المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نرجس مفالاف ..اختراعها حقق إحدى أمنيات ألبرت أينشتاين


Eng.Jordan
11-08-2012, 09:40 PM
نرجس مفالاف .. وجه الفيزياء الجميل
يسرا الشرقاوي


مهاجرة باكستانية تدرك تميزها العرقي ولا ترى في ذلك مشكلة، بل تؤكد تقبلها لرؤية الآخرين لاختلافها
بعد نرجس، سيكون للعديد من الظواهر الطبيعية مثل تصادم الثقوب المظلمة، وانفجار النجوم، أبعاد وأسرار جديدة تكشف

http://www.alarabimag.com/Arabi-Elmy/2012/Issues/Issue_9/MEDIA/47.jpg


تعترف بأنها لا تفعل أكثر من أن تكون نفسها.. هذه هي «نرجس مفالاف» Nargis Mavalve عالمة الفيزياء الرائدة بمعهد ماسيتشوستس للتكنولوجيا بجامعة كمبريدج، التي حازت منحة ماك أرثر لعام 2010. لكن يبدو، وكما ترجح هى، أن مجرد ان يقرر الشخص أن يصبح نفسه غير مبال بما يريده له الآخرون فهذه في حد ذاته أمر لا يستهان به.
لذلك فمفالاف تعد اليوم أحدث أبرز الأسماء النسائية القليلة في عالم الفيزياء، وفى ذلك إنجاز عظيم بحد ذاته، فهي مهاجرة باكستانية تدرك تميزها العرقي ولا ترى في ذلك مشكلة، بل تؤكد تقبلها لرؤية الآخرين لاختلافها أو كونها في الأغلب على حدود أي مجموعة اجتماعية.
العالمة البارزة تعتقد أن اختلافها يمكنها من عدم الالتزام الدقيق بالقواعد حولها، مما يشكل أهم مكون في وصفة نجاحها. فكثيرون يرون فيها انعكاسا لأنفسهم، ويزداد إيمانهم بأن نجاحهم ممكن. فهي مثل أعلى لكثيرين في صفها الدراسي ولكثيرين غيرهم يتابعون سيرتها.
هي أم لطفل في عامه الرابع وعالمة حائزة جائزة منحتها التقدير ومكنتها من شرح إنجازاتها العلمية أمام حضور مهتم وذلك أكثر ما أثلج صدرها.

