المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المقاهي الأدبية من القرأة خان إلى الانقراض


Eng.Jordan
11-09-2012, 05:28 PM
ماهر شرف الدين - مجلة القافلة

كثيراً ما لعبت المقاهي أدواراً تجاوزت إلى حد بعيد وظيفتها الأولى وهي استقبال الروَّاد الراغبين في تمضية بعض الوقت حول فنجان قهوة أو كوب من الشاي. ولعل دور المقهى الثقافي للمقهى كان من أبرز هذه الأدوار المضافة على الوظيفة الأساس. حتى أن بعض المقاهي دخل عالم الأدب والثقافة بفعل روَّاده الذين من خلال طغيان حضورهم على حضور غيرهم، حوَّلوا هذا المقهى أو ذاك إلى مكان أقرب إلى المنتدى أو المكتبة العامة، منه إلى المقهى.
ماهر شرف الدين يستعرض هنا صفحات من تاريخ المقاهي الأدبية التي لمع نجمها خلال العقود الماضية في بغداد والقاهرة وبيروت، والتحوّل الذي طرأ عليها في السنوات الأخيرة.
الطاحونة هو اسم المقهى الذي بدأ فيه غابرييل غارسيا ماركيز حياته الأدبية، المقهى الذي لم يكن له فيه مكان محجوز، لكنه كان يتدبّر أمره بمساعدة النادل الذي كان يُجلسه أقرب ما يكون إلى طاولة المعلّم الكبير ليون دي غريف. الطاحونة اسم مقهى، لكنه يصلح أيضاً اسماً لقصة: قصة الأدباء مع المقاهي وقصة الأدب مع فنجان القهوة.
من دون الخوض فيما إذا كان أصلها شرقياً أم غربياً، كانت المقاهي الثقافية تعبيراً أميناً لأهم مرحلة من مراحل التحول السياسي والاجتماعي في الوطن العربي في مرحلة الستينيات، وغيرها من المراحل المفصلية. وإذا صحَّت فرضية أن فكرة إقامة بيت للقهوة ولدت في اليمن السعيد، فإن تكريس هذه الظاهرة بدأ فعلاً في الإمبراطورية العثمانية، حيث كانت تعرف تلك المقاهي بـ القَرْأة خان ، أي المكان الذي تُقرأ فيه الكتب والصحف.
المقهى، هذا المكان للاجتماع والتواصل الشفوي، كان مكاناً للعزلة أيضاً، أي استخدام بعض الكتَّاب له مكاناً للكتابة والتأليف. أن تكتب في مقهى يعني أن تكون وحيداً في مكان مزدحم، ويعني أن عيون الآخرين معطَّلة عندك، ويعني أن تكتب. لذلك أنجز الكثير من الكتَّاب والشعراء كتبهم ودواوينهم في مقاهٍ اعتادوا اللجوء إليها في أوقات التأليف والفراغ.
دساتير وأحزاب
أيام مقهى المودكا الشهير في شارع الحمراء البيروتي، كانت تشيع النكتة التي تقول إن الكاتب الراحل عصام محفوظ كان يتذمَّر دوماً لأن بيته بعيد عن المودكا ، وكان يعلن أمنية مفادها أنه لو ربح جائزة مالية كبيرة، فإنه سيشتري الطابق الذي يقع فوق المقهى، كي يتسنّى له النزول بلباس النوم إليه. لكن بعض المقاهي ليس متسامحاً إلى هذه الدرجة: مقهى الصعاليك ، وهو أقدم مقاهي فلسطين الثقافية، إذ تأسس في العام 1917م في مدينة القدس، وضع دستوراً سماه دستور الصعاليك ، حدّد بموجبه شروط العضوية في هذا المقهى، ومنها: منع استضافة الآخرين، أو قبول ضيافتهم. وأيضاً، لزوم تدخين الشيشة!!
