج الجميع في شعب قوي أخذ يعيد الحياة إلى جزء كبير من آسيه. و نعلم أن الإسلام قد أنزل في مكة و لكن أول شعب اعتنقه وذاد عنه كان أهل المدينة الذين تصلهم طباعهم و عاداتهم بأنسبائهم من العرب الرحل . و لما طرد الرسول صلى الله عليه و سلم من مسقط رأسه لجأ إلى بلدتهم في طرف نجد و كان بنو طي و القبائل الأخرى المقيمة في الجبلين من أوائل الذين أمنوا بدعوته و أدوا له الطاعة"( )،
هنا إشارة تؤكد أن أول من أستقبل الرسول و نصر دعوته و ذاد عنه هم البدو الرحل بأخلاقهم و طباعهم و عاداتهم
وعندما اعتنقت الإسلام أمم أخرى من غير العرب ، وانتقلت الحروب الإسلامية إلى أراض بعيدة ، بقي أبناء الصحراء و الجبلين بمنأى عن التاريخ فلم يشتركوا في الفتوح الإسلامية الأخيرة
الجدير بالذكر أن سكان الجزيرة العربية قد حافظوا على نقاوة عنصرهم لأن الصحراء و البحر تفصلان بينهم و بين العالم الخارجي ، بعكس البلدان المجاورة مصر و سورية و العراق فقد كانت مفتوحة للجيوش الغازية و المهاجرين ، إلا أن هذه النقاوة قد شابها أحيانا بعض الشوائب فقد شن الحبشيون و الفرس و المصريون والأتراك في فترات من التاريخ حملات على الجزيرة و فرضوا حكمهم الصارم على اليمن و عمان و الحجاز و نجد. و كانوا يحتفظون بالمدن الكبيرة ويشنون الحروب العديدة على القبائل التي كانت كثيرا ما تنهار، و كانت جيوشهم تناسل في الحاميات و لكن دمهم لم يمتزج أبدا بدم القبليين ولا يوجد شعب يحفظ نقاوة دمهم مثلهم.
أما عادات و تقاليد و علاقات البدو الإجتماعيه:
غسان التل يقول :فأساس العلاقات الاجتماعية في الواقع هي تلك القيود و الضوابط الاجتماعية التي تعمل على تحويل الميول العدوانية إلى دوافع اجتماعيه إنسانيه ودوافع للترابط والتماسك الاجتماعي بين الأفراد و الجماعات......فالعادات الاجتماعية ذات وظيفة ظبطيه تنظيمية لأنها توضح أساس العلاقات الاجتماعية وتقدم للمجتمع دستور التعامل بين أعضائه فبدون هذا الدستور لا يرجى للحياة الاجتماعية أن تسير في مجراها الطبيعي، و تكون النتيجة وقوف الأفراد مواقف متناقضة و تشيع بينهم الفوضى مما يهدد بتمزيق الجماعة يخضع لها الناس إما لأنها مقدسة أو لأنها ضارة و هي تثير الاحترام و الخوف معا و هي تحول بين الناس و بين رغبتهم في الخروج على المتبع لا من حيث أنها تدعوهم إلى تفهم ما يقومون به على أساس العقل و المنطق بل من حيث أنها تثير في نفوسهم خوفا و رعبا" و يتابع في وصف الوظيفة الإرشادية التوجيهية فيقول:" ....العادات الاجتماعية تعطي الحلول الفورية لكل حالة يصادفها الفرد في حياته بدءا من أبسط الأشياء إلى أعقدها هذه العادات توجه إلى الطريق الصحيح الذي به يتصرف في مثل هذا الموقف فالمجتمع يزود الفرد بأنماط اجتماعيه معينه يستطيع أن يتصرف بها إزاء هذا الموقف الذي وضعت فيه لأن العادات الاجتماعية تدرب على التصرف إزاء كل صغيرة و كبيرة في المجتمع و تبين للفرد الحلال و الحرام الممنوع من المرغوب والمباح من غير المباح بمعنى أنها ترشد الفرد إلى طريق التعامل أمام كل حالة تصادفها و تزوده بأنواع السلوك المختلفة التي سيختار منها ما هو ملائم و تبعده عن كل ما هو غير ملائم.
العادات و التقاليد البدوية كيف أسهمت في بناء الحضارة الإسلامية :"و قد اقتبس معاوية بن أبي سفيان من التقاليد البدوية المجلس العشائري المؤلف من رؤساء القبائل و كان الخليفة يدعوه للمشاورة تقليدا لدار الندوة في مكة قبل الإسلام فيستأنس برأيهم و هم أصحاب المكانة و النفوذ في مجتمعاتهم ويطلع على أحوالهم و يحل مشاكلهم كما كان معاوية يستدعي أيضا الوفود من مختلف البلدان حاملة مطالبها و همومها فيقضي لها حاجاتها و يضمن ولاءها فكان حكم معاوية من هذا الوجه حكما قبليا شعبيا قريبا من الشعب العربي وهمومه
"و في اعتقادي أن حضارات العالم ستمحى تماما كحضارات بابل و آشور و إن كتاب التاريخ المدرسي بعد ألفي سنه سيخصص عدة صفحات للعرب دون أن يذكر حتى الولايات المتحدة الأمريكية"(
أن البدوي تابع و عبد أو خانع لما يمليه شيخ القبيلة وكبيرها؟ وعلى العكس من ذلك فشيخ القبيلة المنتخب لصفاته و أخلاقه ينفذ ما تراه القبيلة مفيدا لمصالحها بمبدأ المشاركة و لا يستطيع إجبار أحدا على فعله. و يؤكد ذلك فاسلييف في كتابه تاريخ العربية السعودية "كان الشيخ يتخذ أهم القرارات بعد التشاور مع وجهاء القبيلة أو مجلسها الذي احتفظ بسمات التنظيم الديمقراطي للمجتمع العشائري. و يقول الرحالة الإنجليزي دوتي : في المجلس "يتكلم من يشاء ويرتفع هنا صوت أبسط أبناء القبيلة لأنه من أبنائها". و لا يستطيع الشيخ أن يعلن الحرب أو يعقد الصلح بدون تشاور مبدئي مع أبناء القبيلة المسموعين الكلمة و إذا أراد أن ينصب مخيما فعليه أن يستطلع أرائهم"...... و يقول دوتي أن المجلس كذلك " شورى للشيوخ و محكمة اجتماعية و يراجعه أبناء القبائل أي وقت للنظر في شؤونهم و يتشاور الشيخ مع الشيوخ الآخرين و الوجهاء و الأشخاص الأرفع منزلة و يصدر القرار دوما دون تحيز ودون أي ارتشاء و هو قرار نهائي.
"يتحدث عن الأمير فيصل بن تركي أل سعود و هو الجد الثاني لجلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز ( أي جد جده لأبيه) و قد ذكره أمين الريحاني بالخير و التقدير في كلامه عليه فقال:".....حكم فيصل حكما عربيا سعوديا مثل ابن عمه عبدالعزيز بن سعود فأقام العدل و عزز الأمن وأعاد إلى نجد شيئا من اليسر وسالف المجد بل إلى ما وراء نجد : فقد بسط سيادته على الشطر الأكبر من شبه الجزيرة فدانت له الإحساء والقطيفة ووادي الدوار و عسير و الجبل و القصي دانت له حبا لا كرها..الخ
أما عن الرأي العام وتأثيره في المجتمع البدوي القبلي فيقول أوبنهايم "الرأي العام أو الخوف من لوم و سخرية الآخرين هو القوة الوحيدة الملومة والسلطة الوحيدة التي ينحني البدوي الأصيل أمامها
والمروءة :إنها من هذه الناحية جماع خصال الأرستقراطية القبلية كما عرفها المجتمع العربي في الجاهلية
وفي مقدمة ابن خلدون : " في أن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر وسببه أن النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيئة لقبول ما يرد عليها و ينطبع فيها من خير أو شر قال صلى الله عليه وسلم " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه
ويتابع ابن خلدون في مقدمته في الفصل الخامس : "إن أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر : و السبب في ذلك أن أهل الحضر ألقوا جنوبهم على مهاد الراحة والدعة ، وانغمسوا في النعيم و الترف، ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم إلى واليهم و الحاكم الذي يسوسهم و الحامية التي تولت حراستهم ، واستناموا إلى الأسوار التي تحوطهم و الحرز الذي يحول دونهم فلا تهيجهم هيعة ولا ينفر لهم صيدا ، فهم غارون أمنون قد ألقوا السلاح ، وتوالت على ذلك منهم الأجيال ، وتنزلوا منزلة النساء و الولدان الذين هم عيال على أبي مثواهم حتى صار ذلك خلقا يتنزل منزلة الطبيعة. وأهل البدو لتفردهم عن المجتمع وتوحشهم في الضواحي و بعدهم عن الحامية و انتباذهم عن الأسوار والأبواب قائمون بالمدافعة عن أنفسهم لا يكلونها إلى سواهم ولا يثقون فيها بغيرهم فهم دائما يحملون السلاح و يتلفتون عن كل جانب في الطرق ، و يتجافون عن الهجوع إلا غرارا في المجالس ، و على الرحال وفوق الأقتاب ، و يتوجسون للنبات و الهيعات و يتفردون في القفر والبيداء مدلين ببأسهم واثقين بأنفسهم قد صار لهم الباس خلقا و الشجاعة سجية يرجعون إليها متى دعاهم داع أو استفزهم صارخ . و أهل الحضر مهما خالطوهم في البادية أو صاحبوهم في السفر عيال عليهم لا يملكون معهم شيئا و ذلك مشاهد بالعيان حتى في معرفة النواحي والجهات و موارد المياه و مشارع السبل وسبب ذلك ما شرحناه وأصله أن الإنسان ابن عوائده و مألوفه لا ابن طبيعته و مزاجه. فالذي ألفه في الأحوال حتى صار خلقا و ملكة و عادة تنزل منزلة الطبيعة و الجبلة . و اعتبر ذلك في الآدميين تجده كثيرا صحيحا
