المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البحث الإبستمولوجي في التراث


Eng.Jordan
11-07-2012, 10:37 PM
عبدالمجيد الانتصار: المغرب

تطلق عبارة البحث الإبستمولوجي على كل بحث يستثمر مفاهيم تبلورت داخل حقل الإبستمولوجيا المعاصرة، ويثير إشكاليات ذات طابع إبستمولوجي. فإذا كانت الإبستمولوجيا تعني التحليل النقدي لمبادئ العلوم ومناهجها, ولكيفية تكونها وتطورها, فإن البحث الإبستمولوجي يستلهم أدوات هذا التحليل, ويشتغل بها في مجالات أخرى غير مجال العلوم.
إن الباحث الإبستمولوجي هو باحث في قضايا معرفية ومنهجية ترتبط بحقل التفكير العلمي, فيتساءل عن موضوع العلم ومنهجه, ويبحث في مبادئه, ومفاهيمه, كما يقارب تاريخيته قاصداً كشف آلياتها. ومن ثم اشتغل الإبستمولوجيون على العلوم الحقة, من رياضيات وفيزياء وبيولوجيا, ومن أبرزهم (غاستون باشلار), و(جورج كانكلهام), و(جان توزان دوزانتي)... كما اهتموا بعلوم الإنسان أيضاً, مثل السيكولوجيا والسوسيولوجيا, ومن ضمنهم (جان بياجي), و(لوسيان غولدمان), و(ميشال فوكو).
إن البحث الإبستمولوجي في هذه العلوم أفرز عدداً من المفاهيم ستصبح بمثابة آليات للقراءة, وأدوات للفهم والتأويل في مجال الاشتغال على إنتاجات أخرى غير العلوم, ومن أهمها الإنتاج الفكري التراثي, الذي يهمنا هنا.
نعم, إن النظر الإبستمولوجي في التراث العربي الإسلامي هو استثمار لجهاز مفاهيمي أفرزه الاشتغال على العلوم الحقة والإنسانية, من أجل توظيفه في قراءة ما أنتجه مفكرو الإسلام من آداب وكلام وفلسفة وتصوف...، وغير ذلك من أصناف التعبير الثقافي لدى العرب المسلمين. إنه بحث يتجه إلى تفكيك النص التراثي, وقراءته وتأويله, باستخدام أدوات التحليل الإبستمولوجي. ولعل أعمال المفكر المغربي الراحل الأستاذ محمد عابد الجابري كانت رائدة في هذا المجال.
نتساءل الآن: أين تتجلى مظاهر البحث الإبستمولوجي في التراث عند الجابري، على الرغم من أن البحث الإبستمولوجي في التراث تتوفر ملامحه في أعمال عدد من الباحثين حديثاً في التراث العربي الإسلامي, فإن أعمال الراحلين محمد أركون والجابري تعتبر النموذج الأبرز في هذا المجال. وسنبحث في العناصر الآتية الإسهام البارز للأستاذ الجابري في الموضوع:
1 - إن أول ما يثير الانتباه في لائحة مؤلفات الجابري هو الطابع الإبستمولوجي لمجموعة من دراساته في حقل التراث والفكر العربي المعاصر. إذ تتضمن تلك اللائحة عناوين رئيسية مثل: (الخطاب العربي المعاصر), و(تكوين العقل العربي), و(بنية العقل العربي), و(إشكاليات الفكر العربي المعاصر), و(العقل السياسي العربي), و(العقل الأخلاقي العربي)... إنها عناوين يثوي خلفها حس إبستمولوجي يشتغل على مفاهيم (الخطاب) و(العقل) و(البنية), وهي مفاهيم ذات حمولة إبستمولوجية, وتستمد طبيعتها من الأبحاث الإبستمولوجية المعاصرة التي أشرنا إلى بعض أعلامها سابقاً.
2 - وينجلي الحس الإبستمولوجي, من جهة أخرى, في اشتغال الأستاذ الجابري على التراث من خلال العناوين الفرعية, التي يرفق بها العناوين الرئيسية المشار إليها, والتي تدل على إشكالات كتبه. فهذه العناوين الفرعية تحيل على بنية مفاهيمية إبستمولوجية, إذ نجد في عنوان كتاب نحن والتراث عبارة: (قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي), وفي عنوان دراسة حول فلسفة ابن سينا نقرأ عبارة: (حفريات في جذور الفلسفة العربية بالمشرق). كما نجد مفهوم (قراءة) في عناوين فرعية لأبحاث الجابري حول ابن رشد وابن خلدون. وتحضر عبارة (نظام المعرفة) في مختلف دراساته, وخصوصاً في كتاب (بنية العقل العربي).
