المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفاعل الرحالة المغاربة و الأندلسيين مع الوسط الثقافي المصري خلال القرون الوسطى


Eng.Jordan
11-11-2012, 02:29 PM
بقلم : أ – فقيقي محمد الكبير – جامعة بشار – الجزائر
-توطئة :
الرحلات بأصنافها المتعددة من أوثق المصادر التاريخية المعتمدة حاليا في الأبحاث و الدراسات الأكاديمية المعاصرة، لأن الرحالة يصور المظاهر والأحداث بالمعاينة الميدانية، فينقلها على طبيعتها، مما يمكننا من مقارنة ذلك بالمصادر الموازية والمتقاطعة مع الرحلة زمنيا و مكانيا، فتصبح نتائج البحث والدراسة أقرب إلى العلمية والموضوعية.
والرحلة الحجازية للمغاربة عبر مختلف مراحل تاريخ العالم الإسلامي تناولت جوانب هامة من ذلك التاريخ ، وهي جوانب لم تحظ بتغطية وافية من طرف المصادر الأخرى،فتناولتها الرحلة الحجازية باستعراض أدق التفاصيل ، لاسيما ما يتعلق بالأحوال الثقافية ،لان الرحلة الحجازية كانت دينية بالأساس من جهة ، لأداء فريضة الحج ، ومن جهة أخرى كانت علمية ، لاستكمال التحصيل العلمي .
-أهمية مصر بالنسبة للرحالة :
حرص فريق من الرحالة والحجاج والمسافرين على التوقف في بعض الأقطار الإسلامية للغرض الديني والعلمي ، خاصة في البلاد المصرية ،بل إن بعض الرحالة والعلماء المغاربة قضوا ما بقي من حياتهم في مصر، لهذا وقع اختيارنا على مصر من جملة البلاد الإسلامية التي مر عليها الرحالة فضلا عن الاعتبارات التالية :
- موقع مصر الاستراتيجي في الطريق بين بلاد المغرب و الحجاز، بالنسبة للرحالة والحجاج ذهابا و إيابا.
- المكانة العلمية و الحضارية التي تتمتع بها مصر.
- وجود بعض المصادر المكملة للرحلات .
- تخصيص الرحالة لحيز معتبر من رحلاتهم للقطر المصري.
- العلاقات التاريخية و الحضارية المترسخة بين مصر و بلدان المغرب.
-الصبغة العلمية للرحلات الحجازية :
لقد كان الغرض الديني المتمثل في أداء فريضة الحج وزيارة الآثار المقدسة المحور الرئيسي في رحلات المغاربة إلى المشرق، إلا أن حرص هؤلاء الرحالة على التوقف بمصر لمدة طويلة، أو الاستقرار بها نهائيا ، كانت له دوافع علمية بالدرجة الأولى، إذ أن مجموعة من الرحالة قضوا ما بقي من حياتهم في مصر أمثال ابن جبير و ابن خلدون وغيرهما...
اختلف المضمون العلمي لهذه الرحلات حول مصر، فرحلة ابن جبير كانت وصفية، شبيهة بمذكرات يومية، شاملة لمختلف الفنون و العلوم، و رحلة الإدريسي كانت جغرافية في الأساس، أما رحلة التجيبي فقد تمحورت حول العمارة المصرية،وترجمت لمجموعة من علماء مصر(1) ، و كذلك رحلة البلوي هي الأخرى لا تخرج عن هذا الإطار، فكلما دخل البلوي مدينة أو نزل منزلا من المنازل إلا و ذكر من لقيهم من العلماء و ما أخذه عنهم و إجازتهم له. أما الرحلة التي يمكن تصنيفها كموسوعة علمية فهي رحلة ابن سعيد، باعتبارها نموذج للتواصل الثقافي بين المشرق و المغرب (2). بينما الرحالة ابن بطوطة رغم كونه أكثر الرحالة احترافا لفن الرحلة، إلا أن عاطفته الدينية القوية جعلته يقدم تفاصيل حول كرامات بعض العلماء والأولياء، أكثر من اهتمامه بالنواحي العلمية الأخرى. أما العبدري فإن ثقافته الأدبية واللغوية جعلته يهتم أكثر باللهجات التي صادفها في طريق مصر إلى الحج، و اعتبر لغة عرب برقة الأقرب إلى اللغة العربية الفصحى (3).