وأما المتفردون في أنستبهم فقل أن تصيب أحد منهم نعرة على صاحبه فإذا أظلم الجو بالشر يوم الحرب تسلل كل واحد منهم يبغي النجاة لنفسه خيفة و استيحاشا من التخاذل فلا يقدرون من أجل ذلك على سكنى القفر لما أنهم حينئذ طعمة لما يلتهمهم من الأمم سواهم
يقول توماس فريدمان " من الأجدى لك إذا أردت فهم العولمة ثم شرحها بعد ذلك ، أن ترى في نفسك بدويا مفكرا . ففي عالم البدو الرحل ليس هناك رقعة محددة بدقة من الأرض العشبية ، و لذلك كان البدو الرحل هم الذين توصلوا إلى الأديان التوحيدية اليهودية و الإسلام. فإذا كان المرء مقيما في مكان واحد فسوف يتوصل إلى جميع أنواع الأساطير عن هذه الصخرة أو تلك الشجرة و سيعتقد أن الله موجود في هذه الصخرة أو تلك الشجرة فقط. أما البدو الرحل فإنهم يرون المزيد من العالم . إنهم يعرفون أن الله ليس في هذه الصخرة . إنه موجود في كل مكان . كما ينقل البدو الرحل بعد ذلك هذه الحقيقة المركبة في قصص وأخبار بسيطة و ذلك حين يجلسون حول نيران مخيمهم أو و هم ينتقلون من واحة إلى أخرى"
نجد الإيمان الفطري قويا لدي البدوي ، وفي ذلك يقول أحمد محمد حسنين في كتابه رحلة في صحراء ليبيا : "إننا في الصحراء لا نتحدث كثيرا فالصحراء تعلم السكوت و إذا حدق ينا الخطر تحاشينا النظر بعضنا إلى بعض و غنينا عن الحديث وماذا يجدي الكلام ؟ كل منا يعرف ما هو واقع و كل منا يحتمله بصبر وجلد ، إذ التضجر ضرب من اللوم على الله القدير، و هذه معصية لا يقدم عليها بدوي قط ففي عقيدته أن الله كتب عليه هذه الحياة و قدر عليه سلوك هذا الطريق و قد تقوده على الموت الذي اختاره له فلا بد له من الرضا به . و البدوي يقول :لا مفر مما كتبه الله و"أينما تكونوا يدرككم الموت و لو كنتم في بروج مشيده" ، هذا الأيمان أفضي إلي الصفاء الروحي الذي يظهر في الطبيعة المحيطة لذا نجد أن :"قليلون من أهل المدن يعرفون لذة الجلوس في حلكة الظلام ورعي النجوم ، ولا عجب إذا كان العرب أساتذة علم الفلك ، فالأعرابي إذا انتهى من عمل يومه ، خلا إلى نفسه و انقطع إلى ترسم حركات النجوم وإمتاع روحه بما تبعثه فيها من الراحة و الشعور بالسمو إلى ما فوق العالم الأرضي ، وتقع النجوم من نفسه موقع الأصدقاء الأقربين الذين يلقاهم كل يوم حتى إذا دارت قبة الفلك لم تغب فجأة كما يختفي المسافر عند الرحيل و لكنها تحتجب تدريجيا كما يذوب الراحل في عين مودعه على أمل اللقاء القريب". ( ).فالراحل في الصحراء يذوب تدريجيا و يختلف عن الراحل الذي يختفي في المدينة خلف الجدار فجأة مفضيا إلى فراغ نفسي مفاجئ
:"كتب فولني عن غزوات البدو يقول : " لما كان البدوي نهابا أكثر مما هو محارب فهو لا يسعى إلى إراقة الدماء . إنه يهاجم فقط من أجل النهب و السلب وإذا قوبل بمقاومة فهو يعتقد بأن الغنيمة الزهيدة لا تستحق المجازفة بحياته . و بغية إثارة غضبه لا بد من إراقة دمه . و عند ذاك يكون مصرا على الانتقام و الثأر بقدر ما كان حذرا يتحاشى المخاطر. غالبا ما يلومون البدو على ميلهم إلى النهب والسلب ولكن اللائمين الذين لا يريدون تبرير هذا الميل لم يلتفتوا بالقدر الكافي إلى أن الميل للسلب و النهب موجه ضد الغريب الذين يعتبرونه عدوا : ولذا يستند هذا الميل إلى أعراف غالبيه الشعوب".
ومن كتاب رسائل جيرتر وود بل وفي رسالتها المؤرخة بتاريخ 22 كانون الأول 1913( ) 294تقول :" أخرتنا اليوم حادثة مثيرة و منافية للعقل كنا قد سرنا مدة ساعتين عندما رأينا جمالا و دخانا ينبعث من خيام ، اعتقدنا أنهم من عرب من الجبال (و بالواقع كانوا كذلك) من جبل الدروز ومعهم قطعان . أخبرتك أننا حاولنا في الضمير أن نعثر على واحد من جبل الدروز ليكون مرافقا لنا و لم نفلح و عانينا من ذلك و الآن جاء خيال يعدو بحصانه على السهل يطلق النار و هو قادم في الهواء فقط . دار حولنا و صرخ أننا أعداء و أننا يجب أن لا نقترب و معنا سلاح و بعدئذ و بينما كان يصوب بندقيته إلي أو إلى أحد منا حاولا محمد و علي أن يهدئاه لكن عبثا طلب من علي بندقيته و سترة الفرو فرماهما له ، و في هذا الوقت كان حوالي عشرة رجال أو أكثر جاءوا على أحصنتهم مسرعين البعض يطلق النار و كلهم يصرخون و كانوا نصف عراة ، وكان واحد منهم دون أي لباس و كانت تتدلى خصل مضفورة من شعر اسود على وجوههم ، وكانوا يقفزون حولنا و يصرخون بنا كالمجانين أمسك واحد منهم بجمل محمد و سحب السيف المتدلي من خلف سرجه و بدا يرقص به حولنا يضرب الهواء ، و يضرب ناقتي على عنقها كي يجعلها تركع ، وبعد ذلك تقدموا كي يجردوا رجالي من مسدساتهم و أحزمة خرطوشهم و عباءاتهم نهضت ناقتي و لما لم يكن هناك أي شي نفعله سوى الجلوس بهدوء و مراقبة الأحداث ، كان ذلك ما فعلت بدت الأمور سوداء نوعا ما لكن الأمور بدأت تتحسن عندما تعرف المهاجمون على راعي قطيعي وهو زنجي و بعد دقيقة أو اثنتين جاء بعض الشيوخ و تعرفوا على علي ومحمد و حيونا على نحو ودي . أعادوا لنا أمتعتنا و ركبنا معا في هدوء و أمان و لكن لتجنب تكرار مثل هذه الأحداث أو ما هو أسوأ منه كان علينا أن نأخذ معنا رجلا من خيامهم و لفعل ذلك اضطررنا للتخييم بجانبهم حتى نستطيع العثور على مرافق مناسب منهم. شرب الشيوخ القهوة معي و استمتعوا بأحاديث طويلة معنا جميعا و كانوا طيبين بما يكفي لقبول إكراميتي إشارة إلى شكرنا لإنقاذنا من أيدي الرعاة و أعطونا رسالة شامله لكل عرب الجبال إن شأ الله".قانون الصحراء ، الصديق يخضع لقانون ، والعدو يطبق عليه قانون الحرب.
ومن رسالتها المؤرخة بـ7شباط1914( ) تقول:".....كنا نخيم في واد قليل عمق، كان مسرود معي، كنا قد مشينا حوالي 100 ياردة استدار كل من كانوا أمامنا و عادوا مسرعين ."إنهم خائفون"،قال مسرود."لقد رأوا عدوا".جاء غادي الشمري الرئيس راكبا."ما الأمر؟"سألته."قوم-عدو"أجاب. كم عددهم؟.....الخ ...و تتابع بقيه القصة" ، المهم قولهم عدو وبالتالي تسقط قوانين الصديق و تطبق قوانين فقه العدو
و في رسالتها المؤرخة بـالأحد 22 آذار 1914 ( ) تقول جيرترو بل "..... وهذا الصباح أطلق رجل مار كان يرعى بعض القطعان رصاصة من بندقية بين أرجل جمالنا . ركض ضاوي و احتج عليه قبل أن يرسل طلقة أخرى و احتججنا بصوت مرتفع على المعاملة التي عاملنا."العدو لا يأتي راكبا في وسط السهل وضح النهار"،قال علي:"إذا كنتم خائفين فالعادة هي أن تطلقوا رصاصة فوق رؤوس الراكبين حتى تعرفوا إن كانوا أصدقاء أم أعداء". اعترف أنه خالف(كسر) القاعدة

والعلاقة بين البدوي والحرية يتحدث عنها سليمان جبورفيقول "والبدوي يحب الحرية والإعتاق من النظم التي تقيد الإنسان و يحب الاستقلال بحيث لا يكون لأحد سلطان عليه حتى شيخه فإنه يحترمه إلى حد محدود تظل معه كرامته محفوظة و يكن له الولاء لأنه رمز عزته و حريته فإذا تجاوز الشيخ الحد و جنح إلى الاستبداد خرج البدوي من طاعته إذا استطاع أو جابه شيخه و دافع عن حريته........"
"و لم أشاهد في حياتي بدويا يضرب جملا أو يعامله بقسوة"
إذ أن ما هو جيد لدى الأعراب يأتيهم من الصحراء و من شعورهم الديني القوي الذي وجد له منفذا في الإسلام إلى حاسة الأخوة عندهم التي تربطهم كأعضاء في جسم واحد إلى فخرهم بعنصرهم و كرمهم و حسن ضيافتهم إلى كرامتهم واحترامهم لكرامة غيرهم كبشر مثلهم إلى مرحهم و شجاعتهم و صبرهم والظريف أن العرب سلالة تنتج أحسن ما عندها في حالات الشدة و الضيق وتتدهور بالتدريج عندما تصبح شروط المعيشة سهلة
سحبت خنجري و قفزت على الرجل قبل أن يتمكن من الوقوف على قدميه . فدفعت خنجري في رقبته و قتلته . و كان رجلا قصير القامة.يحمل بندقية إنجليزية....... و بعد فترة من السكون قال الإعرابي :" والله لقد كان رجلا..لقد عرف كيف يقاتل..في هذه الغزوة قتل منا أربعة عشر...."
