المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل هناك كائنات حية منعزلة عن أي مجتمع ؟


Eng.Jordan
11-08-2012, 09:46 PM
د. عمار سليمان علي


عندما قام ديلان شيفيان بفحص الحمض النووي DNA المأخوذ من الجراثيم في الشق واكتشف أن أكثر من 99.99% من الحمض النووي DNA جاء من نوع واحد من الجراثيم أما الباقي الذي يشكل 0.1% فيقول شيفيان: «إنه غالبًا بسبب التلوث»
هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يطور فيه الإنسان حمضه النووي ويعيد هندسة مورثاته بشكل يسمح له بالعيش في عزلة تامة مستغنيًا بالكامل عن الآخرين, جميع الآخرين؟

http://www.alarabimag.com/Arabi-Elmy/2012/Issues/Issue_9/MEDIA/57.jpg




مجلة العربي - الإنسان بطبعه - وفق أغلب النظريات الفلسفية - كائن اجتماعي. ولعل ميل بعض البشر للانطواء والانعزال هو الاستثناء الذي يثبت القاعدة، وحتى هؤلاء لا يستطيعون الانطواء تمامًا والانعزال كليًا, ويظلون في حاجة مستمرة للآخرين في مرحلة ما أو في أكثر من مرحلة من حياتهم. لكن هذا لا يجب أن يحول دون طرح أسئلة من نوع: هل يستطيع الإنسان كفرد أن يعيش بمفرده وبمعزل عن الآخرين سواء من جنسه أو من سائر الأجناس؟! وهل يمكن أن يأتي اليوم الذي يطور فيه الإنسان حمضه النووي ويعيد هندسة مورثاته بشكل يسمح له بالعيش في عزلة تامة، مستغنيًا بالكامل عن الآخرين, جميع الآخرين؟! لعلها أسئلة مترفة أو مغرقة في الخيال أو تبدو من خارج السياق! ولكن من يدري ما الذي يمكن أن يحمله إلينا التطور العلمي والاكتشافات المتتالية في القريب العاجل أو في البعيد الآجل؟ طبعًا لا أحد يدري على وجه اليقين. وإذا تجاوزنا الإنسان مؤقتًا وسألنا: هل هناك بين الكائنات الحية كبيرها وصغيرها من يمكنه أن يعيش منفردًا معزولًا مقطوع الصلات بالآخرين من جميع الأجناس؟! فهل ستكون مفاجأة لو كانت الإجابة: نعم؟ نحن لا نتحدث هنا من وحي الخيال, بل نتحدث عن اكتشاف بيولوجي مثير كشفت عنه دراسة نشرتها دورية العلم Science في أكتوبر 2008, حيث أظهرت وجود نوع من الجراثيم يسكن بمفرده تمامًا في شق تحت الأرض بعمق ثلاثة كيلومترات, في منجم ذهب في جنوب أفريقيا, وقد أظهر تحليل الخارطة الوراثية الكاملة للجرثوم أنه يمتلك كافة الأدوات اللازمة ليعيش ويستمر على قيد الحياة بمفرده.
http://www.alarabimag.com/Arabi-Elmy/2012/Issues/Issue_9/MEDIA/58.jpg
وقد اعتبر كارل بيلشر Carl Pilcher مدير معهد البيولوجيا الفضائية التابع لوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) في مركز أبحاث أميس في كاليفورنيا «أن هذا الاكتشاف يدحض من الأساس واحدًا من المعتقدات الأساسية في علم البيئة الجرثومي». فلطالما اعتقد العلماء, بالاستناد إلى خبراتهم بالأنظمة البيئية الأخرى, أن أي مجتمع جرثومي لا بد أن يحتوي على أصناف متنوعة، يتخصص كل منها في النمو على مواد مغذية مختلفة, ويقوم بعضها باستخدام مواد مغذية موجودة في البيئة لصنع منتجات ثانوية يمكن أن تستخدم بدورها من قبل جراثيم أخرى كمغذيات لكي تنمو.
