المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المسلمون في التاريخ الأمريكي.. إرث منسي


Eng.Jordan
11-10-2012, 09:33 PM
احمد عبادي

يُعرِّف هذا الكتاب لــ «جيرالد ف. ديركس»، وترجمة الدكتور «سعد البازعي»، بالمجتمع الإسلامي على اختلاف أطيافه في القارتين الأمريكيتين. ذلك المجتمع الذي بالرغم من اختلافه إلا أنَّ له تاريخاً مجيداً وفي ذلك التاريخ إرث، ومن حق التاريخ والإرث أن يُعرَّفا.
في هذا الكتاب نحن إزاء «إرث منسي». إذ إن النسيان أصاب بداية الحضور الإسلامي فقلل من دور المسلمين في «اكتشاف» أمريكا، أحياناً، أو تم تجاهل ذلك الدور تماماً في الغالب.
تطرق المؤلف إلى تلك البدايات التي تجعل المسلمين رواداً قبل كولومبوس ومعه وبعده في استكشاف الأمريكتين وفي صياغة المجتمعات الأمريكية، شمالاً وجنوباً.
ومع أن الكتاب يركز على أمريكا الشمالية والولايات المتحدة بشكل خاص، فإن الفصول الأولى عامة تشير إلى الحضور الإسلامي على مستوى القارتين.
يقول المترجم إن المؤلف كان رجل دين مسيحي وعالم لاهوت، عرف المسيحية معرفة ممتازة في العمق، ثم اهتدى للإسلام فجاءت معرفته به معرفة مقارنة يصعب أن تتحول مع تلك الخلفية وما يسندها من تعليم نفسي وأكاديمي إلى مجرد دفاع عن الإسلام والمسلمين وإلباسهم غير لبوسهم.
يكشف الكتاب عن كمٍّ ضخم من التفاعل الأمريكي الإسلامي، الممتد تسلسلياً إلى حقبة ما قبل كولومبوس الذي استمر على الوتيرة نفسها إلى الآن.
يتطلع الكتاب إلى توسيع فهم الجمهور الأمريكي للدور الأساس الذي لعبه المسلمون عبر التاريخ الأمريكي. يقول المؤلف إن الأمريكيين اعتادوا أن ينظروا إلى الإسلام بوصفه ديناً غريباً وأجنبياً لا علاقة له بالأمريكي العادي أو بالمشهد الضخم والمتعدد الوجوه للتاريخ الأمريكي. غير أن تاريخ الإسلام يمكن العودة به عبر القرون لما يبدو متجاوزاً الألف عام، بحسب المؤلف، الذي يؤكد أنَّ تاريخ الإسلام في أمريكا هو، للأسف، حكاية منسية إلى حد كبير.
ووفقاً للمؤلف، فإنَّ المسلمين، سواء كانوا مستكشفين أو تجاراً أو مستوطنين، لم يكونوا وحدهم الذين جاؤوا بالإسلام إلى أمريكا. «لقد ارتفع معدل الحضور الإسلامي في أمريكا على نحو اسثنائي مع جرائم الاتجار بالعبيد بين أفريقيا وأمريكا. ابتداءً من أوائل القرن السادس عشر وحتى أوائل التاسع عشر، واستطاعت تجارة العبيد الإلقاء بملايين الأفارقة المسلمين في قيود العبودية على الشواطئ الأمريكية».
فشهد القرن التاسع عشر أول موجة من الهجرات الإسلامية الحديثة إلى الولايات المتحدة قادمة من الولايات ضمن الإمبراطورية العثمانية. أولئك المهاجرون كانوا في المقام الأول من مناطق صارت فيما بعد دولاً حديثة عرفت بسوريا ولبنان والأردن. ثم تتالت الموجات من المهاجرين المسلمين من الشرق الأوسط، وشبه القارة الهندية، وأماكن أخرى طوال معظم سنوات القرن العشرين.
ونتيجة لعاملي الاعتناق والهجرة صار الإسلام في نهاية القرن العشرين الأول نمواً من بين الأديان في أمريكا والثاني من حيث الحجم. فالمساجد والمراكز الإسلامية تنتشر في كل المدن الأمريكية تقريباً.