أوفالين " لقد سئلت كثيرا :"لماذا يعيش البدو في الصحراء ما دام أنهم يعيشون حياة قاسية؟ ولماذا لا يتركونها و يعيشون حياة أسهل في مكان أخر ؟". و قليلون من الناس صدقوني عندما قلت أنهم يعيشون هناك بكامل اختيارهم ، لقد كان في استطاعة القبائل البدوية السورية الكبيرة أن تسطو على أراضي الفلاحين الضعفاء و تسكن فيها وبدلا من ذلك ظلوا يسكنون الصحراء كقبائل رحل لأن تلك هي الحياة التي يعتزون بها . و عندما كنت في دمشق زرت عرب الرولة كثيرا وعلى الأخص لما كانوا مخيمين في الصيف عند الآبار خارج المدينة. وقد استحثوني لأن أرافقهم في هجرتهم السنوية التي تبدأ جنوبا إلى نجد حالما تنمو المراعي عقب أمطار الخريف و صرحوا إلي بأن الرجل لايجد الحرية إلا في الصحراء، و يجب أن يكون هذا الحنين إلى الحرية نفسه هو الذي دفع القبائل التي دخلت مصر إبان الفتح العربي لأن تمر عبر وادي النيل إلى الصحراء اللامتناهية تاركة وراءها الحقول الخضراء و أجمات النخيل الوارفة الظل و المياه الجارية وكل المسرات التي وجدوها في المدن التي احتلوها
و يتابع "هنا في الصحراء وجدت كل ما طلبته و علمت إني لن أجده مرة ثانية أبدا. و أكثر ما آلمني هو هذا التطور المفاجئ الكاسح الذي شمل المنطقة . لقد تأكدت من أن البدو الذي عشت معهم و سافرت معهم ووجدت القناعة في رفقتهم قد كتب عليهم الهلاك. إن بعض الناس يزعمون أن حياتهم ستتحسن عندما يستبدلون بفقر الصحراء وخشونتها رفاهة العالم المادي و لكن لا أعتقد هذا، و سأذكر دائما كم أخجلني هؤلاء الرعاة الأميون بخصال الكرم و الشجاعة و الصبر و الشهامة التي كانوا يتحلون بها و التي كانت تنقصنا نحن المدنيون"


باختصار و من ما سبق : البدوي يعني غريزيا الإيمان التوكل وسلامة الباطن الانتماء والولاء الصدق الشرف الحرية الكرم الشجاعة الأمانة علو الهمة الشهامة النجدة الرحمة العطف احترام البيئة و الحيوان ، بتعبير أخر المروءة و أخلاق العمل الصالح...........أليس ذلك إرث المروءة؟ أليس ذلك تاريخ عظيم؟
لقد عدنا إلى التاريخ ؟ لماذا والعالم أضحى "عالم القرية الصغيرة والعولمة "، ذلك يحتم معرفة التاريخ و موقعه في القرية الصغيرة المتعولمة . سنستكشف ذلك من خلال كتاب السيارة ليكساس و شجرة الزيتون محاولة لفهم العولمة للكاتب توماس ل.فريدمان و هوغني عن التعريف:
" إن التحدي في حقبة العولمة هذه- بالنسبة للدول والأفراد- يتمثل في تحقيق توازن صحي بين الحفاظ على الإحساس بالهوية و الوطن و المجتمع وبين القيام بكل ما من شأنه تحقيق البقاء داخل نظام العولمة. و يجب على أي مجتمع يسعى إلى تحقيق الازدهار الاقتصادي اليوم أن يسعى باستمرار إلى بناء سيارة ليكساس أفضل والدفع بها إلى العالم (رمز السرعة و التقدم و الرفاهية و سعي الإنسان نحو الازدهار و التحديث) بيد أن لا يكون لأي إنسان أي أوهام بأن مجرد المشاركة في هذا الاقتصاد العالمي سوف يجعل من أي مجتمع مجتمعا صحيا. إذ أنه إذا جاءت هذه المشاركة على حساب هوية المجتمع ، و إذا شعر الأفراد بأن جذور شجرة زيتونهم (رمز الجذور و الأصالة والانتماء و التمسك بالأرض و العادات و التقاليد) قد سحقت ، أو لم تؤخذ في الحسبان من جانب ذلك النظام العالمي فإن جذور شجرة الزيتون تلك سوف تتمرد . إنها سوف تثور و تخنق العملية"
و لما كانت العولمة قوة تعمد إلى التجانس الثقافي و التهام البيئة و قادمة بسرعة كبيرة ، فهناك خطر حقيقي من أنها في غضون عقود قليلة فقط قد تقضي تماما على التنوع الإيكولوجي و الثقافي الذي أفرزه التطور البشري و البيولوجي طوال ملايين السنين
ما لم يكن قويا فاليهودية مثال كلاسيكي للثقافة الدينية التي امتصت مؤثرات من كثير من الدول المختلفة على مر الأجيال بدون أن تفقد أبدا لب هويتها .يشير مدرسي تزفي ماركس المتخصص في الديانة اليهودية أنه عندما واجه اليهود الإغريق لأول مرة في القرن الرابع قبل الميلاد ، كان أكثر الأشياء التي أمتصها الفكر اليهودي بعمق هو المنطق الإغريقي الذي تجانس مع تعاليم التوراة والحاخامات في ذلك الوقت. يقول ماركس : " كان هذا الامتصاص للمنطق الإغريقي سهلا نسبيا ، لأنه كان متصلا بصورة عضوية بما يفعله الحاخامات ودارسو التوراة في تلك الأيام و كان يتمثل في رعاية الحقيقة . و تظهر علامات الامتصاص الصحي عندما يستطيع مجتمع ما أن يأخذ شي من خارجه و أن يتبناه وكأنه نابع منه و أن يعيد تهيئته ليتناسب مع الإطار المرجعي له و ينسى تماما أنه جاء من خارجه . يحدث هذا عندما تلمس القوة الخارجية التي امتصت شيئا كامنا في ثقافتك الخاصة و أن يكن غير ناضج تماما ، و تعمد المواجهة مع الحافز الخارجي حقيقة إلى إثراء ذلك الشيء الكامن و مساعدته على الازدهار" و هذا هو الطريق الذي تتقدم به أنواع الكائنات و الثقافات "
"غير أنه في ذلك الوقت الذي أنفتح فيه اليهود على المنطق الإغريقي انفتحوا أيضا على الاحتفاء الإغريقي بالجسد ، ناهيك عن انشغالهم الكامل بإله الحب إيروس و بتعدد الآلهة. و لم يمتص اليهود هذه المؤثرات . فقد كانت في نظرتهم دخيلة و ظلت كما هي دخيلة . كان الإغريق يستمتعون بمشاهدة الرياضات العارية و لم يفعل اليهود ذلك ولم يمتصوا قط تلك الجزئية من الثقافة الإغريقية . و أعتبر الذين فعلوا ذلك بأنهم قد تجانسوا معها و فقدوا إحساسهم الأصيل بذواتهم و في النهاية كانت هناك أشياء للإغريق يأكلونها و أساليب في الملابس انتقى بعضها اليهود في تلك الأيام و استمتعوا بها لمجرد أنها مختلفة ، ولكنهم أبدا لم يجعلوها خاصة بهم . و بعبارة أخرى و باستخدام المصطلحات اللامعقولة : إنهم لم يتخلوا أبدا عن شوربة فطائر خبز كرة الماتزو لكي يأكلوا السوفلاكي و لكنهم أكلوا السوفلاكي واستمتعوا به لأنه شي مختلف"
ويظل "صغار المزارعين الفرنسيين و من ثم صغار التجار و صغار القرى صامدين دون مساس بهم على الرغم من الضغوط العالمية التي يتعرضون لها من أجل تجميع المزارع و تحويل القرى إلى أسواق لكل شيء. و بعبارة أخرى :إن ما يعجبنا في الجنوب الفرنسي يقوم على أساس سياسات تقدر القيمة الحقيقية للحفاظ على التراث الثقافي. إنه يقوم على سياسات زراعية أوربيه مشتركة . و انتقال الأموال عبر الحدود لكي تدعم زراعة المساحات الزراعية الصغيرة بغية الإبقاء على القرى الصغيرة هناك دون مساس ، لأنها في نظرهم مصدر للثراء الثقافي إلى حد ما . نحن بحاجة إلى مثل هذه الأنواع من شبكات الأمان الاجتماعي من أجل الحفاظ على تراثنا الثقافي . و يجب أن يعلم السياسيون جماهير الشعب بقيمة شبكات الأمان الثقافي و أن يكونوا على استعداد لإقناعهم"
وولفينسون عليه أن يصارع كل عام مجلس إدارة البنك الدولي المؤلف من وزراء للمالية لاستمرار تمويل هذه البرامج . يقول ووليفنسون" أقول لهم : هل يمكن أن تتخيلوا إنجلترا بدون تاريخها ؟ هل يمكن أن تتخيلوا كيف الحال إذا ذهبنا إلى فرنسا و لم نعثر على ثقافتها؟ حسنا إذا كنتم لاتستطيعون تخيل ذلك فلم تنكرونها على الدول النامية التي تحتاج إليها حتى أكثر منكم ؟ فليس في استطاعتكم مساعدة الناس على التقدم إلى الأمام ما لم تكن لديهم معرفة بالقاعدة أو الماضي اللذين انحدروا منهما
فليس التراث و التاريخ المسئوول عن مشاكل التنمية و الإدارة . هي الشفافية والإخلاص وتدفق المعلومات كما يتابع فريدمان يذكر ريتشارد ميدللي " أن الافتقار إلى الشفافية هو الذي يسمح تماما لأصحاب الأوهام المتفائلين و لأصحاب الأوهام المتشائمين بأقصى قدر من حرية الحركة"( )
" يشير الاقتصاديان روبرت هـ.فرانك و فيليب ج.كوك في كتابهما العظيم " مجتمع الفائز يحصد كل الأرباح ".إلى أن العولمة " لعبت دورا مهما في اتساع عدم المساواة......يشير فرانك و كوك في هذا الصدد إلى أنه في حين يستطيع الفائزون تحقيق نجاح مذهل في هذه السوق العالمية فإن من يقلون عنهم مهارة بدرجة قد لا تذكر سيكون نجاحهم أقل كثيرا ، أما من لا يمتلكون سوى القليل من المهارات أو الذين يفتقرون إليها تماما فسوف يكون أداؤهم ضعيفا. لذلك تزداد الفجوة بين المركز الأول والمركز الثاني اتساعا و يصبح من الصعوبة تخطي الفجوة بين المركز الأول والمركز الأخير. و بطبيعة الحال يندر أن يكون هناك فائز واحد في كثير من المجالات ولكن أولئك الموجودين بالقرب من القمة يحصلون على نصيب غير متكافئ مع الآخرين. و كلما تعولمت هذه الأسواق المختلفة و أصبحت "أسواق الفائز يحصد كل الأرباح" اتسع عدم التكافؤ داخل الدول ومن ثم بين الدول بعضها و بعض..... لقد أصبح عدم التكافؤ هذا من بين أكثر المنتجات الفرعية الاجتماعية إثارة للقلق في هذا النظام"( )
