المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشخصية القومية من منظور آثاري-تاريخي:دراسة حالة السودان


Eng.Jordan
11-11-2012, 01:43 PM
بروفيسور عبد الرحيم محمد خبير* (http://adabjournal.uofk.edu/Abd%20Al%20Rahim%20Khabir-Adab-No25-2007.htm#_ftn1)
قسم الآثار – كلية الآداب – جامعة جوبا

مقدمة:
السودان كتراكم ثقافي- تاريخي ظهر إلى حيز الوجود منذ آجال سحيقة في التاريخ. والمقصود بلفظ "السودان" هنا جمهورية السودان بحدودها السياسية الحالية، فضلا عن المشيخات والسلطنات والممالك التي كانت قائمة داخل هذه الحدود منذ أزمان بعيدة. وقطنت هذا القطر أقوام عديدة متنوعة الأعراق والثقافات. ورغم أن سؤال الهوية القومية في السودان: من نحن، ما هي علاقتنا بالآخر وماذا نريد أن نكون؟ قد طرح بشكل جلي منذ عهد الحكم الثنائي (الإنجليزي -المصري) وعبرت عنه أهداف كل من جمعيتي اللواء الأبيض (1924) والاتحاد السوداني أغسطس 1920 ومؤتمر الخريجين (1938-1955م). ولكن باستقراء للتاريخ نلحظ أن السودانيين استطاعوا إنشاء العديد من الممالك والدول التي قوامها خليط شتى من الأجناس والثقافات مدفوعين بأشواق الوحدة الثقافية والسياسية التي يتوقون إليها منذ عشرات القرون.
وتشهد الساحة السياسية والثقافية في السودان بعد اتفاقية نيفاشا للسلام بين الشمال والجنوب (9 يناير 2005م) تحولات وتطورات ليس لها نظير. ولعل أدق وصف لها ما ذكره أحد المثقفين السودانيين بأنها تبدو وكأنها عملية الاستقلال الثاني للسودان بعد حقبة مليئة بالانكسارات والانتصارات. وفي تقديري أن العديد من قضايا السودان سيما السياسية والثقافية و منذ قيام الدولة السودانية الحديثة في مطلع يناير 1956م ناجمة عن عدم استلهامنا لمنجزات موروثنا الحضاري في أوجه حياتنا المختلفة بشكل كاف رغم أن التجربة الحضارية في السودان متفردة وثرَّة تآلفت فيها بشكل كبير كل العناصر الإثنية (العرقية) والثقافية القابعة في أرض هذا الكيان منذ آلاف السنين.
ويطرح هذا البحث منهجاً آثارياً – تاريخياً (Archaeo-historical Approach) لدراسة الشخصية القومية من خلال الأدلة المادية التي كشفت عنها التنقيبات الآثارية والسجلات التاريخية باعتباره يمثل قراءة علمية موضوعية للإجابة عن سؤال الهوية لمجموعات سكانية تتباين وبدرجات متفاوتة جغرافيا وإثنيا وثقافيا. فهل هنالك من الشواهد الأثرية والتاريخية ما يشير بأن هذا التنوع السوداني الماثل للعيان تؤطره قواسم ثقافية و حضارية مشتركة تسمح لنا بالإقرار بوجود كيان معنوي جامع يمكن أن يسمى "الشخصية القومية السودانية" أم أن هنالك "عدة شخصيات قومية" داخل هذا الكيان السياسي المسمى بـ "السودان؟
مدخل عام:
تعتبر تعريفات الشخصية القومية من أكثر التعريفات التي تتميز بالتضارب والتعارض والغموض. بيد أن أكثر التعريفات شيوعاً تلك التي ارتبطت بنظريات الثقافة والشخصية ولعل من أهمها تعريف لنتون Linton (1) ومفاده أن مفهوم الشخصية القومية يقصد به "نمط الشخصية الذي يتميز بأكبر قدر ممكن من التكرار بين مختلف أنماط الشخصية في مجتمع محدد". ويرى يوسف سويف أن دراسة الشخصية القومية تعني "دراسة أكثر السمات الشخصية شيوعا في أي مجتمع للوصول إلى تقديم صورة مؤلفة من هذه السمات. وقد يكتفي الباحث بهذا الوصف أو يتبعه بمحاولة تفسير نشوء هذه السمات أو بدراسة مقارنة بين الشخصيات القومية في عدد من المجتمعات(2)".