http://www.alarabimag.com/Arabi-Elmy/2012/Issues/Issue_9/MEDIA/58-1.jpg
تخطيط ومشهد من أعمال الحفر في مخيم ذهب امبوننج قرب جوها نسبرج، جنوب أفريقيا
ولا يقتصر الموضوع على قدرة الجرثوم الموصوف حديثًا على العيش بمفرده, بل يتعداه إلى كونه يعيش باستقلالية تامة عن نظام الطاقة الشمسية الذي يساعد على نمو جميع الكائنات على الأرض وفي داخلها, فحتى الجراثيم التي تستمد طاقتها من تفاعلات كيميائية تأخذ بعض المغذيات بشكل مباشر من الطاقة الشمسية. ويعلق بيلشر - الذي لم يكن عضوًا في الفريق الذي اكتشف وحلل الجرثوم - على ذلك، قائلاًَ: «هذا أول دليل ملموس بشكل أكيد على أن هناك مصدرًا آخر للطاقة يمكن للحياة أن تستخدمه, وعلى أنها طاقة فعالة شعاعيًا». ثم يستنتج «أن هذا الاكتشاف قد يشير إلى أن الكواكب الصخرية الأخرى يمكن أن تحتضن حياة تحت السطح تنمو بالاعتماد على مصدر طاقة مماثل».
وإذا كانت دراسات الحمض النووي DNA في السنوات الأخيرة في المحيطات وأماكن أخرى متعددة حيث تعيش كائنات حية دقيقة, قد أظهرت وجود مجتمعات جرثومية متنوعة بشكل واسع جدًا, فإن ذلك يصبح عكسيًا على ما يبدو كلما انخفض المرء عن السطح داخل القشرة الأرضية. فمنجم الذهب المسمى Mponeng في جنوب أفريقيا كائن على عمق حوالي ثلاثة كيلومترات, أي هو تقريبًا منخفض بقدر أي واحد آخر داخل الأرض الصلبة. ويقول توليس أونستوت Tullis Onstott من مبادرة البيولوجيا الفضائية إنديانا برينستون تينيسي: «أنت تستغرق فقط ساعتين أو ثلاث ساعات لتهبط 2.8 كيلومتر إلى الشق الذي اكتشف فيه فريق العلماء مجتمع الواحد». ويعمل أونستوت بالأساس في جامعة برينيستون, وقد كان عضوًا في الفريق الذي قام بترشيح (فلترة) أكثر من عشرة آلاف لتر من الماء من الشق الأرضي العميق لاستخراج الجراثيم, وهو ماء قديم مضى على وجوده ما بين ثلاثة إلى عشرة ملايين سنة, كما أن حرارته بحدود ستين درجة مئوية, وهو يقبع تحت ضغط كبير شبيه بقاع المحيطات. يقول أونستوت: «تعيش الجراثيم هناك في بيئة تندر فيها المواد المغذية, حيث قلة من الكائنات الحية تستطيع أن تصمد في ظروف صعبة كهذه. إنها متوحدة جدًا هناك في الأسفل». ولذلك ينبغي عليها أن تلجأ إلى الاعتماد على الإشعاعات الصادرة عن اليورانيوم والمعادن الأخرى في الصخور المحيطة لكي تشطر جزيئات الماء. يتفاعل الأكسجين المنشطر من الماء مع معادن سلفيد الحديد لتكوين سلفات الحديد التي تستطيع الجراثيم أكلها.
http://www.alarabimag.com/Arabi-Elmy/2012/Issues/Issue_9/MEDIA/59.jpg
توليس أونستوت
لقد أدرك الباحثون منذ البداية أن جراثيم قليلة فقط تستطيع أن تعيش في بيئة كهذه, ولكنهم توقعوا أن يجدوا مجتمعًا بسيطًا مؤلفًا من أنواع عديدة يحتل ما سمي الشق MP104. ولكن المفاجأة غير المتوقعة على الإطلاق كانت عندما قام ديلان شيفيان Dylan Chivian من مختبر لورنس بريكلي الوطني في بريكلي بكاليفورنيا مع مجموعة من زملائه بفحص الحمض النووي DNA المأخوذ من الجراثيم في الشق واكتشفوا أن أكثر من 99.99 في المائة من الحمض النووي DNA جاء من نوع واحد من الجراثيم. أما الباقي الذي يشكل 0.1 في المائة فيقول شيفيان: «إنه غالبًا بسبب التلوث».