-الأثر العلمي للرحالة :
من هؤلاء الرحالة، من جلس للتدريس بمصر مثل ابن خلدون الذي يقول عند دخوله القاهرة: "و لما دخلتها أقمت أياما، و أنتال علي طلبة العلم بها، يلتمسون الإفادة مع قلة البضاعة، و لم يوسعوني عذرا، فجلست للتدريس بالجامع الأزهر." (4) ونظرا لسعة علمه فقد عينه سلطان مصر مرتين في منصب القضاء.
وبرز من رحالة المغرب الأوسط، الذين زاروا مصر خلال القرن التاسع الهجري، الخامس عشر الميلادي أبو عصيدة البجائي (5) ، حيث اتصل في مصر بالعالم أبي الفضل المشدالي (6). و كانت بينهما مراسلات و مناقشات علمية و فقهية، و هذا النوع من الرحلات، هي رحلات علمية فحسب ، لم تهتم بالجــوانب الأخـرى الاجــتماعية والاقتصادية، مثل رحلة أبي مروان الباجي الأشبيلي، الذي كانت رحلته إلى مصر عام 635هـ / 1237م. (7) وكذلك رحلة محمد المجاجي الجزائري خلال القرن السادس عشر الميلادي (8)، و هي من الرحلات المنظومة.
-إشادة الرحالة بالمؤسسات الثقافية المصرية :
أهتم الرحالة المغاربة بوصف المؤسسات العلمية و الآثار العمرانية المصرية، و في مقدمتها المدن القديمة منها و الحديثة، فمن أقدم المدن التي وصفها الرحالة الفسطاط (9). فالإدريسي يقدم لنا وصفا دقيقا لها فهي متقنة البناءات، فسيحة الطرقات، (10) و لكن في أوائل القرن السابع الهجري، ينقل لنا ابن سعيد صورة معاكسة لما قدمه الإدريسي عن الفسطاط، فيصفها بقوله: " . . . و لما أقبلت على الفسطاط أدبرت عني المسرة، وتأملت أسوارا مثلمة سوداء . . . تفضي إلى خراب معمور بمبان مشتتة الوضع، غير مستقيمة الشوارع . . . " (11) و هذا ما يشير إلى اندثار معظم معالم المدينة في عصر ابن سعيد، و في المقابل يشيد بالمدينة الجديدة القاهرة المعزية الفاطمية ، فهي أكبر عمارة واحتراما و حشمة و أجلّ مدارس و أضخم خانات (12) من الفسطاط. (13)
لقد حظيت مدينة الإسكندرية باهتمام بالغ لدى الرحالة، باعتبارها محطة أساسية في الطريق إلى الحجاز و الحج، فاستفاضوا في وصفها خاصة عند حديثهم عن المنارة العجيبة و عمود السواري، (14) و يتضح من نص ابن بطوطة أوائل القرن الثامن الهجري، أن عمارة المنار بدأت تتداعى، مما جعل السلطان الناصر قلاوون يأمر بإغلاقه(15).
أما وصف الرحالة للمساجد و نشاطها العلمي و الديني فلا يمكن حصره، إلا أن المسجد الذي كانت له أهمية لدى المغاربة فهو جامع ابن طولون الذي تأسس عام 263هـ / 876م، لأنه كان مخصصا منذ العهد الأيوبي لإيواء الفقراء من الحجاج المغاربة، حيث خصص السلطان العادل صلاح الدين للمغاربة فيه طعاما يصرف لهم. (16) و بالجامع الأزهر خصص رواق عرف برواق المغاربة لاحتضان طلبة العلم منهم (17) ولا يزال هذا الرواق قائما إلى الآن.
