المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عالم النبات بين الأساطير والعلم


Eng.Jordan
11-09-2012, 05:40 PM
أمين نجيب : القافلة

كيف نظر الإنسان إلى عالم النبات خلال تاريخه؟ من الأساطير القديمة المتنوعة والمتعددة، التي قدَّمت لنا رؤاه في الأيام الغابرة، إلى العلم الحديث؛ رحلة أربعة آلاف عام، فيها الكثير من الغرابة والاندهاش حتى يومنا هذا. أمين نجيب يطوي هذه الرحلة ليقدِّم لنا حصيلة تجارب الإنسان ورؤاه في عالم النبات.


قبل أن يشق العلم الحديث طريقه الخاص به، ومناهجه المتميزة، وينشئ مؤسساته في النصف الثاني من القرن السابع عشر في أوروبا، كانت الحدود بينه وبين الأساطير، وأحياناً الشعوذة، غير واضحة.

أولى المؤسسات العلمية ظهرت سنة 1660م وهي «الجمعية الملكية في لندن»، تبعتها سنة 1666م «أكاديمية باريس العلمية». وبعد أن ظهر في المكتبات كتاب نيوتن عن الجاذبية والحركة سنة 1687م ضاق المجال كثيراً أمام الأساطير وحتى الفلسفة ومؤسسات الكنيسة في تفسير ظواهر الطبيعة وما عليها. وأصبحت الرواية العلمية تستحوذ على ما عداها.

بالرغم من ذلك, فإن سرديات العلم المعاصر واكتشافاته المذهلة حول النبات، تبتعد، لكن ليس كثيراً، كما اعتقدنا لزمن طويل، عما اعتقده أسلافنا لآلاف السنين والرموز التي استخدموها في أساطيرهم. لقد جعل العلم الحديث الأساطير القديمة أقل غرابة مما كانت تبدو عليه.

في الأساطيرالسومرية
ملحمة غلغامش، من أقدم، إن لم تكن أقدم، نص أدبي عرفه الإنسان. يعود تاريخها إلى العصر السومري. كتبت منذ أربعة آلاف سنة مضت؛ وهي تخبرنا عن رحلة غلغامش إلى الغابات ليكتشف سر الحياة الأبدية. أسرَّ له «أوتنابشتين»، الرجل العادي الوحيد الذي حظي بالحياة الأبدية، أن هناك نبتة تنمو تحت الماء باستطاعتها إعادة الشباب إلى الكهول. خاض غلغامش المشقات تحت الماء حتى وجدها. لكنه قرر أن يأخذها معه إلى مدينة «أوروك» ليعطيها إلى كبار السن. وبينما كان يسبح في بئر باردة، برزت من الماء أفعى، خطفت النبتة منه. وللحال سلخت جلدها وعادت إلى البئر. وفي العالم السومري أن ربة الأفاعي «نينجيزيدا» هي سيدة شجرة الحياة.

أن تسلخ الأفعى جلدها، فذلك يرمز إلى أن الحياة الأبدية لا تتوفر للإنسان؛ إنما ما أعطي له هو نمط الطبيعة بالتوالد؛ الإنسان والنبات متشابهان.

الفرعونية
الأساطير المصرية القديمة مليئة بالأشجار المقدسة. في واحدة منها أن هناك شجرتي دلب تقفان على البوابة الشرقية للسماء، ومنهما تشرق الشمس كل صباح. ولهذه الأشجار علاقة بثلاث من الآلهة، نوت وحاتور وأسيز. وكل واحدة منهن كانت تدعى «سيدة الدلب». وكانت وظيفة الآلهات مساعدة الشجرتين لمد الموتى بالغذاء. والشجرتان تتصرفان أحياناً كالبشر، إذ تمتلك أذرعاً تمد الموتى أيضاً بالطعام، كما يبدو في هذا الرسم القديم الذي يظهر أعلى الصفحة.