وعكس لزوم تدخين الشيشة في الصعاليك المقدسي، كان مقهى ريش القاهري (تأسس عام 1908م)، يمنع تدخينها، أو لعب الكوتشينة (ورق اللعب)، أو طاولة الزهر، معللاً ذلك بالطبيعة الثقافية للمقهى وروَّاده. هؤلاء الرواد الذين عاشوا قصص حبهم فيه، مكللين بعضها بالزواج: الشاعر أمل دنقل والصحافية عبلة الرويني، الشاعر أحمد فؤاد نجم والكاتبة صافيناز كاظم، الفنان محمد عبدالقدوس وروزاليوسف (فاطمة اليوسف).. حتى أن دواوين عدَّة صدرت تتغزل بهذا المقهى، كديوان بروتوكولات ريش لنجيب سرور، والقصيدة الشهيرة لأحمد فؤاد نجم، التي طالما تغنَّى بها الشيخ إمام عيسى في السبعينيات. في هذا المقهى، الذي ارتاده جمال عبدالناصر، وصدام حسين، وعبدالفتاح إسماعيل رئيس جمهورية اليمن الشعبية الأسبق. كان لنجيب محفوظ (الزبون المشترك في كل المقاهي الشهيرة في مصر) ندوة كل يوم جمعة من السادسة مساءً إلى الثامنة والنصف، استمر في إلقائها حتى منتصف الستينيات. وفيه عُقد اجتماع ضمَّ أبرز فناني مصر، على رأسهم أم كلثوم وفريد الأطرش ومحمد عبدالوهاب، في الأربعينيات من القرن المنصرم، أسفر عن إنشاء أول نقابة للموسيقيين في مصر والعالم العربي.
وإذ لم يكتف بعض تلك المقاهي الثقافية بصوغ دستوره الخاص، فإن بعضها الآخر أنشأ أحزاباً فكاهية: مقهى البرازيلي الدمشقي، الذي اكتسب شهرة واسعة في الخمسينيات والستينيات، وكان لا يقدِّم لزبائنه سوى القهوة، كان مقراً لـ حزب يصطفلو ، الذي يدعو إلى اللامبالاة، وعدم الاكتراث بما يحدث. أما شعار أعضائه فيقول: نحن إخوان الصفا، وخلان الوفا، والحكي بالقفا .
وعندما أقفل هذا المقهى رثاه أحد الشعراء بقوله:
قف بالطلول، وقل يا دمعتي سيلي
أخنى الزمان على مقهى البرازيلي
كأن أيامه لم تحوِ لندوتنا
ولا تضارب فيه القال بالقيلِ
تحاربُ الظلمَ والطغيانَ ألسننا
إذا تقاعس كتّاب الجرانيلِ .
وكان شارع الرشيد في بغداد الذي افتتحه الوالي العثماني خليل باشا 1916م، أشبه ما يكون بميناء لتجميع المقاهي الأدبية الشهيرة: مقهى الزهاوي الذي كان ملتقى المثقفين والأدباء من أمثال جميل صدقي الزهاوي وعلي الوردي ومعروف الرصافي.. ومقهى حسن عجمي الذي كان يجلس فيه محمد مهدي الجواهري قبل أن يبدأ إلقاء قصائده الحماسية كقصيدته الشهيرة أخي جعفر ، ومطلعها: أتعلم أم أنتَ لا تعلمُ/ بأن جراح الضحايا فمُ ، والتي دفعت الجماهير إلى الخروج من جامع الحيدر خانة والطواف في شارع الرشيد مندّدةً بالاحتلال، ومقهى الواق واق الذي يعود تأسيسه إلى العام 1946م بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وبدء تجلّي نهضة جديدة تتطلّع إلى المعطيات الثقافية الغربية من الوجودية والسوريالية والدادائية. وقد أطلق الأدباء روَّاد المقهى على أنفسهم اسم جماعة الوقت الضائع ، وأصدروا صحيفة الوقت الضائع . ومقهى البرلمان الذي اتخذ تقليداً أسبوعياً قوامه التقاء الأدباء في كل يوم جمعة للنقاش والتحاور في مختلف القضايا الثقافية. ومقهى المعقّدين الذي ظهر في بداية الستينيات وضمّ مجموعة من الأدباء المتمرّدين على السائد والمتطلّعين إلى الاتجاهات الحديثة في الأدب العالمي كالمسرح الفقير والمسرح الأسود والتغريب، وبسبب ذلك، إضافة إلى سلوكهم الانطوائي وتحفّظهم تجاه المجموعات الأدبية الأخرى، سُمِّي هذا المقهى بـ المعقّدين .
وعن سؤال طرحه عليه موقع المجلس العراقي للثقافة إذا كانت المقاهي الأدبية طقساً أصيلاً أم بديلاً من غياب المؤسسات الثقافية؟ أجاب الأديب والمترجم أحمد الباقري بالقول: على مدى عقود مختلفة عُدَّت المقاهي الأدبية ظاهرة صحية للأدب والأدباء. ولا أتصور أن وجود هذه الظاهرة مرتبط بغياب المؤسسات الثقافية أو غيرها، بقدر خضوعها لتقليد شائع ومعتاد في أغلب مدن العالم وعواصمه الثقافية. فوجود المقاهي في مدينة الناصرية كان مزدهراً منذ فترات سابقة حتى مع وجود دور الثقافة الجماهيرية بمختلف صورها آنذاك. وفي الناصرية كان مقهى أبو أحمد مكتظاً بروَّاده من الأدباء والفنانين الذين يملأون فضاءه الرحب بالحوار والعلاقات والنقاش الساخن. بالإضافة إلى ذلك كانت هناك جمعية تدعى جمعية رعاية الأدب والفنون ، وقد أسست في السبعينيات، لكنها لم تؤثر كثيراً في جمهور المقاهي الأدبية.