اشتهرت مصر بكثرة المدارس، اشهرها المدرسة الناصرية (18) التي أنشأها السلطان صلاح الدين بجوار ضريح الإمام الشافعي رضي الله عنه ، زارها ابن جبير و ذكر أنها من أوسع المدارس و احفلها بناءا و أن النفقة عليها لا تحصى. (19)
لقد كانت المدارس من كثرتها تجعل الرحالة يحتارون في وصفها كما يقول ابن بطوطة " و أما المدارس بمصر فلا يحيط أحد بحصرها لكثرتها " (20)
سجل الرحالة دور المرأة في العصر المملوكي في الحياة العلمية، إذ كانت تشارك الفقهاء في وظيفة التدريس، و يشـــير إلــــى ذلك الرحــالة المغربي ابن رشيد بقوله: " . . . و ممن لقيناه أيضا بالقاهرة المعزية، الشيخة الصالحة أم الفضل زينب بنت الإمام أبي محمد عبد اللطيف بن يوسف . . . قرأت علــيها جــزءا من حديث ابن إسحاق . . . " (21)
و من المؤسسات التي كانت تكتسي طابع علمي و ديني و اجتماعي في الوقت نفسه الخوانق أو الزوايا، باعتبارها مركز للإيواء و الإطعام و التعبد و التعلم. بدأت تنتشر هذه الزوايا في مصر منذ العهد الأيوبي، و كانت تعرف بالمحارس على حد تعيير ابن جبير، أثناء حديثه عن مناقب مدينة الإسكندرية، إن من مفاخرها كثرة المدارس و المحارس الموضوعة لأهل الطب و التعبد. (22) و في العهد المملوكي عرفت بالخوانق، بينما أهل المغرب يعرفونها باسم الزوايا. (23)
كانت الزوايا بمصر كثيرة لأن الأمراء يتنافسون في بنائها، و كان لكل زاوية بمصر طائفة معينة من طوائف المتصوفة و الفقراء، و أكثرهم من الأعاجم، ولكل زاوية شيخ و حارس، و ترتيب أمورها عجيب. (24)
-استخلاص :
مما تقدم يمكن اعتبار الرحلة الحجازية و العلمية للمغاربة (25) مدرسة جديدة في التاريخ المصري، و تاريخ المشرق عموما. كما يبدو أن الرحلة الاستطلاعية الاستكشافية المغربية، التي مثلها الحسن الوزان (26) منذ بداية القرن السادس عشر الميلادي، شكلت تطورا هاما في مسار الرحلة المغربية، بانتقالها من المنهج الوصفي الذي أسسه ابن جبير إلى منهج يعتمد على دراسة دقيقة لمختلف النواحي و النظم، و لكن بعد الوزان لم نسجل ظهور رحلات مغربية بنفس الأهمية، حيث تقلص نشاط الرحالة و إنتاجهم، ثم لا نلبث حتى نلمس انتعاشا لفن الرحلة المغربية مع بداية القرن السابع عشر الميلادي .


الهوامش

1- قدم تراجم مفصلة لعشرة أقطاب من علماء مصر و في مقدمتهم الفقيه المالكي تقي الدين بن دقيق العيد: مستفاد الرحلة و الاغتراب، تحقيق عبد الحفيظ منصور، ليبيا، تونس، الدار العربية للكتاب، 1395هـ - 1975م، من ص، 16، إلى ص، 143.
2- ألف في هذا الموضوع: الأنصاري، محمد جابر، التفاعل الثقافي بين المغرب و المشرق في آثار ابن سعيد المغربي، دار الغرب الإسلامي ، بيروت، ط1. 1992.
3- العبدري، محمد بن محمد، الرحلة المغربية، تحقيق أحمد بن جدو، كلية الآداب الجزائرية مطبعة البعث، قسنطينة، بدون تاريخ ص، 81.
4- ابن خلدون، الرحلة، ، تحقيق محمد بن تاويت الطنجي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2004،ص، 201.
5- ليست له ترجمة في كتب التراجم المعروفة، و لكنه كان معروفا لبعض علماء تونس و مصر و الحجاز والشام في عصره، نشر رحلته الأستاذ، أبو القاسم سعد الله بعنوان " رسالة الغريب إلى ******"، دار الغرب الإسلامي، ط1، بيروت، 1993.
6- البجائي، أبو عصيدة، رسالة الغريب إلى ******، ص، 46.