الأمريكية القديمة
قبائل الأيروكواس، من سكان أمريكا الأصليين، يعتقدون أن الأرض بدأت حين أطلت «السماء المرأة» من العالم العلوي، ومن خلال ثقب في السماء، وقعت في بحر لا حدود له. رأتها الحيوانات تسقط، وعلمت أنها حامل، فأخذت التراب من قاع البحر ونثرته على ظهر سلحفاة عملاقة لتوفير مكان آمن لها. أصبحت السلحفاة جزيرة وهذه الجزيرة هي أمريكا. عندما هبطت، للحال وضعت ابنة. هذه الابنة كبرت وحملت بواسطة الريح الغربية. وبينما كانت تضع توأميها الذكرين ماتت. فدفنتها «السماء المرأة» في «الأرض الجديدة»، ومن قبرها هذا نمت ثلاث نباتات مقدسة هي الذرة والفاصولياء والقرع، وهن ثلاث أخوات جميلات لا يفترقن أبداً. الذرة تشكل سلماً للفاصولياء كي ترتفع، والنبتتان تشكلان غطاء للقرع من الشمس الحارقة. وهناك الكثير من القصص حول الأخوات الثلاث بما فيها التفنن في وصف جمالهن بين قبيلة وأخرى.

الأستونية
بعدما طرد الإنسان الأول من الجنة، تقول الأسطورة الأستونية، اضطر إلى العمل فذهب إلى الغابة لقطع شجرة. وبينما همَّ بفأسه على جذع شجرة صنوبر لقطعها، سمع صوتاً صارخاً في البرية: «لا تضربني، ألا ترى الدموع تنسكب على لحائي؟» تطلع إلى فوق، فرأى بالفعل مادة لزجة لاصقة تتسرب من جسدها، تركها إلى واحدة أخرى، وكل واحدة تستعطفه بعدم المس بها. توقف ثم توجه إلى الله قائلاً: كيف لي أن أشعل ناراً وأبني ملجأ وكل شجرة تلتمسني ألا أقطعها؟ عطف الله عليه وقال له: عد إلى الغابة وخذ حاجتك، فلن تعترضك واحدة. الأشجار لا تستطيع معارضة كلمة الله. بدلاً من ذلك، وكلما دخل إنسان الغابة أصبحت تهمس فيما بينها بلطف، مشتكية إلى يومنا هذا من معاملة الإنسان لها.

اليونانية
في اليونان القديمة، كل نبتة لها أسطورة. من هذه الأساطير: بينما كانت الحورية «نانا» جالسة تحت أغصان شجرة اللوز، وقعت في حضنها حبة، فحبلت ووضعت طفلاً هو «أتيس».

وفي أسطورة أخرى فإن «أفروديت» وقعت في حب الشاب الوسيم «أدونيس» الذي صرعه الخنزير البري فمات. وتقول الأسطورة إن أفروديت جعلت التراب الذي رواه دم أدونيس يتفتح عن شقائق النعمان وفاء لحبها له.

الهندية
شجرة «الشمس والقمر» الهندية، الوارفة الظلال والضخمة جداً، والتي تنتمي إلى فصيلة أشجار «البانيان»، يستطيع اثنان من جذوعها قراءة المستقبل، كما تقول الأسطورة. فهي في النهار تتكلم كذكر وفي الليل كأنثى. وكانت الصبايا يأتين إليها لتمنحهن مستقبلاً مشرقاً. ويقال إن الإسكندر المقدوني الكبير قد زار هذه الشجرة، في القرن الرابع قبل الميلاد، وخيم مع 7000 من جنوده تحت ظلالها. كما أن المستكشف الإيطالي ماركو بولو قد زارها أيضاً في القرن الثالث عشر.

في العلم
بالكاد تكشف عالم الحيوان عن غموضه، وتوضحت للعلم مكنوناته وأسراره، حتى برز عالم آخر أشد غموضاً وأكثر تعقيداً وأكبر تحدياً. إنه عالم النبات. فالإنسان يتشارك مع باقي الثدييات وحتى مع الكثير من الحشرات، معظم التركيبة البيولوجية. وأن جيناتهما تتشارك في أكثر من %90 من المعلومات. لذلك كان من السهل ولوج هذا العالم ومعرفته. بل إن الكثير من الاختبارات على الحيوان ساعدت على فهم تركيبة ومشكلات الإنسان نفسه، لكن لعالم النبات قصة أخرى.

تاريخياً
علم النبات هو من أقدم فروع العلم. فقد جمع الفيلسوف اليوناني أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد معلومات عن معظم النباتات المعروفة. ووصف النبات: «إنه كائن بسيط يعتمد على نفسه في التغذية، غير متحرك، وليس له مركز إحساس، وإن كان يتأثر بالحرارة والبرودة، وتتغذى النباتات من التربة، ولا تمييز فيها بين الجنسين، فليس فيها ذكر ولا أنثى».