وجدير بالذكر أن لدى علماء الاجتماع الثقافي تحفظاً على تشبيه الأمة بالفرد من حيث وجود سمات ثابتة للشخصية خاصة وأن مثل هذه التشبيه يتميز بالتعميم الشامل الذي لا يقبله العلم إلا إذا أحيط بتحوطات واشتراطات عديدة تؤدي إلى تضييق نطاقه(3). ويختط الباحثون في دراسة الشخصية القومية منهجين أساسيين: فهناك من يرى أن الشخصية القومية تمثل سمات مشتركة في الأفراد الذين يعيشون في وطن معين بحيث يعد كل فرد منهم نموذجا لهذه الشخصية وبحيث تنعكس على شخصيته الفردية تلك السمات التي يقال أنها سمات الشخصية القومية. وفي هذه الحالة فإننا ندرس الطابع "الفردي" للشخصية القومية. ومن وجهة نظري أن هذه النظرة لا تنطبق على الواقع السوداني لأنها تفترض تجانساً عرقياً و ثقافياً بين مجموعاته السكانية. وهناك من يرى أن الشخصية القومية يمكن أن تبحث باعتبارها شخصية معنوية – تعلو بمعنى ما على الأفراد– أي هي واحدة من تلك الكيانات الجماعية التي لا ترد إلى مجموع عناصرها بل يكون لها شبه استقلال ذاتي قياسا بالأفراد الذين يؤلفونها. نلحظ في الحالة الثانية أن الاهتمام لا يتركز على الأفراد بل على ظواهر تتسم بطابع العمومية والديمومة النسبية. بحيث تسمح لنا بوجود ذلك الكيان المعنوي المسمى بالشخصية القومية وفي هذه الحالة فإننا ندرس الطابع "القومي" الشخصية الفردية(4). ولا ريب أن هذا المدخل المنهجي الثاني هو الأكثر ملائمة لدراسة موضوع الهوية القومية في السودان لأنه يتركز على ظواهر حضارية تتسم بالعمومية مستمدة من تنوع ثقافي وثوابت حضارية حافظت على آصرة هذا القطر منذ أزمان موغلة في القدم برغم كل التحديات والمصاعب التي حلت به.
وفي تقديري أن حالة الشخصية القومية للنموذج السوداني –من منظور آثارياً- تاريخي- يمكن استبانتها في ثلاث أبعاد هي:
1. البعد الإثني (العرقي) 2. البعد الثقافي-الاجتماعي 3. البعد السياسي.
1. البعد الإثني (العرقي):
شهد السودان القديم تحركات سكانية دونما انقطاع خلال أزمان وأحقاب متلاحقة بدءاً من عصور ما قبل التاريخ وحتى فترات التاريخ المدون. وتشير الخصائص التشريحية لعظام الهياكل العظمية التي كشفت عنها الحفريات الآثارية للحضارات المختلفة التي ازدهرت في السودان و المؤرخ أقدمها إلى ما يربو عن تسعة آلاف عام إلى صفات مشتركة عديدة للمجموعات السكانية التي قطنت هذا القطر شماله وجنوبه(5). وتشير المخلفات الأثرية إلى اختلاط العناصر النوبية والزنجية والقوقازية في المنطقة الممتدة من وادي حلفا إلى الخرطوم وجنوب الجزيرة والنيلين الأبيض والأزرق(6). وتجمع المصادر الأثرية و التاريخية على وجود مجموعات سكانية متشابهة في صفاتها الجسدية وحضارتها عمرت جنوب السودان واختلطت خلال الألف الثالث قبل الميلاد وحتى بداية الألف الأول الميلادي بالمجموعات السكانية في أقاليم النيل الأزرق والأبيــض وجنــوب كردفان (7-9). ونسبة لاستمرار اختلاط الأعراق و الثقافة في السودان يصبح –كما يرى العديد من الباحثين- الحديث عن جنس معين مرتبطة بثقافة بعينها وعزله أو عزلها مما يجري من تفاعلات ثقافية-حضارية في المنطقة من وجهة النظر العلمية أو الواقعية أمراً مستحيلا(10). ولهذا أطلق علماء الأنثروبولوجيا الطبيعية صفة "السودانية" على المجموعات السكانية التي قطنت –ولا تزال- حدود السودان الحالي. وببزوغ القرن السادس عشر رسخت الخصائص السكانية للسودان كما نراها اليوم (11). وإذا كان هو الحال، يصبح الحديث عن تداخل اثني (عرقي) وتمازج واختلاط بدرجات متفاوتة وصلات قربى بين مختلف المجموعات العرقية في السودان حقيقة علمية تسندها الأدلة الأثرية والتاريخية ويؤكدها الواقع المعاش.