فكر العلماء في اسم مناسب للجرثوم الجديد المكتشف حديثًا, واستقر الرأي على كانديداتوس ديسولفورودس أوداكسياتور Candidatus Desulforudis audaxviator الذي استوحي جزئيًا من رواية «رحلة إلى مركز الأرض» ليوليوس فيرن Jules Verne, حيث Candidatus هو المصطلح المستخدم للدلالة على الأنواع الحية التي لم يمكن حتى الآن تنميتها في المختبرات. بينما يشير تعبير Desulfo إلى أن الكائن يأكل الكبريتات. ويعكس الجزء rudis من الاسم تشابه الجرثوم مع سندويشة الهوت دوغ بطول القدم. أما مصطلح audaxviator فهو يعني باللاتينية «المسافر الشجاع» وقد أخذ من كتاب فيرن الذي جاء فيه: «اهبط أيها المسافر الشجاع... وسوف تصل إلى مركز الأرض».
http://www.alarabimag.com/Arabi-Elmy/2012/Issues/Issue_9/MEDIA/59-1.jpg
كارل بيلشر
يمتلك كانديداتوس ديسولفورودس أوداكسياتور Desulforudis audaxviator المورثات التي يحتاجها ليس فقط لأكل الكبريتات, ولكن كذلك لأكل لحم «مسافرين شجعان» آخرين, وتحويل الكربون غير العضوي والنشادر إلى مواد بناء الخلية, وتثبيت الآزوت (النتروجين) الذي يستمده الجرثوم من جراثيم تسمى archaea, وعملية تثبيت الآزوت هذه تحتاج إلى طاقة عالية جدًا, وقد دهش بعض العلماء لدى اكتشاف إمكانية القيام بها لدى كائن حي يعيش في بيئة فقيرة جدًا بالمواد المغذية. يقول آدم مارتيني Adam Martiny عالم البيئة الجرثومية في جامعة كاليفورنيا في إرفن (وهو غير مشترك في الدراسة): «قد تكون هذه القدرة تذكارًا من نمط حياة أبكر لم يتخل عنها المسافر الشجاع حتى الآن, أو يمكن أن تكون الأسلوب المستخدم في أنظمة بيئية تكون فيها تراكيز النشادر منخفضة».
ويشير الباحثون إلى أن المرجح أن جراثيم كانديداتوس ديسولفورودس أوداكسياتور Desulforudis audaxviator تتكاثر ببطء شديد, وربما تستغرق مئات السنين أو عشرة آلاف سنة لكي تتضاعف أعدادها. أما كم مضى على تلك الجراثيم في ذلك الشق فأمر لا يعلمه أحد على وجه الدقة, ولكن الباحثين يقولون إنه ينبغي أن يكون وقتًا طويلًا جدًا بحيث يكفي لكي يفقد الصنف الجرثومي قدرته على حماية نفسه ضد الأكسجين.
وفي استنتاج علمي فلسفي الطابع يقول شيفيان: «إنه اكتشاف مثير أن توجد مجموعة أدوات مورثية كاملة لأجل الاستمرار على قيد الحياة. أنت تستطيع أن تعيش حياتك باستقلالية تامة. أنت تستطيع أن ترزم كل ما تحتاجه من مورثات في جينوم مفرد. لهذا السبب إنه أمر مثير فلسفيًا». وكلام شيفيان هذا يعيدنا من جديد إلى الأسئلة التي طرحناها في المقدمة, والتي تستتبع شلالًا لن ينتهي من الأسئلة والأسئلة المضادة, وجوهر الكل سؤال واحد: هل يمكن أن يكون الإنسان يومًا ما كائنًا بلا مجتمع, أو يشكل ما سماه الباحثون مجتمع الواحد؟!.