7- -الباجي، الأشبيلي، أبو مروان، الرحلة إلى المشرق، نشر، محمد بن شريفة، كتاب دعوة الحق، العدد الخامس، مطبعة فضالة، المحمدية، المغرب، 1999، ص ص، 40، 41.
8- رحلة، مخطوطة بالمكتبة الوطنية الجزائرية، تحت رقم: 1564، في إحدى عشر ورقة، ترجم للمجاجي: الحفناوي، أبو القاسم، تعريف الخلف برجال السلف، موفم للنشر، الجزائر، 1991، ج2، ص 279. ذكر أنه توفي قتيلا عام 1002هـ / 1594م، ينظر كذلك: موسوعة العلماء و الأدباء الجزائريين، ط1، دار الحضارة، الجزائر، 2003، ص، 69.
9- أول مدينة إسلامية بمصر، اختطها القائد عمرو بن العاص، بعد فتحه لمصر عام 20
10-الإدريسي،ابو عبد الله الشريف ، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"، الجزء الخاص بإفريقيا و الأندلس، تحقيق إسماعيل العربي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1983 ، ص ص، 224، 225.
11-ابن سعيد، النجوم الزهراء في حلى مصر و القاهرة جزء من كتاب "المغرب في حلى المغرب"، تحقيق حسين نصار، دار الكتاب، القاهرة، 1970 ص، 191.
12-الخان: كلمة فارسية، و هي مكان مبيت المسافرين، تعرف حاليا بالفنادق، ينظر إلى، الكحلاوي محمد، آثار مصر الإسلامية في كتابات الرحالة المغاربة و الأندلسيين، الدار المصرية اللبنانية القاهرة، ط1، 1415هـ / 1994م ، ص، 143.
13-ابن سعيد، النجوم الزهراء في حلى القاهرة، ص،26.
14-وصفه = الإدريسي، نزهة المشتاق . . . ، ص، 319.
= ابن جبير، الرحلة، دار صادر، بيروت، بدون تاريخ ،ص ص، 14، 15.
= العبدري، الرحلة المغربية، ص ص، 83، 84.
= ابن بطوطة، الرحلة، دار صادر، بيروت، 1384هـ - 1964 ص ص ص، 20، 21، 22.

15-ابن بطوطة ، الرحلة ، ص، 22.
16-ابن جبير، الرحلة، ص، 26.
17-الكحلاوي محمد، آثار مصر الإسلامية . . . ص، 16.
18-حول هذه المدرسة، ينظر: المقريزي، تقي الدين أحمد، المواعظ و الاعتبار بذكر الخطط و الآثار، ج2، مطبعة بولاق، القاهرة، 1294هـ، ص، 382.
19-ابن جبير، الرحلة، ص ص، 22، 23.

20-ابن بطوطة، الرحلة، ص، 37.
21-ابن رشيد، محمد بن عمر الفهري السبتي الأندلسي، المتوفي عام 721هـ / 1321م ملء العيبة فيما جمع بطول الغيبة في الوجهتين الكريمتين إلى مكة و طيبة، ج3، تحقيق محمد ****** بن الخوجة، الشركة التونسية للتوزيع والنشر، تونس، بدون تاريخ، ص، 319.
22-ابن جبير، الرحلة، ص، 15.
23-ابن بطوطة، الرحلة، ص، 37.
24-المصدر نفسه، ص، 38.
25-من الدراسات التي قدمت حول الرحلة الحجازية العلمية المغربية:
= عبد العزيز بن عبد الله، الرحلات من المغرب و إليه عبر التاريخ، دار نشر المعرفة، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، المغرب، ط1، 2001، من ص، 47 إلى، ص، 59.
= عواطف محمد يوسف نواب، الرحلات المغربية و الأندلسية، مصدر من مصادر تاريخ الحجاز في الفرنين، 7هـ و8هـ، الرياض، 1417هـ - 1996م، رسالة ماجيستر في التاريخ الإسلامي من جامعة جدة (السعودية)، ص، 29.
26- بلحميسي مولاي، الجزائر من خلال رحلات المغاربة في العهد العثماني، الشركة الوطنية للنشر و التوزيع، الجزائر، ط2، 1981، ص، 11.