البعد الثقافي – الاجتماعي:
2-1 اللغة:
كان للسودانيين مشروع للنهوض الثقافي بدأت إرهاصاته منذ عهد مملكة كرمة (2500-1500 ق.م) وتبلور بشكل واضح للعيان في العهد المروي (900ق.م-350م) هدفه خلق أمة كوشية (سودانية) تتميز عن جيرانها في أفريقيا والشرق الأدنى القديم. و لعل أبرز دليل على ذلك محاولة المرويين ابتداع أبجدية خاصة بهم في القرن الثاني قبل الميلاد. ورغم التأثير المصري الذي لا تخطئه العين في مناحي الحياة السودانية المختلفة لا سيما في الجانب الديني، إلا أن النخبة المثقفة السودانية في ذلك الزمان تمكنت من ابتداع أبجدية (23 رمزاً) كتبت بها المعاملات التجارية والقانونية والأدعية الجنائزية على الحجر والمعادن والفخار وعلى ورق البردي والجلود(12).
ورغم أن هناك ظروفاً موضوعية عديدة ساعدت على التعجيل باختراع الكتابة المروية (الخط النسخي) أبرزها الانقطاع الثقافي عن مصر بعد فقدان السودانيين لسلطتهم السياسية في مصر وتقهقرهم جنوباً ليحكموا بلادهم من مروي (البجراوية) عام 663 ق.م (13). إلا أنني أميل إلى رأي مفاده أن هنالك دافعاً ذاتياً قوياً أدى إلى اختراع الكتابة وهو رغبة ثلة من الصفوة المثقفة المروية ذات الارتباط بالبلاط الملكي في الإنعتاق من إسار الثقافة المصرية الوافدة و العمل على بلورة شعور بانتماء مشترك تجسده لغة محلية مكتوبة. ولا مشاحة أن اختراع الأبجدية المروية كان انجازاً حضاريا متفرداً لا يجير فقط لأهل السودان بل لأفريقيا قاطبة. و يجدر التنويه إلى أن اللغة المروية قد وصلت إلى أعتاب الأبجدية بل وتمثل و نظيرتها الأخمينية-الفارسية مرحلة شبه الأبجدية. ويعتبرها كثير من الباحثين تقدما على الكتابات القديمة (المصرية والسومرية والبابلية والآشورية وكتابة ببلوس) في الشرق الأدنى القديم وتطويرا لخطوط من خطوطها (المصرية والسومرية)(14).
وبعد نهاية الدولة الكوشية-المروية (350م) لا تشير الأدلة الأثرية والسجلات التاريخية إلى محاولة جادة لابتداع أبجدية للتعبير اللغوي المشترك لأهل السودان. واستمر الحال على هذا المنوال طوال فترة الدويلات المسيحية (543-1504م) حيث أمدتنا الحفريات الآثارية بالعديد من المخطوطات والوثائق التي تشير إلى وضع لغوي مركب في السودان القديم يتسم بالتعددية(15). وليس أدل على ذلك من أن هذه الوثائق كتبت بلغات متعددة تشمل اليونانية والقبطية والنوبية القديمة والعربية. بيد أن ظهور الكونفدراليات الإسلامية في أواسط السودان (سلطنة الفونج) وغربه (سلطنة المسبعات والفور وتقلي) فضلا عن فترة الحكم المهدية أدى كل ذلك إلى اعتراف رسمي وشعبي باللغة العربية كأداة تواصل بين المجتمعات الثقافية في السودان منذ ذلك الزمان والى يومنا هذا رغم تخوف البعض من أن انتشار هذه اللغة ربما يؤدي إلى طمس هوياتهم الثقافية المتمثلة بشكل أساسي في لغاتهم ولهجاتهم المحلية وما تكتنزه من موروث ثقافي.

2-2 العادات والتقاليد:
ولعل من أبرز خصائص أهل السودان جميعا هو التداخل الأسري والتلاحم الاجتماعي في الأفراح والأتراح. وهذه السمة متجذرة في نفوس السودانيين كما تشير معتقداتهم في العصور القديمة. وعند مجئ الديانات السماوية (المسيحية والإسلام) عملت أيضا على ترسيخ مفاهيم الوئام والوحدة والمحبة بين الناس على اختلاف مللهم ونحلهم. وتشير الأدلة الآثارية التي ترجع إلى العهد الكوشي (المروي) (900ق.م-350م) إلى ظاهرة العائلة الممتدة (Extended Family) . وهي بالطبع تقليد سوداني صميم لم يتأثر –بشكل لافت للنظر- بالمتغيرات الاقتصادية عبر العصور بل ظل قيد الممارسة حتى يومنا هذا. فالعائلة عند السودانيين ومنذ العهد المروي كبيرة الحجم تشمل معظم الأهل والأقارب بعكس العائلة المصرية الفرعونية التي كانت تقتصر على الأبوين والأبناء. ومن الأدلة على عمق هذا التقليد وتجذره في الوجدان الجمعي لأهل السودان أن أسلافهم كانوا وثيقي الصلة بأهلهم وذويهم ليس فقط في فترة حياتهم بل وحتى الذين ارتحلوا للدار الآخرة من ذوي المكانة الاجتماعية و السياسية كانوا يذكرونهم في شواهد قبورهم ونقوشهم الجنائزية، فضلا عن طبيعة المنزل السوداني المشهور بالضيافة والكرم منذ آلاف السنين، فقد كان كبير المساحة، فأصغر منزل في العهد الكوشي- المروي كانت عدد غرفه تصل إلى خمس و أكبر المنازل ذات ست وعشرين غرفة معدة لاستقبال الأهل والمعارف والضيوف (16).