"و كان أفضل مقال على الفجوة بين طبقات اللاعبين ما حدث في الموسم الماضي مع لاعبي نادي هيوستين روكيتس حيث حصل نجومه السوبر الثلاثة على مرتبات تزيد على 21 مليون دولار و لا يوجد في الطبقة الوسطى من قائمة الفريق سوى لاعبين اثنين فقط ( كيفين ويليس و ماريو إيلي) و يوجد ما لا يقل عن ثمانية لاعبين آخرين ممن يحصلون على الحد الأدنى من الأجور . يعلق كروتسون على ذلك بقوله :" مما سمعت أرى أن ذلك سوف يكون فريقا غير سعيد
يقول المواطن " هل من العدل أن أكرس نفسي لكل ما طلبتم مني طوال عقود من الزمن ثم فجأة تنسونني الاّن و تدفعون بي إلى السوق بعد أن تقدم بي العمر ؟ هذا ليس عدلا . إنني لم أخطئ في شيء. لقد كنت دائما أتبع تعليماتكم أيتها الحكومة العزيزة ، و لكن تعليماتكم الآن لي هي أن أنسى وجود الحكومة ..................و في كل ما تفعله الحكومة ببساطة إجراء الخصخصة ببيع الكثير من الشركات المملوكة للدولة لتلك الزمرة الاقتصادية الصغيرة.......". و كما يقول الرئيس الأمريكي الأسبق جون ف.كنيدي "إذا تعذر على مجتمع حر مساعدة الكثرة من فقرائه فإنه يتعذر عليه إنقاذ القلة من أغنيائه"
كيف نساعد ؟ "المهم في الدخل ليس حجمه بل توزيعه بكفاءة و عدالة :فقوله "وإذا انتهى بنا الحال إلى السؤال عن أكثر النظم فاعليه في توليد مستويات للمعيشة ترتفع بصفة مستمرة ، عندئذ سوف يتوقف الحوار التاريخي . و الإجابة واحدة و هي رأسمالية السوق الحرة . و قد تكون النظم الأخرى قادرة على توزيع وتقسيم الدخل على نحو أكثر كفاءة و عدالة و لكن أيا منها لا يستطيع توليد هذا الدخل لتوزيعه بهذه الكفاءة مثل رأسماليه السوق الحرة . وأصبحت هذه الحقيقة معروفة لمزيد و مزيد من الناس لا يحتاج للكثير من الإيضاح أن نسأل هل نحتاج إلى توليد دخل أو نحتاج إلى توزيعه بطريقة أكثر كفاءة وفاعليه لنتمكن لاحقا من توليد الدخل بطريقة أكثر كفاءة و فاعليه حين ينضب البترول أو تهوي أسعاره.الدول الأخرى رأت مع سبق الإصرار في اقتصاديات السوق الحرة مصلحة لشعوبها وعمدت إلى دعمها وتشجيعها ولا يعني ذلك ضرورة أن تجري الدول الأخرى خلف اقتصاد السوق الحر أو تعتمده ما لم ترى فيه مصلحة لشعوبها. كما يشير فريدمان : "لقد حدثت الثورتان التاتشريه و الريجانية لأن الأغلبية الشعبية في هاتين الدولتين الكبيرتين اللتين تمثلان الاقتصاد الغربي خلصت إلى أن الأساليب القديمة التي تتولى فيها الحكومات توجيه الاقتصاد لا توفر ببساطة المعدلات الكافية للنمو . فقد عمد ريجان وتاتشر إلى اقتطاع أجزاء ضخمة من سلطة اتخاذ القرار الاقتصادي من الدولة ، و من المدافعين عن سياسة المجتمع العظيم و من الاقتصاديات الكينزية التقليدية و تسليمها إلى السوق الحرة"
دور مهم يلعبه المثقفون و المفكرون في المجتمع كأدوات من المفترض أنه منوط بها دراسة الحراك الاجتماعي و تأثره بالمتغيرات الخارجيه و على رأسها العولمة بحيث قياسه بصفة دائمة و يترتب على ذلك في (ظل وجود رؤية واضحة و مستهدفه لديهم عن ماهية المجتمع تاريخه و حاضره ومستقبله )، يترتب على ذلك المحافظة على هذا الحراك المستمر دائما كتكامل سياسي لا ينقلب إلى صراع سياسي ، يجد من يضبطه ويعيده إلى جادة (الوطن) ثم إلى القرية العالمية الصغيرة.
سوف نناقش المثقفين من هم ، واجباتهم ، وماذا يقولون ؟
المثقف يصبح ضمير المجتمع والناطق باسم قوى التقدم التي لا تخلو منها أي مرحلة من مراحله التاريخية. و لا مناص من أن ينعت بأنه شخص يثير العراقيل و الفتن ومن طرف الطبقة المسيرة التي تعمل على الحفاظ على الوضع القائم ومن جانب العمال الفكريين خدام تلك الطبقة الذين يتهمونه بأنه خيالي وطوباوي ويصفونه في أحسن الأحوال بأنه ميتافيزيقي و في أسوأها بأنه متمرد و بعبارة أخرى إن المثقفين وفقا لهذه التحديدات هم أولئك الذين يعرفون و يتكلمون ، يتكلمون ليقولوا ما يعرفون و بالخصوص ليقوموا بالقيادة و التوجيه في عصر صار فيه الحكم فنا في القول قبل أن يكون شيئا أخر" .
"يجب علي هؤلاء المثقفين والمفكرين الذين ينتسبون إلي الثقافة والفكر أن يكونوا علي قدر المسؤولية لا أن يكونوا كالطبل الأجوف يواجهون ويعترضون وعندما نناقشهم فيما يعترضون ، لايقدمون إجابات شافية.لذلك يجب أن ينزعوا أقنعتهم الاعتراضية " أنهم يعترضون من "فراغ"، أي من دون أن يكون اعتراضهم مرتبطا بمرجعية معينه أو بسياق فكري معين ، بل ومن دون أن يعوا تمام الوعي الطبيعة الإيبستمولوجية لهذا الاعتراض. و تلك حالة أخرى من حالات اللامرجعية التي تميز كثيرا من "المثقفين العرب " ، أولئك الذين يهبون لتأييد قضية أو معارضتها من دون أن يكون لهم إلمام كاف بتلك القضية و لا بأصولها و فصولها ، فالمفاهيم الجديدة التي تغرقنا بها العولمة يوميا مليئة بالغموض، وعندما نتشدق بقولها فأننا لانعرف ماذا نقول،لأننا ببساطة نحتاج إلي عملية لنقل هذه المفاهيم إلي الحقول المعرفية الملائمة لها وتطبيعها عليها "وهذه العملية عملية نقل المفاهيم من حقل إلى أخر تكون مشروعة عندما تنجح في ملائمة المفهوم المنقول مع الحقل المعرفي المنقول إليه و تبيئته فيه . والتبيئة في اصطلاحنا هنا تعني ربط المفهوم بالحقل المنقول إليه ربطا عضويا و ذلك ببناء مرجعية له فيه تمنحه المشروعية و السلطة سلطة المفهوم في آن واحد. و عملية بناء المرجعية للمفهوم في الحقل المنقول إليه تتطلب بطبيعة الحال الإطلاع على مرجعيته الأصلية على ظروف تشكلها و مراحل تطورها و بعبارة أخرى استحضار تاريخيتها وذلك حتى يتأتى التعامل مع المعطيات التي وضع المفهوم للتعبير عنها في الحقل/ الأصل، والمعطيات التي يراد من ذلك المفهوم التعبير عنها في الحقل / الفرع تعاملا من نوع قياس الأشباه و النظائر. مع الاحتفاظ دوما بالفارق و لكن لا بوصفه جدارا حديديا بل بوصفه جسرا و معبرا.
المثقف العربي (كان): "معتقدات خطيرة تفرضها سلطة الكتاب: الإنجيل..........وفي القرن

يتبع................

Eng.Jordan
11-07-2012, 06:41 PM
الثاني عشر" يشتكي مثقف أخر من هؤلاء المثقفين الحداثيين في القرن الثاني عشر ويشتكي من الاختناق الذي كان يسود البلاد المسيحية و من اضطهاد رجال الكنيسة للمفكرين الأحرار مما جعله يفكر في الرحيل إلى أرض العرب، حيث الحرية الفكرية مكفولة: يقول بيير أبيلار:" الله يعلم كم مرة فكرت تحت ضغط يأس عميق في الرحيل عن الأرض المسيحية والعبور نحو الوثنيين( كذا أي المسلمين) للعيش هناك بسلام ، دافعا الجزية لأعيش مع أعداء المسيح
هكذا نقرأهم : أنثروبولوجيا المجتمعات البدوية بالتحليل الوظيفي : تعتبر "الوظيفية" هي الخاصية الأعظم بين خصائص البحوث الأنثروبولوجيه الحقلية في المدرسة البريطانية بوجه خاص فبنية القبيلة البدوية تشكل وحدة كلية و هي بالتأكيد أكبر من مجموع الأفراد و العائلات و الوحدات العشائرية التي تكونها. و من المنطقي في ضوء المماثلة البيولوجية أن نرى التغيرات التي تحدث في نظام معين مؤثرة في النظم الأخرى و أننا لا نستطيع أن نقوم بتحليل النسق القرابي في معزل عن دوره في التضامن الاقتصادي و التواؤم الايكولوجي و التمايز الثأري و لقد كان من نتائج هذا الاتجاه البنيوي الوظيفي في البحوث الانثروبولوجية الحقلية في المجتمعات البدوية ميل إلى التركيز الذي ينطوي على كثير من الاحترام لما أسماه رادكليف براون بالتفسير المتزامن أي تأويل الظواهر الاجتماعية بصوره كليه في حدود وظائفها الاجتماعية المعاصرة وقد جاء هذا بالطبع في كثير من الأحيان على حساب النماذج غير المتزامنة أو التفسير الوراثي في تحديد الوسائل التي أدت بالتنظيمات القبلية لنكون كما هي عليه في منطقة معينه في الوقت الحاضر ،يتابع واصفا الدراسات الحديثة بالخلل و بالعجز عن التوصل إلى معلومات صحيحة فيقول "و الواقع أننا لا نجد باحثا بين الأنثروبولوجيين الوظيفيين المحدثين ليتبنى مثل هذا التصور الفج للمجتمع في وحدته المثالية حيث يبدو الاختلال الوظيفي في الدراسات الحديثة في نوع من التلازم الجوهري مع ما يعرف بالتوازن الوظيفي و من الثابت و الواضح في الوقت الحاضر أن الاتجاه الوظيفي المتزامن الذي يفتقر إلى الأطر المرجعية التاريخية أو التتابعية و الوراثية لا يستطيع إطلاقا أن يخبرنا شيئا عن التغير الثقافي و الاجتماعي الذي تشهده المجتمعات البدوية في الوقت الحاضر......ونحن نجد أن الرؤية الوظيفية قد حققت تقدما كبيرا في فهم ما يحدث عند تغير المجتمع أو الثقافة فقد برهنت على ضحالة بل سخف الاتجاه الانتشاري في صورته الفجة التي ترى عناصر الثقافة كأكوام القش المتناثرة التي تنتقل من ثقافة لأخرى وذلك لأنه ليس من المفيد على أية صورة أن نعتبر المجتمع أو الثقافة مجرد تجمع لعدد كبير من العناصر المنفصلة يكون كل عنصر منها وحدة كلية بمعنى ما و ذلك إذا تصورنا كل وحدة من تلك الوحدات البنيوية المكونة للمجتمع تدين بخصائصها المتمايزة إلى موضعها في النسق الكلي الذي يصم و ينتظم تلك العلاقات المتداخلة التي تكون في مجموعها تلك البنية الاجتماعية.