3 - إضافة إلى تعبير عناوين أعمال الجابري, سواء منها الرئيسية أو الفرعية, عن الحس الإبستمولوجي في اشتغاله على التراث, فإننا نجد هذا الأمر واضحاً كذلك في الاهتمام الدائم للرجل بمسألة (المنهج والموضوع), إذ يطرحها ويناقشها بصدد أية قضية فكرية أو سياسية يبحثها, وفي مختلف أعماله. ثم إن الأستاذ الجابري وجه بحثه في اتجاه إبستمولوجي عميق حينما اختار إشكالية (نقد العقل) أفقاً لجميع أعماله.
4 - أما على مستوى التصور الذي يحدد رؤية الجابري للتراث, ويوجه اشتغاله عليه, فإننا نلاحظ أنه يتبنى موقفاً صريحاً, يجعله بالفعل صاحب مشروع إبستمولوجي واضح, وذلك من خلال تمييزه في التراث بين (المضمون الأيديولوجي) و(المضمون الإبستمولوجي), لكي يتخذ من هذا الأخير حقلاً للتفكير والحفر، ومجالاً للتفكيك والنقد. ومن ثم يستحضر الأستاذ الراحل المنهج البنيوي, الذي أصبح موجهاً لتفكيره وبحثه في التراث, بدءاً من كتاب (نحن والتراث), إلى جانب المنهج التاريخي الذي كان الأكثر بروزاً في مقالات وأبحاث الجابري الأولى.
5 - إن استحضار الجابري للمنهج البنيوي, في قراءته للتراث, سيعبر عن نفسه من خلال توظيفه مجموعة من المفاهيم كأدوات للتحليل والفهم, مثل: (البنية), و(القطيعة)، و(العائق), و(اللاشعور), و(التكوين), و(الأزمة الإبستمولوجية), و(الإبستيمي)... وهي مفاهيم سيفرز الاشتغال بها تحليلاً لبنية العقل العربي, ونقداً داخلياً لنظامه المعرفي، وبحثاً عن الثابت والمتغير في مساره وتكوينه. وقد انعكس ذلك في مجموعة من النتائج التي خلص إليها الجابري, وهذه بعضها:
- التمييز بين المضمون الأيديولوجي والمضمون الإبستمولوجي في الفلسفة الإسلامية.
- الكشف عن العقل المكوِّن (بكسر الواو) والعقل المكوَّن (بفتح الواو), ومن ثم تحديد الثابت والمتغير في التراث.
- الحفر في أعماق العقل العربي, وإبراز آليات اشتغاله, ورسم الأسس الموجهة له, على مستوى العقل النظري (العرفان، البيان، البرهان), والعقل السياسي (الغنيمة، القبيلة، العقيدة), والعقل الأخلاقي (الطاعة، السعادة، الفناء، المروءة).
هكذا, إذن, يبرز واضحاً أننا بصدد بحث إبستمولوجي في التراث, بحث تسلح بأدوات الممارسة الإبستمولوجية المعاصرة, واستثمر مناهج العلوم الإنسانية لقراءة الخطاب الفكري التراثي, وتفكيكه تحليلاً ونقداً. إنه عمل رائد في هذا المجال, أضفى على بحوث الأستاذ الراحل محمد عابد الجابري ما ميزها, من حيث هي دراسات مجددة في النظر إلى التراث, وكاشفة عن بنياته الثابتة, أو ما يسمى (الإبستيمي) الخفي. ولعل ذلك ما حدا بالدارسين والمتتبعين إلى اعتبار الجابري رائد البحث الإبستمولوجي في الحقل التراثي, سواء تعلق الأمر بقراءته للتراث الفلسفي الإسلامي, أو باشتغاله على خطابات التراث الفكري السياسي, أو بتحليله لنظام الخطاب الصوفي والأخلاقي, أو في دراساته المتأخرة حول القرآن الكريم.