ويضيف الباقري: أتذكر أن مقهى أبو أحمد كان رافداً من روافد إنعاش الظاهرة الأدبية، إذ كُتبت فيه عشرات القصائد والقصص ووضعت الأفكار الأساسية لبحوث ومقالات ثقافية أخذت جميعها طريقها إلى النشر فيما بعد. ناهيك بطقوس تبادل الأدباء لنصوصهم الإبداعية ومتابعة آرائهم النقدية حول ما يكتبون ويفكرون أو يتحدّثون به. وفي الخمسينيات كان مقهى عزران المرتع الذي يلجأ إليه الأدباء ليناقشوا هموم الأدب والسياسة والدين والتاريخ والحياة اليومية.
مراكز بريد
في كتابه الصادر عام 1975م، تحت عنوان جماعة تحت السور ، يروي رشيد الذوادي كيف خرجت، من مقهى تحت السور الشعبي، الصحافة الهزلية وجميع الصحف التونسية التي رصدت في الثلاثينيات والأربعينيات، كجريدة السرور التي أصدرها علي الدعاجي، وجريدة الشباب التي أصدرها بيرم التونسي، بعد زيارته الثانية لتونس حيث التحق بجماعة تحت السور ، وأصبح عضواً من أعضائها.
وكان للسيد جمال الدين الأفغاني، الذي أقام في مصر من سنة 1871 إلى سنة 1879م، مقهاه المختار، وهو مقهى متاتيا ، الذي كان يلتقي فيه وتلاميذه بانتظام، من أمثال محمد عبده، وسعد زغلول، وقاسم أمين، وغيرهم من رواد النهضة.
ومثلما كانت المقاهي أشبه ما تكون بدور نشر شعبية، أو جامعات غير رسمية، كانت أيضاً في بعض المراحل، مراكز بريد بين الريف والمدينة، بسبب اشتهارها على أنها معالم معروفة في المدن. وكان بعضها ملتقى للسياسيين في سبيل التقرّب من الشعب وأبناء المناطق البعيدة، حتى أن الحاج متري، صاحب مقهى متري البيروتي، كان يُطلب رضاه في الانتخابات.
أما اليوم...
في بيروت، كما في بقية المدن العربية، يتناقص عدد المقاهي الثقافية يوماً بعد يوم، حتى انحشر مثقفو لبنان وأدباؤه في اثنين أو ثلاثة منها. لذلك لا يتوانى الكثير منهم عن الذهاب إلى الشعور بوجود مؤامرة ما . وفي ظلّ هذا الانحسار المقهويّ ، المرتبط لزاماً بالوضع الثقافي، يستذكر أحد أدبائنا من المخضرمين مقهيي النجار و الفتوح ، حيث كان يجلس الأخطل الصغير يحيط به الأدباء والشعراء، مستمتعاً بصوت محمد عبدالوهاب يغني من شعره: جفنه علّم الغزل .
مكتب المقهى
بالطبع، لم يزل ثمة كتَّاب يتخذون المقهى مكتباً لهم، يقرأون فيه ويكتبون. لكن، عند الكاتب، غالباً ما يحفّ معنيان متناقضان بكلمة المقهى: مفتوح وحميم. فكيف تصح الكتابة، التي هي أشبه بفعل الولادة لجهة احتجابها، في أجواء مفتوحة إلى هذا الحدّ؟ لا بد أن الكتابة في المقهى تفترض شرطين إذن: الزاوية والوحدة.
لكن... زاوية في مقهى؟ لماذا يأتي إلى المقهى من يطلب زاوية لجلوسه؟ ثم لماذا يأتي من يطلب الوحدة والعزلة أصلاً؟ وحيداً في مقهى، كأنك تقول: وحيداً في عرس.