كيف نقرأهم: (الوطن أم القبيلة ..الموضوع خطير للغاية)عنوانا لمقال سأبدأ به وهو أخر ما قرأت يوم الأحد 20 صفر في جريدة الحياة . و من المصادفة الغريبة أن يكتب هذا المقال مباشرة بعد التعديل الوزاري الكبير الأخير والذي أمر به سمو سيدي خادم الحرمين الشريفين يوم السبت الموافق 19 صفر 1430. و من ضمن أهداف هذا التعديل الوزاري إصلاحات إدارية وانفتاح على المذاهب و الثقافات يعبر عن احترام و اعتراف بها كمكون من مكونات الوطن (وهي محور بحثنا هذا لتحقيق انسجام اجتماعي) . كيف يأتي هذا المقال الذي يعارض توجهات القيادة الحكيمة و ما تسعى له في سبيل تحقيق انسجام اجتماعي من خلال إدارة و اقتصاد عادل للجميع في وطن الجميع؟ لقد وضع القبيلة في كفة و الوطن في الكفة الأخرى ! ضرب في قرار الملك تحت الحزام سأقرأ عليكم المقال كاملا ثم أعود لقراءته بالتفصيل:
يقول الدكتور الساعاتي " يجب أن نتذكر أن السعودية تأسست تحت راية واحدة وهي راية لا إله إلا الله محمد رسول الله و قبل ذلك كانت الحروب بين القبائل تطحن الشباب و تدمر الأخضر و اليابس في كل أنحاء شبه الجزيرة العربية. حتى قيض الله سبحانه و تعالي لهذه البلاد قائدها و مجمع قلوب أبنائها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل الذي جمع جميع الطوائف و الأعراق على مبدأ أن هذا الوطن للجميع وقاعدة العدل و المساواة هي الفيصل و الحكم بين كل الناس . و كان الأمل بعد أن أسس الملك عبدالعزيز هذه المملكة على مبادئ العدل والمساواة أن يكون التحلق حول القبيلة قد تراجع و أصبح في المركز الثاني ولا سيما أن الدين الإسلامي الحنيف الذي تربع على قلب كل إنسان سعودي يقاوم النزعة القبلية و يدعو إلى الوحدة الوطنية يقول الله سبحانه و تعالى " و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم وقوله "إن هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون و يقول الرسول صلى الله عليه وسلم"كلكم لأدم و أدم من تراب إن أكرمكم عند الله أتقاكم و يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى . وهكذا أصبحت الهوية السياسية للمجتمع السعودي هي الهوية الإسلامية و هي هوية مثاليه في كل الأحوال........ أعود مرة أخرى إلى خطورة انتشار مثل هذه المواقع و الخطورة ستكون أكبر إذا ترك هذا المد من الفضائيات ينتشر أكثر فأكثر دون التحرك نحو احتوائها وتصحيح مساراتها ورسالاتها لا سيما أنه يشهد نوعا من التوسع يبعث على القلق الشديد . والغريب أن المتحلقين حول القبيلة يتخذون من بعض الأحاديث النبوية تكئة لإثبات أن الولاء يجب أن يكون للقبيلة قبل أن يكون للوطن فيقولون أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل و اصطفى من ولد إسماعيل كنانة واصطفى من بني كنانة قريشا و أصطفى من قريشا بني هاشم واصطفاني من بني هاشم و قوله صلى الله عليه وسلم "إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فرقهم وخير الفريقين ثم تخير القبائل فجعلني من خير القبيلة ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم فأنا خيرهم بيتا و خيرهم نفسا...و تفسيرهم لهذه الأحاديث النبوية الشريفة أن الرسول يفاخر بالقبيلة و البيت و هذا غير صحيح فالرسول هنا يفاخر بمنزلة النبوة في شخصه يقول صلى الله عليه وسلم "بعثت من خير قرون بني أدم قرنا فقرنا حتى كنت من القرن الذي كنت فيه و يقول الحق سبحانه وتعالى "إن هذه أمتكم أمة واحدة". والمؤسف أن الانزلاق إلى القبيلة بدأ من محطات الشعر الشعبي حيث أستخدم الشعر الشعبي في تمجيد الذات ومدح القبيلة مقابل ذم قبيلة أخرى و غمز قبيلة ثالثة على حساب كل القبائل، و حتى تلتهب المشاعر أكثر و تفور النفوس على بعضها بعضا أغدقت الملايين من الريالات على الفائزين المادحين للقبيلة لتشتعل القرائح و تنزف شعرا يفاخر بالقبيلة على حساب الوطن الذي يعد حبه من الإيمان.......وهكذا عوضا عن أن يحمل الشعر رسالة وطنية تدافع عن أمة الإسلام فإذا به يروج للفرقة و التشرذم و الانسلاخ من المجتمع الإسلامي الذي إذا أشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى ......ولا شك أن الحل هو الاتصال و التواصل مع المسئولين عن الفضائيات التي تعني بنشر مبادئ القبيلة و محاولة إقناعهم بتوطين هذه الفضائيات وحملها على الدعاية للوطن قبل الترويج للقبيلة حتى تكون هذه المواقع قاعدة لنشر نظرية الوحدة الوطنية بين جميع المواطنين و في جميع أنحاء السعودية......إن الحكومة يجب أن تأخذ هذه القضية مأخذ الجد و تضع برامج جادة لإعادة هيكلة برامج الوحدة الوطنية ونشرها بين جميع أفراد الوطن في كل أنحاء المملكة بالذات في الأطراف حيث بدأت تتسلل إلى مجتمعنا السعودي - من الأطراف- بعض النعرات العنصرية و نؤكد أن حرية التعبير لم تكن قط ضد المصالح العليا للوطن و إذا كانت كذلك فإن المصلحة العليا للوطن تتقدم على حرية التعبير.إن المطلوب من الحكومة السعودية أن تهتم بمبدأ تكافؤ الفرص الوظيفية لكل السعوديين على قدم المساواة و الابتعاد عن توزيع المناصب و الوظائف على ألأساس القبلي و الاثني و هو ما يعد الشرارة الأولى التي أوقدت شعلة الاحتماء بالقبيلة و الرجوع إليها على حساب الرجوع إلى الوطن...الأغرب من ذلك أن بعض البيوت الحضرية العريقة في المجتمع السعودي اتخذت خطوات واسعة للانسلاخ من مجتمعاتها الحضرية و البحث عن جذور قبلية تحتمي بها مع أن كثيرا من المحاولات في مجتمعات مكة و جدة لم تفلح في العثور على قبيلة تدعي انتسابها إليها...إلا أن التوغل في البحث عن قبيلة أخذ يتسع شيئا فشيئا بين البيوت الكبيرة في مكة وجدة حتى باتت و كأنها قضية من قضايا حق تقرير المصير.....وهناك كثير من المحاولات التي نعرفها والتي لا نعرفها تؤكد أن الخطر يتهدد بالفعل الوحدة الوطنية و لذلك نستطيع القول إن هذا الكم الهائل من الفضائيات القبلية يعد بمثابة قنابل موقوتة يجب معالجتها وفضها لأن الاهتمام بالقبيلة في جميع شرائح المجتمع السعودي بات-للأسف-الخيار الأول أما الاهتمام بالوحدة الوطنية فأخذ يتراجع ليصبح الخيار الثاني و هذه مشكلة كبرى في الهوية السياسية....وواضح مما سبق أن المشكلة ليست فقط في القبائل التي تفاخر بعرقها و تغمز قبائل أخرى بأساليب مهينة و إنما تكمن المشكلة في معدل انتشار الخطاب الطائفي على حساب الخطاب الوطني الذي بدأ يتراجع في هوية وطن بأكمله و لذلك يجب أن تقنع الجميع بأن الانتماء للوطن الواحد هو الأمثل في زمن التجمعات الكبرى و القرية الكونية الواحدة" انتهى.
ظاهره خطاب وطني يحذر من القبلية ، فهي خطر داهم ومدعاة للتشرذم والتفسخ و مهددة للوطن و الانتماء و الإسلام . و يدعم الخطاب بكم من الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية.
أما القراءة بين سطور هذا المقال ( وأدعو كاتب المقال لقراءة ما كتبه معنا) كالتالي:
يقول الدكتور ساعاتي "يجب أن نتذكر أن السعودية تأسست تحت راية واحدة وهي راية لا إله إلا الله محمد رسول الله و قبل ذلك كانت الحروب بين القبائل تطحن الشباب و تدمر الأخضر و اليابس في كل أنحاء شبه الجزيرة العربية".
ليس صحيحا هذه المعلومة فلم تكن هناك حروب بين القبائل تطحن الأخضر واليابس وكان هناك غزوات محدودة و لأسباب "اقتصادية". أما هذا القول ففيه دعوة ضمنية لمعرفة من كان يطحن و يدمر الآخر. و القبائل أكبر من أن تبحث في هذه الأمور أو تستجيب لها. فلمصلحة من يتم العبث بالتاريخ و تشويهه ؟
و يتابع " حتى قيض الله سبحانه و تعالي لهذه البلاد قائدها و مجمع قلوب أبنائها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل"
هنا تم إلغاء النسب آل سعود.لقد ذهب الرمز و هوية هذا الوطن "آل سعود"؟ ألسنا سعوديي الجنسية؟ لقد ألقيت في وقت نحتاج إليهم (كسعوديين بصفة عامة وكبدو وقبليين بصفة خاصة على الأقل اقتصاديا و هو العامل المحرك لكل فكر وصراع سياسي) أكثر من أي وقت آخر.
و يتابع " المبدأ أن هذا الوطن للجميع وقاعدة العدل و المساواة هي الفيصل والحكم بين كل الناس"
فعلا كان هذا المبدأ و قد دعا الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه و من بعده أبناؤه الملوك لهذه المبادئ. ومثالنا الملك فيصل رحمه الله الذي استدعى ابن محفوظ وطلب منه المساعدة في تقسيم الأراضي لتوزيعها على المواطنين بعدل و مساواة. انتهى الأمر الآن بسيطرة الحضارم على القطاع العقاري في جدة على ( حسب ما أورده أحد أبناء بن محفوظ على قناة العربية) حديثا.
يتابع "وهكذا أصبحت الهوية السياسية للمجتمع السعودي هي الهوية الإسلامية وهي هوية مثالية في كل الأحوال"
لم أفهم ما المقصود بالهوية السياسية. هل يوجد أكثر من هوية؟ سياسية اقتصاديه اجتماعيه....الخ. أعلم أن هناك سياسة اقتصادية ومصلحة سياسية و كلها تخدم الهوية. ولكن ما لا أعرفه أن الهوية السياسية للمجتمع السعودي هي الهوية الإسلامية......و الهوية الاقتصادية هي هوية عربية.... و الهوية الاجتماعية هي الهوية الهندية......! ما هذا!