ومن العادات الجامعة لأهل السودان الشلوخ ولا تزال تمارس هذه العادة لدى العديد من القبائل السودانية في شمال وجنوب البلاد رغم انحسارها النسبي في العقود الأخيرة. وترجع هذه الممارسة إلى العهد الكوشي-المروي(900ق.م-350م) إذ تبين أنها من الممارسات المألوفة في السودان القديم. وتشير اللوحات الأثرية لأشكال زعماء (لوحة الملك المروي نتكامني و زوجته الملكة أمانيتيري في معبد الأسد بالنقعة مثالاً لذلك) وأناس عاديين تظهر على خدودهم وجباههم أنماط متنوعة من الشلوخ(17).
ومن العادات التي لا تزال مستمرة في أغلب بقاع السودان عادة استخدام السرير الخشبي (العنقريب) وحمل الموتى عليه. وترجع عادة استخدام العنقريب لحمل الموتى إلى ما يزيد عن أربعة آلاف عام إذ ترجع إلى مملكة كرمة (2500-1500ق.م) بشمال السودان حيث كان يوضع المتوفى على سرير خشبي (عنقريب) في وضع قرفصائي داخل المقبرة. وثمة إشارة هنا وهي أن العنقريب الكرمي كان يطعم أحيانا بالمايكا والعاج. واستمر استخدام العناقريب للموتى حتى العصر الحالي مع اختلاف في نوعية وكيفية استخدامها إذ اختفت عاد دفن الموتى بالأسرة واستعيض عنها بحمل المتوفى فقط على السرير (العنقريب) إلى مكان المقبرة(18).

3-2 الفنون: يعتبر الفخار من أكثر أنماط الفنون المادية التي تكشف بجلاء عن الهوية الثقافية لأصحابه. ولقد تميزت فخاريات عصور ما قبل التاريخ في السودان بأنها يدوية الصناعة وتميل في معظمها إلى اللون البني بدرجات متفاوتة كما وأن بنياتها تتراوح بين الرمل (الكوارتز) والمواد العضوية (التبن والقش). ووجدت فخاريات هذه الفترة في العشرات من المستوطنات المتباعدة جغرافيا شملت وادي النيل ومنطقة البحيرات الاستوائية وشمال أفريقيا وغربها، وربما كان ذلك بدواعي اتصال حضاري مباشر أو غير مباشر حيث أن الظروف الجغرافية المطيرة في عصر الهولوسين(Holocene) كانت مواتية للتنقل و التداخل الحضاري عبر بقاع شاسعة. وفي ظني أن القاسم المشترك الأعظم لهذه المستوطنات المنتمية لعصر ما قلب التاريخ المتأخر (حضارة الخرطوم الباكرة، 7500-5000 ق.م) هو اشتراكها في قيم و مفاهيم جمالية عبرت عن نفسها بصورة جلية في نماذج مميزة من صناعة الفخار وزخرفته بصورة متفردة، أبرزها الطراز ذو الزخرفة المتموجة المتصلة (Wavy-lines). وهذا التجانس القيمي والجمالي يعضد فرضية مؤداها أن هذه المستوطنات المتباعدة الأطراف(داخل وخارج السودان) تمثل أنموذجا لمنطقة ثقافية مشتركة بؤرتها الخرطوم خلال المرحلة المتأخرة لحقبة ما قبل التاريخ في أفريقيا(19).