الكتاب العربي الأول عن علم النبات كان على يد أبي عبيدة البصري (208هـ، 796م) وهو «كتاب الزرع» ثم أعقبه الأصمعي (214هـ، 829م) في عنوان «النبات والشجر»، وبعده أبو زيد الأنصاري (215هـ، 830م) تحت نفس العنوان. أما الكتاب في علم النبات الذي ترك أثراً كبيراً في الشرق والغرب فهو كتاب ابن البيطار في القرن السادس الهجري، وعنوانه «الجامع لمفردات الأدوية والأغذية» والذي ترجم إلى اللاتينية عام 1758م وإلى الألمانية، المستشرق فون زونتهايمر سنة 1840م ونشره في شتوتغارت، كما ترجمه إلى الفرنسية، المستشرق لوسيان لو كليرك. وظل هذا الكتاب يُدرَّس في الجامعات الأوروبية حتى القرن السادس عشر.

يقول الدكتور راغب السرجوني في موقعه على الإنترنت: «إذا كان الإغريق والرومان قد اتجهوا إلى الوصف الخارجي للنبات، فإن المسلمين كانت نظرتهم أعمق، وأكثر دقة».

العلم المعاصر
ومع بدء اهتمام العلم المعاصر، وتعمق العلماء في دراسة النبات، أدركوا مدى تعقيد تركيبته، وأصبحوا أكثر إعجاباً به وأقل رفضاً لكونه مجرد آلة تمتص المياه، وأوراق تجمع أشعة الشمس بواسطة الكلوروفيل لاستعمالها في عملية التركيب الضوئي. بل إنها شديدة الحساسية للبيئة، فالسرعة في التكيف للتغيرات فيها، والعدد الكبير وغير العادي للحيل بجعبتها لمحاربة المهاجمين والمعتدين، والتماس المساعدة من بعيد لصدهم؛ كل ذلك يجعلنا نعيد النظر، بل يدفعنا إلى قفزة مفهومية أو ثورة خضراء.

وفي واقع الأمر، إنه لم تعد، حديثاً، اللغة المستعملة إزاء النبات جامدة. لقد بدأ العلماء باستعمال أفعال نشطة وصور حية. النبات «يفتش» عن الموارد كالشمس والمغذيات في التربة. إنه «يحلل» الضوء الأحمر القريب من الضوء الأحمر البعيد الواقع على أوراقه. إنها «تحس» بوجود منافس لأخذ الكلوروفيل بقربها، «فتحاول» أن تتجه إلى نمو آخر. جذورها «تجول» تحت الأرض و«تتبادل» المعلومات والميكروبات وطرق التنفس مع أنواع أخرى.

مواجهة العدوان
في هذا السياق، أجرى فريق من علماء البيولوجيا في جامعة تورين في إيطاليا ومؤسسة ماكس بلانك الألمانية، العريقتين، دراسات واختبارات علمية لمدة ثلاث سنوات ونشرت في مجلة «بلانت فيزيولوجي» التابعة لجمعية البيولوجيين الأمريكيين، كما نقلتها صحيفتا «لا روبيبلكا» الإيطالية و«الغارديان» الإنجليزية سنة 2004م. لقد تركز البحث بمعظمه على نبتة الفاصولياء البيضاء. وجدوا «أن النباتات، عند تعرضها لأي خطر، تطلق خططاً ماكرة وشيطانية بمعنى إيجابي لها. إنها لا تحذر أقرانها من النباتات القريبة فقط، بل إنها تطلب النجدة من مخلوقات أخرى». تبين أن نبتة الفاصولياء عندما تتعرَّض لهجوم من بعض اليرقات الجائعة، «تحس» بصوت قضمات أوراقها الخضراء، فتبعث، كردة فعل إزاء ذلك، رائحة تشبه رائحة الخزامى. هذه «تنبه» النباتات الأخرى لوجود عدو. «لكنها أيضاً تستدعي ما يمكن تسميته، بالعلم العسكري الحديث اليوم، القُوى الجوية. الدبابير، العدو الطبيعي لليرقات، تلتهمها أو تحقنها بالبيض، فتموت بعد ذلك». السؤال الأساسي الذي طرحته الدراسة هو «هل تشعر النباتات بالخوف؟». لقد تركت الجواب إلى أبحاث أخرى.