وأقترح أن يعود الكاتب لما أوردناه سابقا بخصوص الهوية.
لنتابع ما يقول الدكتور الساعاتي "و المؤسف أن الانزلاق إلى القبيلة.....!
عدم توفيق في اختيار الكلمات و استهتار و تحقيرا للقبيلة. و لا يثير الفتن ويلهب المشاعر إلا هذه الكلمات!
يتابع الساعاتي " بدأ من محطات الشعر الشعبي حيث أستخدم الشعر الشعبي في تمجيد الذات و مدح القبيلة مقابل ذم قبيلة أخرى و غمز قبيلة ثالثه على حساب كل القبائل، و حتى تلتهب المشاعر أكثر و تفور النفوس على بعضها بعضا أغدقت الملايين من الريالات على الفائزين المادحين للقبيلة لتشتعل القرائح و تنزف شعرا يفاخر بالقبيلة على حساب الوطن الذي يعد حبه من الإيمان......."
كذب فلم يمدح أحد قبيلته على حساب الأخرى و لم يلمز قبيلة أخرى على الأقل علنا. ولم تغدق الملايين على الفائزين المادحين للقبيلة. هل يتمنى هؤلاء الكتاب أن تلمز القبائل بعضها بعضا هل يتمنون أن تثور النفوس؟ معلوم أن الفكرة إذا سيطرت على مخيلة صاحبها تماما فأنه أحيانا لا يستطيع التفريق بين كونها خيالية أو واقعية.
يتابع الدكتور الساعاتي "وهكذا عوضا عن أن يحمل الشعر رسالة وطنيه تدافع عن أمة الإسلام فإذا به يروج للفرقة و التشرذم و الانسلاخ من المجتمع الإسلامي".
إذا يقرر الكاتب أن مدح القبيلة و الارتباط بالتاريخ : أهم مكونات الهوية إضافة إلى اللغة ، ليس إلا تشرذم و انسلاخ من المجتمع الإسلامي.
يتابع الدكتور واصفا العلاج "ولا شك أن الحل هو الاتصال والتواصل مع المسئولين عن الفضائيات التي تعني بنشر مبادئ القبيلة ومحاولة إقناعهم بتوطين هذه الفضائيات وحملها على الدعاية للوطن قبل الترويج للقبيلة"
أولا: أن أكثر المحطات التي اهتمت بالتراث ومبادئ القبيلة ليست سعودية فقد بدأ الاهتمام بالقبيلة في الدول المجاورة مما يدلل على أن الإرث التاريخي مشترك في هذه الدول الشقيقة و القبيلة عنوان لا يقبل الاختفاء في جزيرة العرب عموما.
ثانيا: "اتصال....و تواصل مع (المسئولين في الفضائيات) ..... ومحاولة إقناعهم....و حملها..... : ترويج لأبجديات جريمة ثقافية عناصرها التخفي والتخويف ، و (حملها) تعني استخدام كل الوسائل والأدوات لتنفيذ الجريمة وبأي شكل و أي ثمن لتغيير الثقافات والقناعات.
ثالثا: حملها على الدعاية للوطن: فالوطن سلعة تستطيع بفيديو كليب التسويق له و الدعاية مثله مثل الفياجرا و سنافي و مولينكس وبالإمكان بيعه بسهوله! أي تربية وطنية هذه و أي فكر هذا الذي نقرأه؟
يتابع الدكتور ساعاتي"أن الحكومة يجب أن تأخذ هذه القضية مأخذ الجد.....
الحكومة يجب: هو إقصائي يقرر بكل قوة !
نتابع" إن الحكومة يجب أن تأخذ هذه القضية مأخذ الجد و تضع برامج جادة لإعادة هيكلة برامج الوحدة الوطنية ونشرها بين جميع أفراد الوطن في كل أنحاء المملكة بالذات في الأطراف حيث بدأت تتسلل إلى مجتمعنا السعودي - من الأطراف- بعض النعرات العنصرية......
الأطراف على حسب تعبيره: فالمملكة العربية السعودية جسم رئيس وأطراف. من هم الأطراف و ما هو الجسم الرئيسي؟ لنفصل قليلا:
جغرافيا :الرياض في المركز إذا هي جسم رئيسي ،
بريدة ، الطائف ، حائل ، وادي الدواسر ، خميس مشيط ، أبها ، حفرالباطن رفحا عرعر ، رماح ،....و كثير....كلها في الجسم الرئيسي
جغرافيا أيضا جدة ، الخبر ، جيزان ،القريات ، كلها في الأطراف
هل يعني تكثيف برامج الوحدة الوطنية و محاربة القبيلة في الأطراف تكثيفها في جدة و الخبر ؟ لا أعتقد أن الدكتور الساعاتي يقصد ذلك.
إذن لنقسم المملكة العربية السعودية إلى جسم و أطراف من حيث كثافة البدو والقبيلة، ولننطلق من المركز من الرياض بحثا عن القبيلة (الأطراف) : تتركز القبيلة في نجد ،المدينة المنورة ، مكة ، خميس مشيط، أبها ، وادي الغيل ، جيزان ، الدوادمي، عفيف وادي الدواسر رنيا الربع الخالي وشرقا في رماح ، شوية ، متالع النعيرية القرية العليا ،الرفيعة ، الصمان ،حفرالباطن، رفحا ، عرعر ، طريف ، القريات .تقريبا جميع محافظات المملكة حتى العاصمة الرياض لم تسلم من البدو تحتاج إلى فرز حيث يوجد فيها الكثير منهم خصوصا شرق الرياض. بالتالي وبمنطق الكاتب فإننا نحتاج إلى تكثيف برامج الوحدة الوطنية في غالبيه مدن و قرى المملكة.. و بناء عليه فإن السعوديون المواطنون يقعون فقط في بعض أحياء الرياض و بريده و جده و الخبر و البقية التي تشكل أكثر من 70% من مجموع سكان المملكة العربية السعودية ليسوا مواطنين صالحين!!
هل يفسر ذلك أن كل هذه الأطراف و خصوصا في الشمال لا تقارن البتة بما تهيأ لغيرها من ميزانيات وجامعات و اقتصاديات إلا ما بدأ به خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حديثا: بالإمكان المراجعة و المقارنة لقوائم الأموال و المشاريع ......الخ. وما بقي إلا الثقافة و التراث ..........
يتابع الدكتور الساعاتي "إن المطلوب من الحكومة السعودية أن تهتم بمبدأ تكافؤ الفرص الوظيفية لكل السعوديين على قدم المساواة و الابتعاد عن توزيع المناصب والوظائف على الأساس القبلي و الاثني و هو ما يعد الشرارة الأولى التي أوقدت شعلة الاحتماء بالقبيلة و الرجوع إليها على حساب الرجوع إلى الوطن".
و بمراجعة سريعة لقوائم أسماء الوزراء و رؤساء مجالس إدارة الشركات والبنوك و المخططات العقارية توضح نسبة البدو و القبيلة مقارنه بغيرهم نعرف زيف هذه الجملة.
يتابع الكاتب "الأغرب من ذلك أن بعض البيوت الحضرية العريقة في المجتمع السعودي اتخذت خطوات واسعة للانسلاخ من مجتمعاتها الحضرية و البحث عن جذور قبلية تحتمي بها مع أن كثيرا من المحاولات في مجتمعات مكة و جدة لم تفلح في العثور على قبيلة تدعي انتسابها إليها...إلا أن التوغل في البحث عن قبيلة أخذ يتسع شيئا فشيئا بين البيوت الكبيرة في مكة وجدة حتى باتت و كأنها قضية من قضايا حق تقرير المصير....."
أليس ذلك بحثا عن هوية ؟ فالهوية تستمد من الجذور وهي بكل تأكيد في نهاية الأمر قضية حق تقرير المصير.
نتابع " وواضح مما سبق أن المشكلة ليست فقط في القبائل التي تفاخر بعرقها وتغمز قبائل أخرى بأساليب مهينة و إنما تكمن المشكلة في معدل انتشار الخطاب الطائفي على حساب الخطاب الوطني"
قبائل تغمز قبائل بأساليب مهينة ؟ نعود إلى التلفيق و الكذب والتحريض. ويضاف هنا قوله "انتشار الخطاب الطائفي" ليعطي بعدا دينيا "مقدس" لهجومه على القبيلة فطائفيا (كلمة ارتبطت ذهنيا باستحضار الخطاب الديني الطائفي بين الشيعة و السنة في عقلية المتلقي حديثا).و يفتح هنا الصراع على مصراعيه......لماذا الخوف الآن ونحن تعايشنا أكثر من 100 سنه يجمعنا وطن واحد يحترم كل الثقافات التي بدورها تحافظ على هذا الكيان الذي حقق أمنها و حريتها و معاشها ؟
و يختم الدكتور الساعاتي بالأتي " لذلك يجب أن تقنع الجميع بأن الانتماء للوطن الواحد هو الأمثل في زمن التجمعات الكبرى و القرية الكونية الواحدة" انتهى.
و هو بذلك يرمي إلى العولمة و زمن القرية الكونية الواحدة ويشترط ضمنيا إقصاء القبيلة لنجاحها . و هي أبعد ما تكون عن فكرة الإقصاء ولا تعني كما أسلفنا الذوبان في الثقافات الأخرى بقدر ما تعني أن يكون لاختلاف هذه الثقافات و تعددها دافعا لتقديم المزيد و المميز للبشرية عامة لا سيما و نحن حملة رسالة الإسلام بما يعنيه من قيم إنسانيه و أقترح أن يعود لما نقلناه سابقا عن الكاتب توماس فريدمان في دراسته للعولمة و ارتباط نجاحها بقوة التمسك بالجذور و شجرة الزيتون.
وأوضح الكاتب " عابد خزندار" :
أن التعليم و نشر الوعي كفيلان بإخراج المجتمع من الإطار القبلي إلى رحاب المجتمع المدني مستشهدا بدور الملك عبدالعزيز عندما وحد البلاد تحت مظلة الدولة على رغم محدودية التعليم في زمنه و أضاف " أن الملك عبدالعزيز نجح في القضاء على التعصب القبلي بزرع نواتي المواطنة و الدولة". و أبدى الأكاديمي سعيد الغامدي استياءه من تحويل الانتماء القبلي إلى ولاء للوطن يكون محدودا و تمجيد للذات و تهوين من شأن الأخر و طالب الجهات المختصة في وزارة الداخلية بإلغاء اللقب القبلي من الهوية الوطنية والاكتفاء باللقب العائلي.