وفي عهد مملكة كرمة (2500-1500ق.م) تطورت صناعة الفخار السوداني من حيث الصنعة والحرق والتشكيل والزخرفة بصورة تضاهي نظائره في أفريقيا و الشرق الأدنى القديم. وفي عهد مملكة مروي (900ق.م-350م) بلغت صناعة الفخار شأواً كبيرا حيث أنتجت مروي القديمة فخاريات متميزة تعتبر من أجود ما صنعه العالم القديم من الفخار. وخلال عهد الممالك المسيحية (543-1504م) حافظت صناعة الفخار السوداني على مستواها التقني الرفيع بفضل الاستخدام الواسع لعجلة الخزاف وبرزت أنماط جديدة من الأواني والأدوات والزخارف. أما في العهود الإسلامية فقد غلبت الأنماط المحلية على صناعة الفخار المتأثرة بتقاليد متوارثة و إن تم العثور على أنماط مستوردة من مصر و الجزيرة العربية وشرق أفريقيا(20). وتلزم الإشارة هنا إلى أن هناك تجانسا كبيرا تقنيا وثقافيا بين أقوام هذه المجموعات الفخارية في كل فترة تاريخية على حدة. وفي ذات الوقت لابد من التنويه إلى قواسم حضارية مشتركة خلال الفترات التاريخية المتعاقبة للحضارة السودانية تومئ إلى الوحدة الثقافية التي جمعت بين أسلافنا الذين أبدعوا فنون هذه الفخاريات صناعة وتشكيلا وزخرفة في كل الممالك والدول التي أقاموها في السودان القديم.
3- البعد السياسي:
محاولات السودانيين وأشواقهم نحو انتماء مشترك -وحدة في المشاعر والإرادة والمصالح- تجسده وحدة سياسية تستوعب التنوع الإثني (العرقي) والثقافي ليست وليدة اللحظة بل ترجع إلى أزمان بعيدة في التاريخ. وتشير المكتشفات الأثرية إلى أن أول المحاولات نحو بلورة نظام سياسي-اجتماعي يعمل على تنظيم العلاقات الاقتصادية و الثقافية بين المجموعات السكانية إلي قطنت السودان القديم قد تمت في حقبة ما قبل التاريخ المتأخر حيث تحولت المجموعات القبلية إلى مشيخات (Chiefdoms). وتوحدت الأخيرة في بوتقة دولة المدينة (City-State) التي تمثلها مملكة كرمة في شمال السودان (2500-1500ق.م) والتي تعتبر أول بناء سياسي مؤسسي تحت سلطة مركزية جمع السودان القديم (كوش) تحت وحدة ثقافية واقتصادية يسندها جيش نظامي دخل به المعترك العالمي. وكان لهذه الدولة السودانية الباكرة ثقلها الإقليمي في أفريقيا والشرق الأدنى القديم(21).
واتسمت الفترة التاريخية الواقعة بين نهاية دولة كوش الأولى ( مملكة كرمة) وبزوغ دولة كوش الثانية (مملكة مروي) (1500-900ق.م) بالغموض والضبابية إلى حد كبير، فلم ترفدنا التنقيبات الآثارية والسجلات التاريخية بمعلومات وافية عن الأحوال في السودان (كوش) آنذاك. و كل ما نعرفه أن السودان القديم قد دخل دائرة النفوذ المصري مرة أخرى في عهد الدولة المصرية الفرعونية الحديثة (1580-1085ق.م) ووصل النفوذ المصري إلى الشلال الرابع في عهد الملك المصري تحوتمس (1530-1520ق.م). ودخلت مصر فترة من عدم الاستقرار السياسي (1085-751ق.م) تمكن خلالها السودانيون من استعادة نفوذهم السياسي وتأسيس دولتهم الثانية (900ق.م-350م). وتعتبر مملكة مروي المحاولة الثانية لأهل السودان للوحدة السياسية حيث برزت على المسرح السياسي كدولة قوية في جنوب وادي النيل في مطلع القرن العاشر قبل الميلاد. وتمكنت هذه الدولة من دحر النفوذ الأجنبي و بناء مملكة قوية دامت ما يربو عن اثني عشر قرنا. وتعتبر مملكة مروي صورة مصغرة لسودان اليوم بتباين ثقافاته وأعراقه وأدخلت في دائرة نفوذها ما يقارب ثلثي المساحة المكونة للسودان الحديث. وتنامى نفوذ هذه الدولة في بعض فترات التاريخ لتصبح إمبراطورية تحكم وادي النيل ما يقارب قرنا من الزمان(22).
واختطت مملكة مروي مشروعا للنهوض التقني تمثل في تعدين وصهر وتصنيع الحديد. ولا يخفى علينا ما للحديد من فوائد جمة على مر العصور وفي مختلف مناحي الحياة. وأثبت الشاهد الأثري أن السودان القديم كان أول دولة أفريقية عرفت صناعة الحديد (القرن السادس قبل الميلاد) مسجلا تفوقا تقنيا على مصر الفرعونية التي لم تعرف هذه التقنية إلا بحلول القرن الرابع قبل الميلاد. ولم تقتصر صناعة الحديد على المناطق الحضرية على مقربة من النيل بل ضمت مناطق مترامية الأطراف في أواسط السودان (الجزيرة) وجنوب شرق البلاد (جبل موية)، فضلا عن أقاليم غرب السودان (كردفان و دارفور) مما يومئ إلى أن صناعته كانت تمثل ظاهرة مجتمعية في السودان القديم. ولم تقتصر صناعته على الأسلحة للجيوش الملكية المروية بل شملت مستلزمات حياتية عديدة من بينها أدوات زراعية وجراحية مجلفنة لحمايتها من الصدأ (23).