أما الدكتورة مونيكا هيلكر، أستاذة البيولوجيا من الجامعة الحرة في برلين، فوجدت، أواخر سنة 2009م أن النباتات «تميز» بين مختلف موجات الضوء. إنها «تصغي» إلى الإشارات الكيميائية. حتى أنها «تتكلم»، و«تلمس»، و«تستمع»، بالإشارات الكيميائية. هذه طرائق وقدرات نعتقد خطأ أنها مقتصرة على عالم الحيوان». ووجدت الدكتورة هيلكر وفريقها أن بعض النباتات «تحس» عندما تبيض الحشرة على أوراقها و«تتصرف» فوراً إزاء الخطر الناجم عن تفريخ هذا البيض؛ فتفرز سجادة من النتوءات والأورام لطرح البيض خارجاً، أو تفرز مادة قاتلة للبويضات للتخلص منها. وقد نشرت نتائج هذه الاختبارات في «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» الأمريكية المرموقة جداً. كما وجد هذا الفريق «أن أنثى فراشة الملفوف، حين تضع بيضها على الأوراق بلمسة من الصمغ، تتعرف هذه النبتة الساهرة، إلى بعض الإضافات البسيطة في هذا الصمغ، بنزيل السيانيد. وبمساعدة هذه المادة، تغير النبتة بسرعة التركيب الكيميائي لسطح أوراقها لتغري أنثى الدبابير بالقدوم مستغلة هذه الهبة الراسية على الأوراق، تقوم أنثى الدبابير بدورها بحقن بويضاتها داخلاً. حينئذ تتغذى أنثى الدبابير الحامل على أنثى الفراشة الحامل. وهكذا تحل النبتة مشكلتها.

ليس بإمكان النباتات أن تهرب عند تعرضها لأي اعتداء، لكنها تستطيع الثبات في الأرض. فعند أول رشفة من أوراقها من أي حشرة تغط عليها، تقول الدكتورة ليندا والينغ من جامعة كاليفورنيا - ريفرسايد، فإن خلايا متخصصة على سطح الأوراق تفرز فوراً مادة كيميائية توتر المهاجم أو مادة لزجة تصطاده. كما أن لها جينات في «د.ن.أ» تنشط لتشن حرباً كيميائية منظمة، وهذا هو جزء من نظام المناعة التابع لها.

التجسس والهجوم
في بحث نشر في مجلة «ساينس» المعروفة من قبل الدكتور مورايس وفريقه ورد «أن النبات «يتجسس» الواحد منه على الآخر أحياناً لأغراض حميدة وأخرى مهلكة. إن بعض شتول الحامول ، وهي نبتة طفيلية من فصيلة «زهور الصباح»، بإمكانها التقاط مواد كيميائية متطايرة من بعض النباتات القريبة مثل الطماطم، حيث تنمو باتجاهها، وتطوق ساقها، وتمتص لحاءها الحيوي، حتى إنها تميز بين النبتة السليمة من المريضة وتختار الأولى».

تمييز الأقارب
وللنبات قدرة على تمييز الأقارب والمفاضلة بينها وبين الأجناس الغريبة. فقد قامت الدكتورة سوسان دادلي من جامعة ماكماستر في كندا باختبار على إحدى نباتات الكرنبية، وذلك صيف 2007م، ونشر في مجلة الجمعية الملكية: رسائل بيولوجية. «عندما تتشارك النباتات الوعاء نفسه، تبدأ المنافسة من خلال تنمية جذور أكثر، لتنتزع المياه والمعادن والمغذيات الواحدة قبل الأخرى. وقد تبين أنها تفعل هذا فقط عندما لا تكون النباتات تمت بصلة قربى. عندما تتشارك نفس العائلة الوعاء، فإن الجذور لا تنمو بنفس الوتيرة.. إن هذا التفاعل في الجذور يشير بقوة إلى وجود تمييز بين ذوي القربى». وبالرغم من أن النباتات لا تمتلك الإدراك والذاكرة، «إلا أن الدراسة توصلت إلى أن للنبات القدرة على التصرف الاجتماعي المعقد كالإيثار أو الغيرية تجاه الأقارب. إن السلوكيات الأكثر إثارة للاهتمام، كالناس، تحصل تحت السطح». تواصل دادلي: «إن المزارعين يعرفون منذ مدة طويلة أن بعض الأزواج من النباتات تنمو أفضل بعضها مع البعض الآخر، وأن العلماء أصبحوا يعلمون لماذا». فهل يجب أن نباشر تنظيم البساتين والحقول كما ننظم دعوات العشاء؟

وقد أعادت الدكتورة دادلي البحث، مع فريق آخر من العلماء، على بعض أزهار البلسم سنة 2009م ونشر في «مجلة النبات الأمريكية». وتركز البحث على موضوع الإيثار أو الميل لمساعدة الآخرين. لكنه هذه المرة لم يقتصر على ضفيرة الجذور تحت الأرض، بل أيضاً التنافس على الضوء فوق الأرض. وكانت النتيجة مطابقة لأبحاثها السابقة.