"يهدد مجتمعنا اليوم سرطان العصبية القبلية التي أصبحت تُثار بشكل بشع ممقوت، يقوم بذلك بعض الشعراء الشعبيين العوام تساندهم بعض القنوات التي لا تفكر في العواقب، فأصبحنا نُمطر صباح مساء بقصائد هوجاء يمدح بها الشاعر قبيلته ويمجدها ويرفعها فوق النجوم وكأن هذه القبيلة صاحبة البطولات في بدر والقادسية واليرموك ويعرِّض بغيرها من القبائل":
إذا لم يكن أجدادنا هم أصحاب بدر و القادسية و اليرموك: فمن هم أصحابها و من أين أتينا نحن؟
قراءات غريبة للنصوص و التاريخ و تحريف واضح لقتل التاريخ:
يقول أحدهم في كتاب "لا غرابه بعد ذلك أن يطمح إلى أن يجعل نسبه في الذروة من الشرف و الرفعة و أن يجعل الآباء و الأجداد الذي ينتمي إليهم في مقام السادة العظماء أن اعتزاز الإنسان العربي بنسبه جعله يغلو فيه أحيانا فلا يرى نسبا يضاهي نسب قبيلته نبلا ولا شرفا ولا يرضي أن يتطاول أحد القبائل الأخرى فيدعي لنفسه نسبا اشرف من نشبه أو حسبا أشرف أرومة منه و ما الرواية الآتية إلا صورة من ذلك الغلو:
فقد ورد إن بدر بن معشر من بني مدركة وقف بالجاهلية بسوق عكاظ يفخر بنسبه و يقول
نحن بنو مدركة بن خنـدف من يطعنوا بعينه لم يطرف
و من يكونوا قومه يغطـرف كانه لجــة بحر مسدف
ثم مد رجله و قال أنا أعز العرب فمن زعم أنه أعز مني فليضربها. فلم يطق الأحمر بن مازن الهوازني عنجهيته تلك و إدعاؤه رفعة نسب قبيلته فوق أنساب القبائل الأخرى فأستل سيفه و ضرب رجله فأندرها من الركبة غير مبال بحرمة الشهر الحرام وقد كاد الشر أن يستفحل بين قبيلتي الرجلين لولا أنهم جنحوا إلى الصلح بينهما . تلك بلا شك صورة للغلو الشديد في التعصب القبلي و قد كانت غالبا هي الصورة السائدة في العصر الجاهلي و قد حدت تلك الحادثة بالأحمر الهوازني إلى المزيد من الفخر بنفسه وقبيلته حين صورها في قوله:
إني و سيفظـي حليفـا كـل داهية
من الدواهـي التـي بالعمد أجنيهـا
إني نقمت عليه الفخر حين دعا جهرا
و أبـرز عـن رجـلا يعريــهـا
ضربتـهـا أنفا إذ مـدهـا بطـرا
وقلت : دونكها خـذها بما فيهــا
لما رأى رجلـه بانـت بركبتهــا
أو مـا إلى رجله الأخرى يفديهــا
شاهدنا من القصة قول الشاعر"بطرا"ضربتها أنفا إذ مدها بطرا" أولا يستحق هذا القبيلي الأحمر بن مازن الهوازني التقدير والإكبار والإجلال على هذا الفعل العظيم حين أغاظه أن يمد الأخر رجله فخرا و بطرا و استهزاءا بالقبائل الأخرى ؟ أو ليست هذه دليل (يشق الوجه) على أن القبيلي و القبلية البدو والعرب لايطيقون الاستهزاء بالآخرين أو البطر والفخر على حساب القبائل الأخرى و في حضورهم ؟كيف تحور هذه الحادثة من الدعوة للتمسك بالقبلية و أخلاقها إلى محاربتهم؟ أو ليس هذا خلطا و تخبصا بدون علم ؟
يتابع الكاتب: "لا شك أنَّ عصبية اليوم هي امتداد لعصبية الأمس، وأن العصبية القبلية الحاضرة ما هي إلا بقايا لعصبية الجاهلية الغابرة"




كيف يتم توظيف الأيات لمحاربة القبيلة و البدو:
وفي معرض الرد على حديث رسول الله (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إسماعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ) يقول الكاتب: يبدو ، والله أعلم و إن ما عناه الرسول كذا ! وهل يقال في مثل هذه القضايا هكذا؟
و يتم فيما يلي تسييس الآيات الكريمة التالية لخدمة الغرض:
"وإن مما يؤيد هذا الاعتقاد ما ورد من آيات وأحاديث تذمُّ الفخر والتفاخر( ):
قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمَان: 18].
وقال سبحانه: {وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحَديد: 23].
وقال عزّ وجلّ: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ *} [هُود: 10].
وقال تبارك اسمه: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا} [النِّسَاء: 36].
وقال جل وعلا: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَْمْوَالِ وَالأَْوْلاَدِ} [الحَديد: 20].
وقال عزّ مِن قائلٍ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَْلْقَابِ بِئْسَ الاسم الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِْيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ *} [الحُجرَات: 11]".
"استخدام و تسييس" الآيات السابقة التي تحارب صفات الخيلاء والتنابز بالألقاب والسخرية و اللمز في محاربة القبلية ؟ و المقصود بالآيات و الأحاديث القبلي و غير القبلي و الناس أجمعين فالخيلاء والفخر تنطبق حتى على من لبس ثوبا طويلا يجره وراءه بدويا و غير بدوي علما بان ثياب البدو والقبائل لا تبعث على الخيلاء "مشققه وقصيرة". ولا نعتقد أنه يجوز أن تستخدم هذه الآية بهذه الصفة التي تجعلها كأنما أنزلت لمحاربة القبائل.
ومن مظاهر العصبية القبلية "التفرق الحسي و المعنوي : و عمية الرأي وترك الإمارة و رد الصاع صاعين و منه:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا."
و المقصود بالجهل ليس الجهل الذي كتب فيه هذا الكتاب و لكن المقصود به الحرب بمعنى من يبدأ بحربنا سوف نرد له الصاع صاعين. و إن سلمنا بأنه الجهل بمعنى القتل و العربدة دون رحمة فالشاعر وضع شرطا لحدوثه و هو أن يكون دفاع عن النفس و ليس بدأ بالشر كما يظهر في صدر البيت. أليس كذلك؟
لا يعني ذلك أن الإسلام دعا إلى إلغاء العصبية القبلية . دعا إلى نبذ دعوى الجاهلية الخاصة بالتفاخر بالأنساب ودعا إلى التقوى و أنها المقياس أمام الله. ثم يا دكتور ألا تفتخر بما فعله والدك؟ هذا يعني إنك من بيت كريم له ما له من الصفات الكريمة و التربية الصحيحة. وتحافظ عليها ليفتخر أبنك لاحقا بك فترتدع عن بعض الأخلاق الفاسدة؟ ألا تفتخر بما يفعله ابنك و أن ذلك يعني إنك قمت بتربيته تربيه صالحة فتبذل المزيد من الجهد لتربيته ؟ كيف تلغي أداه مهمة في بناء الشعوب و الأمم و هي التربية ؟ وتأخذون من الآية فقط لتعارفوا و تنسون شعوبا و قبائل؟ كيف نتعارف إذا لم نكن معروفين أصلا؟ هل تريد أن تلغي لاحقا حق الأسرة المالكة بالفخر بالملك عبدالعزيز تمهيدا لماذا لاحقا؟ و هل أبناء عبد العزيز، أبناء مدرسة و جامعة عبدالعزيز مثل أبناء غيره؟ أو لا يكفي أن يتمنى الإنسان لحظات يستمع لعبد العزيز أو أحد أبناءه ليغير حياته بناء على نصيحة من عبد العزيز و أبناءه؟ عبدالعزيز من توحدت على يديه قبائل العرب و من دان له و أعترف مشارق الأرض و مغاربها و يصدق فيهم قوله تعالى " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء و تنزع الملك من تشاء تعز من تشاء و تذل من تشاء بيدك الخير و أنت على كل شي قدير" كيف لمن تعلم و نشأ في بيته ؟ ألا يستحقون منزلة أعلى ؟ و كيف لزين العابدين و علي بن أبي طالب أن لا يفخر بنسبه للرسول الكريم صلى الله عليه و سلم؟
هي التربية ما نؤكد عليه و أهميتها و ضرورة المحافظة على هذه الأداة المهمة في تنشئة الشعوب.
هل يستطيع مفكرونا و المثقفين أن يقرؤوا الإسلام كما يقول إبراهيم غرابيه في مقالته حول الدولة في الإسلام"بدأت أعتقد انه ليس في الإسلام شي اسمه دولة إسلاميه...فالإسلام لا يطرح نموذجا محددا للدولة يمكن أن يقرأ الإسلام قراءة اشتراكيه و يمكن أن يقرأ قراءة علمانيه أو رأسماليه أو ليبراليه ...كل الأفكار ممكن أن تجد لها تأييدا في الإسلام ".لا اعتقد ذلك فمفكرونا و المثقفون يحملون فكرا متأخرا 350 سنه عن ركب الحضارة و هم يقرئون تاريخنا و مجتمعنا و رؤانا سيكولائيا بالطريقة التي كانت قبل 350 سنه كما يقول جورج بوليتزر "هذا العلم الذي دعي السكولائيه كان علما كتبيا لأنهم كانوا يدرسون فقط في الكتب"
يقول الكاتب يحي الأمير "هكذا كانت رحلة تلك القيم عبر الذهن العربي و عبر الثقافة العربية خرجت أولا من عصر كالح بالجهل و التهور و أنتج لها من الأدبيات ما أسهم في توثيقها و لعل أخطر ذلك هو الشعر الذي هو حجة في حياة و ثقافة الإنسان العربي ...وقد حمل تلك القيم و قام على حفظها و انتقالها من جيل إلى جيل... و لا زلنا إلى اليوم ندرس في مدارسنا عنترة الانتحاري و هو يقول : يدعون عنترة و الرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم . وندرس تهور الزير سالم و هو يقول: و لست بخالع درعي و سيفي إلى أن يخلع الليل و النهار وسفه عمرو بن كلثوم و هو يقول و نشرب إن وردنا الماء صفوا و يشرب غيرنا كدرا و طينا. هنا تؤخذ هذه الأبيات من السياق العام لها و تقرا قراءة خطأ قراءة نصيه خاطئة.