وتشير المخطوطات والأدلة الأثرية إلى أن انهيار دولة كوش الثانية (مروي) أدى إلى تشظِّي وتشرذم البلاد لفترة دامت قرنين ونيفا من الزمان انفرط خلالها عقد الدولة المركزية. وبنهاية هذه الفترة برز نموذج الدولة الثيوقراطية (Theocratic-State) ممتثلا في ظهور الممالك المسيحية الثلاث (نوباتيا في أقصى الشمال وتمتد من أسوان إلى أقرب الشلال الثالث وعاصمتها فرس، والمغرة التي تحتل المنطقة الممتدة من قرب الشلال الثالث إلى الأبواب (كبوشية الحالية) وعاصمتها دنقلا العجوز في حين أن مملكة علوة وعاصمتها سوبا جنوب الخرطوم تشمل منطقة شاسعة تمتد من الأبواب (كبوشية) شمالا الى القطينة على النيل الأبيض جنوبا كما ضمت أجزاء من عطبرة والنيل الأزرق حتى الحدود الأثيوبية وبعض جهات دارفور وكردفان) (24). وتوحدت المملكتان الشماليتان (نوباتيا والمغرة) –في وقت غير معروف على وجه الدقة- في مملكة واحدة عرفت باسم "المغرة" وحاضرتها دنقلا العجوز وذلك لتأمين حدودها الشمالية ومواجهة أي غزو عسكري من مصر التي خضعت للحكم الإسلامي في الثلث الأول من القرن السابع الميلادي.
واستمر نموذج الدولة الثيوقراطية حتى بعد انهيار الممالك المسيحية وظهور دولة الفونج في مطلع القرن السادس عشر بسبب التحالف بين الفونج والعرب (العبدلاب) في أواسط السودان والذي أدى إلى زوال مملكة علوة وتكوين مملكة الفونج (السلطنة الزرقاء) التي امتد نفوذها من دنقلا شمالا إلى فازوغلي جنوبا ومن البحر الأحمر (سواكن) شرقا إلى النيل الأبيض غربا. وكانت هذه المملكة تمثل أقوى وحدة سياسية ظهرت في السودان في العصر الوسيط. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الدولة كانت تمثل اتحادا طوعيا أو كونفدراليا للعديد من المشيخات أبرزها العبدلاب (عاصمتها أربجي)، الجعليين (شندي)، الميرفاب (بربر)، الرباطاب (أبو حمد)، المناصير (سلمات) والشايقية (مروي)، فضلا عن مشيخات أخرى أصغر حجما في كل من ضفر ودنقلا والخندق وأرقو. واتحدت كل هذه المشيخات والوحدات القبلية تحت نفوذ دولة الفونج بهدف حماية القوافل وتجارة العبور (Transit) وترقية التجارة الداخلية وتوفير الأمن ضد الغزوات الخارجية(25). ولا شك أن قيام دولة الفونج كان إيذانا ببداية مرحلة جديدة من تاريخ السودان السياسي والاجتماعي والثقافي. ورغم ظهور بعض الممالك الإسلامية الأخرى في أجزاء أخرى من السودان مثل دولة المسبعات (1559-1821م) ودولة تقلي (1570-1927م) ودولة الفور (1640-1874م، 1898-1916م) إلا أن دولة الفونج تعتبر أكبر هذه الممالك وأكثرها منعة وتأثيراً على مجريات السياسة الإقليمية حيث امتد ظل سلطانها على عدد من المشيخات تشمل منطقة شاسعة تمتد من دنقلا شمالا إلى سنار جنوبا ومن البحر الأحمر (سواكن) شرقا إلى النيل الأبيض غربا كما ضمت أجزاء من إقليم كردفان . ورغم نجاح دولة الفونج في إقامة دولة كونفدرالية تشمل عددا من المشيخات السودانية، إلا أن محاولاتها لإقامة كيان سياسي عريض يضم، فضلا عن ذلك، الممالك الإسلامية الثلاث في غرب البلاد (المسبعات وتقلى والفور) قد جانبها التوفيق (26).
