المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الســـوســة


عبدالناصر محمود
01-18-2012, 08:44 AM
--------- الــ ســـــ و ســــ ـــة ----------------
• كان للغِربانِ في قديمِ الزمانِ مملكةُ, وكان الملكُ طاغيةَّ متجبراً, لا يأخذُ بمشورةِ أحدٍ من أعوانهِ, ولا يدرسُ أحوالَ الممالكِ السابقةِ, ليأخذ العبرةَ والعِظَةَ, حتى يُحافظَ على مُلِكهِ. وكان كرسيُّ الملكِ موضوعاً, في أعلى شجرةٍ في الغابة, حتى يُشرفَ على المملكة بأكملها .
• وذات يومٍ, جاءه كبيرُ المزارعين (مصلحوف), خائفاً مرتعداً, وطلب الإذْنَ بالمثولِ بين يديه, ولما دَخَل على الملكِ حيَّاهُ بأدبٍ
وخوفٍ, وطلبَ الإذنَ بالكلامِ, فأذنَ له الملكُ وقالَ:يا مصلحوف ما وراءَكَ ؟
*قال مصلحوف: يا ملكَ الزمان إنَّ [سوسةً] صغيرةً استطاعت أن تدخلَ في أسفلِ جذع الشجرةِ, وأخشى يا مولايَ إذا طالَ عليها الزمنُ, أن يَستفحلَ أمرُها, ويكثُر عدد السوسِ, وتتسع المساحةُ التي تنخرُ فيها, وربما يؤدي هذا – لا سمح الله – أن تسقط الشجرةُ العظيمةُ, في يومٍ من الأيام, ويسقط بَعدَها كرسيُّ الملك,
فيضيعَ مُلْكُكَ يا سيدي, وأنا لا أبتغي إسداءَ الموعظة والنصح إليك .
*ضَحكَ الملكُ ضحكةَّ رنانةَّ, مِلؤُها الاستهزاءُ والغباء. وقال:
ما رأيكُ يا وزيري العزيز ؟
[وكان الوزيرُ يدركُ جيداً, سريرةَ هذا الملكِ, وحبَّه الشديد للإطراء والتبجيلِ والتعظيم, وما جُبِلَتْ عليهِ نَفْسُهُ من غباءٍ وجبريةٍ في التفكير, وتَنَكرٍ للأخذِ بالأسباب] .
فقال له: يا ملكَ الزمانِ, وقاهر التيجانِ, إنَّ الشجرةَ العملاقة لِمُلْكِكُمُ العظيم, صَمَدَتْ أمامَ أعتى القِوى والوحوشِ, فَهلْ تستطيعُ
سوسةُ حقيرةُ, أن تهزَ عرشكَ السامي, ومقامكَ العالي؟ هذا ما لا يخطرُ على بال .
لكنَّ الأمرَ أولاً وقبلَ كلِ شيءٍ, لكمُ يا سيدِي السلطان. قهقه الملكُ ثانيةَّ وقال: طبعاً..طبعاً.. هذا هراءُ وقِلَّةُ فهمٍ وضَعْف جُبِلَ عليها أمثالُ هذا [المصلحوف], وأنا لا أهتمُ بهذهِ الأمورِ التافهة.
حاول [مصلحوف] أن يَشرحَ للملكِ خطورةَ الأمرِ, لكنَّ الملكَ رفضَ بشدَّة, وأمَرهُ بالخروج .
خرجَ [مصلحوف] كئيباً يكادُ يَتَمَيَّزُ من الغيظِ, ولا يدري ماذا يعمل!؟ وحاولَ أن يُدَبرَ الأمرَ بطريقتهِ الخاصة, لكنَّ أوامرهُ لم تُنَفَّذ, لأنَّ الملكَ لم يوافق عليها .
ودار الزمنُ دورتَهُ, واستمرت السوسةُ وأولادها, وأحفادُها وجنودُها, بالحفرِ في أصلِ الشجرةِ, بنشاطٍ ودأبٍ وهدوءٍ, أعواماً كثيرةً, فضَعُفَتْ الشجرة, وصارتْ مهددة بالسقوطِ على الأرض. والملكُ غارقُ في مجونِهِ وكبرِهِ, تُحيطُ بهِ شلة من المنافقينَ والمطبلينَ, دونَ أن يَدري عن أحوالِ مملكتِهِ شيئاً .
وذات يومٍ, اهتزتِ الشجرةُ, واهتز كُرسيُ الملكِ بفعل نسمةِ هواءٍ شديدةٍ, فارتاعَ الملكُ لذلكَ, وخافَ خوفاً شديداً. فنزلَ عن كرسيهِ ليتفقدَ الأمرَ بنفسهِ, فوجدَ السوسةَ قد أكلتْ جذع الشجرةِ بأكملهِ تقريباً. وستسقطُ الشجرةُ ومعها الكرسي لا محالة, حتى أنَّ السوس نَخَرَ كرسيّ العرشِ نفسه, وأصبح هو الأخر, مهدداً بالسقوط .
أسرع الملكُ إلى[مصلحوف] متوسلاً, متودداً: أيها المصلحُ الكبيرُ, إنَّ الأمرَ جدُّ خطيرُ, وإنَّ السوسةَ نَخَرَتْ الشجرةَ, وربما يسقطُ كرسيُ العرشِ, فساعدني, ولكَ ما تشاءُ, حفظك الله ورعاك .
ابسمَ [مصلحوف] (وهو مدركُ, أنَّه قد فاتَ الأوان, وأنَّ سُنَّةَ الله في الخلقِ لنْ تتخلف) وقال للملك: أنا لا أهتمُ بهذهِ الأمورِ التافهة. [معيداً كلمةَ الملكِ عندما جاءَه ناصحاً في أولِ الأمر].
أدرك الملكُ خطأهُ, عندما رفضَ أنَّ يسمعَ من [مصلحوف] في بدايةِ الأمرِ, ويأخذَ حِذْرَهُ .
وبعد أيامٍ هبَّت عاصفةُ شديدةُ, فَهَوَتْ الشجرةُ, وسقط كرسيُ الملكِ على الأرض وتحطم .
----- وتحطمتْ بذلكَ مملكةُ الغربانِ وزالتْ -------
----------------------------------------------------
ــــــــ{ م: البيان الصغير }ــــــــــــــ