البعض يؤثر السلامة في عدم ارتياده المقهى، وقبل ذلك، عدم الكتابة فيه. أمر مردّه الشعور بالانتهاك. فكيف يمكن الكتابة وسط هذه الأعين، ووسط هذا الانكشاف الجسدي والمعنوي، طالما أن الأساس في طقوس الكتابة كلها هو تخفيف حدة الانكشاف؟ هذا ما تقوله شاعرة عربية ترفض فكرة الكتابة في المقهى. أعتقد أن فكرة الكتابة في المقهى، ذات الأصل الفرنسي، جاءت من كون الفرنسيين أناساً يحيون في المقهى، ويستغرقون نهارهم فيه. أنا أتضايق حتى من فكرة الاضطرار إلى الالتقاء بأحدهم في مقهى. القضية عندي مجرد مزاج، وليست موقفاً بالطبع. أعتقد بأن الكتابة في المقهى تتضمن شيئاً من الاستعراض والفوقية... ما شفتك، كنت أكتب... هكذا يعتذر أحدهم من أحدهم. ببساطة مربكة أقول: المقاهي لا تصلح حتى للاستفتاء .
شاعر آخر شاب مرّ بمراحل أمضى فيها معظم نهاره في المقهى، يقول إنه كفّ عن عادة الكتابة في المقهى: ربما أحمل قلماً، وأسجّل بعض الأفكار الشعرية، لكني أنتظر العودة إلى البيت من أجل كتابتها . وعن حكايته مع المقهى يقول: في صباي، حين كنت أمرّ من أمام المقهى، أثناء زيارتي لبيروت، كنت أحسبه مكاناً للأجانب والسيّاح، وكان يراودني الظن أنه مخصص لغير اللبنانيين. بالطبع، تغيّرت فكرتي عنه حين دخلته أول مرّة. وأذكر أني يومذاك حرصتُ على أن أدخله على هيئة الشعراء: شعر طويل، لحية نابتة، كتاب ضخم في اليد اليمنى... .
شاعر آخر يناصر مقهى الستاربكس نكاية بمقهى الكافيه دو باريه ، ولا يذكر أن أحداً ضيَّفه فنجان قهوة، يميِّز زمنين للمقهى، وعلى طريقته: زمن ما قبل اتفاق الطائف وزمن ما بعده. إثر انتهاء الحرب الأهلية في لبنان، طردونا من مقهى الويمبي ، قالوا إن السيّاح راجعون. يا لطيف. لكنهم رجّعونا فيما بعد، عندما اكتشفوا أننا السياح .
إسطبل الروح هو التعبير الذي استخدمه شاعر لبناني من جيل الثمانينيات لتعريف المقهى: إنه الإسطبل الذي ألتقي فيه رفاق الصدفة، شبه اليومية، حيث القراءة والعمل، وقبل ذلك التلصص. دعني أصف علاقة من يكتب في مقهى بالآخرين من حوله، وذلك الاقتراب المحسوب من الآخرين على الشكل الآتي: كما قنفذان يُدفئ واحدهما الآخر، لكن من غير أن تنغرز إبر أحدهما في جسد الآخر .
أخيراً، لمحبّي التعريفات الشعرية نسوق منها الآتي: المقهى طاولة كتابة جماعية، صالون أدبي شعبي، ملجأ كتابي، قابلة أدبية عمومية، برج عاجي من الدرجة الثالثة... هكذا يتحوّل كاتب المقهى وورقته العذراء أشبه بعاشقَين تحت المراقبة.
قصائد (عن) و(في) المقهى
موعداً سيدتي! وابتسمت
وأشارت لي إلى عنوانها
فتطلّعتُ فلم ألمح سوى
طبعة الحمرة في فنجانها
( في المقهى لنزار قباني)
ستلقي نظرة عجلى وتمضي نحو زاوية تراقب
أنت لا تستعجل الأشياء
والناس الذين رأيتهم في غرفة البليارد لا يستعجلون
الساعات تمضي
أنت تراقب:
ما أغرب المقهى على باب الزبير.
( مقهى على باب الزبير
لسعدي يوسف)
أيها المقهى (...) كلانا لم يعد يعرف
هل تحمله الصخرة أم يحملها
وأنا مثلك
مرفوع على أجنحة الحبر التي شاخت
ولا أدري متى أسقط
عن ظهر السماوات التي تسندني.
( مقهى الدبيبو لشوقي بزيع)
في جدة..
لكل حرفةمقهاها.. وكذلك الثقافة
على الرغم من أن المخضرمين يذكرون الدور الذي لعبه مقهى الطوال ومقهى المحكمة في جدة على صعيد جمع الأدباء والمثقفين والصحافيين في عصر النهضة الأدبية، فإن الأديب السعودي
حسين علي حسين يضيف إلى الحديث عنهما تجربته مع المقاهي منذ أيام الطفولة وصولاً إلى المقاهي الحديثة في الرياض.