وشهدت فترة الحكم التركي-المصري (1821-1885م) بزوغ أول وحدة سياسية للسودان الحديث بالرغم أن الهدف الأسمى من ضمه للدولة العثمانية كان استعمارياً-اقتصادياً. بيد أن قيام حكومة مركزية في ذلك العهد بسطت سلطاتها على أغلب المناطق التي كانت تحت حكم المشيخات والسلطنات السودانية كان إيذانا ببداية مرحلة جديدة من تاريخ السودان الحديث. وفشلت الدولة التركية في حكم البلاد بسبب طبيعتها الاستغلالية و قهرها للشعب السوداني.
ويجدر التنويه إلى أن ذلك التغيير السياسي في العهد التركي-المصري (1821-1885م) متمثلا في الواجهة السياسية (نظام استعماري-اقتصادي) وفرض سلطة الدولة المركزية على معظم أجزاء السودان الذي كانت تتقاسمه العديد من السلطنات والمشيخات (الفونج والمسبعات والفور وتقلى وغيرها) لم يترافق مع تغيير جوهري في بنية الشخصية السودانية التي حافظت على اتساقها وانسجامها بشكل كبير حتى بعد زوال سلطتها الوطنية. وكان للدور الذي لعبه رجال الطرق الصوفية الذين كانوا ينتقلون بين أرجاء الأقاليم السودانية وما لهم من أنصار ومريدين أثر كبير في الحفاظ على درجة عالية من التناغم الثقافي بين معظم شرائح المجتمع السوداني. وقد تجلى هذا الانسجام الثقافي والتوافق الروحي بين المجموعات السودانية في بزوغ الثورة المهدية (1881-1885م) التي تمثل نظاما ثيوقراطياً استند على تعاليم إسلامية متشحة بروح وطنية(27).
وتمكنت الثورة المهدية (1881-1885م) من استقطاب الكيانات السودانية التي تضررت من نظام الحكم التركي-المصري. ولم يقتصر تأثير المهدية الفكري على شمال السودان بل تعداه إلى جنوب البلاد كما يتبدى ذلك في دمج الدينكا أكبر قبائل الجنوب لفكرة المهدية العربية-الاسلامية في تراتيلهم وصلواتهم(28). ونجح المشروع الأيديولوجي للثورة المهدية في تحرير السودان من نير الحكم الأجنبي وإقامة دولته الوطنية. غير أن حقبة المهدية تميزت بعدم الاستقرار السياسي والحروب الخارجية سيما في أخريات عهدها. وأدى كل ذلك إلى إنهاك مفاصل الدولة التي فشلت في حماية حدودها مع دول الجوار حيث مالت هذه الحدود إلى التناقص وانعدام الفعالية بسبب عدم وضع حاميات بها بشكل دائم فكانت الثغرة التي نفذ منها الغزو الانجليزي-المصري للسودان عام 1898م واضعا النهاية للدولة السودانية الرابعة.(29).
دخل السودان في عهد الحكم الثنائي (الانجليزي-المصري) عام 1898م مرحلة جديدة من تاريخه الحديث حيث استطاعت الدولة الاستعمارية (Colonial State) أن تفرض مشروعها السياسي والثقافي على أهل السودان، إلا أنها لم تستطع أن تمحو أو تذيب النظم والثقافات المحلية للمجموعات السودانية وربما عملت على إحيائها في بعض الحالات. ومن جهة أخرى، لم تفلح هذه الدولة في إحكام قبضتها على الأراضي السودانية بصورة نهائية وكاملة، إذ أن المعارضة والثورة استمرت لفترة طويلة إلى أن تحقق الاستقلال في غرة يناير 1956م(30). وقامت الدولة السودانية الحالية في حدود الممالك والسلطنات السودانية القديمة وتلك التي رسمها الحكم الأجنبي وفق مواثيق ومعاهدات دولية.

الخلاصة:
ومما تم إيراده آنفا يلحظ أن هنالك قواسماً ثقافية و حضارية مشتركة في اللغة والعادات والتقاليد وأشواق الوحدة السياسية لأهل السودان جميعاً. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن هنالك شعورا بالانتماء المشترك لسكان السودان منذ القدم. وليس أدل على ذلك من مشاريع النهوض الحضاري (ثقافيا وتقنيا وسياسيا) والتي كشفت عنها الحفريات الآثارية والسجلات التاريخية و التي لا تجترحها إلا أمة تشعر بتمايز عن غيرها من الأمم. وهذا بالطبع لا يتأتى إلا ببلوغ الحد الأدنى من التجانس الثقافي والحضاري الذي يسمح بالإقرار بوجود كيان معنوي جدير أن يسمى ب "الشخصية القومية" بغض النظر عن الولاءات العرقية والجهوية والأيديولوجية، وهذا ما كان من شأن السودان منذ عشرات القرون.