عصر كالح بالجهل و التهور تاريخنا وهذه الأشعار لم تنقل إلا القتل و الدمار والهلاك : ماذا عن القيم الأخرى الكرم و الشجاعة والأمانة والوفاء والصدق والمروءة و الفدا : ألم يكن لهذه القيم و في سياق تلك الأشعار أدوار أخرى في تنظيم المجتمع و الأخلاق و وقود تستمر به الحياة و تبنى عليه التربية . هل تقرأ فقط الجوانب السلبية . ألم تذكر الكرم و الشجاعة و الفداء و الغيرة و الستر و العطاء و القوة كقيم في القرآن الكريم و الحديث النبوي و الموروث الديني : هل هو هجوم على التاريخ كله هل هي رسالة جديدة و هل هو رسول أم هل نحن لسنا في الدنيا و انتقلنا إلى الدار الآخرة حيث لا قتل و لا هم و لا نصب ولاقصاص و لا كذب : هل تقرر أننا في المدينة الفاضلة و لا يوجد أعداء و لا يهود و لا قدس و لا حاجة لمعارك و لا حاجة لتربية إنسان مقاتل : وهل العالم المتقدم و الغرب يفكر نفس التفكير . هل للقضاء على الإرهاب و الفكر المنحرف (على حد رأيه طبعا) يتم تدجين الناس بدون شجاعة و بدون كرم بمعنى أخر نربي أذلاء بخلاء حقيرين ضعاف لا تاريخ لهم و لا قيم : كل ذلك لنكون وطنا يحوي هؤلاء "حيث القيم المادية فقط": و نكون قد انتقلنا من الإرهاب العقدي إلى الإرهاب المادي و حيث بالإمكان أن تشتري الولاء بسهولة و يذهب التجار إلى أوطان المادة بعد انتهاء البترول
"أن ما أحدثه محمد بن عبدالوهاب في فترة التأسيس الأولى كان قد أسس لخطاب عقائدي لكن الفترة الثالثة بقيادة الملك عبدالعزيز جاءت و سط معطيات و ظروف دوليه جديدة كان لا بد معها من الخروج من صورة القبيلة و الشيخ و الجماعة إلى صورة الوطن والمؤسسة الذي يتحرك وسط كيانات مماثلة مما يجعل تفاعله معها قائما على أشكال جديدة و غير مألوفة في ذلك المجتمع..........." و يتابع الكاتب:"فيما كان الملك عبدالعزيز يسعى لإقامة وطن مدني و كانت الانطلاقة من الأرض التي تعد واحدة من أكثر مناطق الجزيرة العربية بداوة و قبلية : أخذت قيم الديني تتداخل مع قيم القبلي وورثت نمطا من التدين المتشدد بدأ يخرج على الدولة نفسها حاملا السلاح مطالبا إياها بتطبيق شرع الله مع عدا اختلاف أي منصف حول سطحية هذا الطلب حين يوجه إلى حكومة كحكومة الملك عبدالعزيز . فيما بقي الموالون يحصلون على تنازلات و أماكن في سبيل تنازلهم مكنتهم من نشر ذات الفكر المتشدد و بسطه انطلاقا من الثمن الذي قدموه و المتمثل في عدم الخروج على الحاكم......" (
تداخل قيم البدوي و القبيلي مع الديني هو من أدخلنا هذه الأزمة ولكن تداخل قيم الديني مع الحضري و تداخله مع المكونات الثقافية الأخرى لا مشكلة فيه ! المهم وكما يورد الكاتب قيم الديني الملوث تداخلت مع قيم القبلي وأنتجت الفكر المتطرف!
من هم هؤلاء الذين أداروا و شكلوا و كلفوا بالوزارات المعنية بتشكيل الإنسان و تنشئة مواطن ؟ من هم الذين يخشون على مجدهم الزائف وهل هناك مجد يخشى عله البدو الآن غير قبليتهم؟
العقل الإداري العربي الحالي ليس عقلا عربيا خالصا فهو إما عقل عربي يمارس إدارة بقيم أجنبية أو عقل ليس عربي أساسا.
أخلاق و منظومة القيم البدويه هي البيئة الأنسب لنجاح إدارة الجودة الشاملة والكثير من قيمها تشكل القيم الإنسانية الأساسية لإدارة الجودة الشاملة و اللازمة لنجاحها.

الدولة الأموية في في المشرق و المغرب كانت دولة بدو تحمل قيم عربيه خالصة مكنتها من هذه الفتوح. و لما دخل الإسلام أمم أخرى غير العرب و هو ما يكون تقريبا قيام الدولة العباسية ووصول غير العرب إلى السلطة و مراكز اتخاذ القرار حيث بدأ التفكك و الانهيار في مختلف المجالات نتيجة لدخول قيم و منظومات أخلاق جديدة في الأمة العربية الإسلامية لم يتقبلها العرب فتراجعوا بقيمهم و منظوماتهم الأخلاقية إلى الصحراء وشكلت الدرع الواقي لهذه القيم التي رفضت الانخراط حتى في الفتوحات الإسلامية الأخيرة .
لم يشعر و يعتقد الكثير من الأفراد على اختلاف ثقافاتهم ومستوياتهم بأنهم ينتمون إلى ثقافة وطنيه تجسد الشراكة و المساواة.
ليس صحيحا أن السعودية ككل مجتمع مغلق . فقط هم المنغلقين حاولوا فرض نموذجهم و فشلوا و وللهروب من المسؤولية ترمى التهم على البدو و الموروث الثقافي و غيرها. القبيلة البدوية في المملكة العربية السعودية لم تكن يوما عدوا للأخر بسبب ديني أو عنصري أو غيره
قد يكون الدين أفيونا للشعوب فمن يرهقه الفقر و يفقد كل أمل بالمستقبل : يستسلم للإرادة الإلهية.
الإسلام لم ينهى عن العصبيه القبليه فلماذا تربط العصبية الجاهلية بالعصبية القبلية ؟
هل لأن القبلية مرتبطة بالبدو ؟ لماذا" كمثال" لا يقال العصبية الحضرمية ؟ العصبية المناطقية؟ العصبية الحساوية أو حتى عصبية الرأي ؟ فإذا كانت العصبية القبلية مذمومة أليس من العدل
أن تحارب كل تلك العصبيات السابقة ؟
يوجد علاقة بين علامات ضعف الانتماء و القبيلة حيث أتضح أن هناك تناسبا طردياً بين تلاشي المفاهيم القبلية و علامات ضعف الانتماء.
يقال إن البدو يرتحلون و لا يرتبطون في المكان و لا يعرفون معنى الانتماء فهل السفر صيفا و امتلاك الشقق و الفلل خارج الوطن والانتقال من بريدة إلى الدمام لأغراض الوظيفة يضعف الانتماء؟
ضرورة المحافظة على وحدة القبيلة و لا مانع من الاندماج الاجتماعي للطبقات الأخرى و ذلك حق طبيعي إذا كان هناك إتحاد أخلاقي.
بالتأكيد أن شيوخ القبائل و كبار العوائل مفاتيح الحل . مؤثرين فاعلين . شيوخ قيم وصدق و كرم و شجاعة وحياء وهم بيوت عز وحظ ، و تلاميذ التاريخ والحياة . بالتأكيد ليسوا شيوخ المال والورق حفظة الكتب دكاترة علماء و أساتذة " الطفرة " .
"عمل القادة المسلمون الأوائل للحفاظ على التشكيل القبلي كي يكون عنصر تضامن وتمازج يشد بعضه بعضا ضمن الوحدة القبلية في مواجهة العدو المشترك ، ومن أجل أن يمنع الحزازات القديمة من الظهور. إن سعد بن أبي وقاص أدرك بثاقب بصره أن نظام الأسباع يكون أكثر صلاحا إذا جمع بين القبائل المشتركة في النسب أو المترابطة بروابط القربى
"فإنك إذا واجهت أهل المدن بالخطر ناضل كل منهم عن سلامة نفسه أما في الصحراء فتعظم نفس الإنسان و تنعدم الأنانية و يفرغ كل قصارى جهده في خدمة زملائه و مساعدتهم ، فإذا هدد الخطر قافلة من القوافل ، وعن لأحد أفرادها سبيل النجاة تنكب عنه و لم يترك رفقاءه لينجو بنفسه" أبن خلدون.
"إن القبائل حاربت لنصرة الإسلام ضمن الجيوش الإسلامية كوحدات قبليه و أول من أستقبل الرسول و نصر دعوته و ذاد عنه هم البدو الرحل بأخلاقهم و طباعهم و عاداتهم و في اعتقادي أن حضارات العالم ستمحى تماما كحضارات بابل و آشور و إن كتاب التاريخ المدرسي بعد ألفي سنه سيخصص عدة صفحات للعرب دون أن يذكر حتى الولايات المتحدة الأمريكية"ولفريد ثيسيغر
"أن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر" أبن خلدون
الله حقيقة ناصعة عند هؤلاء البدو والإيمان به يعطيهم الشجاعة كي يتحملون و يصبروا. و الشك في وجوده شيء لايدركه العقل بل هو الكفر بعينه"
يقول ولفريد ثيسغر " لقد سئلت كثيرا : لماذا يعيش البدو في الصحراء ما دام أنهم يعيشون حياة قاسية؟ ولماذا لا يتركونها و يعيشون حياة أسهل في مكان أخر ؟". و قليلون من الناس صدقوني عندما قلت أنهم يعيشون هناك بكامل اختيارهم ، لقد كان في استطاعة القبائل البدوية السورية الكبيرة أن تسطو على أراضي الفلاحين الضعفاء و تسكن فيها وبدلا من ذلك ظلوا يسكنون الصحراء كقبائل رحل لأن تلك هي الحياة التي يعتزون بها . و عندما كنت في دمشق زرت عرب الرولة كثيرا وعلى الأخص لما كانوا مخيمين في الصيف عند الآبار خارج المدينة. وقد استحثوني لأن أرافقهم في هجرتهم السنوية التي تبدأ جنوبا إلى نجد حالما تنمو المراعي عقب أمطار الخريف و صرحوا إلي بأن الرجل لايجد الحرية إلا في الصحراء، و يجب أن يكون هذا الحنين إلى الحرية نفسه هو الذي دفع القبائل التي دخلت مصر إبان الفتح العربي لأن تمر عبر وادي النيل إلى الصحراء اللامتناهية تاركة وراءها الحقول الخضراء و أجمات النخيل الوارفة الظل و المياه الجارية وكل المسرات التي وجدوها في المدن التي احتلوها""أوفالين
لما كنت معهم لم يكن لديهم أية فكرة عن عالم غير عالمهم . و لم يكونوا متوحشين جهلاء. بل على العكس كانوا الورثة المتعصبين لحضارة قديمة جدا. و لقد وجدوا ضمن إطار مجتمعهم هذه الحرية الشخصية والتهذيب النفسي الذي تاقوا إليه. ...أما اليوم فإنهم يدفعون خارج الصحراء إلى المدن ، حيث لم تعد تكفيهم المزايا التي منحتهم الجلد والسيطرة في الماضي على قوى لا تقهر ، كالجدب الذي طالما قتلهم في الماضي و حطم نظام حياتهم..... ومنذ تركت جزيرة العرب سافرت عبر شعاب كراكورام و هندوكوش في جبال كردستان و أهوار العراق مدفوعا إلى الأمكنة البعيدة حيث لا تستطيع السيارات الوصول وحيث لايزال يعيش شي من العادات القديمة و لقد رأيت قسما من أروع المناظر في العالم وعشت بين قبائل عجيبة و غير معروفة و لكن واحدا من هذه الأمكنة لم يهزني كما فعلت صحراء الجزيرة العربية"