ماذا يعني لي المقهى؟ سألت نفسي هذا السؤال، فوجدت علاقتي بالمقهى متجذرة، طويلة وعريضة. بدأت منذ زمن سحيق، من ذلك الوقت الذي كان فيه لوالدي بقالة صغيرة يتخذها مركزاً لمقابلة أصدقائه من المقاولين وأصحاب الأعمال.
كان في ظهر البقالة مقهى يبدأ العمل فيه بعد صلاة الفجر مباشرةً، ولا يقفل أبوابه إلا بعد صلاة العشاء. هذا المقهى، كما هي مقاهي المدينة في ذلك الوقت، كان خالياً من السكَّر والشاي والقهوة والجراك والتنباك، فمهمة المقهى كانت التجهيز فقط. الزبون يأتي بالشاي أو الدخان والمقهى يتولَّى بالتجهيز. وكنا نطلب الشاي والشيشة من ذلك المقهى ويجلس والدي في مقدمة الدكان وأمامه الشيشة وبجانبه براد الشاي!
لكن علية القوم من أهل المدينة كانت لهم مقاهٍ خاصة. وهم بطبيعة الحال الطبقة المثقفة أو المتعلمة، بمقاييس ذلك الوقت، ومقابل ذلك، كانت هناك مقاهٍ لأصحاب الحِرف أو المهن، فمقهى الحاوي ( وأنا أنقل هنا عن علي حسون) كان مخصصاً لأصحاب مهن الفرانة والحبابة والمنجدين، ومقهى النقاوي عند مدخل شارع العينية كان مخصصاً للبنائين المعماريين، ومقهى الحريقة على الجهة المقابلة لمقهى النقاوي كان مخصصاً للطباخين والقرارية وهم طبقة أعلى مرتبة من العمال العاديين تنحصر مهمتهم في نقش الحجارة لتكون مناسبة للبناء، ومقهى الربو أمام مسجد الغمامة كان مخصصاً للأفندية والموظفين، ومقهى علي خبر في درب الجنائز كان يستقبل خليطاً من الناس.
ويقول علي حسون إن المثقفين والأدباء والشعراء كانوا يلتقون في مقهى الطوال بمنطقة عروة وأيضاً في مقاهي قباء وسلطانة، وهي مناطق تتميز بهوائها اللطيف في فصل الصيف. وطالما بدأت بنفسي، فإنني سأبقى معها، مع ما في ذلك من أنانية أرى الآن أنها مناسبة لهذا المقام.
فقد كنت ولا أزال محباً للمقاهي، ففي جدة كنا نجلس في مقهى يطلقون عليه اسم مقهى المحكمة ، هذا المقهى ليست له أبواب على الإطلاق، كان مفتوحاً 24 ساعة في اليوم وطول العام. وكان رواده في المساء المتأخر تحديداً من الأدباء والكتَّاب والصحافيين، الذين يفدون عليه بعد تجهيز الصحيفة للطبع. يجلسون هناك حتى ترسل الشمس نورها، حيث يحتل الأماكن رواد المحكمة وسوق الخضار المقابل!
أما في الرياض فإن لي ثلاث زيارات أسبوعية للمقهى وكلها مع أدباء وكتَّاب وصحافيين. يحدث هذا والشيشة والشاي في المنزل. لكنه البحث عن الفضاء وحركة الناس. وفي المملكة تحديداً، لا أعتقد بوجود مقاهٍ مخصصة للمثقفين خصوصاً الهامشيين منهم، إلا إذا كانت تلك المقاهي الحديثة التي يطلق عليها اسم الكافي شوب . هذه المقاهي موجودة الآن بكثرة، وقد قيل إن اللجوء إليها كان لتقديم صورة راقية ونظيفة وخالية من التلوث، الذي تنشره المقاهي الشعبية، بكراسيها الخشنة ودخان مرتاديها، خصوصاً مدخني الشيشة (الجراك والتنباك والمعسل). هذه المقاهي الحديثة، تضم الآن الشباب، وبعضها يضم الشريحة التي تعلَّمت في الخارج، تلك التي تستعيض عن الشيشة بالغليون والسيجارة، بل ان بعض هذه المقاهي يخصص أماكن لغير المدخنين، وهي تقدم عشرات الأنواع من المشروبات الباردة والساخنة، بينما تقدم المقاهي العادية الشاي الأحمر والأخضر ودلة القهوة والشيشة. لقد نُقلت المقاهي الشعبية الآن من وسط المدينة إلى خارجها ومع ذلك فإن روَّادها يقطعون الكيلومترات بحثاً عنها!