الهوامش

1- Linton, R.1964. The Cultural Background of Personality. N.Y. Appleton Century-Crofts.
2- سامية حسن الساعاتي، الثقافة والشخصية: بحث في علم الاجتماع الثقافي (بيروت، دار النهضة العربية، 1983م) ص251-252.
3- انظر: فؤاد زكريا، آراء نقدية في مشكلات الفكر والثقافة (القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1975م) ص163.
4- المرجع نفسه، ص165.
5- أحمد محمد على الحاكم، هوية السودان الثقافية: منظور تاريخي (الخرطوم، دار جامعة الخرطوم للنشر، 1990م) ص31-32.
6- نفس المرجع والصفحات.
7- P. Robertshaw, and Ari Siiriainen 1985. “Excavations in Lakes Province, Southern Sudan”, in: Azania, vol.20; 141-148.
8- E. Kleppe, 1982. “The Debbas on the White Nile, Southern Sudan”, in: Culture History in the Southern Sudan. (J.Mack and P.Robertshaw, eds) Memoir No. 8 of the British Institute in Eastern Africa, pp. 59-70.
9- أحمد محمد على الحاكم، 1990، مرجع سابق، ص 32-33.
10- عمر حاج الزاكي، "عوامل الاستمرارية والتغيير في ملامح الثقافة السودانية: منطقة وادي النيل الأوسط (النموذج السوداني)"، دراسات أفريقية، مركز البحوث والدراسات الأفريقية، جامعة أفريقيا العالمية، العدد الثالث والعشرون، يونيو 2000م، ص59.
11- أحمد محمد على الحاكم، 1990م، مرجع سابق، ص 32-33.
12- المرجع نفسه، ص52-53.
13- محمد إبراهيم بكر، تاريخ السودان القديم ( القاهرة، مكتبة الأنجلومصرية، 1971م) ص136.
14- عبد القادر محمود عبد الله، اللغة المروية: الجزء الأول (الرياض، مطابع الملك سعود، 1986م) ص 155-158.
15- عبد الرحيم محمد خبير، "المنجزات الفكرية والتقنية للحضارة السودانية"، مجلة جامعة جوبا للآداب والعلوم، العدد الرابع، يوليو 2005م، ص18.
16-A.M.Abdalla, 1978. “Meroitic Civilization: Its Mediterranean Contacts and Africanness”, Afrique Noire et Monde Mediterranean dans I ‘Antiquité’, Dakar: 155-158.
17- أحمد محمد على الحاكم، "النوبة وتاريخ السودان القديم" آداب، مجلة كلية الآداب، جامعة الخرطوم، العدد الرابع، 1981م، ص98-99.
18- أحمد محمد على الحاكم وشارلس بونيه. كرمة مملكة النوبة، تراث أفريقيمن عهد الفراعنة (ترجمة صلاح الدين محمد أحمد) (الخرطوم، شركة دار الخرطوم للطباعة والنشر والتوزيع، 1997م) ص81، 187.
19- عبد الرحيم محمد خبير 2005م، مرجع سابق، ص11.
20- المرجع نفسه، ص11-12.
21- عبد الرحيم محمد خبير، "نشوء الدولة السودانية: منظور آركيولوجي-تاريخي" دراسات أفريقية، مركز البحوث و الدراسات الأفريقية، جامعة أفريقيا العالمية، العدد الثامن والعشرون، ديسمبر 2002م، 26-27.
22- المرجع نفسه، ص27.
23- عبد الرحيم محمد خبير، "السودان القديم: بداية صناعة الحديد في أفريقيا"، أدوماتو (المملكة العربية السعودية)، العدد الأول، يناير 2000م، ص42-49.
24- عبد الرحيم محمد خبير 2002م، مرجع سابق، ص 27-28.
25- المرجع نفسه، ص28.
26- المرجع نفسه، ص 29-35.
27 المرجع نفسه، ص 35-36.
28-انظر: حيدر إبراهيم على، "السودان والوحدة العربية: خصوصية الدور والانتماء"، المستقبل العربي، السنة الثامنة، العدد الرابع و الخمسون، أغسطس 1983م، ص84.
29- عبد الرحيم محمد خبير 2005، "النزاعات الحدودية بين السودان والدول المجاورة (2500ق.م-1956م) منظور آركيولوجي-تاريخي"، مقال غير منشور، ص 19-20.
30- عبد الرحيم محمد خبير 2002م، مرجع سابق، ص36.



* (http://adabjournal.uofk.edu/Abd%20Al%20Rahim%20Khabir-Adab-No25-2007.htm#_ftnref1) رئيس قسم الآثار وعميد كلية الآداب، جامعة جوبا.