بالرغم من ذلك، وفي دراسة حديثة في أواخر 2011م وبمشاركة الدكتورة دادلي ونشرت في مجلة الجمعية الملكية، فإن النباتات الأقل قرباً، أحياناً، تتفاعل إيجاباً وتتفوق على الأخرى المتقاربة. وهذا يشير إلى أن التنوع له أيضاً إيجابياته. وتعلق دادلي على ذلك بالقول إن التفاعل الاجتماعي للنبات معقد جداً، لكنه موجود ويحتاج إلى أبحاث مستفيضة أخرى.

صرخة النجدة
وقد قام الدكتور كونسويلو دي مورايس من جامعة بنسيلفانيا باختبار لقياس سرعة استجابة النبتة، ووجد أنه «بعد عشرين دقيقة من بدء اليرقة امتصاص أوراقها، التقطت النبتة الكاربون الموجود في الهواء وجهزت تركيبة دفاعية من لا شيء». أضاف: «لقد دهشت من السرعة التي تمت بها هذه العملية». ويقول:، إذا كنا نحن البشر لا نستطيع سماعها، فهذا لا يعني أن النبتة لا تعوي. عندما تغط حشرة على أوراقها، تفرز مادة كيميائية متطايرة تقوم مقام الصرخة طالبة النجدة. وقد تبين أن هذه العملية تستدعي حشرات كبيرة مثل ذبابة التنين التي تبتهج لأكل لحم اليرقة، أو حشرات طفيلية تصيب بالعدوى هذه اليرقة وتدمرها من الداخل. ويعلق الدكتور ريتشارد كاربان، من جامعة كاليفورنيا – دايفس، على هذه الظاهرة: أن المادة المتطايرة التي تفرزها النبتة، تجعل النباتات الأخرى من نفس النوع، أو حتى من أنواع مختلفة، أكثر مقاومة لآكلي الأعشاب.

دمج المعلومات
في سعيها لإيجاد الغذاء، توازن الحيوانات بين المخاطر الممكنة من وجود معتدين محتملين وكمية الغذاء المتوافر. أي إنها تستخدم كافة المعلومات التي بحوزتها واستخدام معادلة: المخاطر مقابل المكآفآت. هكذا تفعل النباتات. فقد تبين لفريق من الباحثين في جامعة ألبيرتا بقيادة عالم الأيكولوجيا ج.س. كهيل أن النباتات تدمج معلومات معينة عن أمكنة الغذاء ووجود منافسين على هذا الغذاء. وفي دراسات سابقة وجدوا أن الجذور تغير من وتيرة نموها بما يتناسب مع أمكنة توافر الغذاء. أما الآن، فقد تبيَّن أنها تضيف إلى هذه المعلومة احتمال وجود منافسين. ويعلق كهيل: هذه القدرة على دمج المعلومات بطريقة معقدة لم يرها أحد من قبل في النبات.

لقد استعمل الفريق كاميرا ريزوترون صغيرة تستطيع تصوير نمو الجذور واتجاهها في الوعاء؛ فعند زرع نبتة واحدة وتوزيع المغذيات بطريقة متساوية, نمت الجذور بطريقة متناسبة في وسع المساحة. وعند زرع نبتتين معاً في نفس الوعاء فإن جذور كل منها تفادت الأخرى وتم تقاسم المساحة بالتساوي. أما عند وضع المغذيات في منطقة واحدة، فالجذور اتجهت كلها نحو هذه المنطقة، لأن المردود يستحق المخاطرة: فبدون المغذيات تموت النبتة.

بين الأساطير والعلم
رحلة ممتعة، تكلم فيها أجدادنا في أساطيرهم القديمة بالإنابة عن عالم النبات. أما في عصر العلم الحديث، فقد أصبح عالم النبات يتكلم بالأصالة عن نفسه؛ لقد أثبت أن أجدادنا لم يكونوا تماماً على خطأ، فهل هي أسطورة جديدة أضيفت إلى عالم الأساطير؟