http://www.alarabimag.com/Arabi-Elmy/2012/Issues/Issue_9/MEDIA/48.jpg
تعكف نرجس مع زملائها على تصميم جهاز تليسكوب بالغ الحساسية يمكنه تتبع ورصد موجات الجاذبية. هي إذن تحقق إحدى أمنيات البرت أينشتاين، الذي تنبأ قبل قرن من الزمن بوجود هذه الموجات، لكن من قبل نرجس وفريقها لم يكن من الممكن مراقبة هذه الموجات ورصدها.
وبعد نرجس، سيكون للعديد من الظواهر الطبيعية مثل تصادم الثقوب المظلمة، وانفجار النجوم، أبعاد وأسرار جديدة تكشف.
أول أيام نرجس
يحكي روبرت بيرج، أستاذ الفيزياء بجامعة ويلسيلي، ماسيتشوستس، عن أول أيام نرجس التي حطت بهذه البلاد وهذه الجامعة تحديدًا قبل سنوات كمراهقة لتبدأ دراستها وكانت على حسب وصفه «من النوع الذي لا يهاب شيئًا».. كانت تتعامل مع أساتذتها ليس كطالبة، بل كزميلة وساعدت بيرج في تحويل غرفة فارغة إلى معمل، وقبل تخرجها عام 1990 تقدمت بورقة بحثية مشتركة مع بيرج نشرت ونالت اهتمامًا واسعًا.
ونالت الدكتورة نرجس دعمًا ما بعده دعم من جانب والديها اللذين لم يرفضا أيا من الأنشطة التي إعتادت فتاتهما الصغيرة القيام بها حتى وإن تناقضت مع الصورة المعتمدة اجتماعًيا في كراتشى، مثل حرصها على إصلاح دراجتها بنفسها، أو ما يشبه ذلك من أعمال. وقد حرص والداها على أن تكون فتاة حرة، وهكذا وصلت العالمة الشابة إلى الأراضي الأمريكية.
وعن طريق المصادفة، التقت نرجس بالمشرف على دراستها وشريكها مستقبلا في أبحاث ستغير الكثير، رينيه ويس. وكان ويس قد عكف زمنا قبل معرفته بنرجس على أبحاث في الموجات الكونية، ثم بدأ مع مجموعة العمل الخاصة به في التركيز على مجال موجات الجاذبية. كانت التجارب قد نالت دعما بفضل التكنولوجيا الحديثة بداية تسعينيات القرن الماضي، لكن بقيت عدة مصاعب عملية. موجات الجاذبية تتسم بالقدرة على التمدد وتكثف أو تضغط «الزمان» أو ما يعرف بالفضاء رباعي الأبعاد، محدثة انحرافا لأي من المواد التي تمر بينها. بمعنى آخر، إذا مرت مثل هذه الموجات بين مادتين، تتغير المسافة بين المادتين، وإن كانت هذه التغييرات لا تدرك بشكل حسّي.
نظريًا، يمكن لمقياس التداخل بالليزر، والمزود بمرآتين متساويتين من حيث مدى التباعد، استغلال التغيير في أنماط الاصطكاك، لرصد مسلك موجات الجاذبية. الإزاحة التي قد تحل بالمرآتين عادة ما تكون طفيفة، تقريبا واحد على ألف من أشعة نصف القطر للبروتون الكهربائي.
خلال سنوات الدراسة الجماعية، عكفت الدكتورة النابغة على العمل، مستعينة بنموذج لمقياس التداخل يبلغ حجمه مسطح طاولة، خاصة أن المقياس الفعلي يتسم بكبر الحجم. وكلما بعدت المسافة الأولية بين المرآتين، كان التغير في المسافة بينهما ملحوظا وبعيدًا، وحقق ذلك فرصة أفضل لقياس مدى الإزاحة. لكن الحجم أيضا له مشاكله المتعلقة به. فمثلا، وجود مرآتين بمسافة بينهما تبلغ أربعة كيلومترات، يجب محاذاتها بدقة مع أشعة الليزر الواردة. وإلا كما حذرت نرجس، «إذا لم تكن المحاذاة دقيقة، فإن أشعة الليزر قد تشرد إلى الصحراء، عوضا عن ملاقاتها للدفق المقابل من أشعة الليزر».
ولتفادي مثل هذه السقطات، وضعت نرجس نظامًا للمحاذة الإلكتروني كملحق لوحدات مقياس التداخل الذي يتسم بالتعقيد.
كما أن التجارب التي أجرتها لنيل درجتها الدراسية، تمت الاستفادة منها في وضع تصميم مقياس التداخل بالليزر لرصد موجات الجاذبية، الذي يقوم معهدا ماسيتشوستس للتكنولوجيا، وكاليفورنيا للتكنولوجيا بإدارته بتمويل مؤسسة العلوم الوطنية.
في عام 1997، بدأت نرجس ثلاثة أعوام من دراسات ما بعد الدكتوراة، وعندما حل المقياس بولاية واشنطن، عسكرت هي لأيام وأيام بالصحراء العليا لهانفورد، حتى تعد عدة المقياس ليبدأ في تسجيل المعلومات المطلوبة. وفي عام 2000، انضمت إلى فريق معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا كعالمة.
عقد كامل مر على إنجاز المقياس الذي كان لنرجس يد عليا في تصميمه وتشغيله، لكن لم يتم رصد أي موجات جاذبية. الجميع الآن يعولون على النسخة المتقدمة من المقياس والتي يفترض أن يرفع عنها الستار وتدخل حيز العمل خلال ثلاثة أعوام. وتعقد آمال العلماء على هذه الإضافة الوليدة، في رصد موجات منبعثة من مصادر أكثر بعدًا.
تجميد المرايا
«فكلما نظرنا أبعد، وجدنا المزيد من المجرات، والمزيد من مصادر موجات الجاذبية» أكدت نرجس. وتحكي نرجس بفخر لمن يهتم بعملها كيف وهبت هي وفريق العمل الكثير من الوقت والجهد للتركيز على تثبيت المرايا في وضع ثابت. فقد نجحوا قبل خمسة أعوام في استحداث وسيلة تقوم على محاصرة وتجميد مرآة في حجم قطعة النقود المعدنية إلى درجة صفر.
ولا ترجع العالمة الفذة الفضل في نبوغها لجهد شخصها فقط، إنما لإرشاد وتوجيه كثيرين مرت بهم في رحلة حياتها، من معلم الكيمياء بمدرستها القديمة في باكستان، والذي كثيرا ما سمح لها بالبقاء في معمل المدرسة والاطلاع على سر المواد الكيماوية المختلفة، إلى رئيس قسم الفيزياء بمعهد ماسيتشوستس للتكنولوجيا، الذى دعم أبحاثها. لكن للعالمة الفذة في نجاحها نصيبًا كبيرًا، فهي تملك موهبة الترويج لمشروعها وأبحاثها بين تلاميذها، وحضور المحاضرات التي تلقيها، وزائري موقع المقياس. مع الجميع، كانت دائما تنجح في شرح تفاصيل مشروعها وأبحاثها بشكل سهل وسلس، فضلا عن إنجازها الأعظم في التأكيد على أن عمل الأبحاث عبارة عن متعة ما بعدها متعة. هذه القدرة على التواصل وجذب كثيرين للاهتمام بمجال أبحاثها، تعد سمة نادرة بين جموع الباحثين.