ينظر الكتاب إلى دلائل الحضور الإسلامي في أمريكا قبل رحلة كولومبوس الملحمية عام 1492م، كما يتفحص الدور الذي لعبه المسلمون في الحملات الاستكشافية «الإسبانية» و«الأوروبية» المبكرة للأمريكتين. ويستعرض الحضور الأساس والمؤثر للمسلمين بين الأرقاء الأفارقة الذين حضروا إلى أمريكا في أسر قاس وغير إنساني. وينظر إلى ما قدمه المسلمون للقبائل الهندية الأمريكية. ويتناول قصة الميلونجيين، تلك الجماعة غير المعروفة إلى حد بعيد والتي سكنت الأمريكتين، لعدة قرون ولها أصول إسلامية. ويقدم الكتاب، أيضاً، رؤية داخلية للرواسب الإسلامية في حياة الأفارقة الأمريكيين وثقافتهم. ويركز على دور من هاجر من المسلمين إلى الولايات المتحدة ابتداء من القرن الثامن عشر واستمراراً حتى القرنين التاسع عشر والعشرين. ويناقش الكتاب، أيضاً، ظاهرة انتشار التحول نحو الإسلام في أثناء القرن العشرين. وكذلك أحوال الإسلام والمسلمين في أمريكا المعاصرة.
تاريخ اعتناق الإسلام بين غير المسلمين في الأمريكتين يظل، وفقاً للمؤلف، غائماً في أفضل الحالات حتى نهاية القرن التاسع عشر. منذ ذلك الحين انطلق جدول متدفق من المعتنقين للإسلام من كل مجالات الحياة، ومن كل طبقات المجتمع الأمريكي، ومن خلفيات إثنية شديدة التنوع.
كما يورد الكتاب سيراً موجزة لسبعة من مشاهير الذين اعتنقوا الإسلام، من هؤلاء، كان اثنان هما :محمد أليكساندر رسل ويب، وهومر كالفن دانفبورت، وهما من أصل أوروبي، إضافة إلى ستة من الأفارقة الأمريكيين وهم: والي أكرم، مالكوم إكس، وارث دين محمد، محمد علي، كريم عبدالجبار.
في الوقت الحاضر، ربما يكون الإسلام ثاني أكبر الأديان في أمريكا. إنه، أيضاً، الدين الأسرع نمواً فيها. لكي يتضح أن الإسلام بات جزءاً أساسياً من النسيج الأمريكي، لذا ينبغي، كما يقول المؤلف، أن نلاحظ أن المؤتمرين الوطنيين للحزبين الديمقراطي والجمهوري لعام 2000م بدآ بصلوات إسلامية. تلا طلعت عثمان الافتتاح الإسلامي للجمهوريين والدكتور حتحوت قام بعمل مشابه لدى الديمقراطيين. إضافة إلى ذلك جلس ما يزيد على المائة من المسلمين مندوبين في المؤتمر الجمهوري.
ويتسم السكان المسلمون في الولايات المتحدة بالتعدد والاختلاف فيما يتعلق بالبلاد التي جاؤوا منها، وثقافاتهم الأصلية، وإثنياتهم، وأعراقهم، وفي لغاتهم الأصلية. كما يعد هذا التنوع، أحياناً، جانباً إيجابياً يتمتع بثراء ضمني للمجتمع المسلم في أمريكا إذا ما توافرت وحدة إسلامية تظلله، لكن على الجانب الآخر، ربما يؤدي التنوع إلى الانقسام والتشتت.
من هنا تلعب القبلية بين مسلمي أمريكا «دوراً خطيراً على المسلمين أنفسهم». فهذه القبلية، كما ينقل المؤلف عن تيرنيكار، قامت على ميل المسلمين الأمريكيين إلى تحديد هوياتهم على أساس الأصول القومية، والتشابهات العرقية، والوعي الإثني، بدلاً من دينهم المشترك.
معظم اللقاءات الاجتماعية بين المسلمين يمكن أن توصف بأنها ذات طابع أفرو أمريكي، جنوب آسيوي، أو عربي، فضلاً عن ذلك، ووفقاً إلى الكتاب، إذا كانت المجموعات المهاجرة كبيرة في منطقة معينة، «فإن المرء ما يلبث حتى يكتشف أن العرب يميلون إلى الانقسام الضمني إلى سوريين وفلسطينيين ومصريين وسعوديين وأن المجموعة الجنوب آسيوية تتجزأ، أيضاً، إلى مجموعات صغرى منفصلة».